GMT 0:00 2012 الأحد 15 يوليو GMT 19:00 2012 الأربعاء 18 يوليو  :آخر تحديث

مجدي يعقوب: لا كرامة لنبي في وطنه!

د عصام عبدالله

ولنبدأ بكلمة "نبي" وهي لفظة مصرية قديمة، ومصدرها "نب" بمعني (سيد القوم) أو الذي يفكر لقومه ويخدمهم، ومن هنا جاءت فكرة (سيد القوم خادمهم)، وهو قول لا ينطبق علي المصري اليوم قدر انطباقه علي "مجدي يعقوب ".. وبدون ألقاب.
العظماء وحدهم، لا تسبق أسماؤهم أية ألقاب، أما إذا أردنا انعاش ذاكرة البعض فهو: جراح القلب العالمى الحاصل علي لقب "سير" (أعظم لقب إنجليزى)، وواحد من أبرز خمسة أساطين فى عالم الجراحة على مستوى العالم كله، أطلق عليه مؤخرا: "ملك القلوب" و"أسطورة الطب". مجدي يعقوب هو أكثر من " رمز " فبعد أن تعرض في بداية حياته العلمية والعملية للاضطهاد – رغم نبوغه وتفوقه – لا لشئ إلا لمجرد أنه " قبطي "، وقرر ترك مصر كغيره من الكفاءات المضطهدة في مختلف المجالات، عاد إلي وطنه وأنشأ "المركز العالمى الخيرى للقلب" في مدينة أسوان، ليقدم خدماته وخبراته بالمجان للفقراء المعدمين من المصريين.
لكن أعداء النجاح والوطن لم ينسوا أنه " مجدي يعقوب "، ولابد من مكيدة جديدة (لتطفيشه) خاصة وأن "الوصفة" جاهزة دائما، إذ يكفي أن تغلف أي اتهام تجاه الآخرين (المختلفين في العقيدة) بصبغة دينية حتي تمرر الأكاذيب والافتراءات، وأنت واثق وضامن مقدما أن يتبعك القطيع المغيب عقليا والمهووس دينيا، فقد تفتق ذهن بعض أطباء أسوان (للأسف) عن أن مجدي يعقوب يستخدم " صمامات الخنازير " في عملياته الجراحية، أما أحدث التهم فهي أن الرجل أستولي على أرض المستشفى العام وأحضر أطباء من الخارج لكي يجري تجارب محرمة على قلوب المرضى المسلمين!
هذه الاتهامات الخطيرة لرجل في قيمة وقامة مجدي يعقوب هي أشبه " بالحدث "، الذي يجب أن نتوقف أمامه طويلا، لأنه يفتح الباب أمام (أحداث) مأساوية أخري قادمة – كما يقول جاك دريدا في تفسيره للحدث بالمعني الفلسفي– أولا، لأنه ينقلنا مباشرة داخل مرحلة "تنفيذ" وثيقة "التمكين" (13 ورقة) عند جماعة الإخوان المسلمين - التي ضبطها رجال الأمن المصري، في مكتب خيرت الشاطر وعرفت باسم "قضية سلسبيل"، وحسب الوثيقة فإن (الأقباط معضلة) في سبيل تنفيذ مخططاتهم، ويجب التعامل معهم "بالإقناع": أن تطبيق الشريعة الإسلامية في صالحهم، ثم "التأمين" (أي التحييد) ثم "التفتيت" وهو استغلال الجماعة لنفوذها وقدراتها الضخمة لتفتيت وحدة المجتمع  القبطي – كما يسمونه -  وطبيعي أن يتم استهداف النخبة من العلماء ورجال الأعمال أولا.
الحدث الثاني،‮ أننا دخلنا بالفعل أسوأ مراحل العصور الوسطي وهي مرحلة "محاكم التفتيش"، فقد ‬تأخر تطوير علم الطب حتي القرن الرابع عشر بسبب تحريم الكنيسة الكاثوليكية القيام بتشريح جثة الميت،‮ ‬وأول من تجرأ علي القيام بهذه‮ "‬الزندقة‮" ‬هو طبيب إيطالي في‮ - ‬بادوا‮ - ‬بإيطاليا،‮ ‬وذلك عام‮ (‬1315‮)‬،‮ ‬ولكنه لم يجرؤ علي فتح رأسه وتشريح دماغه خوفًا من ارتكاب الخطيئة القاتلة والخروج علي تعاليم الدين، ‬واستمر هذا الوضع حتي عام‮ ‬1405،‮ ‬حين ألغي مجلس شيوخ البندقية سلطة محاكم التفتيش‮.‬
ومما يذكر عن محاكم التفتيش في هذا الصدد أنها انتقمت من‮ "‬بطرس الآبانوي‮" - ‬أبرز المؤسسين للرشدية اللاتينية‮ في جامعة‮ "‬بادوا‮" ‬بايطاليا عصر النهضة‮ - ‬حتي بعد وفاته،‮ ‬إذ مات بطرس ومجلس التفتيش يبحث قضيته،‮ ‬وكان عقابه حرق عظامه عقابًا له‮! ‬لذا ظل اسمه في ذاكرة العوام مثقلاً‮ ‬بالمـكايد الجهنـمية‮ ‬،‮ ‬حسب تعبير إرنست رينان في كتابه "إبن رشد والرشدية"‮.‬
الحدث الثالث، أن صعود الإخوان إلي الحكم سيحول مصر إلي مسرح للفتن الطائفية، ومن ثم سوف تنطلق الدعوة لحماية الأقباط وهو ما يفتح الباب للتدخل الأجنبي عسكريا بحجة حماية الأقليات، وعندئذ ستنطلق الدعوات لتقسيم مصر .. ما لم يعرفه الإسلاميون أن "مصر" بالنسبة للأقباط ليست مجرد (وطن) يعيشون فيه وإنما يحملونه بين ضلوعهم أينما ذهبوا، مما يدل علي عمق انتمائهم لتراب هذا الوطن. وهو أمر يتجاوز المعني الديني لزيارة السيد المسيح طفلا مع العائلة المقدسة إلي "أرض مصر"، والمغزي اللاهوتي لما جاء في الكتاب المقدس من آيات: "مبارك شعبي مصر"، لأن (عظام أجدادهم) وآبائهم مدفونه منذ آلاف السنين في أرض مصر، وهذا التماهي والتمازج بين الأقباط (كشعب) وأرض مصر (كوطن) يتفق إلي حد كبير مع اللفظة اليونانية - Patris التي تعني "أرض الآباء"، وهذا هو السبب الذي أعاد "مجدي يعقوب" مرة أخري إلي وطنه، أما اضطهاده للمرة الثانية فهو الدليل الدامغ علي أنه "نبي"!
dressamabdalla@yahoo.com


في أخبار