قراءة في الثورة الايرانية

أثارت و تثير الثورة الايرانية التي إندلعت بوجه النظام الملکي الايراني شباط عام 1979 و اطاحت به، تساؤلات و استنتاجات متباينة و بصيغ و اساليب مختلفة، لکن کان هناك إتفاقا و تطابقا في جميع وجهات النظر بصدد أن هذه الثورة کانت واحدة من الاحداث المهمة جدا و التي عصفت بمنطقة الشرق الاوسط بشکل خاص و العالم الى حد ما بحيث أعادت من جديد أهمية إيران الجيواستراتيجية و قوة تأثيرها على المنطقة و العالم.


الثورة الايرانية التي لفتت أنتباه العالم بأجمعه من حيث کونها واحدة من الثورات النوعية و الفريدة من نوعها في التأريخ المعاصر، تتأتى أهميتها و قيمتها الکبيرة من حيث أن الشعب الايراني بمختلف شرائحه الاجتماعية و الفکرية و قواه الوطنية، شارك في إنجاز هذه الملحمة السياسية التي بعثت برسالة للعالم کله من أن اقدار الشعوب هي أکبر بکثير من قوة و سطوة و نير و جور النظم الاستبدادية القمعية.


وعودة الى التأريخ الايراني القريب، تعيد الى الاذهان الحرکات و الوثبات و الانتفاضات الکبيرة التي قام بها الشعب الايراني من أجل حريته و حقوقه الاساسية وعلى رأسها ثورة الدستور التي تؤکد عمق الوعي السياسي الحضاري للشعب الايراني، واکد هذا الشعب الاصيل و النبيل بأن حضارته الممتدة لأکثر من 2500 عام، قد بنيت اساسا على تطلعاته و فهمه الثاقب للأمور و تفهمه العميق لمعنى و مغزى الحياة سيما من حيث تشبثه بالحرية و الکرامة الانسانية کأهداف سامية لايمکنه التنازل او المساومة عليها. وعندما بدأت الساحة الايرانية بالتحرك غير العادي في عام 1978 من القرن الماضي وتوج ذلك بنصر مبين، تصور الکثيرون(ولازال هذا التصور يهيمن على جانب کبير من الشارع العربي) من أن الثورة الايرانية قد إندلعت بسبب و تأثير مباشر من جانب آية الله الخميني وان الثورة الايرانية کانت اساسا مجرد حرکة دينية إجتماعية محضة بسياق عفوي ليس الا، مسقطين بذلك أدوارا رئيسية و حاسمة لقوى سياسية إيرانية أخرى بإتجاه التصادم مع نظام الشاه وتوعية و تنوير اذهان الشعب الايراني وإعداده بالصورة الملائمة کي تتحرك بالصورة المطلوبة من أجل المطالبة بحقوقه.

ان الساحة الايرانية في عهد نظام الشاه محمد رضا بهلوي، قد حفلت بقوى سياسية مناهضة و رافضة للحکم الملکي الفردي ومن ضمنها منظمة فدائيي خلق(المارکسية) و نهضت آزادي بزعامة الدکتور مهدي بازرکان و الجبهة الوطنية (جماعة الدکتور کريم سنجابي) والحزب الديمقراطي الکوردستاني(حزب الدکتور قاسملو) وتيارات سياسية أخرى، بيد أن أهم تيار سياسي إيراني معارض للحکم الشاهنشاهي قد تجلى في منظمة مجاهدي خلق(التي تأسست على يد مثقفين و اکاديميين إيرانيين عام 1965 من أجل إسقاط نظام الشاه) و خاضت نضالا سياسيا و جهاديا عنيفا ضد ذلك الحکم داخل و خارج إيران وشکلت صداعا مزمنا و قلقا و توجسا دائما لکافة الاجهزة الامنية القمعية للنظام بل وانها کانت تربك زيارات الشاه للعالم الغربي وتثير له الکثير من الاحراج عندما کان أفراد و نشطاء هذه المنظمة الثورية يقومون بتظاهرات و إعتصامات و احتجاجات ضد سياسات النظام و يقومون بفضح ممارساته الدموية و اساليبه القمعية في التعامل مع الشعب.

وقد برز اسم هذه المنظمة بشکل ملفت على مختلف الاصعدة وبالاخص على صعيد الداخل الايراني إذ تمکنت من إستقطاب الجانب الاکبر من الشارع الايراني الى الافکار و المفاهيم التي تؤمن بها و تطرحها. کما ان النضال المسلح الذي کان يخوضه أفراد هذه المنظمة في شوارع طهران بشکل خاص و مختلف المدن الايرانية ضد القوات البوليسية و الامنية لذلك النظام دفعت وکالات الانباء لکي تتناقل نشاطات هذه المنظمة وتسلط عليها الاضواء على الرغم من أن النظام الشاهنشاهي کان يمتلك باعا في المجال الاعلامي من حيث شراء الذمم او التنسيق مع صحف و وکالات خبرية من أجل حرف الحقيقة او تشويهها. هذه المنظمة بسبب من قوة تواجدها على الساحة الايرانية و دورها البارز فيه وکذلك التضحيات الکبيرة التي قدمتها في سبيل قضية تحرر الشعب الايراني من ربق الجور الملکي، أدت ليس بالشعب الايراني لوحده کي يحب و يؤمن بهذه المنظمة وافکارها وانما حتى معظم رجال الدين المعارضين لسياسات الشاه کانوا يتوددون إليها و يمنحونها مکانة خاصة في نفوسهم (ومن ضمنهم معظم رجال الدين البارزين في الثورة کآية الله مرتضى مطهري و بهشتي و خامنئي و رفسنجاني). منظمة مجاهدي خلق، بشهادة معظم الذين عاصروا التأريخ الايراني الحديث و کتبوا او بحثوا فيه، أبليت بلائا حسنا في مقارعة نظام الشاه وکانت واحدة من أهم العوامل الرئيسية التي أدت الى إسقاطه و محوه من الوجود وان الکلام عن مايسمونه (کاريزما) الخميني او تأثيره على الشارع الشعبي الايراني، کان يقابله حضور جماهيري قوي و فعال للمنظمة وعلى مختلف الاصعدة داخل و خارج إيران وان العودة بالاذهان الى الوراء سيما في العامين الاولين من عمر الثورة، نجد انه في الوقت الذي لم تکن هناك أية مشارکة فعلية للمنظمة بالعملية السياسية الجارية وقتئذ، لکنه وعلى الرغم من ذلك کان هنالك ثمة علاقات و تنسيق ملفت للنظر الى حدما بين الخميني ذاته او ابنه احمد من جهة و بين منظمة مجاهدي خلق من خلال أبرز قادته و زعمائه خصوصا الاخ مسعود رجوي زعيم المنظمة وابرز و اصلب وجه سياسي معارض على الساحة الايرانية من جهة أخرى.

تلك الاتصالات المکثفة، والتي وعندما سنسلط الاضواء بشکل مرکز عليها، سنجد أنها کانت ذات طابع خاص جدا، من حيث إحتفاظ الجانبين بمواقفهما و رؤيتهما الخاصة للأمور المطروحة على الساحة الايرانية وقطعا ان علة ذلك الاهتمام من جانب الخميني بالمنظمة کان يعود اساسا لإدراکه العميق بالدور الکبير و الاستثنائي الذي لعبته هذه المنظمة في الساحة السياسية الايرانية و حضورها الاستثنائي و الکبير بين الجماهير وکذلك في دفعها للأحداث بإتجاه المزيد من التصعيد ضد نظام الشاه. هذه الاتصالات التي کانت تجرى بين الفينة و الاخرى، کانت في حد ذاتها بمثابة واحدة من أهم الاحداث الدراماتيکية الحساسة و الاستثنائية في تأريخ الثورة الايرانية حيث أنها کانت تعد و تخطط ببطأ و تأن(من جانب الخميني تحديدا) لوضع سياسي خاص، أما لماذا هذه الاتصالات و لماذا هذه السرية التي أحيطت بها الى حد ما من جانب الخميني فهو ماسنأتي عليه لاحقا.