الكتابة ليست طريقاً للثارات، لا سيما وأن "الإنتقام ليس حقاً من حقوق الإنسان"، على حد قول الإختصاصي في فكر الزعيم الروحي للهند المهاتما غاندي(1869ـ1948) وحياته، والمتعمّق في أبحاث "حل النزاعات باللاعنف"، وصاحب كتب مهمة في هذا المجال، منها "شجاعة اللاعنف"(2001) و"قاموس اللاعنف"(2005)، ومؤسس "حركة لأجل بديل لاعنفي"، المفكر الفرنسي جان ماري موللر.
كما أنّ الكتابة ليست هدفاً بحد ذاتها، بقدر ما أنها سلوك وطريقة حياة.
ربما من هنا كان الكتاب علماً وتعلّماً، جَدّاً وجهداً واجتهاداً، كما جاء في القرآن، عربياً مبيناً : "يَيَحْيَىَ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوّةٍ".
فالقوة، ههنا، لعلّ يجوز فهمها، على أنها إرادةٌ للعلم والتعلم، للكشف والإستكشاف، للأخذ والرد، للسؤال والجواب، أو العكس، أكثر من كونها إرادةً للعنف أو المُلك والسلطة. أخذ الكتاب بقوة، ههنا، يمكن ربما تأويله، على أنه شيء من قبيل "إرادة المعرفة"(والتعبير للفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو)، أو إرادة الحرف، أو إرادة الكتاب.
فالكتابة، في كونها أخذاً ورداً للمعرفة وفيها، هي قبل كل شيء، نوع من التعرّف على الذات والآخر، شيءٌ من قبيل اكتشاف الذات والآخر. أنها كشفٌ واستكشاف واكتشاف. من هنا قيل: "قل لي ماذا تكتب، أقول لك ما أنت!"
الكتاب، إذن، هو قبل كل شيء، أن تقرأ أكثر؛ أن تعرف أكثر؛ أن تكشف أكثر. وهو فوق هذا وذاك، أن تعرف نفسك أكثر في الآخر، وأن تعرف الآخر أكثر في نفسك. ألم يقل الفيلسوف اليوناني، وأحد آباء الفلسفة الكبار، سقراط(469ـ399 ق.م.)، يوماً : "أعرف نفسك"؟
الكتابة ليست انتقاماً بأي حالٍ من الأحوال، لأن الكتاب يبني أما الإنتقام فيهدم.
للكتاب على الناشر حقوق، وعلى القارئ حقوق، وعلى الكاتب أيضاً حقوق، تماماً مثلما لهؤلاء في الكتاب وعليه حقوق.
للكل حق في أن يعرف ويتعرّف ويعرّف؛ أن يعلم ويتعلّم ويعلّم.
للكتاب حق على الكل، وللكل فيه وعليه حقٌ.
على الكلّ أن يأخذ الكتاب بقوة: أن يبنيه بقوة، وينشره بقوة، ويقرأه بقوة، وثم يعيد أخذه بقوة.
للكل حق في المعرفة وعليها، لأنها من الجميع إلى الجميع، من أول الأرض إلى آخر الأرض.
أثار مقالي الأخير المنشور في إيلاف(لماذا لا أكره إسرائيل؟) ردود أفعالٍ كثيرة وغضبٍ أكثر، هنا وهناك، سواء بالرد المباشر على "لاكراهيتي لإسرائيل" في إيلاف، أو خارجها، فضلاً عن استقبالي عبر إيميلي الخاص، للكثير من "التلقين المحترم" والدروس في التربيتين القومية والوطنية، والهداية إلى الدين، والحكم بالتخوين، إضافةً إلى نصيبٍ غير قليل من الشتيمة والمسبّة بكل أصلي وفصلي، بمكاني وزماني، وب"الذي جابني" و"جاب" إسرائيل وأورشليمها، منذ عبورها الأول، إلى العبور الأخير لآخر يهودي إلى القدس الشريف.
إني إذ أكتب ههنا، إلى كل العابرين إليّ، بمناسبة هذه "اللاكراهية لإسرائيل"، قراءً وكتاباً، مخالفين مختلفين، أو موافقين متفقين، فإني لا أريد أن أسجل "أهدافاً" في مرمى أحد، فالمعرفة أكبر من أن تُمسخ إلى مجرد "تسجيل أهداف" أو مبارزات أو عرضٍ سخيفٍ للعضلات، ولا لأني أريد أن أكرر خلافي مع أحدٍ، أو أسجّل خلافاً آخر، مع من أختلف معهم في "كراهيتهم لإسرائيل"، بقدر ما إني أريد أن أسجل شكري الكثير لهم، في أن يكونوا حريتهم..كل حريتهم.
أما أن يحبوا حريتهم في كراهيتهم، أو يحبوا كراهيتهم في حريتهم، فهذا شأن آخر، لا شأن لي به..أو قل هو شأنهم في حريتهم التي أرادوا لأنفسهم أن يكونوها.
بالطبع لا أتفق مع كراهيتهم، بذات المثل الذي هم يكرهونني ويكرهون لاكراهيتي لإسرائيل "العابرة"، كما وعدوني بها، ولكني أتفق معهم في حريتهم، بذات القدر الذي تسمح لهم حريتهم أن أكون حريتي.
"أظن أننا لسنا بحاجة إلى كتابة شعارات كي نردّ ونواجه الشعارات الأخرى التي كُتبت، سابقاً. فأنا حين أكتب، تحيا الحرية"، كان هذا هو جواب الكاتب التوغولي الحائز على "جائزة القارات الخمس"، على سؤالٍ عن "معنى الكتابة"، وجهه إليه الشاعر اللبناني اسكندر حبش، في معرض بيروت للكتاب الفرنكوفوني العام الماضي.
فالكتابة، ليست صناعةً للشعارات، كما أنّ الكاتب ليس "صنيعاً" من الشعار إلى الشعار.
أن تكتبَ، يعني أن تكونَ الحرية.
الكتابةُ، هي أن تكونَ حريتك وحريته/ها؛ حريتكم وحريتهم.
الكتابةُ، هي حرية في حريتين وربما أكثر: حرية الأنا في الهوَ، وحرية الهوَ في الأنا؛ حرية الواحد في الكل، وحرية الكل في الواحد.
لكل العابرين إلي، مختلفين أو متفقين، غاضبين أو فرحين، شاتمين شامتين أو شاكرين مادحين، ولكل من دلى بدلوه في هذه الموضوعة "البعبع"، سواء "كرهاً"، أو "لاكرهاً" بإسرائيل، أو حتى حباً وعشقاً بها، أقول:
شكراً لكلكم، لكل كراهيتكم، أو لاكراهيتكم وحبكم، من الألف إلى الياء.
أشكركم، وأنتم تكرهونني وتكرهون إسرائيل!
أشكركم، وأنتم تشتمونني، وتشتمون ساعة قراءتكم لأخبار دمي، ولأخبار إسرائيل.
أشكركم، وأنتم تريدون لي الموت، كما الموت لإسرائيل!
أشكركم، وأنتم تخوّنوني وتكفّروني، لأني لا أكره إسرائيل!
أشكركم، وأنتم تخرِجونني على العقل، لأني أقرّ بعقل إسرائيل، وحق الحياة لإسرائيل، تماماً مثلما أقرّ بذات الحق لشريكتها في القدس، فلسطين بدولة واحدة أو دولتين أو أربعة، كيفما أراد لها الفلسطيني أن تكون، بأن تتوحد أو تتعدد.
أشكركم كلكم، من ضد عقلي، ومن معه؛ من جاور مكتوبي، ومن حاوره، داخل إيلاف وخارجها؛ داخل الدين(كل الدين) أو السياسة، أو خارجهما.
لم استغرب بالطبع، لهذا الغضب، فضلاً عن الويل والثبور، والتهديد والوعيد، بالسقوط القريب العاجل في وادي جهنم. فكما هو من حقي أن أدوّن "لاكراهيتي لإسرائيل"، كما أراها، كذا للآخرين كامل حقوقهم في أن يكتبوا "كرههم" لها(أو لي)، ويعلقوه على جدارن الدين، أو الطائفة، أو السياسة، أو الإيديولوجيا.
تلك هي نعمة الحرية: أن تكون حرّاً، وتترك الآخرين ينشدون لحريتهم.
تلك هي حكمة الحرية: أن تكون حريتك وتترك الآخرين، في أن يكونوا ما يشاؤون من حريةٍ. والمقصود بالحرية، هنا بالطبع، هو "الحرية الإيجابية"، لا السلبية؛ الحرية الفاعلة، لا المفتعلة أو المفعول بها؛ الحرية الممكنة لا المستحيلة؛ الحرية العاقلة لا المجنونة؛ الحرية إذ تمشي على الأرض، لا نقيضها إذ تطير في السماء؛ والحرية في الدنيا، لا ظلها تنتهي إلى الآخرة..إلخ.
قولوا كراهيتكم لإسرائيل، أو لسواها من أخواتها وخالاتها وعماتها، ودوّنوها وعلقوها على صدور صحائفكم، كما تشاؤون، أما أنا ف"لا أكره إسرائيل" ب"نصف قدس"، كما لا أكره جارتها في الدنيا وفي الآخرة، في السياسة، الآن وغداً وبعده، فلسطين ب"نصف قدس" الآخر(القدس الشرقية)، كما نصّت على ذلك كل الصكوك الدولية، ووافقت عليها كل القدس الرسمية، بنصفيها الغربي العبري، والشرقي العربي.
كونوا دينكم، على طريقة كتابكم، أما أنا فاتركوا لي اللادين.
لكم داخل الدين(كل الدين)، ولي خارجه.
لكم الدخول المقدّم إلى الجنّات، ولي الهروب منها.
اكرهوا الدنيا(مع إسرائيل أو بدونها) ونعيمها، وأحبوا الحياة الآخرة، وحورياتها، وأنهار عسلها ولبنها، وجنات فاكهتها، كما تشاؤون، أما أنا فاتركوا لي الدنيا، وما فيها، لأني أحبّ الحياة وما عليها، بذات القدر الذي أكره الموت وما بعده.
لنا الدنيا كلنا..كلنا، مفتوحة على حريتها، إن شئتم، أو لكم ما بعدها وما فوقها إن شئتم.
لكم دينكم ولي دنياي.
لكم كتابكم ولي كتاب.
لكم عقلكم ولي عقل.
hoshengbroka@hotmail.com