GMT 9:30 2011 الخميس 3 نوفمبر GMT 1:28 2011 الجمعة 4 نوفمبر  :آخر تحديث

عاملات الطابوق في العراق... شقاء متواصل بلا ضمانات

وسيم باسم

الكثير من النساء الريفيات وغير المتعلمات في العراق يلجأن إلى معامل القطاع الخاص الصغيرة، مثل معامل الطابوق ومعامل ثرم البلاستيك، إضافة إلى أماكن جمع القمامة، لغرض الحصول على دخل بسيط، يسدّ جزءًا يسيرًا من متطلبات المعيشة الصعبة في هذا البلد. 


عراقية تعمل في أحد معامل "الطابوق"

بغداد: تعمل أم حسين طيلة سبع ساعات في معمل طابوق يقع جنوب مدينة بابل (100 كم جنوب بغداد) باتجاه النجف، في ظل ظروف قاسية، لا يتحملها أكثر الرجال صبرًا.

أم حسين، التي غطّت وجهها، فلم تعد تظهر إلاّ عينيها، بحجاب أسود وقاية لها من الشمس اللاهبة، حيث تصل درجات الحرارة في الصيف إلى خمسين درجة، ترتدي إلى جانب ذلك عباءة حزمتها عند خصريها وحذاء بلاستيكيًا أسود، لا يقي قدميها من صدمات الحجارة المتناثرة في الموقع.

وأم حسين مثال لنساء عراقيات، يقضين النهار كله في أعمال شاقة، لا تتناسب وقدرات المرأة الجسدية.

عمل اضطراري

لكن أم حسين، الأم لثلاثة أطفال، والتي فقدت زوجها منذ نحو ثلاثة أعوام، بعد مرض أصابه، لا تجد مصدر رزق آخر تعيل به عائلتها، وهي مضطرة إلى هذا العمل الشاق، الذي استهلك نصف عمرها، على حد تعبيرها.

غالبًا ما تعتمد معامل الطابوق وسائل بدائية في النقل والإنتاج، كما  تعتمد على الأيدي العاملة الرخيصة، مثل النساء الريفيات أو غير المتعلمات أو الارامل، وكذلك الأطفال.

وتحت أشعة الشمس الحارقة، تعوّد العراقيون على منظر نساء وأطفال وحمير وعربات تصنع الطين المفخور، وترصفه على المساحات، بعدما يفخر داخل أفران "الكورة".

تشير أم حسين إلى رفيقاتها العاملات، وهن ثلاث، إحداهن كسرت رجلها قبل نحو شهرين، حين سقطت وهي تحمل على كتفها صفوف الطابوق.

طريقة بدائية

انحسر عدد معامل الطابوق في العراق إلى حوالى 14 معملاً، مشيدة على أطراف المدن بطريقة بدائية لا تتوافر فيها شروط العمل الصحي ومتطلبات البيئة النظيفة، حيث يدلّ الدخان الأسود المتصاعد في سماء العراق الصافية على مدى الضرر الذي تلحق به هذه المعامل بالبيئة يوميًا.

وبسبب انعدام فرص العمل الأخرى، لاسيما في الزراعة، فإن الكثير من النساء الريفيات يلجأن إلى معامل القطاع الخاص الصغيرة، مثل معامل الطابوق ومعامل " ثرم البلاستك"، إضافة إلى أماكن جمع القمامة.

وتحصل أم حسين يوميًا على مبلغ 12 ألف دينار عراقي، أي نحو ثمانية دولارات أميركية، لتأمين لقمة العيش.

ولا تعتقد أم حسين أنها ستستمر في عملها الشاق هذا، بعدما دبّ الضعف في بدنها، إضافة إلى حاجة أطفالها إليها طيلة النهار.

قانون العمل الجديد

ينصّ الفصل العاشر من قانون العمل الجديد على أحكام تحمي المرأة العاملة، منها إلزام صاحب العمل بحمايتها، وعدم جواز تشغيلها بعمل ليلي، إلا إذا كان ضرورياً، أو بسبب قوة قاهرة، أو للمحافظة على المواد سريعة التلف.

ويمنح القانون المرأة الحامل إجازة خاصة بالحمل والوضع مدتها (72) يومًا بأجر تام، كما يلزم القانون صاحب العمل عدم إرغام المرأة الحامل أو المرضع على أداء عمل يضرّ بصحة الأم أو الطفل، كما يجيز للمرأة التمتع بإجازة أمومة خاصة لمدة سنة واحدة من دون أجر، تنصرف فيها لرعاية طفلها.

لكن إلى الآن لم تستطع أم حسين من تأمين مصدر آخر للرزق، لاسيما أنها لا تجيد مهنة ما سوى العمل في الزراعة. لا تتردد أم حسين من العمل في المصانع والمعامل إذا وجدت فرصة لذلك، طالما أن ذلك سيؤمّن لها دخلاً شهريًا ثابتًا.

يبدأ عمل أم حسين، إلى جانب زميلاتها، منذ الصباح الباكر عبر نقل "اللبن"، وهو الطابوق الطيني، الذي لم يفخر بعد، إلى الأفران، التي ترتفع كثيرًا على أرض في بطن " الكور"، إلى أن تكتمل عملية الفخر، التي تتطلب وقتًا طويلاً، حتى يتم نقل الطابوق المفخور إلى الخارج، حيث يوضع على شكل صفوف تمهيدًا إلى نقله وبيعه.

ما يثير الغرابة أن معظم معامل الطابوق لم تطوّر آلياتها في عمليات النقل، رغم أنها لا تتطلب كلفًا كبيرة.

يقول أبو محمد، المشرف على العمل في "الكور"، إن شراء عربات صغيرة ناقلة، وتثبيت أحزمة نقل لن يكلف كثيرًا،  لكن غالبية معامل "الكور" لا تريد تطوير عملها لأن أصحابها باتوا على يقين بأن هذه "الكور" آيلة إلى الزوال عمّا قريب.

ويشير صاحب "كورة" عصام حسين إلى أن هذه الأفران البدائية تعيش أيامها الأخيرة، وكان يجب أن تنقرض منذ وقت طويل، لكن الحصار الاقتصادي الذي مرّ به العراق طيلة عقد من الزمن، إضافة إلى الحروب، أبطأ من زوالها.

ويتابع: ليس هناك من وسيلة لتحسين ظروف العاملين، لأن أرباح بيع الطابوق قليلة جدًا، ولا تشجّع على رفع رواتب العاملين أو زيادة أعدادهم. وتعرّضت منال الحسيني (25 سنة) إلى أمراض جلدية خطرة، بسبب جفاف الجلد لعملها تحت أشعة الشمس القوية طيلة النهار، إضافة إلى تعرّضها للدخان الأسود والغبار والأتربة أثناء عملها.

يد عاملة رخيصة

لكن سعيد القريشي، صاحب معمل طابوق جنوب المحاويل، يعترف بأن أصحاب المعامل يجدون في النساء والأطفال أيادي عاملة رخيصة، لكنه يشير إلى أن هذه المعامل نجحت في توفير فرص عمل في ظروف قاسية.

وتعتبر سعيدة صالح أن عملها في معامل الطابوق أفضل بكثير من عملها في مكامن النفايات، حيث كانت تجمع الزجاج والأجواء البلاستيكية لتبيعها إلى تجار الخردة.

تعمل سعدية منذ الفجر إلى المساء بأجرة لا تتجاوز الأربعة دولارات يوميًا، من دون ضمانات صحية أو اجتماعية.

فاطمة تترك المدرسة

اضطرت فاطمة جاسب (22 سنة) من المحمودية إلى ترك مدرستها لغرض توفير مبلغ لعائلتها، التي تشكو الفاقة.

وتضيف: تركت مقاعد الدراسة، بعدما مرض أبي. ورغم ندمي على ذلك، إلا أنني أشعر بالرضا، وتتابع: أتمنى أن تتاح لي فرصة العودة إلى المدرسة مجددًا.

يثير مشهد النساء العاملات في معامل الطابوق المسماة (الكو) فضول الكثير من العراقيين والأجانب على حد سواء.

ومنذ العشرينيات، التقط سائحون أجانب الكثير من الصور لعاملات الطابوق، نظرًا إلى الجهد الجبار، الذي تبذله المرأة العاملة في هذه المهنة، لتصبح محل إعجاب وتقدير الجميع، لكنهن يثرن الكثير من التعاطف، بسبب الجهد الشاق، الذي يبدو في غالب الأحيان أنه يفوق طاقتهن.

المرأة الريفية وغير المتعلمة

تقول الباحثة في حقوق المرأة في بابل أمينة الحسيني إن المرأة الريفية وغير المتعلمة في العراق هي الأكثر عرضة لسوء الاستغلال من قبل المجتمع، الذي يجدها وسيلة رخيصة للإنتاج.

وتتابع: المرأة الفقيرة غالبًا ما تقبل مضطرة العمل الشاق. وبحسب تخمينات، فإن عدد الأرامل والعوانس في العراق يصل إلى أكثر من مليون امرأة، يعانين شظف العيش، ويعملن في أرذل الأعمال وأصعبها.

وفي معامل الطابوق في محافظة كربلاء، فإن غالبية العاملات من النساء، وكذلك الأطفال، لاسيما الأيتام.

وتقول أم حيدر إنها تعمل في "الكورة" منذ عام تقريبًا، بعدما تعذر الحصول على عمل آخر.

وبحسب أم حيدر، فإن العمل الشاق في هذه المهن لا يتحمّله سوى "البغال والحمير"،  حيث تسخر بعض المعامل الحيوانات لأغراض نقل الطابوق.

العمل أفضل من التسول

لكن أم أحمد تجد مهنة إنتاج الطابوق أفضل بكثير من التسوّل في الطرقات. وتتابع: لن أشحذ طالما أنني أستطيع العمل.

تتألم أم أحمد لمنظر النساء اللواتي يقفن في التقاطعات، وهن يمددن أيديهن للتسول. وتقول إنها غالبًا ما تتحدث إليهن، وتدعوهن إلى العمل، حتى وإن كان عملاً شاقًا مثل معامل الطابوق.

لكن أم أحمد تعترف بأن المرأة المتسوّلة تحصل على مبالغ هي أضعاف ما تجنيه هي من عملها.

وتحثّ الناشطة النسوية هناء الجميلي، المنظمات الإنسانية ومنظمات حقوق الإنسان على تفعيل دورها في الضغط على الجهات المعنية لانتشال المرأة العاملة في العراق من واقعها المرير.

ويسكن أبو رحيم مع عائلته المكونة من ثلاث بنات في سكن بسيط، إلى جانب معمل الطابوق، حيث تعمل العائلة طوال النهار في نقل ورصف الطابوق، حيث تبلغ أجرة تصنيع ألف طابوقة نحو ثلاثين ألف دينار عراقي.

في أخبار