رغم أنّ معهد الصحافة وعلوم الإخبار في تونس يعتبر المؤسسة الجامعية الوحيدة التي يحقّ لها تخريج الاعلاميين المحترفين، إلا أنّ العشرات من الصحافيين الشباب ممن تخرجوا منذ سنوات يشتكون من مشاكل بالجملة تواجههم بسبب الدخلاء على المهنة وضعف الأجور وتردّي القطاع.


تونس: رغم أنّ الإجماع حاصل منذ القدم على تعريف الصحافة بأنّها من أكثر المهن نبلا خصوصا بعد أن اجتمعت فيها عديد الخصال والتسميات على غرار quot;صاحبة الجلالةquot; وquot;السلطة الرابعةquot;، إلا أنّ البون بين ما تمّ تقديمه و ماهو كائن في تونس يبدو شاسعا خصوصا مع تتالي شكاوى الصحافيين وخريجي الإعلام من الأوضاع التي يعيشونها وعلى رأسها البطالة وتقلص هامش حرية التعبير وضعف الأجور التي تقدر كمعدل عام بأ300 دولار شهريّا للمحظوظين.

(إيلاف) تحاول فيما يلي الاقتراب من خرّيجي معهد الصحافة وعلوم الإخبار بتونس بوصفه احد المراجع المهمّة في هذا المجال أو هكذا تبيّن الأرقام والوقائع، فعديد الوجوه التّي برزت عبر المشهد الإعلامي في المنطقة العربية وخصوصا في بلدان الخليج العربي مرّت عبر هذا المعهد لكن ذلك يبقى أمرا نسبيّا عملا بمقولة الشجّرة الكبيرة التّي تحجب الغاب، فحال المعهد بالنسبة لكثيرين لا يوحي بانفراج في أوضاع القطاع خصوصا مع تتعدّد الشكاوى عن انتشار البطالة بين خرّيجيه وعدم تمكنّهم من إيجاد موطأ قدم على السّاحة الإعلامية المحليّة.

وحتّى من تحسّسوا الطريق فانّ ذلك لم يعطهم صكّ الضمان عن خلاص نهائي من هاجس البطالة أو عديد المشاكل الأخرى التّي تؤرقهم في أولى خطواتهم.

المحاور تبدو متشابكة وعلى غاية كبيرة من التعقيد حسب خرّيجي المعهد وتأتي على رأسي سلّم الاهتمامات مسألة التشغيل ثمّ تدنّي الأجور والحوافز لمن وجدوا طريقا إلى العمل، إضافة إلى مشكل الاندماج وquot; صراع الأفكارquot; وما يثيره من جدل حول التكوين الأكاديمي.


العائق المادّي وراء وأد الطاقات الشابّة

يقول الصحافي الشاب نبيل زغدود ( 26 سنة) متخرّج في العام 2008 لـ(إيلاف) إنّ ما يعقّد وضعية الصحافيين الشبّان في تونس هو تزايد عدد الوافدين على سوق الشغل من خريجي معهد الصحافة وعلوم الإخبار الذي يكوّن سنويا ما لا يقلّ عن المائة والخمسين خريجا لم يعد بامكان المؤسسات الإعلامية الخاصّة والعمومية على حدّ السواء استيعابهم.

ويضيف زغدود:quot;هذا التضخّم في العرض مقابل الطلب ولّد هبوطا حادّا في المقابل المادي الذي يقدّم للصحافيين الشبان، أضف إلى ذلك الوضعيات المهنية الصعبة والمزرية في بعض الأحيان والشروط التي يفرضها أرباب المؤسسات على الصحافيين عبر استغلال العقود الشغليّة التي وضعتها الدولة لتسهيل إدماج الصحفيين للاستفادة من الامتيازات، فمثلا نجد صحافيين لا يتعدّى مرتبهم الشهري 150 دينارا أي حوالي 100 دولار، مع الحرمان من التغطية الاجتماعية والبطاقة المهنية والراحة السنوية، وأمام هذه المعوّقات التي تمارسها المؤسسات الإعلامية على منتسبيها الشبّان يتراجع الأداء ونشهد وأد للطاقات لدى هذه الفئة، وهو ما من شأنه أن يؤثّر في تطوير القطاع حيث يصبح الصحافي مجبرا على خرق ميثاق الشرف المهني، من خلال فقدان لاستقلاليته كصاحب رأي ليتحوّل إلى مجرّد quot;كاتب عموميquot; إن صحّت العبارةquot;.

الدّخلاء احتكروا القطاع

ويرى طارق العصّادي (28 سنة صحافي متخرّج سنة 2009) أنه رغم الاهتمام الكبير الذي يحظى به قطاع الإعلام في تونس الاّ انّ ذلك لا يحجب عددا من الهنّات والنقائص التّي تطغى عليه ويعاني تبعاتها أساسا خرّيجو معهد الصحافة وعلوم الإخبار عند مرورهم بالتّجارب الأولى وهو ما يكشف لهم عدّة حقائق غابت عنهم أو لم يتمّ إشعارهم بها حتّى عرضا أثناء تكوينهم الأكاديمي.

ويتابع طارق:quot; أكبر هاجس يعرقل الصحافيّين الشبّان يتمثّل في الأجور والحوافز الماديّة،وأغلب المؤسّسات في تونس لا تقدّم ما يرضي الصحافييّن ويلبّي حاجيّاتهم الأساسيّة على الأقلّ، لذلك تنعدم الرغبة في العمل ويتقلّص طابع الخلق والإبداع عند هؤلاء الشبّان وان كنّا لا ننكر انّه غائب من أصله لدى السّواد الأعظم منهم وهذا مرتبط بطبيعة التكوين الشخصي وكذلك البرامج البيداغوجيّة أثناء تكوينهم في الصحافة.من جهة أخرى يعاني القطاع من افة كبرى هي المحسوبيّة والوساطات والعديد دخل عالم الصحافة بناء على علاقات شخصيّة وتدخلاّت، أيّ أي أنّ الأمر لا يقتصر عند الانتداب على الكفاءة كمقياس للفصل بين هذا الصحفّي وذاك.

والوافدون الجدد من معهد الصحافة في تونس يفاجئون أيضا بحقيقة ثابتة وهي تعدّد الدخلاء على القطاع ممّن يبحثون على قضاء مصالحهم الشخصيّة ويقبلون العمل بالمجان وهذا ما يقلّل فرص اندماج الذّين حظوا بتكوين أكاديمي، وبذلك تتعدّد الأسباب لتكون النتيجة واضحة وهي تهميش الطاقات الشابة المتخرّجة من معهد الصحافة وتغييبا كلّيا لجميع حوافز الخلق والإبداع من أجل تطوير القطاعquot;.

معهد الصحافة وعلوم الإخبار هو المؤسسة الجامعيّة الوحيدة في تونس والتي يحقّ لها تخريج الصحافيين، تم بعثه بموجب قانون المالية المؤرخ في 30 ديسمبر 1967.

وتم إلحاق المعهد بعد سنة من ذلك إلى كتابة الدولة للتربية القومية.ومنذ سنة 1968 كذلك، حظي المعهد بدعم مؤسسة فريدريش نومان الألمانية وكان تأمين التكوين الإعلامي يتم خلال تلك الفترة بالتوازي مع تكوين في إحدى الاختصاصات الجامعية الأخرى.

ومنذ السنة الجامعية 1973-1974، أصبح معهد الصحافة مستقلا بذاته يؤمن تكوينا إعلاميا مختصا إلى جانب التكوين الجامعي في اللغات ومختلف مجالات الثقافة العامة.

كما تم إقرار نظام دراسي جديد منذ انطلاق السنة الجامعية 1992-1993. فإلى جانب الأستاذية في الصحافة وعلوم الإخبار، أصبح المعهد يسند أستاذية مختصة في علوم الاتصال. ويشمل التكوين جذعا مشتركا يدوم سنتين ويرتكز بالخصوص على تدريس اللغات ومواد الثقافة العامة ثم يتفرع التكوين إلى شعبتين يطغى عليهما طابع الاختصاص في الصحافة وفي علوم الاتصال.

وقد وقع التخلي عن هذه المقاربة البيداغوجية للتكوين منذ السنة الجامعية 2002-2003، وأصبح هذا التكوين يقوم على التدرج البيداغوجي والتوازن بين مواد الثقافة العامة ومواد الاختصاص وعلى مزيد من التفتح على المحيط المهني ومن التحكم في تكنولوجيات الإعلام والاتصال.

يقول أحمد السكراني 29 سنة هو أحد المُعطّلين عن العمل تخرّج من معهد الصحافة: quot;القطاع الإعلامي في تونس أوصد أبوابه منذ مدّة وصار حكرا على البعض ممّن أحكموا قبضتهم على القطاع، ف المشكل الأكبر الذّي يعترض الصحافيّين هو عائق الخبرة الذّي تشترطه عديد المؤسّسات الإعلاميّة في تونس كما أنّ الآفة الكبرى تتمثل في سياسة أغلب هذه المؤسّسات وهى التعويل على بعض المتعاونين الذّي يقبلون بالفتات ويوصدون الأبواب أمام أصحاب الاختصاصquot;.

من نام لم تنتظره الحياة

على الطرف المقابل يؤكد الصادق التّواتي وهو أستاذ الإعلام رياضي بمعهد الصحافّة وعلوم الإخبار في تصريحات لـ(إيلاف) أنّ تطوّر المشهد الإعلامي في تونس وثراءه دفع جلّ المؤسسّات الإعلاميّة التّونسيّة للسعي وراء استقطاب المتلقّي وافتكاك مقعد ريادي على الساحة الإعلاميّة وهو ما يتطلّب خبرات وكفاءات وقدرات ندر وان وجدت لدى الخرّيجين الجدد الذّين مازالوا بصدد اكتشاف واقعهم المهني وهذا أصل الإشكال، على حدّ تعبيره.

ويضيف الصادق التواتي أنّ تباين الواقع الدراسي والمهني في ذهن الطلبة يؤثرّ بشكل كبير في عمليّة اندماجهم في دنيا الشغل فغالبا ما يجد الصحفيّون الشبّان أنفسهم بمعزل عن بقيّة الركب فضلا عن الجدليّة القائمة بين كون الصحافة ملكة تكسب بالفطرة وبين أنّها علم يدرّس.

ويختم أستاذ الإعلام الرياضي قائلا: quot;من خلال معايشتي لواقع الطلبّة وجدت أنّ خرّيجي المعهد مطالبون باستغلال القدرات التّي اكتسبوها طيلة فترة تكوينهم من أجل إفتكاك موطأ قدم في الساحة الإعلاميّة وفرض أنفسهم دون الوقوع في فخّ الاستسلام لواقعهم الصعب لانّ من نام لم تنتظره الحياةquot;.

إلى ذلك، تشير البيانات الرسمية لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتكنولوجيا التونسية إلى أن عدد طلاب معهد الصحافة ارتفع من 3676 طالباً خلال السنة الجامعية 2004 ndash; 2005 ليصل إلى 3831 في السنة الجامعية التالية.

إلا أن الإجراءات الصارمة التي طبقتها المعهد في قبول الطلاب جعلت عددهم يتراجع إلى 3245 خلال السنة الجامعية 2006 ndash; 2007 ليصل في العام 2008 إلى 2596، تمثل الإناث قرابة 75 في المائة منهم.
وعلى رغم أن معهد الصحافة في تونس يُعتبر أشبه بمدرسة صغيرة لتخريج الصحافيين بعدد محدود جداً من الطلاب الُمسجلين (بين 80 و100 خريج سنوياً) مقارنة بالجامعات الأخرى التي يتجاوز فيها عدد الطلاب المسجلين أحياناً عشرات الآلاف، إلا أن آفاق التشغيل ظلت دون المطلوب.

وعادة ما يردّ مسؤولو المؤسسات الإعلامية في تونس على الانتقادات التي توجه إليهم بالقول إنّ معظم خريجي معهد الصحافة يعانون ضعفاً في التكوين ما يجعلهم غير قادرين على استيعاب الضغوط التي تفرضها سوق الشغل، وبالتالي أضحى الحصول على فرصة عمل في إحدى المؤسسات الإعلامية متاحاً بدرجة أكبر للمتخرجين من اختصاصات أخرى كاللغات والعلوم الإنسانية ويفقد طلاب معهد الصحافة تبعا لذلك الأولوية في التشغيل.