فيما تواصل السلطات السورية حجب العديد من مواقع الانترنت، وتراقب بعض البوابات الممنوعة، معرّضة اصحابها للمساءلة أو الاعتقال احيانًا، ينتشر أكثر من 300 محل في دمشق توفر خدمة الانترنت، حيث يرتادها شباب جامعيون موظفون ودبلوماسيون. وفيما يعتبر بعضهم ان تلك المقاهي تشكل مناسبة للتعارف والتواصل، يرى بعضهم الآخر أنّها مصدر للعولمة وكأنها مكتبة. إلا أنّ السوريين يجمعون على أنّ الارتفاع الكبير في الأسعار لا يناسب دخل الفرد العادي.
دمشق: لم يعد مشهد انتشار زبائن المقاهي الحديثة في دمشق وهم يستخدمون كومبيوتراتهم المحمولة حدثًا يثير الانتباه، لأن هذا المشهد بات هو المألوف بعد سنوات من انطلاق مقاهي العولمة، إثر الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي الذي بدأته سوريا منذ سنوات بانتظار انضمام الانفتاح السياسي إلى المشهد العام .
وبات هذا المشهد الذي يستقطب معظم جيل الشباب الجامعي أو ما دون عمرهم بقليل وشريحة اجتماعية أخرى من موظفين في قطاع الشركات الكبيرة كالمصارف والتأمين او شركتي الهاتف النقال وبعض من شركات الميديا، وبالتأكيد العائدين من الاغتراب ومعظم الدبلوماسيين الاجانب والعرب.
وتشير الاحصاءات شبه الرسمية إلى أن أكثر من 300 مقهى او سناك منتشرة في العاصمة توفر خدمة الـ wireless في شتى أنحاء المدينة، وقد باتت ملاذًا لاستقطاب آلاف الزبائن الذين يدفعون بالعملة السورية ثمنًا لفنجان قهوة يوازي ما يدفعه أي مواطن في باريس أو روما أو أمستردام.
ويبدو أن الشبيبة خاصة تجد ملاذًا خاصًّا في تلك المقاهي، يخرجها من واقعها الذي تعيش فيه على مدار الساعة. ويقول سامر الاوس، طالب في السنة الثالثة في كلية الهندسة، إنه يشعر بإنسانيته في تلك المقاهي.
يقول سامر: "اشعر بإنسانيّتي كثيرًا عندما ارتاد هذه المقاهي لأن كل شيء فيها يوحي بحرية الاختيار والحركة واحترام الآخر. أعتقد أنّه نوع من الوعي الحضاري ثم ان هناك عدة خيارات منها من حيث ما تقدمه من مشروبات ومأكولات سريعة وهي نظيفة جدًّا، وتسمح اجورها أن تكون صلة وصل بيني وبين العالم من خلال خدمة الانترنت وبيني وبين عملي اذا كنت على اتصال دائم معه، فضلاً عن أنها تحول المكان إلى مصدر للمعلومات وكأنه مكتبة.
ويرى سامر أن ذلك "جزء مهم من الحرية الشخصية"، مضيفًا "لم يعد الامر كالسابق مجرد شاي وقهوة وزهورات وروائح كريهة أو أوامر فرض من النادل العبوس".
وبيدو أن ثمة من لا يشاطر سامر وجهة نظره حول هذا الموضوع، فيرى بعضهم أن هذه المقاهي غالية بشكل غير منطقي وقد أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار كل السلع الأخرى. كما ينتقد بعضهم هذه المقاهي بسبب ما اسموه "حرية زائدة" للشباب فيها.
تقول سمر محمد إن هذه المقاهي "جلبت لنا الغلاء والحرية الزائدة للشباب والشابات، وكثيرًا ما وجدت اثنين يتمددان بقرب الآخر على الاريكة ويشاهدان افلامًا او يعملان معًا على جهاز كومبيوتر بحجة انهما متحضران".
وتضيف الشابة السورية التي تخرجت قبل عام من كلية اللغة العربية ووجدت عملاً في احدى المدارس الخاصة والحديثة في دمشق "أنا لا اقول انها ليست مقاهي جيدة لكن علينا ان نستفيد من ايجابياتها مثل خدمة الانترنت او حرية التصرف بما لا يؤذي مشاعر الآخرين" .
يقول مشهور عباس وهو نادل في مقهى كنوسبر السلسلة الالمانية العالمية التي افتتحت فرعًا لها في دمشق أخيرًا: "الزبائن انواع لكن معظمهم يتمتع بقاسم مشترك هو البحث عن الحرية العامة او الخاصة كاسلوب للعيش او طريقة تفكير. انا اعرف ذلك من خلال علاقتي القوية مع الزبائن هم يتحدثون إلي، وانا اسمع منهم دومًا واسألهم من باب اللطف والاهتمام عن احوالهم وصحتهم فيبدؤون الحديث... يريدون عالمًا خاصًا بهم أو ربما هي ساعات الجلسة المسترخية التي يريد المرء قول ما لديه كنوع من المنولوج الداخلي".
وفي سوريا عشرات من مواقع الانترنت، قلة منها متخصص في السياسة وبعضها في الاقتصاد أو المجتمع ومؤخرًا اطلقت مواقع باللغة الانكليزية.
ويجد زوار دمشق من الأجانب والعرب ضالتهم في هذه المقاهي الجدية، كما يعتمدها الدبلوماسيون المعتمدون في سوريا، كمكان للقاء مع أقرانهم وتبادل الآراء، وتناول وجبات تذكرهم بوطنهم.
وينشر هؤلاء الدلبوماسيون في المقاهي المتمركزة في أحياء أبو رمانة والمالكي العريقة، ويتجهون أحيانا إلى حي المزة الراقي الحديث.
ويرى وسيم قات وهو مهندس تقني أن هذه المقاهي وفرت الاجواء المفتوحة التي تتيح له التعرف "إلى كثير من الصبايا في هذه المقاهي وهو الامر الذي لم يكن سابقًا متاحًا بهذه الطريقة للقاء بين الشباب والشابات ، اعتقد انني افضلها ايضًا لانها اماكن بلا جدران لكنها بالتأكيد غير متناسبة مع دخل المواطن السوري".
ويشرح الموسيقي السوري المعروف معن خليفة الذي يعتبر من ابرز عازفي وملحني اعمال الفرقة السمفونية السورية وجهة نظره حول الموضوع بقوله ان ما يميز الحياة الثقافية الفرنسية على سبيل المثال هو مفهوم المقهى اعرف ذلك لأنني اقمت في فرنسا لسنوات قبل ان اعود الى دمشق وتعرفت عن قرب على مفهوم المقهى حيث أنه في صلب الحياة اليومية لكل فرنسي. والمقاهي انواع طبعًا، لذلك نجد أنه لكل مقهى خصوصيته التي تجذب زبائنه. واعتقد ان مقاهي العولمة التي سمح بها في السنوات الاخيرة في عموم سوريا إنما هي نتيجة تطور منطقي للمجتمع وتطور العلاقات فيه وآليات العمل والحياة اليومية، وأي تطور بطبيعة الحال والمنطق يحمل معه سلبياته وايجابياته. فالمدن تختزن ذاكرتها في مقاهيها، ومقاهي العولمة اليوم نوع من الذاكرة المعاصرة وهي نوع من التماهي مع ثقافة العولمة التي تحوي كل الخصوصيات وتقبلها ومن يبتعد عن العولمة اليوم يعزل نفسه .
ومما يؤكد صواب رأي كل الشعب السوري أن مقهى الروضة وسط العاصمة دمشق وهو مقهى شعبي معروف وعمره عدة عقود من الزمن وله تاريخ و ترتاده مختلف الشرائح الاجتماعية ، قد إضطر اخيرًا إلى تطوير خدماته و اضاف ايضا خدمة الانترنت لزبائنه قبل فترة، ولم يكن احد يتخيل ان مقهى الروضة سيوفر الانترنت بطريقة الـ wireless.
بدوره، يقول موريس عائق وهو صحافي من رواد المقاهي الحديثة "إن هذه المقاهي تذهب بنا بعيدًا حتى من ناحية الكراسي والاثاث فهي تحاول أن تؤمن كل الراحة لزبائنها، نجد فيها الاريكة الكبيرة وكأننا في منازلنا. اعتقد ان معظم الاصدقاء الذين اعرفهم والتقي بهم يشعرون بكثير من الراحة النفسية والحميمة في هذه المقاهي". ولكن موريس يشارك السوريين انتقادهم للارتفاع الكبير في الأسعار التي لا تناسب دخل الفرد العادي.
يقول موريس: "ربما يتمثل الشيء الوحيد الذي أجد ان السوريين يعترضون عليه في هذه المقاهي في عدم تناسب اسعارها مع الشرائح الاجتماعية الاوسع على سبيل المثال لا نجد فيها موظفي القطاع العام".
ويتفق غالبية السوريين على هذه النقطة. ويقول حامد، وهو مدرس متقاعد، إن هذه المقاهي ليست سوى "كلامًا فارغًا ووسيلة لسلب الشباب أموالهم". ويضيف إنه لا يزال يفضل المقاهي القديمة، "فبثمن فنجان واحد من القهوة في تلك المقاهي يستطيع أن يشرب عشرين فنجانًا في مقهى الكمال الصيفي". ويضيف: "هناك أجد أصحابي والناس الذين يشبهونني، أما في المقاهي المودرن فلا أحد يشبهني".
اما ابو محمد والذي كان يتسوق من امام احد اصحاب المحال التجارية في سوق الشعلان المعروف وسط العاصمة دمشق فهو يرى ان هذه المقاهي غير ملتزمة آداب الدين والمجتمع المحافظ وهو لا يشجع أي من ابنائه او بناته الجامعيات على ارتيادها لا بل انه تدخل مرة ليطلب من جاره ابو عماد ان يلزم ابنائه وبناته غير المحجبات بان يواظبوا جميعًا على تلقي العلوم الدينية بدل الضياع الذي هم فيه على حد وصفه .
بالمقابل لا تستغرب سارة الدبلوماسية الغربية عدم تقبل هذه المقاهي من قبل جماعات معينة في المجتمع السوري ولكنها تبدي خشية من اتساع مساحة التشدد مقابل العلمانية تقول سارة" انا اعرف سوريا منذ سنوات وفي السنوات الاخيرة شعرت ان الانفتاح الاجتماعي بدأ يتقلص او ان المنفتحين بدأت اعدادهم تقل أو ربما هم ينحصرون في اماكن واحياء معينة ولا اعرف ان كان غيري يشاركني الرأي او يراقب هذه الظاهرة التي ارى انها ليست من المواصفات التقليدية او المعروفة عن المجتمع السوري فهذه المقاهي هي مقاهي عامة وعادية لا يوجد فيها أي شيء يثير المجتمع ثم ان الحياة اصبحت مفتوحة على كل الاحتمالات.. الانترنت والفضائيات والسفر وغيرها المهم هو تحصين الانسان بالقيم الصحيحة وليس الحل بالمنع او المحاربة العشوائية" لكن سارة تستدرك بقولها "اعتقد ان العامل الاقتصادي الضعيف يلعب دورا مهما في تكوين شخصيات الناس في هذه المجتمعات او ربما اساليب التربية المدرسية" .
بدوره، يقول الدكتور سامي مبيض استاذ العلاقات الدولية في جامعة القلمون " ذات مرة سألت طلابي هل ذهبتم الى مبنى البريد ووضعت كرت بوستال او رسالة لاحد معارفكم او ذويكم وانتم الآن في ال22 من العمر لقد كان الجواب بالاجماع تقريبا لا ، والسبب ان الطلبة من هذا الجيل يدمنون على الانترنت، كل شيء بالنسبة إليهم له علاقة بالمعرفة او التواصل هو عن طريق الانترنت، بعضهم يقول لي انه يقضي ساعات طويلة في مقهى فيه انترنت ".