هل سيثور الشعب العراقي على ساسته؟
عماد رسن
GMT 6:15:00 2010 الجمعة 30 يوليو
أكثر من أربعة أشهر والعراقيون ينتظرون تشكيل حكومتهم الجديدة. إنتظار قبله إنتظار عقب إنتظار إلى إنتظار، ولاشيئ يلوح بالأفق سوى بقايا من رماد لوعود أحترقت من عهود قديمة. ليس هناك سوى وعود وضحكات تملئ شاشات التلفزيون. فالإنتظار بحاجة لصبر، يقول الأمام علي، سأصبر حتى يمل الصبر من صبري. لكن لسان حال العراقيين ليس كعلي بن أبي طالب. فللصبر حدود كما تغني أم كلثوم. فالإنتظار هو سكة من حديد لها دوما ً في النهاية محطة.
المشكلة في العراق هي أن ساسته لايقرئون التاريخ، وأن قرئوا التاريخ فإنهم لايستلهمون العبر مما حدث سابقا ً. فهم حديثو العهد بالسياسة ودروبها. أو قل لايريدون أن يتعلموا، فالتعلم يفقدهم لذة الغرق بالتمتع بإمتيازاتهم الشخصية والحزبية. والتعلم يكلفهم فقدان لذة الشعور بالتفوق ونشوة الإنتصار بإحراز كرسي يقول عنه السابقون، لو دام لك لما وصل اليك. لايريدون تلاشي تلك اللذة أمام ذل السؤال لمن هو خبير بإحوال السابقين ومآثرهم وما آلو اليه. فتراهم يسيرون بنفس الطريق الذي سار به الساسة الفاشلون فانتهوا نهايات مأساوية، أودت بهم وانهار كل شيئ بعدهم. وهم لازالو يلقون اللوم على غيرهم، فقط لإنهم لايقرئون.
أبسط مثل على تلك المقدمة هي المظاهرات التي عمت محافظة البصرة مطالبة بمزيد من الساعت من الكهرباء في عز الصيف اللاهب. يقول بعض الساسة أن هذا شغب، أو تلك مظاهرات مسيسة من بعض الاحزاب ضد احزاب أخرى. وكأن قطع الكهرباء كان فقط ليوم واحد فشاطت الجماهير لذلك القطع. ألا يعلم ساسة العراق أن العراقيين مصابون بالإحباط؟ الإحباط من واقعهم ومصيرهم وساستهم وكل شيء حولهم. وإذا كان الإحباط كلمة بسيطة في قواميسهم، لأنهم لايقرئون، فإن الاحباط أودى بدول وغير أحول شعوب بأكملها.
يقول علماء النفس، وعلماء النفس الإجتماعي أن الإحباط (frustruation) يظهر على الشخص عندما يقوم بفعل ولايحصل على مايتوقع من هذا الفعل. أو تأتي النتائج أقل مما يتوقع صاحب الفعل. فالموضوع ليس متعلقا ً بالنتائج بقدر تعلقه بتوقع الشخص نفسه. والإحباط عادة يؤدي إلى الكآبة وفي أحيان كثيرة يؤدي الإحباط إلى العنف(frustruation-agression theory)، خاصة عندما تكون النتيجة هي تجربة مريرة يعيشها المحبط. لكن الإحباط ليس كالحرمان. يقول العلماء، أن الحرمان لايؤدي إلى الإحباط، حسب التجارب العلمية، لكن مايسمى بالحرمان النسبي هو اللذي يؤدي إلى الإحباط ومن ثم إلى العنف. فقد لاحظ العلماء أن الأضطرابات التي تحدث بالسجون لا تبدأ من المسجونين الأكثر حرمانا ً واللذين يعيشون في فقر مدقع، بل من المساجين ذوي الأمتيازات الخاصة حين يحرمون من تلك الأمتيازات. أما في التاريخ فإن الشعب البريطاني كان يعيش حالة من الحرمان التام أسوء مما كان يعيشه الشعب الفرنسي آبان الثورة الفرنسية. لكن الفرنسيين كان حرمانهم نسبي فآمالهم وتوقعاتهم أكبر من مملكتهم. إن ذلك أدى إلى إحباط شديد لدى عامة الشعب بحصول طبقة النبلاء والكهنة على امتيازات أكبربسرقتهم أموال الشعب، فشتعلت الثورة الفرنسية ولم تشتعل في بريطانيا. نفس الشيء حدث بعد سقوط الإتحاد السوفيتي السابق. إن أكثر دول أوربا الشرقية حدثت بها إضطرابات نتيجة الإحباط والحرمان النسبي لشعوبها.
ياساسة العراق إن العراقيين ذهبوا وأنتخبوكم ليس حبا ً بكم أو رغبة باحزابكم، لكنهم أنتخبوا لإنهم يريدون تحسين حالتهم المعيشية التي لاترقى لحقوق إنسان يعيش في بلد أفريقي فقير. وإن لم يحصلوا على مايتوقعوا فإنهم سوف يصابون بالإحباط الذي يؤدي غالبا ً للعنف، بسبل شتى، وطرق مختلفة. فلاتلوموهم إن فعلوا ذلك بما أن حكومتكم لم تشكل منذ أربعة أشهر مضت. حينها ستقمعوهم بالاسلحة وتقولوا أن نفر ضال قام بأعمال شغب يريد النيل من سيادة العراق. فتتبجحون ساعتها بالشعارات وتنتفخون وطنية حتى تتفتق قمصانكم وتنفلت أزرارها. فهم كانوا يأملون أن تتشكل حكومتهم بأسرع وقت ممكن. المصيبة الكبيرة أن العراقيين مصابون بالإحباط من الحرمان النسبي. فليس كل العراقيين محرومين، ولو حصل ذلك لما شعر العراقييون بالإحباط. فالساسة والطبقة الحاكمة سرقت ومازالت تسرق وتفضل هذا على ذاك في الوضائف وفي توزيع الثروة على مواطنيها، وبإسم القانون.
ياساسة العراق، أن لم تقرئوا التاريخ، الم تشاهدوا أعدادا ً غفيرة من العراقيين يسيرون مشيا ً على الأقدام لغرض الزيارة؟ الم تفكروا أو يخبركم مستشاريكم إنهم جيش من المحبطين ذهب للشكوى، ومايفعل المرأ في الزيارة إلا الدعاء والشكوى لضيق الحال. فما بالكم إن لم توجد أضرحة وأأمة في العراق ليخففوا من الإحتقان وحالة اليأس التي تصيب العراقيين من الوضع الذي يعيشون فيه. فماذا أنتم فاعلين؟ أدعو الله أن تبقى تلك الاضرحة وإلا سوف يقلعكم هذا الشعب ليس من كراسيكم فقط بل من الحياة، فتلوموا حينها منطق الثورة.
شخصيا ً، أنا لاأأييد منطق الثورة. فالثورة يشعلها المخلصون، ويستثمرها الإنتهازيون، ويرثها الحمقى الذي لايفهمون أن كل شيء تغير من حولهم وهم مازالوا يتمسكون بأفكارهم القديمة. لكن أأيد منطق التغيير، لأن التغيير هو حالة طبيعية في الإنتقال من مرحلة إلى مرحلة ثانية. وأن لم يحدث التغيير كما نتوقع سيطغى بالتأكيد منطق الثورة والعصيان.
imad_rasan@hotmail.com