GMT 6:48 2012 الإثنين 3 ديسمبر GMT 11:23 2012 الثلائاء 4 ديسمبر  :آخر تحديث

أكراد سوريا: شعب مؤجل في سوريا مؤجلة

هوشنك بروكا

لا حاجة للدخول في تفاصيل الوجود الكردي في سوريا، وجزئيات مكانه وزمانه وما حولهما من اجتماع وثقافة وأحزاب وسياسة. هؤلاء ليسوا "مهاجرين" أو "أجانب طارئين" في سوريا، كما وصفهم أستاذ علم الإجتماع السياسي، رئيس "المجلس الوطني الأسبق" د. برهان غليون، ذات سياسةٍ طارئة، وإنما هم مواطنون كرد سوريون، من سوريا إلى سوريا. فالكرد السوريون الذين يتجاوز تعدادهم ال3 ملايين نسمة، أي ما يعادل 15% من مجموع سكان سوريا البالغ تعداده 23 مليون نسمة، يشكلون القومية الثانية بعد العرب في سوريا. هؤلاء، رغم تمسكهم ب"سوريتهم" بإعتبارها "وطنيتهم"، إلا أنهم يشاركون أكرادهم المشتتين في جهات الله الأخرى الحلم الكردي المشترك في تحقيق "الدولة الكردية" في "كردستان الكبرى" بإعتبارها "وطناً نهائياً" يجمعهم. "كردستان سوريا"، بحسب التوصيف الكردي، هي واحدة من أربع "كردستانات"، تقاسمتها أربع دول عبر التاريخ، وهي تركيا وإيران والعراق وسوريا.

حاضر الكرد السوريين وماضيهم في ظلّ ديكتاتورية الأسد وشوفينيته الإستثنائية التي مورست بحقهم، على مدى أربعة عقودٍ من الإقصاء والإلغاء والمحو، معروفٌ للجميع. هذه الشوفينية الإستثنائية لم تكتفِ بمنع الكرد السوريين من ممارسة قوميتهم كأكراد، وإنما منعتهم أيضاً من ممارستهم لوطنيتهم كسوريين، وذلك عبر استصدار مراسيم استثنائية جائرة، مثل "الإحصاء الإستثنائي" عام 1962 الذي حرّم بموجبه أكثر من 300 ألف كردي من حقوق المواطنة السورية، و"مشروع الحزام العربي" الذي خطط له عام 1962 ودخل حيز التنفيذ عام 1974، حيث تمّ بموجبه استقدام عشرات الآلاف من المواطنين العرب ممّن يسمون ب"العرب المغمورين" من محافظتي الرقة وحلب إلى محافظة الحسكة، ووزعوا على حوالي 40 مستوطنة نموذجية (على شاكلة المستوطنات الإسرائيلية)، حيث منحتهم الدولة أخصب الأراضي التي استولت عليها، على طول الشريط الحدودي مع تركيا بطول 350 كم وعمق أكثر من 20 كم. هذا غيض من فيض قوانين ومراسيم شوفينية كثيرة لا مجال لذكرها.

لكنّ الخوف، بل كلّ الخوف، هو أن لا تنته "المشكلة الكردية" بإعتبارها مشكلةً سورية بإنتهاء ديكتاتورية آل الأسد الراهنة، سيما وأنّ "البديل المفترض" القادم، لا يزال ينظر إلى قضية الأكراد السوريين، بإعتبارها قضية "مشكوك في أمرها" أو لنقل في "ولائها" لسوريا وعروبتها.

الخوف، هو أن تبقى القضية الكردية في القادم من سوريا قضيةً مؤجّلة، بدون حلٍّ، إلى أجلّ غير مسمى. هذا ما تقوله على الأقل "انسحابات" الأحزاب الكردية ومجالسها من مؤتمرات مجالس المعارضات السورية وائتلافاتها، هذا ناهيك عن تصريحات مسؤولي "الدرجة الأولى" ل"المعارضة العربية"، التي أقلّ ما يمكن أن يقال فيها أنها "فوقية"، "استعلائية"، لا ترى في الآخر إلا من يدور تابعاً في فلكها، أو أقلية ليس لها إلا الجلوس في مؤخرة الأكثرية.

المعارضة السورية بنسخها العربية المختلفة، لا سيما تلك التي من المفترض بها أن تكون "نظاماً بديلاً" قادماً للحكم في سوريا، والممثلة الآن تحديداً في "الإئتلاف الوطني السوري"، بإعتباره صورة مكبّرة عن "المجلس الوطني السوري"، هذه المعارضة لم تقدّم حتى الآن رؤية واضحة لحلّ القضية الكردية، كقضية خاصة، في إطار القضية السورية، كقضية أكبر وأشمل وأعّم. هذه المعارضة التي تشتغل متنقلةً من عاصمة إلى أخرى لصناعة النظام القادم "البديل"، بمختلف تياراتها الإسلامية والقومية والليبرالية، لا تزال تنظر إلى هذه القضية، بعيون لا تخلو من الشك والريبة، ليس في الأكراد بإعتبارهم شركاء لهم في الوطن السوري، أو في كونهم جزءاً من النسيج الوطني السوري فحسب، وإنما بكلّ قضيتهم، بإعتبارها "قضية شعب"، كما يراها أكرادها.

ربما يتفق السوريون بغالبية مكوناته القومية والإثنية والدينية، على هدف "إسقاط النظام"، لكنهم لا يزالوان مختلفين على شكل سوريا ما بعد النظام.
واحدة من أكثر النقاط خلافية بين المعارضة العربية والكردية، هو الخلاف على جوهر القضية الكردية نفسها. ففي الوقت الذي ينظر الأكراد إلى قضيتهم، بأنها "قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية"، له الحق في تقرير مصيره بنفسه في إطار سوريا واحدة وموحدة، ويريدون لهذه الأخيرة أن تكون "جمهوريةً سورية"، يكون فيها للأكراد حق "الإدارة الذاتية" في "إقليمهم"، ما يعني المطالبة ب"فيدرالية كردية سورية"، على طريقة "فيدرالية كردستان العراق"، نجد المعارضة العربية تؤجل الحديث في أية تفاصيل تتعلق بالقضية الكردية، إلى ما بعد إسقاط النظام. علماً أن كثيرين من أقطاب هذه المعارضة، بمختلف تيارارتها، أعلنت صراحةً موقفها الرافض لمنح الأكراد السوريين، شيء إسمه "حكم ذاتي" أو "فيدرالية"، لا بل ذهب البعض الأكثر من هذه المعارضة أبعد إلى القول صراحةً، بأن "لا وجود لشيء في سوريا إسمه كردستان" (مثل د. برهان غليون، وعلي صدرالدين، محمد رياض الشقفة، حسن عبدالعظيم، هيثم المالح وآخرين). البعض من هؤلاء يستكثر على الأكراد حتى أن يكونوا "شعباً" في سوريا.

آخر تصريحات رئيس "الإئتلاف الوطني السوري" أحمد معاذ الخطيب تقول صراحةً أن المطالب الكردية خصوصاً في ما يتعلق ب"الإعتراف بالشعب الكردي كشعب يعيش على أرضه دستورياً" و"تسمية سوريا المستقبلية بالجمهورية السورية بدلاً من الجمهورية العربية السورية"، "ستؤجل إلى حين انتخاب برلمان حرّ"، على حدّ تعبيره، ما يعني تأجيل الأكراد شعباً وقضية إلى ما بعد انتخاب "سوريا حرّة"، التي يّخشى أن تكون سوريا لحرية الأكثرية ضد حرية الأقلية.

تأجيل الأكراد وقضيتهم إلى ما بعد "برلمان حرّ"، يعني ضمناً أنّ هذا "البرلمان الحرّ" القادم، الذي سيكون "برلماناً للأكثرية السنية" (والإخوانية على الأغلب)، كما قالت تشكيلتي "المجلس الوطني السوري" سابقاً، و"الإئتلاف الوطني السوري" لاحقاً، هو الذي سيقرر ما يجب على الأقليات أن يكونوه في سوريا القادمة، من مصيرٍ وحقوق وواجبات.

تأجلّ الأكراد السوريون، وتأجلّت قضيتهم عقوداً في ظلّ ديكتاتورية الأسد كثيراً، عبر مراسيم استثنائية كثيرة، لكنّ أخشى ما أخشاه، هو أن تستغرق القضية الكردية في القادم من سوريا ديكتاتورية أخرى، وأن يؤجل فيها أكرادها، ك"شعب مؤجل"، في "سوريا مؤجلة"، إلى وطنٍ غير مسمى.

 

hoshengbroka@hotmail.com

في أخبار