GMT 15:30 2013 الجمعة 26 أبريل GMT 2:51 2013 الأحد 28 أبريل  :آخر تحديث

شاهد على الهجوم الكيمياوي على الشيخ مقصود: لم يبق لي شيء!

عبدالاله مجيد

خسر ياسر يونس الذي يقطن حيّ الشيخ مقصود في حلب زوجته وولديه في هجوم استهدف منزلهم بمواد سامّة مجهولة وبعدما تأخرت سيارات الإسعاف في الوصول إليهم، وتحوّل الحيّ المذكور ذو الغالبية الكردية ساحة حرب بعد انضمام الأكراد لصفوف المعارضة.


كان الهجوم الكيمياوي الذي قضى على عائلة ياسر يونس حدثًا صغيرًا، يكاد أن يكون شأنًا عائليًا خاصًا. ولو لم يتمكن ياسر (27 عامًا)، الذي يعمل مصلح سيارات، من مغادرة عتبة بيته في حلب إلى الشارع في ظلام الليل، ضامًّا ابنه الرضيع إلى صدره، لما عرف أحد ما الذي أباد عائلته.
 
مات أفراد العائلة مرتعشين، مهلوسين، ومختنقين بالزبد الأبيض، الذي تدفق من أنوفهم وأفواههم. ويعتقد الأطباء السوريون، الذين فحصوا جثثهم، أنهم قُتلوا بغاز الأعصاب.

جس نبض
يبدو أن النظام السوري يفضّل استخدام الغاز ضد المناوئين له بهذه الطريقة المحدودة، مختبرًا مرونة "الخط الأحمر" الذي رسمه الرئيس الأميركي باراك أوباما في آب/أغسطس لتحذير بشار الأسد من استخدام الأسلحة الكيمياوية. فبهذه الطريقة يتجنّب النظام المجازر الكبيرة، ويمنح الغرب مجالًا كافيًا للمماطلة والتسويف بشأن التدخل، كما يرى مراقبون.

لكن الأدلة التي توافرت لدى الولايات المتحدة على أن قذيفة كيمياوية أصابت منزل ياسر يونس في 13 نيسان/إبريل كانت واحدة على الأقل من أسباب التصريح الذي أدلى به وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل في أبو ظبي، حين قال إن الاستخبارات الأميركية تعتقد أن النظام السوري "على الأرجح" استخدم أسلحة كيمياوية، وخاصة غاز السارين، على نطاق ضيق.

وكانت استخبارات غربية، بينها الاستخبارات البريطانية، توصلت إلى نتيجة مماثلة في وقت سابق. وتأكد البريطانيون من أن قوات الأسد أطلقت قذائف مدفعية تحوي غاز الأعصاب على مواقع محصنة لقوات المعارضة. 
 
ويشير تحقيق، أجرته صحيفة التايمز داخل سوريا بما في ذلك مقابلات مع ناجين وأطباء عالجوا المصابين مع دراسة أشرطة فيديو سُجلت بعد الهجوم مباشرة، إلى استخدام غاز الأعصاب في الحرب السورية.

في البداية لم يكن هناك الكثير مما يثير الاستغراب في دوي الانفجار الذي هزّ منزل ياسر في ساعة الفجر قبل أسبوعين. وإذ استيقظ ياسر جالسًا في فراشه، فإنه ظن أن عائلته كانت محظوظة بالإفلات من إحدى قذائف النظام، التي تسقط بانتظام على حي الشيخ مقصود في حلب، حيث كان يعيش مع زوجته وابنيه. 

روائح وهواء ملوث
وعندما مشى ياسر في الرواق، لاحظ أن الهواء مشبع بالغبار، وافترض أن قذيفة انفجرت في ركن السلَّم المؤدي إلى سطح بيته ذي الطبقة الواحدة. ثم لاحظ وجود رائحة "لاذعة" غريبة في الهواء، وحشرجة كانت في الحقيقة صوت زوجته وطفليه وهم يلهثون محاولين التنفس في غرفة النوم خلفه.  

ونقلت صحيفة التايمز عن ياسر قوله أمام منزله المهجور الآن "استدرتُ وركضتُ عائدًا إلى الغرفة. وكانت زوجتي وأطفالي يلاقون صعوبة في التنفس، والزبد يتدفق من أفواههم. كانت في الهواء لسعة غريبة، وبدأت حنجرتي تنقبض ودقات قلبي تتسارع".
وتابع ياسر "بدأتُ أفقد نظري، فخطفتُ ولدي صادق، وركضتُ إلى الشارع، ثم سقطت. ولا أتذكر شيئًا بعد ذلك".

لم ير ياسر زوجته غدير نداف (25 عامًا) وولديه صادق (18 شهرًا) ويحيى (4 أشهر) أحياء بعد ذلك. وعندما استعاد وعيه بعد أربع ساعات على سرير المستشفى في بلدة عفرين، كان أفراد عائلته ماتوا جميعًا. 

سموم مجهولة
وأُصيب ثلاثة عشر آخرين، بينهم منقذون ومسعفون عالجوا الضحايا، بأعراض، بينها زبد في الفم وهلوسة وارتعاشات في الأطراف. وخلص تقرير المستشفى إلى أن إصاباتهم سببها "مواد سامة مجهولة".
 
وفي فوضى الحرب الأهلية المستعرة في سوريا لم تتوافر في أي مستشفى من المستشفيات العاملة في مناطق المعارضة مختبرات لفحص الغاز المستخدم. لكن مصادر طبية في شمال سوريا قالت لصحيفة التايمز إن فريقًا من "مؤسسة طبية أميركية" وصل إلى مستشفى عفرين بعد الهجوم مباشرة. وأخذ أعضاء الفريق عينات من شَعَر الضحايا لفحصها في "مختبر أميركي".  

كانت هذه العيّنات على الأرجح أحد الأدلة التي أشار إليها وزير الدفاع الأميركي. لم يكن في منزل ياسر يونس ما يسترعي اهتمام النظام. فهو بيت رجل فقير، لا شيء يميّزه عن البيوت الأخرى في زقاق حي الشيخ مسعود المطرّز بالحفر. وكانت العائلة تعيش في غرفتين. وكان سلَّم عليه باب يؤدي إلى السطح من الخارج.

ساحة حرب مع انضمام الأكراد
لكن حي الشيخ مقصود، مثله مثل مواقع أخرى، التي تحدثت التقارير عن ضربها بأسلحة كيمياوية، يتسم بأهمية استراتيجية في معركة حلب. وأصبح الحي ذو الغالبية الكردية ساحة حرب بعدما أعلنت ميليشيا كردية انضمامها إلى المعارضة، وطردت قوات النظام من المنطقة متحالفة مع الجيش السوري الحر.

استشاط النظام غضبًا على الكرد قاصفًا الحي مرات متكررة منذ ذلك اليوم، فيما فتح الجيش السوري الحر طريق إمدادات لوجسيتية كبيرة عبر المنطقة. وكانت غالبية العائلات الكردية تتهيأ أصلًا للنزوح عندما انتشر نبأ الهجوم الكيمياوي. 

وأوضحت أنجيزك المقاتلة الكردية في حي الشيخ مقصود "أن الهجوم الكيمياوي شديد الأثر مهما كان حجمه، وأن الكرد هنا كانوا يعرفون ما فعله صدام حسين بكرد حلبجة قبل سنوات. وهم يعرفون أن لدى بشار الأسد خزينًا من الغازات المماثلة لغازات صدام.  وكانوا خائفين أصلًا بطبيعة الحال، وعندما سمعوا بالهجوم الكيمياوي هنا، رحل كثيرون على الفور". 

ورغم الرعب الذي بثه الهجوم بين سكان المنطقة، فإن نطاقه الضيق لم يلفت انتباه المجتمع الدولي. وقال هيمش دي بريتون غوردن مدير التشغيل في شركة سكيور بايو لمتد المتخصصة بدراسة الأسلحة الكيمياوية إن النظام السوري "مستعد للسير على الخط الأحمر من أجل اختبار حدوده". 

وتساءل "ما هو عُرض الخط الأحمر؟، فالجميع مهووس بالأسلحة الكيمياوية في سوريا، بينما قُتل 70 ألفًا بأسلحة تقليدية. وما دمنا منشغلين كلنا بالأسلحة الكيمياوية فإن بمقدور النظام أن يستمر في القتل بطرق أخرى".

وما زالت سلسلة الأدلة التي تحدِّد الجهة المسؤولة في نهاية المطاف عن هجوم حي الشيخ مقصود أدلة ضبابية، رغم أن القذيفة المستخدمة سقطت من السماء، كما هو واضح، مخترقة الستارة البلاستيكية في منزل ياسر قبل الانفجار على السلَّم. وعندما هرع جيران ياسر وأخوته إلى الشارع لمساعدة العائلة المنكوبة، قام الناشط الكردي روجهات آزاد بتصوير ما خلفته القذيفة من أنقاض قبل أن ينهار تحت تأثير الغاز.
 
وقال آزاد عارضًا شريط الفيديو بعد مغادرته المستشفى في عفرين، حيث أمضى ستة أيام "من الواضح أن للقذيفة جزئين"، مشيرًا إلى الأسطوانة المعدنية الممزقة في الشريط الذي يظهر فيه سلَّم البيت وأسطوانة رمادية أصغر لم تتضرر كانت في أسفل السلَّم. 

وقدم شريط فيديو آخر سجله العاملون في مستشفى عفرين على بعد ساعة بالسيارة عن حلب، أدلة أقوى. ويظهر في هذا الشريط الذي عرضه على صحيفة التايمز جرّاح العظام الدكتور كاوة حسن، الذي استقبل أول المصابين في حوالى الساعة الرابعة صباحًا، ضحايا، بينهم ياسر وزوجته المحتضرة، في حالة أقرب إلى الغيبوبة، والزبد يسيل من الفم والأنف. كما يظهر أحد أفراد فرق الإنقاذ ممدًا ويده تنتفض كأنه مصاب بنوبة صرع، كما هو معهود في أعراض التسمم بالغاز. 

وقال الدكتور حسن إن المستشفى استقبل في البداية خمسة مصابين، بينهم من كان الزبد يسيل من أفواههم وتوسعت حدقاتهم. ثم بدأت هذه الأعراض تظهر على بعض العاملين في المستشفى أيضًا. وأضاف الدكتور حسن أنه أعطاهم كلهم أتروبين، الذي كان له تأثير إيجابي في غالبية المصابين.

لكن الإسعاف وصل متأخرًا إلى زوجة ياسر يونس وولديه. وفارق ولداه الحياة قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من الوصول إلى المستشفى، فيما توفيت زوجته بعد نصف ساعة على إدخالها.

تساءل ياسر هائمًا أمام منزله المهجور "ماذا أعمل؟، لم يبق لي شيء. لا أستطيع العودة إلى منزلي، ولا أعرف كيف أنظفه من المواد الكيمياوية. انتظر هطول المطر كي ينظفه لي". 

  

في أخبار