دننانير الصحافة الاردنية مصدرها و تبعاتها
قائمة اتهمت الصحافيين بالفساد وتلقي مبالغ مالية من مسؤول سابق،الوسط الاعلامي الأردني ينتظر تبرئته أمام الرأي العام،قبض الصحفيين لاموال من الباشا، رشاوي بالجملة، قائمة مرتشون، الحكومة الاردنية وراء تسريبات قائمة، و غيرها من العناوين تصدرت المواقع الالكترونية و الصحافة الاردنية و كانت و لاتزال حديث الشارع الاردني عن فساد في دوائر الاعلام.
و لعل من اهم ما كتب و صدر عن مركز حماية الصحفيين في الاردن في مقال لرئيسه الصحفي الاستاذ نضال منصور و المنشور على موقع الحريات الاعلامية :" المعلومات التي راجت عن "قبض" الصحفيين لأموال من الباشا الذهبي لم أستغربها،فمنذ سنوات نقول فلاناً أخذ سيارة والثاني بيتاً، والثالث تطبع له صحيفة بالمجان، ويختلف الإعلاميون على الأرقام ولكنهم لا يختلفون على أن هذا الامر حقيقة،وللإنصاف فإن الذهبي ليس المتهم الوحيد في الامر بل يتجاوزه لبعض رؤساء حكومات سابقين ورؤساء ديوان سابقين، وبالطبع فإن رجال الأعمال والبزنس متورطون بالامر".انتهى الاقتباس.
اعلم تماما انني ادخل "عش الدبابير " بهذا العنوان لمناقشة بجدية أسس ومبادئ الصحافة في الاردن و اخلاقياتها التى ارتهنت لجيبها و رشاوي مدير المخابرات الذي يخضع للتحقيق، ومندوبي شراء الذمم و الاقلام الصحفية لدى البعض، اعلم ان تاريخ نشوء بعض الصحف الاردنية بدء من دائرة المخابرات، اعلم ان بعض مستشاري الملك لعبوا دورا مزدوجا "المخادع للقصر " و "المراوغ للشعب " لاجل ارداف بارزة في الاعلام و مجموعات فساد سياسي عبر اجيال و هي اخطاء كبيرة منذ الستينيات الى يومنا هذا تتكرر بصور مختلفة، اعرف ان غسيل الاموال لا يتم بسهولة و ان محافظ البنك المركزي ووزير المالية ومسؤولي الحدود و مدراء المطارات كلهم على علم و يتحملون مسؤولية، اعلم ان التاريخ يظهرو يشير الى تهريب الحشيش و الذهب في الخمسنيات من خلال "ميناء الذهب " في العقبة كما هو غسيل الاموال في تلك الايام، و اعلم كما يعلم خمس ملايين مواطن كل هذا و يكتمونه خوفا من التحقيق و المحاسبة و السجن الى اليوم الذي اورق الربيع ثوراته، و تناولت الصحف الاردنية اسماء مسؤوليين و مدراء مخابرات علنا بتهم و قضايا تؤدي بهم الى خمس عشر عاما خلف القضبان في ظاهرة هي الاولي من نوعها في مرحلة الاصلاح السياسي التى يقوها الملك عبد الله الثاني.
و لكن "عش الدبابير " سقط مثل المنطاد الشهير"زبلن " من على علو شاهق، الذى عرف بتياتنك السماء عام 1930، و معه تم سقوط كل السلطات الرابعة و اقنعة المخابرات الاردنية بسرعة قياسية و على نحو دراماتيكى غريب خلال الاسابيع الفائتة، بعد ان تم تسريب اسماء 51 صحفييا تلقوا رشاوي و اموالا من دائرة المخابرات في عهد مدير مخابراتها الاسبق الفريق محمد الذهبي، لاجل التلاعب بالاعلام و الهجوم على حكومات و تبيض صفحات وزراء و الاسهام في انجاح نواب و رؤساء مجالس نيابية، و في المقابل قائمة اخرى لمدير مكتب الملك ووزير التخطيط و رئيس الديوان الملكي الدكتور باسم عوض الله الذي ينادى بمحاكمتة حاليا في الاردن، في الوقت الذي بدأت محاكمة الفريق محمد الذهبي مدير المخابرات الاردنية الاسبق بتهمة "غسيل الاموال " و الدور التالي على "عوض الله ".
كانت تلك فضيحة مدوية و الفضيحة الاكثر دويا هو تدخل بعض السياسات العليا لاجل اغلاق الملف الذي يمتد الى اخرين و يكشف المستور، في حرب هي الاولى من نوعها التى يشهدها الواقع الاردني داخليا بين نظام بدء يأكل بعضه حسبما صرح وزير الاعلام الاسبق طاهر العدوان في مقال "النظام في الأردن.. هل يأكل بعضه أم يجدد نفسه؟ ".
مدير المخابرات "الذهبي " و رئيس الديوان الملكي " باسم عوض الله " كلاهما اعتقدا خطاءا او كان ينظر اليهما باعتباراهما اذكياء في المدرسة والجامعة و المناصب اللائي تولياها،واعتبرا جناحي الدماغ السياسي و الامني في الدولة الاردنية لسنوات و الاكثر قربا من الملك عبد الله الثاني باعتبارهما مستشاريه من درجة الخمس نجوم.
و لكل من هؤلاء المستشاريين " مغارة و براميل ذهب " و اعطيات و سلاسل فضة و سيارات و شقق و غيرها مما تسيل له السنة و لعاب "بائعي الوطن " راهنى الاقلام " و ابواق السلطة المفسدة حسب ما اشارت الجرائد المحلية الاردنية.
و لقد كتبت مقالا في "ايلاف " عام 2007 بعنوان "عندما يكذب مستشارك عليك " و تسائلت (و لعل اهم ما يوصف به مثل هؤلاء المستشارين الانيقين لباسا و مظهرا و لهم من الدعاية ما يسبق رحلة ابوللو الى القمر،انهم "كذابين بطعم الشوكولاته "). و اضفت ( فيكف اذا كان رئيس الوزراء هو الذي يبنى ملفاته على كذب وزرائه ) و بالطبع فهم القراء الاذكياء الكناية المقصودة "برئيس الوزراء ".
كانت تلك اشارة واضحة الى الملك عما يحدث في بلاط الجلالة بشقيه السياسي الاقتصادي و جهازه الامني، ووصلتني رسالة شكر شفوية.
لا اريد ان اكرر ما ورد في كتابات صحفيين اردنيين خلال الايام الماضية، و دور نقابة الصحفيين التى قدمت ملفا الى النائب العام للتحقيق في قضية الرشاوي و معرفة مصدرها، و الاستدعاءات التى تمت لبعض منهم، و الاصوات المتعالية مطالبين بمحاسبة الفاسدين و الاعلان بالوثائق عن المبالغ و الاسماء الصريحة لمن قبض من الصحفيين، علما ان بعض المطالبين اسمائهم في القوائم المنشورة في الجرائد الاردنية، و لكن بقدر ما ارغب ان يظهر في الوقت المناسب ترددات موضعية لمساعدة الجميع على فهم ما يجري في الصحافة والسياسة الاردنية وكيفية الاعتداء الذي تم عليهما منذ نشؤ المملكة و ليس عهدا حديثا متفردا، اتسائل مع كثيرين غيري ماذا يمكن أن يحدث اليوم بعد فتح ملف الفريق "الذهبي "، وما يحتمل أن يكون مستقبلا بعد رحيل مدير المخابرات الحالي الفريق" فيصل الشوبكي".
تاريخيا، على سبيل القياس و الذكر بعض من فيض، قامت الاجهزة الامنية الاردنية بترتيب استقدام صحافيون من العريش في الستينات و تمويلهم لاجل تأسيس و اصدار صحيفة يومية هدفها الهجوم على و اسقاط نظام الرئيس المصري عبد الناصر، وتم ذلك من خلال ضابط المخابرات انذاك الرائد عدنان ابو عودة و الذي استلم دفة الاعلام و الديوان الملكي عبر سنوات و الذي اوصلهم الى منصب الوزارة و مجلس الاعيان بعد ان تم منحهم الجنسية الاردنية، و تفرخ عن هولاء الاخوة و ابناء العمومة مجموعات ارتبطت بعض منها بالامن لسنوات، و لم يتلفت احد الى حساب تأثير الثروة الهابطة عليهم من الجناح الامني بحجة تأمين البلد من "الناصرية " !. و يعتبر عدنان ابو عودة، الاذكي ممن تعاملوا مع الاعلام، صاحب مدرسة تمويل و انشاء الصحف التابعة للامن في الداخل الاردني والفلسطيني حسبما كان يصرح به في جلساته التى يحضرها نسيبه العميد الاسبق في المخابرات " الحناوي " والمسؤول عن الملف الاعلامي.
و بعدها بدأت اليد الامنية تكبر وتمول جريدة تلو الاخري و اسبوعية تلو الاخرى الى عهد المواقع الالكترونية و المدونات مؤخرا، منها ما كان يتم تقويته باعلانات مباشرة من الدولة الاردنية و منها ما كان يمول حسب ما يصرح به الان من كبار مسؤولي الدولة، و لم تخلو الساحة من تداخلات الامن و المخابرات لدرجة ان مانشيتات الصحف كانت شبه موحده و "رأي " الجريدة التي كان يكتبها كل يوم احد محرري الصحيفة واحدا(نسخة كربونية بصياغة مختلفة ) في ثلاث صحف يومية رغم ان كل جريدة كان المقال يحمل اسما من الصحافيين العاملين بها، و هو ما يثير الشفقة و الضحك معا.
ليس ذلك فقط بل تناولت المحاكم الاردنية قضايا ما كان يدفعه الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين الى بعض من الصحفيين الاردنيين والسيارات و الشقق التى اغدقها في الساحة الاردنية و التى كتب عنها الصحفي سلامه نعمات و قدم للمحاكمة و تمت تبرئته انذاك، وهي محاكمة لا تزال في الذاكرة.
و اود ان اذكر كلمة لاستاذ اعلامي اردني تولى منصب مدير وكالة الانباء الاردنية حيث قال لي : " يا طوقان كل اعلام له صاحب "، و هو ما يحتاج الى تحليل متعمق لفهم ما قيل. و اذكر ايضا بكلمة وزير اعلام حيث قال " لا بد ان يفتك الاعلام الاردني من قبضة الامن " فتحول من وزير اعلام الى وزير سياحة بتنسيب من مدير المخابرات، ثم غادر الاردن مديرا لمنظمة دولية قبل ان ترحل الوزارة.
قد يطالب البعض في التحقيق مع حادثة "الصحافة الذهبية – نسبة الى عهد الذهبي "منطلقين لاظهار ان المرحلة الحالية هي مكافحة الفساد و لااحد فوق القانون مهما كانت مرتبته و قربه او ابتعاده من "القصر الملكي "، لكن يبقى السؤال الاهم هل هي محاكمة مرحلة ام المطلب الاكثر عدلا و الأفضل لو تم فتح ملفات الستينات و ما بينهما كذلك لان ما شيد على فساد هو فساد بالتبعية.
ذكرني رئيس ديوان ملكي اسبق بقصة "درج رئيس الوزراء " الذي ابتدع في عهد رئيس حكومة اسبق حيث كان يخرج منه اعطيات و اموالا لمجموعة خاصة من الوزراء، و انتهت قصة درج الرئيس بخروجه عن المشهد السياسي في عهد الملك الحسين، و اعتزل السياسة.
صديق قانوني سألني، هل مع كل الاموال التى دفعت من المخابرات الى الصحافة هل تمت دراسة ما اذا كانت واقعية حول المكاسب التى جنتها الدولة الاردنية ؟، ام انها اموالا ارتمت في رمال صحراء وادي رم " ؟، فاذا نجح الدفاع عن الفريق محمد الذهبي في المحكمة ان يظهر واقعيتها ومردودها الايجابي فأن مدير المخابرات الذهبي بريء و هؤلاء الصحفيون ابطالا لا مرتشون ضمن خطة "تأمين الوطن "، و العكس يؤدي الى سجن مدير المخابرات و معه شلة الصحافة، و هو ما ذكرني بعلي بابا و الاربعين حرامي، و لكن بعقلية جديدة و فيلم جديد بعنوان " محمد الذهبي و الواحد و خمسين حرامي ". على بابا قصة سرقة و مغارة و براميل مليئة بدناننير من الذهب، تحولت الى ابداعية يلتف حولها الاطفال و يتخيلون براميل الذهب و "افتح يا سمسم ابوابك " و هي اليوم ذات بذور مشابهه اخشى ان تحول متهميها الى ابطالا.
لا يزال هناك شرفاء في الصحافة و المخابرات حيث لا يمكن التعميم، و لا يجوز اصلا الاتهام لان قاعدة البريء حتى تثبت ادانته من دلائل القضاء العادل المستقل عن الامن، و ما يجري الحديث عنه في الفضائيات و المدونات من غسيل قذر دون تميز بين المتهم و البريء هو حالة من اعدام ووأد لشرفاء اطهار.
القضاء هو فيصل، وساحة المحكمة يمكن أن تكون حقل الغام، بليغة ومباشرة، وكذلك من الناحية القانونية الصارمة هي محاكمة نظام و مؤسسات لا فرد أو افراد، مردها تحقيق مزيد من الفصل بين السلطات و التغول عليها، و لا غنى عنها لكل من يريد أن يفهم كيف تنشأ العلاقة بين المخابرات و الصحافة، وتجنب الوقوع بها في الايام القادمة التى تلي المحاكمات.
حسبي الله.
