مدونة نجاد الأكثر جدلاً وأوباما يكسب الكثير من خلالها
مدونات الرؤساء... وسيلة لفرض النفوذ أم التقارب مع الشعوب
أشرف أبوجلالة من القاهرة: في وقت تزايدت فيه سبل الاعتماد على الإنترنت بغرض نشر الأفكار ونقل الأخبار وطرح التقنيات بمختلف أنواعها واستخداماتها في ميادين ومجالات عدة، تحولت المدونات التي نشأت في البداية كوسيلة يلجأ إليها أصحاب الأصوات المكبوتة لتفريخ ما يراودهم من تداعيات وخواطر ومشاعر إلى آلية عمل نافذة يمكن الارتكاز عليها في عالم السياسة. وهو الأمر الذي بدأ يحدث بشكل أكثر وضوحًا خلال الآونة الأخيرة، حيث ازداد اعتماد كثيرين عليها سواء من الناشطين أو الحقوقيين أو حتى المواطنين العاديين كمتنفس عن مظاهر الكبت السياسي والاجتماعي التي يواجهونها بشكل متزايد، وبخاصة في الدول التي تستبد فيها الأنظمة الحاكمة.

لكن يبدو أن ثمة تحولاً نوعيًا قد بدأ يعرف طريقه إلى عالم "المدونات" الذي تحول مع مرور الوقت إلى كيان تكنولوجي كبير، دفع بكثيرين في عدد من دول العالم إلى وصفه بـ "السلطة الخامسة" ، في دلالة واضحة على أبعاد النفوذ والسلطة التي اكتسبها هذا القطاع المتنامي الانتشار والتفاعل على الشبكة العنكبوتية. ونظرًا لكل ما سبق، نجد أن حدود استخدام هذا الكيان لم تعد تقتصر على ذوي الأصوات المكبوتة أو المقهورة من المواطنين أو الحقوقيين حول العالم، بل نجح سحره وبريقه في خطف انتباه قادة وزعماء دول العالم أيضًا، فنجد الآن مدونات لعدد من رؤساء العالم، كل يحاول أن يوصل من خلال مدونته فكره الخاص ورسالته، وذلك من منظور يبدو أكثر تحررًا، بعيدًا عما تفرضه عليهم دنيا السياسة والدبلوماسية من قيود وحواجز.
وقد جاء القرار الذي اتخذه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قبل عامين تقريبًا بإطلاق المدونة الخاصة به تحت عنوان (http://www.ahmadinejad.ir ) ليثير من حوله موجات متزايدة من الجدل حول جدوى مثل هذه الفكرة، وتأثيرها على وضعية الرئيس السياسية داخليًا وخارجيًا، وهل ستكون وسيلة يعتد بها للدعوة بشكل غير مباشر لنشر الفكر الشيعي أم لا. وعلى الرغم من أن كثيرين قللوا من أهمية احتياج نجاد لإطلاق مدونة خاصة به نظرًا لامتلاكه كل أدوات التعبير عن نفسه وعن آرائه، إلا أنه أقدم على تلك الخطوة من منطلق رغبته في مجاراة العصر.
ومن خلال الاطلاع على المدونة، سوف يلحظ المتابعون أنها لم تخرج عن إطار المنهاج الذي يتبعه الرئيس الإيراني في إعلان تحديه للولايات المتحدة. وقد حرص نجاد عند بداية تدشينه لها على نشر تفاصيل مثيرة وخاصة به عندما كان شابًا يعمل حدادًا، وقد تربى ونشأ في أسرة فقيرة للغاية، ثم تسرد المدونة الخطوات التي قطعها بعد ذلك في سبيل الوصول إلى كرسي الرئاسة.

وعبر ثلاثة محطات رئيسة في حياته، يروي نجاد عبر المدونة كيف أنه كان طفلاً متمردًا، حيث كان يسير وراء الكبار دائماً حتى يساعدوه على قراءة الصحف، خاصةً بعد أن بلغ الصف الأول الابتدائي. بينما كانت المرحلة الثانية - والتي تعد مرحلة النكسة في حياته كما يصفها – تلك التي بدأت عندما علم بقرار شاه إيران آنذاك منح الأميركيين الذين يعيشون في إيران حصانة من المحاكمة بموجب القوانين الإيرانية، حيث قال عنها "فهمت أن الشاه ينوي فتح صفحة أخرى من دفتر حياته السوداء وتمرير سياسة مقيتة يحط فيها من شأن الشعب الإيراني تجاه الأجانب". أما المرحلة الثالثة فهي المرحلة الأهم في حياة الرئيس الإيراني، وهي المرحلة التي شهدت قيام الثروة الإسلامية عام 1979 على يد الإمام آية الله روح الله الخميني، الذي كان يعتبره نجاد رمزًا ومثلاً وقدوة ظل يبحث عنها، على الرغم من انه من أكثر المنتقدين لتصرفاته وقرارته عبر المدونة التي حملت في البداية ثلاث لغات هي العربية والفارسية والفرنسية، وهي اللغات التي يجيدها نجاد في الأصل، قبل أن تضاف إليها الإنكليزية بعد ذلك.
وهناك أيضًا المدونة الخاصة بالرئيس الأميركي الحالي، باراك أوباما، وهي المدونة التي تم تأسيسها بالتزامن مع بدء الحملة التي دشنها أوباما العام الماضي لخوض انتخابات الرئاسة أمام المنافس الجمهوري، جون ماكين، وعنوان هذه المدونة هو (http://obamabarack.blogspot.com ). ويدرك المتابعون للشأن السياسي الداخلي في الولايات المتحدة وبخاصة خلال معترك الانتخابات الرئاسية الأخيرة قيمة الدور الذي لعبته سبل التكنولوجيا الحديثة في ترجيح كفة أوباما، وبالتأكيد كان لمدونته هذه دور في التغلب على عدد من العقبات التي كانت بمثابة الحاجز الفاصل بينه وبين جموع الأميركيين، حيث لم يكن وجهًا سياسيًا مألوفًا لديهم حتى ينتخبوه رئيسًا. وتشتمل المدونة الخاصة بأوباما على عدة أقسام من بينها ( سيرته الذاتية – الولايات التي خاض فيها معارك سياسية – أهم مقولاته – الإستراتيجية الخاصة بحملة ترشحه للبيت الأبيض – أشهر عشرة مقاطع مصورة لأوباما ).

ومن أبرز المدونات الخاصة بالساسة الحاليين أيضًا، تلك المدونة الخاصة برئيس الوزراء البريطاني، غوردون براون، وعنوانها (http://gordon-brown.blogspot.com )، وهي المدونة التي تم استهلالها بمقدمة تعريف موجزة عن براون يقول فيها ( إن العمل من أجل بريطانيا الحديثة، هو مواجهة لتحديات القرن الحادي والعشرين. ويعتبر غوردون براون، رئيسًا لوزراء بريطانيا وزعيمًا لحزب العمل منذ عام 2007. كما أنه كان وزيرًا للخزانة خلال الفترة ما بين عامي 1997 وحتى 2007 ، كما أنه كان نائباً عن دائرة كيركالدي وكاودينبيث الانتخابية في المملكة المتحدة. هذا ويعتمد براون على الانتقال السلس للسلطة، في سبيل الارتقاء ببريطانيا إلى دولة أكثر أمانا ً وعدالة اجتماعية في هذا العالم الحديث.
كما تبرز على الشبكة العنكبوتية أيضًا مدونة الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي، التي تحمل عنوانًا يقول ( كل ما تريد معرفته عن نيكولاس ساركوزي) (http://sarkozyblog.free.fr ) – حيث تضم المدونة قدر كبير من المعلومات والأخبار والأنشطة المتعلقة بالرئيس الفرنسي سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، علي الصعيدين الداخلي والخارجي. وهناك كذلك مدونة رئيس الوزراء الإيطالي، سلفيو برلسكوني، (http://berlusconi-blog.blogspot.com ) - وتقدم تلك المدونة أيضاً خدمات نشر جميع الأخبار والمقالات والأنشطة الخاصة برئيس وزراء إيطاليا. كما توجد أيضاً المدونة الخاصة بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركيل، التي تحرص من خلالها على تقديم كافة المعلومات المتعلقة بنشاطاتها للتواصل مع المواطنين.
لكن في النهاية، يبقى تساؤل غاية في الأهمية، لا يمكن إغفاله أو تجاهله، وهو متعلق بالأهداف الحقيقية التي ربما يحاول قادة وزعماء دول العالم أن يتوصلوا إليها من خلال اقتحامهم لهذا الكيان البالغ التأثير والأهمية في ظل التطور الحادث الآن على مختلف الأصعدة، وفي عصر انتقل فيه سلاح المقاومة من الشارع إلى الإنترنت عبر وسائل عدة من بينها شبكات التواصل الاجتماعي الشهيرة ( فيس بوك – تويتر – ماي سبيس ) جنبًا إلى جنب مع المدونات.
فهل تلك المدونات الرئاسية - يا ترى - وسيلة ترمي على المدى البعيد إلى فرض النفوذ والسلطة، أم أنها طريقة تهدف إلى رأب الصدع وتقريب المسافات مع الشعوب ؟