شرق- غرب
لوس بوتمان
GMT 8:19:00 2010 الثلائاء 5 يناير
يقول الناس أحيانا : الموت هو الموت، ولاشيء بعد الموت.
كيف يمكن ذلك؟،إذا إفترضنا أن أفكارنا حول الحياة مابعد الموت ماهي إلا أوهام، ويجب أن تظل هكذا، فان تناولنا لها بجدية يحيل الى أن مصدرها يقتصر أساسا على حقل الحواس..والناس في المجتمعات الغربية المعاصرة لاتعتقد إلا بما هو حسي، أو مايمكن إثباته.
قبل القرن الثامن عشر، كان للناس رؤية مغايرة تماما للحياة، وهنا يمكننا أن نتساءل : ماهو أصل تلك المعتقدات، ومن اين إستمدوها، ففي كل الثقافات ثمة رؤية مشتركة، حول الخلق مثلا. هناك، إذا فجوة نشأت بين الإيمان والمعرفة، والسؤال المطروح أعلاه هوة طريقة لردم هذه الفحوة.
برأيي يمكن إرجاع التقابل بين هاتين النظرتين ( الايمان والمعرفة) حول "الواقع" الى تغيير حدث في وعينا عبر الزمن.
يفترض الكاتب الالماني " Rudolf Gelbke "
انه إذا تم طرح سؤال على شخص غربي: كيف تقيم رؤية االشرق للعالم الروحاني وهل تعتبرها ذات صدقية؟ سيجيب، مغيرا مجرى الحديث ومقللا من أهميته : إن الشرقيين يخشون "الواقع " لذا يلجأون الى عالم أحلامهم الوهمية أو الى الإيمان.وعندما نطرح سؤالا مماثلا على شرقي حول رؤية الغرب سيكون جوابه،في أغلب الأحيان:"هؤلاء الغربيون يخشون "الواقع" لذلك يركنون الى عالم وهمي من الإدراكات الحسية ".
نستطيع أالقول أن مقولة "شرق –غرب"، تعادل مقولة "الماضي- الحاضر" دون أن يعني ذلك أي إقرار بأفضلية الحاضر على الماضي، فنحن الغربيين نعتقد جازمين بالإدراكات الحسية، و"الواقع"الملموس، وبضرورة البرهنة حسيا على ال، "حقائق"، فالأشياء لابد أن تكون قابلة للعد والإثبات.
عندما نعزف نوطة موسيقية، ثم نعزف نوطة أخرى، فاننا نسمع نوطتين، لكننا ننشعر بالفاصل الذي يقع بينهما، ها هذا صحيح؟ هل نسمع تلك المسافة التي تفصل بين النوطتين؟ كلا بالتأكيد، فنحن لا نسمع إلا النوطتين، وتنتفي أية إمكانية للبرهنة حسيا على تلك المسافة التي تقع بين النوطتين. المثير هنا أننا إذا اسلمنا أنفسنا لحواسنا فقط، فاننا سوف نفتقد القطعة الموسيقية التي لا تتكوّن من النوطات فقط،وهو ما يحيد عن حقيقة القطعة الموسيقة المكونة ليس من النوطات فقط وإنما من الفواصل أيضا.
بقول آخر أن القطعة الموسيقية هي أكثر من الحسية التي نعتمدها، إذ أن الإدراكات الحسية تمكننا من بلورة إحساس أو فكرة أو خطة ما، لكنها قاصرة في أن تكون دليلنا الوحيد الى الأفكار والمشاعر.
هل نستطيع إذا أن نختصر الفكر الشرقي كفكر مؤسس على "اللامحسوس"الذي كنا نؤمن به كغربيين في الماضي؟ بالطبع لا، فهو أكثر اتساعا من ذلك بكثير ولا نستطيع أن نسبر أغواره بمنهجيتنا الحسية.
من هذا نستنتج ان في الماضي كان هناك عالم آخر يمثّل "الواقع " بالنسبة للناس، ذلك العالم لم يعد من الممكن الوصول اليه، لقد إمحى ذلك العالم، وعلى الناس أن لايتطلعوا الى هذا العالم البائد ان كان ثمن هذا التطلع يعني التنازل عن مكاسب وميزات الرؤية العلمية.
أليس من المفروض علينا أن نتطلع شرقيين وغربيين الى مصدر معرفي جديد؟
ترجمة: محمد الأمين
فنانة تشكيلية هولندية
www.loesbotman.nl