GMT 4:30 2012 الخميس 26 يوليو GMT 14:53 2012 السبت 28 يوليو  :آخر تحديث

السويد لم تَعُد "كريمة" في منح الإقامات حتى مع السوريين

نزار عسكر
الشرطة تفرق صدامات بين لاجئين ومتطرفين يمينيين. "عدسة إيلاف"

 

ذكرت وزارة الهجرة السويدية، في أحدث إحصاءاتها، أن غالبية الطلبات التي يتقدم بها طالبو اللجوء، الذين وصلوا البلاد سرًا، تُرفض ويجري ترحيلهم لاحقاً قسراً. وبعدما كان هذا البلد واحداً من أكثر دول العالم قبولاً للمهاجرين القادمين من الشرق الأوسط والدول الإسلامية، أصبح الآن يتصدر أحياناً عناوين الأخبار، لكثرة عمليات الإبعاد التي يُنظمها، لطالبي اللجوء المرفوضة طلباتهم.


ستوكهولم : حوالي 14 % من سكان السويد، وُلدوا خارجها. وفي كل مدينة تقريباً، خصوصاً في الضواحي، يجد الزائر، الكثير من المهاجرين، من مختلف القوميات والأديان. قبل سنوات، كان يكفي لطالب لجوء عراقي مثلاً، قول أية قصة، حتى وإن كانت أحياناً مُلفقة، للحصول على إقامة في السويد.

لكن التغييرات الدولية وتداعيات الأزمة الإقتصادية، وصعوبة إندماج المهاجرين بالمجتمع الجديد، وعدم القدرة على استيعاب أعداد كبيرة منهم، دفعت بالحكومة الى التشدّد في شروط الإقامة. ورغم هذا، يتدفق كل عام عدة آلاف اليها، يجد أغلبهم أنفسهم، يُساقون بقوة الشرطة الى المطارات لترحيلهم الى حيث أتوا، وهو ما يحدث الآن لعشرات آلاف العراقيين.

15 الف لاجئ يُرّحَل قسراً كل عام
بحسب تقرير بثته الإذاعة السويدية، فإن حوالي 20 الف لاجئ، يحصلون على قرارات بالرفض، يجري لاحقاً، ترحيل 15 الفاً منهم الى بلدانهم، فيما يحصل عدد محدود، لا يصل الى 500 شخص على الإقامة، أما العدد المتبقي يختفي ويُقيم بطريقة غير شرعية، أو يسافر الى دول أخرى.
كانت السويد قبل عام 2009، تسمح لمن تجاوز وجوده أربع سنوات على أراضيها، بتقديم طلب جديد، لكنها اعتباراً من ذلك العام لم تعد تسمح بذلك.
ويقول وكيل القسم القانوني في وزارة الهجرة فريدريك باير للإذاعة السويدية، إن حق الإقامة يُمنح فقط لحالات فردية، كأن يكون للشخص أطفال اندمجوا في المدارس، وتعلموا اللغة، ولم يعد بالإمكان من الناحية الإنسانية، ترحيلهم الى البلد الأصلي.
وبحسب الجدول أدناه، فإن الصومال تتصدر قائمة الدول المُصدرة للاجئين. ومن الملفت أن العراق الذي ظل لسنوات طويلة يتصدر القائمة، احتل المرتبة الثامنة، بنسبة 26 %. 
                                 

جدول يوضح أعداد طالبي اللجوء في حزيران عامي 2011 و2012
2012
2011
Ökning
/minskning
Medborgarskap
الجنسية
jan–juni 2012
jan–juni 2011
Anta
العدد
Procent
النسبة
1
Somalia
2507
1585
922
+ 58 %
2
Afghanistan
2021
1529
492
+ 32 %
3
Syrien
1212
254
958
+ 377 %
4
Serbien
1038
956
82
+ 9 %
5
Albanien
928
89
839
+ 943 %
6
Bosnien och Hercegovina
816
117
699
+ 597 %
7
Eritrea
769
742
27
+ 4 %
8
Irak
619
839
-220
- 26 %
9
Statslös
605
562
43
+ 8 %
10
Iran
570
489
81
+ 17 %
11
Kosovo
352
505
-153
- 30 %
12
Georgien
328
95
233
+ 245 %
13
Ryssland
311
417
-106
- 25 %
14
Mongoliet
300
331
-31
- 9 %
15
Makedonien
223
702
-479
- 68 %
TOTAL
16335
12595
 3740
+ 30 %
 

 الوهم والحقيقة حول طالبي اللجوء من الدول العربية
 

الشرطة تقف بوجه تظاهرة لمهاجرين. "عدسة إيلاف"

كيف تتعامل السويد مع طالبي اللجوء القادمين من الدول العربية؟ أكثرية الأشخاص الذين يُفكرون باللجوء الى السويد، لا تتوفر عندهم المعلومات الكافية حول سياسة الهجرة، ويعتمدون بشكل أساسي على المعلومات التي يحصلون عليها من أقاربهم، أو من "القال والقيل"، وما ينشره الأصدقاء على صفحات التواصل الإجتماعي. وهو في أحيان كثيرة غير صحيح البتّة.
فمثلا بعد أن فتحت السويد الباب لمنح عدد محدود من السوريين الإقامات الدائمة قبل أيام، سرت في أوساطهم  في تركيا واليونان، وفي الأنترنت، اعتقادات خاطئة، بإن كل سوري يصل السويد، سيحصل على الإقامة. وتداول الكثير منهم، أفكاراً مثل: " يكفي القول إنني من حمص، أو قُل إن النظام اعتقل عائلتي وتمكنت من الفرار"!! لكن حقيقة الأمر ليست كذلك، فالإقامة تُمنح بشروط كثيرة.

كذلك، أعداد كبيرة من العراقيين الذين وصلوا السويد بعد عام 2008، قرروا السفر، استناداً الى معلومات ناقصة، اعتقاداً منهم، أن مجرد القول " إنني هارب من الإقتتال الطائفي، فإن هذا كافٍ لنيل الإقامة". واتضحت الحقيقة لهم في ما بعد، عندما حصلوا على قرارات بالطرد بدلاً من الإقامة.

وكدليل على شحة " الكرم السويدي " في منح الإقامات، لم تمنح لكل طالبي اللجوء السوريين إقامات دائمة، مثلما كان يحدث للعراقيين أثناء حكم صدام حسين، وحتى بعد سقوطه بعدة سنوات، رغم الحرب الطاحنة الدائرة في سوريا، ووصف الأمم المتحدة للإوضاع هناك بأنها حربٌ أهلية.

 فالكثير من السوريين سيحصلون على إقامات موقتة، عدا العوائل التي لديها أطفال، ما يعني أنه بعد استقرار الأوضاع في سوريا، سيجري سحب الإقامات منهم، وترحيلهم.

كذلك فإن طالبي اللجوء العراقيين المرفوضة طلباتهم، يجري منذ عام 2008، ترحيلهم بالقوة، وهذه العملية مستمرة حتى الآن بشكل شبه يومي. غير أن الصوماليين أوفر حظاً من غيرهم، لكن تعقيدات كثيرة تواجههم مثل فحص الـ DNA الإجباري.

ويُشاع في الشارع العربي، أن المثليين جنسياً يحصلون على الإقامات بسرعة في السويد، لكن حقيقة الأمر ليست كذلك، فهناك الكثير من اللاجئين يَدعون كونهم كذلك، بينما دائرة الهجرة لا تقتنع بقصصهم فسرعان ما يتم رفض طلباتهم وترحيلهم.

قصص حزينة أبطالها " مَرفوضون "

ضاحية رونا في مدينة سودرتاليا تعج بالمهاجرين . "عدسة إيلاف"

تَعجُ السويد بآلاف من اللاجئين المُتخفين من أعين الشرطة، كثيرٌ منهم من العراق وسوريا وبلدان اسلامية في الشرق. يعيش هؤلاء حياة قاسية جداً، يعانون فيها أشد المعاناة النفسية. فهم غير قادرين على العمل أو الدراسة، وأطفالهم يعيشون بسبب من ذلك حياة غير طبيعية. ولايمكن لهم تأجير البيوت بشكل رسمي، فيتخفون عند الأقارب والمعارف، وأحياناً يلجأون الى الكنائس.

يقول الحاج محمد الربيعي وهو الإسم الوهمي الذي أطلقه على نفسه رجل عراقي تجاوز عمره الـ 60 عاماً لـ " إيلاف ": " لايوجد وصفٌ للحزن الذي أنا فيه، فعائلتي الكبيرة أنقذتها من الموت الطائفي في بلدي عام 2006، وهربت بها الى سوريا، ومنها أنذاك الى تركيا ومن ثم اليونان فالسويد، تجد نفسها الآن متخفية كل كم شهر، عند أقارب وأصدقاء، خوفاً من ملاحقة الشرطة لنا، وترحيلنا قسراً الى بغداد".

يضيف بصوت يغلبُه التعب والحزن: " كنت في بغداد صاحب شركة كبيرة لنقل المسافرين، ولم يكن ينقصني شيء، لكن كل ما كنت أملكه بعته في بغداد، وصرفت ما كنت أدخرته على التهريب، فكيف لي أن أعود الآن وأبدأ من الصفر"؟

حال أياد رحيم ليست أفضل من حال الحاج الربيعي، فهو صاحب عائلة تتكون من زوجته وطفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات، فقد أعلن الإضراب عن الطعام، ونُقل بسبب ذلك الى المستشفى، قبل أن يُعاد من جديد الى مركز الاحتجاز بإنتظار تسفيره الى بلده الأصلي، لان دائرة الهجرة رفضت طلبه.

ونظراً لكونه يملك جواز سفر، فإن الشرطة تريد تسفيره خلال شهر، بينما لا تملك زوجته وطفله الذي وُلد في السويد الجواز، ما يعني إنهما سيفترقان عنوة.

يقول رحيم عبر الهاتف لـ " إيلاف " من مكان احتجازه : " طفلي في وضع نفسي سيىء للغاية، وكل يوم يبكي ويسأل أين اختفى أبي، لكن كل ذلك لا يمنع الشرطة من الإصرار على ترحيلي، فهم يقولون عليك تطبيق القانون مهما كان وضعك، فنحن مُلزمون بإعادتك الى بلدك".

ما سبب التغيير في الموقف السويدي؟
 

فْرِيد بَاسيل

" إيلاف " تحدثت حول ذلك الى مدير المؤسسة الحكومية للعمل والشؤون الإجتماعية في منطقة Angered التابعة لمدينة يوتوبوري فْرِيد بَاسيل، الذي يعمل منذ 25 عاماً، في مجال العمل وقضايا اللاجئين.

 يقول باسيل: " مازالت السويد ملتزمة بإتفاقية جنيف عام 1951 الخاصة باللاجئين، وإن مَن تنطبق عليه شروط هذه الإتفاقية، يُمنح الإقامة حتى الآن، شَرط أن يُثبت هويته". ويضيف: " لكن بسبب تقديم الكثير من طالبي اللجوء هويات مزوّرة، ووثائق غير معترف بها، دفع بدائرة الهجرة الى طلب إثباتات شخصية، وأشترطت أن يُعرف طالب اللجوء نفسه مَن هو، وأن يُثبت بأنه معرض للإضطهاد بشكل شخصي، حسب معاهدة جنيف، وعليه أن يقدم وثائق أصلية حقيقية، مثل الجواز الأصلي غير المُزوّر".

ويوضج باسيل أن : " على طالب اللجوء أن يُثبث أنه مُضطهد من نظام دولته، لإسباب سياسية أو عرقية أو دينية - طائفية، وليس بسبب ظروف الحرب ، فهذه لم تعد كافية".
ويعتقد أن قسماً من الناس " استغل اللجوء، لإسباب شخصية، فأصبح تطبيق القوانين أشد، مثلا، أعداد من اللاجئين كانت سابقاً تأتي من بلد، وتَدّعي أنها من بلد آخر".

ويرى أن سوق العمل تغيّرت في السنوات الأخيرة بشكل كبير، وأن الأزمة الإقتصادية أثرت على استقبال اللاجئين. فسابقاً كانت هذه السوق، بحسب تعبيره تعتمد على " الإيدي العاملة الداخلة في الإنتاج وقطاع الخدمات، لكن الاعتماد الآن أصبح على التكنيك وعلى الإيدي العاملة الماهرة".

هل حافظت السويد على الحقوق الإنسانية والقانونية لطالبي اللجوء؟
رئيس اتحاد الجمعيات العراقية في السويد عبد الواحد الموسوي يقول لـ " إيلاف" : "السويد لم تُقلل من نسبة قبول طالبي اللجوء، لكن الفرق هو أن الزخم على طلب الإقامات ازداد أكثر من السابق، لذلك من الطبيعي أن يزداد عدد المرفوضة طلباتهم".

عبد الواحد الموسوي

ويضيف الموسوي الذي يرأس هذا الإتحاد الذي يضم في صفوفه العشرات من الجمعيات والأندية الثقافية والإجتماعية، أن الأوضاع السياسية الحالية في العراق، " لا تتفق مع بند اللجوء السياسي الذي تستند اليه السويد في منح الإقامات للعراقيين. لكون العراق وفق المقاييس القانونية، دولة ديمقراطية، لها دستور، وإن الشعب ينتخب، وهناك أحزاب، وحرية فكرية وسياسية، بحسب هذه المقاييس القانونية الدولية، لذلك فهي مع الدول الأوروبية التي ترفض طلبات اللجوء".

ويشير الى أن حصة السويد من اللاجئين المُسجلين دولياً هي 1125 لاجئاً، لكن الجميع يعرف أنها تقبل أضعاف هذا العدد بكثير.

ويؤكد الموسوي أن السويد حافظت على الحقوق الإنسانية لطالبي اللجوء الذين يجري إبعادهم، " وعلينا عند الحديث بلغة الأرقام، مقارنة ما قبلته السويد من طالبي لجوء عراقيين، مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة، فهي استقبلت لوحدها أعداداً تفوق بكثير ما استقبلته مجموعة دول".

هذا بعضٌ من واقع حال طالبي اللجوء، وكيف تتعامل السويد مع قضاياهم. لكن إذا كان هذا واقع الحال، فمن يتحمل مسؤولية غياب أو تَغيب المعلومة الصحيحة عن مئات آلاف المهاجرين القادمين خصوصًا من الشرق الأوسط؟
 

في أخبار