تهدد الانقسامات بين الجماعات الجهادية وفصائل الجيش السوري الحر، بشق طريق فرعي في مسيرة الحرب الأهلية المستمرة في سوريا، حيث يتهم المعارضون الجهاديين بسرقة ثورتهم.


تلوح في شمال سوريا بوادر انقسام بين الجماعات الجهادية والجيش السوري الحر، يهدد بوضع الطرفين في مواجهة أحدهما مع الآخر وفتح مرحلة جديدة في الحرب الأهلية السورية.

المعارضة غاضبة من الجهاديين

ويقول قادة ميدانيون يقاتلون تحت راية الجيش السوري الحر، إنهم يشعرون بغضب متزايد على سلوك الجماعات الجهادية وخاصة جبهة النصرة، المرتبطة بتنظيم القاعدة التي يتهمونها بالسعي إلى خطف أهداف الثورة.
ويتبدى التوتر المتصاعد بشكل ملموسٍ، في ريف حلب الذي أصبح معقل الجهاديين المسلحين تسليحاً حسناً، والمدفوعين ايديولوجياً، حيث يعتنق كثير منهم نظرة بن لادن ويرون في سوريا ساحة للجهاد العالمي.

الثورة لا تهدف إلى فرض الأصولية

وتؤكد فصائل المعارضة السورية غير الجهادية أن أهدافها وطنية لا تهدف إلى فرض أصولية إسلامية على المجتمع، إذا سقط نظام الرئيس بشار الأسد أو حين يسقط.

المواجهة باتت حتمية

وسيمثل اندلاع مواجهات مسلحة بين الجهادين المسلحين تسليحاً حسناً، والوحدات الوطنية التي قبلت مساعدتهم، ابتداء من أواخر الصيف الماضي، تصعيداً حاداً في النزاع الذي كلّف حتى الآن أكثر من 60 ألف قتيل. ولكنّ قادة ميدانيين في شمال سوريا يرون أن مثل هذه المواجهة تبدو الآن حتمية لا مفر منها.
وقال قائد عسكري كبير في المعارضة السورية المسلحة، لصحيفة الغارديان quot;سنقاتلهم في اليوم التالي بعد سقوط الأسد. وحتى ذلك الوقت لن نعمل معهم بعد الآنquot;.
وكان لواء التوحيد وكتائب أخرى منضوية تحت راية الجيش السوري الحر، بدأت خلال الأسابيع الأخيرة تنفذ عمليات بمفردها، دون أن تدعو جبهة النصرة إلى المشاركة فيها.
ومن هذه العمليات الهجوم على مدرسة المشاة في شمال حلب في منتصف كانون الأول (ديسمبر) وكذلك الهجمات المستمرة على اللواء 80 للجيش النظامي على أطراف مطار المدينة وقاعدة عسكرية شرقها.
وأكد القائد العسكري الذي تحدث لصحيفة الغارديان، أن الجهادين quot;ليسوا راضين عنا، ولكنهم أصلا يكتنزون أسلحتهم لأنفسهمquot;.
ومن القضايا الكبيرة الأخرى التي تواجه قادة المعارضة، هي ممتلكات الدولة التي وقعت بأيديهم، حيث قال القائد الميداني إن بعض المقاتلين quot;لا يرون مشكلة في سرقة أشياء كانت ملك الحكومة مثل معامل النحاس أو أي معمل آخرquot;. وأضاف quot;أنهم يبيعون هذه المواد إلى الأتراك ويستخدمون ثمنها لأنفسهم. وهذا خطأ فهي أموال الشعبquot;.

جبهة النصرة تعمل على كسب السكان

ولا تنكر جبهة النصرة ارتباطها بتنظيم القاعدة أو حقيقة أن العديد من مقاتليها حاربوا في العراق.
وقال عناصر في جبهة النصرة خلال مقابلات صحافية إنهم تعلموا دروساً من العراق، حيث تعرضوا لضربات ماحقة على أيدي القوات الأميركية والعراقية ورجال الصحوة في المناطق السنية التي رفضت أساليب القاعدة وممارساتها باسم الإسلام والشريعة.
في سوريا، تجنّبت جبهة النصرة حتى الآن استهداف منشآت مدنية أو مناطق الأقليات. كما بدأت تنفذ برامج هدفها كسب سكان المناطق التي دمرتها الحرب المستعرة منذ نحو عامين. وحققت المساعدة التي تقدمها جبهة النصرة لأهالي هذه المناطق قدراً من التأييد في شمال البلاد، لكنها استنزلت عليها غضب فصائل المعارضة الوطنية المسلحة.

وبفضل الدور المتعاظم لجبهة النصرة في ميادين القتال، وسمعتها المتنامية بوصفها تنظيماً قادراً على التنفيذ والإنجاز، أصبحت الجماعة لاعباً في فراغ السلطة الذي أفرزته الحرب الأهلية. كما أنها معروفة بفرض ما تريد وبتعنتها الذي يثير قلق فصائل المعارضة غير الجهادية، والتجمعات السكانية التي تدعي جبهة النصرة حمايتها.

المقاتلون يرفضون الانتماء إلى جبهة النصرة

وتحدث مقاتل قدّم نفسه إلى صحيفة الغارديان باسم حسن خشية ان يلتقط الوشاة همسه باللغة الانكليزية حتى في ساحة مكشوفة واسعة مثل ساحة المدرسة التي وقف وسطها، فقرر أن ضجيج الشارع مكان أسلم للحديث.
قال حسن الذي كان مقاتلا في وحدة تابعة للجيش السوري الحر شرقي حلب quot;انهم [عناصر جبهة النصرة] يأتون اليَّ طول الوقت. وأنا أُقدم اليهم الأعذار، قائلا إن الماكنة التي أعمل عليها لا تصلح لما يريدونه، أو أي شيء للتملص مما يريدونه. فهم يريدون مني أن أصنع عبواتهم الناسفةquot;.
وكانت جبهة النصرة تشجعت خلال الشهرين الماضيين بما فيه الكفاية للخروج من الظل، وفتح مكاتب لها في غالبية البلدات والقرى الواقعة تحت سيطرة المعارضة في شمال سوريا، من حلب إلى الحدود التركية، بل إنها فتحت مقراً علنيا وسط المدينة بجانب قاعدة تابعة للواء التوحيد، إحدى وحدات الجيش السوري الحر.

فوق كل مكتب علم أسود

ويرتفع على كل مكتب علم أسود هو نفسه علم تنظيم القاعدة في العراق الذي انبثقت منه جبهة النصرة.
وفي هذه المراكز يستقبل كوادر الجماعة سكان القرى الذين يأتون إليهم لفض نزاعاتهم وطلب المساعدة. ويجلس في هذه المكاتب رجال بأيديهم دفاتر لتسجيل الشكاوى، وأحيانا توزيع كوبونات للحصول على مواد غذائية أو محروقات.

ولكن الأسابيع الستة الماضية، شهدت تحول العلاقة بين وحدات الجيش السوري الحر، وجبهة النصرة من صيغة تعاون إلى عدم ثقة وارتياب لا يُخفى أحدهما بالآخر. وكشف أسبوع من المقابلات التي أجرتها صحيفة الغارديان، مع فصائل ومجموعات مسلحة في شمال سوريا، أن تباعداً بدأ ينشأ بين الجهاديين والسكان.
ويتوقع قادة ميدانيون في الجيش الحر، أن يتصاعد في نهاية المطاف إلى مواجهة سافرة بين هؤلاء الجهاديين وسكان المجتمعات الريفية المحافظة التي وافقت على استضافتهم. وبدأ البعض يتحدث من الآن عن انبثاق quot;صحواتquot; على غرار الصحوات التي طردت عناصر تنظيم القاعدة في محافظة الأنبار أواخر عام 2006 عندما حاولوا تطبيق نسختهم المتزمتة من الشريعة وفرض إرادتهم على الأهالي بقوة السلاح.

الجهاديون يسرقون المعامل

وتوجهت وحدات من جبهة النصرة قبل أيام إلى منشأة حكومية لتصفية الماء على نهر الفرات ودعت وحدات من الجيش السوري الحر للانضمام إليها في تفكيك قطع من المعمل، لبيعها إلى من يرغب في الشراء. وانضمت وحدة إلى الجهاديين في سرقة مكائن المعمل فيما رفضت وحدات اخرى.
وقال قائد ميداني في الجيش السوري الحر، طلب عدم ذكر اسمه quot;ان هذه ممتلكات سورية للشعب السوري. وهم يرون هنا مرتعا يفعلون فيه ما يحلو لهم. إن مهمتنا هي حماية الدولة للحياة بعد الأسد وليس تدميرهاquot;.
وروى قائد ميداني آخر قصة أرادها أن تكون تحذيراً من خطر تنظيم القاعدة على المجتمع السوري. ففي العام الماضي وصل وجهاء بعض البلدات في عمق ريف حلب وقادة وحدات المعارضة التي تعمل بينها نبأ زائر على وشك الوصول. وتابع القائد الميداني قائلا لصحيفة الغارديان quot;كان الزائر تونسياً وقال انه يحمل رسالة باسم ايمن الظواهري. وطلب منا أن ننضم إليه قائلاً إن ذلك سيعود علينا بفوائد. وطلب مني مبايعة القاعدة. قلت لا. وهذا ما يجب علينا جميعا ان نفعله. فإذا استمرينا معهم فان سوريا التي نحلم بها ستكون بدلا من ذلك كابوسا يلاحق اطفالناquot;.