أحرجت فضيحة الفساد في تركيا رجب طيب أردوغان، وهددت بعاصفة سياسية تحمل بصمات فتح الله غولن المنفي اختياريًا في بنسلفانيا الأميركية.


يعيش فتح الله غولن في منفاه الاميركي، حيث يعتقد أنه العقل المدبر للتوتر الذي يعصف بتركيا. فهذا الداعية الإسلامي الذي ولد في العام 1941 قرب مدينة إيرزوروم التركية، يترأس أكثر الحركات الإسلامية نفوذًا وغموضًا.

من بعيد

الرجل الغامض يقضي حياته منذ العام 1999 في منفاه الاختياري بمنطقة ريفية في ولاية بنسلفانيا الأميركية، منذ أن هرب إليها بعد اتهامه بمحاولة قلب نظام الحكم العلماني في تركيا آنذاك. ويعتقد الخبراء أن أتباع غولن من أصحاب المناصب في منظومتي الشرطة والقضاء هم من فجروا قضية الفساد التي هزت الحكومة التركية، وباتت تهدد أردوغان نفسه، وفقًا لصحيفة كريستيان ساينس مونيتور.

صراع السلطة في تركيا حاليًا يمثل انهيار التحالف الذي دام لأكثر من عشر سنوات بين حزب العدالة والتنمية، الذي يتزعمه أردوغان ويتبنى توجهًا إسلاميًا، وبين الحركة الموالية لغولن التي ساعدت حزب أردوغان على أن يبقى القوة السياسية المسيطرة في تركيا في مواجهة النخبة العلمانية.

دويلة غولن

بعد اعتقال نحو 50 شخصًا في 17 كانون الاول (ديسمبر) على خلفية قضية الفساد الحكومي، وبينهم عدد من المقربين لأردوغان، اتخذت الحكومة قرارات باستبعاد المئات من الضباط، إضافة إلى تغيير النائب العام الذي يحقق في القضية.

يشار إلى أن ثلاثة وزراء استقالوا، علاوة على استقالة أربعة نواب برلمانيين من حزب العدالة والتنمية، بينهم وزيران سابقان، احتجاجًا على ما وصفوه بإعاقة سير التحقيقات. وفي إشارة واضحة إلى وجود بصمات أتباع غولن، استنكر أردوغان ما وصفه بمساعي البعض لتكوين دولة داخل الدولة، فيما نشر غولن بيانًا اتسم بلهجة حادة، صبّ فيه اللعنات على من اتهمهم بإعاقة سير التحقيقات، في إشارة واضحة أيضًا إلى أردوغان، داعياً الله أن يعاقب هؤلاء بإحراق منازلهم وتدمير بيوتهم وكسر وحدتهم.

يأتي هذا الشقاق بعد أكثر من عشر سنوات على تحالف أردوغان وغولن، الذي يرجع إلى إيجادهما أرضية مشتركة قبل فوز حزب العدالة والتنمية للمرة الاولىفي العام 2002، إذ أن كلا الرجلين كانا مستهدفين من قبل النظام العلماني المتشدد الذي كان يحكم تركيا في ذلك الوقت.

انعدام ثقة

حوكم غولن غيابيًا في العام 2000، لإتهامه بمحاولة قلب نظام الحكم. أما أردوغان فسجن وراء القضبان لأربعة أشهر في العام 1999، لإلقائه قصيدة تم اعتبارها بمثابة تحريض على الكراهية الدينية. وعندما وصل حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم في العام 2002، حرص الحليفان غولن وأردوغان على التعاون من أجل إسقاط نظام الحكم العلماني القديم في البلاد، وهو ما نجحا بالفعل في تحقيقه.

لكن في هذه الأيام، تشهد تركيا انقسامًا بين الحليفين بعد أن ساد علاقتهما انعدام ثقة تزايد بشكل كبير، إلى أن اصبح كل منهما يخشى أن تزداد قوة الآخر وتهدد موقعه. وقال المحلل السياسي والأستاذ الجامعي التركي سولي أوزيل أن الانقسام بين أردوغان وغولن يعود إلى انتماء كل منهما إلى مدرسة إسلامية مختلفة عن الآخر، لكنهما توحدا لأنهما كانا يواجهان عدوًا مشتركًا.

فراق بعد عناق

اتخذ الانقسام بينهما منحىً خطيرًا، ففي كانون الأول (ديسمبر) من العام الماضي، تم اكتشاف جهاز تفجيري داخل مكتب أردوغان، وأشارت أصابع الاتهام آنذاك إلى موظفين في جهاز الشرطة متعاطفين مع غولن.

وتصاعدت حدة التوتر بين الطرفين عندما أعلنت حكومة أردوغان حظر بعض المدارس التحضيرية الخاصة التي تدير معظمها حركة غولن، وتعتبرها مصدرًا للربح واستقطاب التلاميذ. وأعرب أوزيل عن خوفه من أن يتحول الشقاق بين أردوغان وغولن إلى صراع للسيطرة على مؤسسات الدولة، الأمر الذي سيدمر هذه المؤسسات، مؤكدًا على خطورة هذا الصراع على مستقبل البلاد.