اعتدنا منذ أواخر سنوات النظام السابق، ومن ماثله في السلوك والعقلية، على ظاهرة بائسة مقززة لنوع سمج من الرشاوى الاجتماعية، تتمثل بإقامة الولائم الكبيرة التي يدعو اليها مرشحو ذلك النظام او رئيسه أو ما كان يسمى بمرشحي انتخابات حزب السلطة ومستوياتها في قيادات الفرقة والشعبة والفرع، والتي تحولت في أواخر حكمهم إلى تكتلات عشائرية وصراع بين القبائل والبيوتات على مواقع القيادة في ذلك الحزب وبمختلف المستويات من القرية إلى العاصمة.

ويبدو إن العامل الوراثي أو التراكم في العادات والتقليد والتربية البائسة، جعلت الكثير ممن يشاركون الآن ومنذ انتخابات 2005م من خريجي تلك المدرسة في التطبيق والممارسة، حيث إننا لو تأملنا كثير من تلك السلوكيات والممارسات لأيقنا بما لا يقبل الشك امتداد تلك التجربة البائسة إلى يومنا هذا، مما يستدعي صياغة قوانين وضوابط وتشريعات تحضر ذلك التصرف، وتعده مخالفا للقانون وتبطل أو توقف ترشيح أي شخص أو حزب أو حركة تمارس الرشوة بكل أشكالها الداخلة والخارجة وخاصة هذا الشكل البائس، الذي بدأ ينتشر بشكل كبير ويقوم به معظم المرشحين سواء لمجالس الاقضية أو المحافظات أو البرلمان من ولائم ومبالغ نقدية وهدايا عينية وسفرات جماعية لشرائح منتقاة من الأهالي والموظفين وخاصة أولئك الذين يؤثرون على مجريات ونتائج الانتخابات من المراقبين والادلاء والموظفين الصغار، حيث شهدت الأيام المنصرمة وبالتأكيد ستشهد الأيام القادمة أيضا، كثير من تلك الكرنفالات التي يتوقف عند مصروفاتها كثير من المراقبين بتساؤلات مهمة جدا عن مصادر التمويل لموظفين أو أعضاء عاديين في مجالس المحافظات سواء من المستقلين أو ممثلي الكيانات المرشحين لتلك المجالس.

ملايين الدولارات تصرف في ولائم وهدايا ورشاوى واضحة وضوح الشمس، ولا حراك لا للجنة النزاهة ولا لمفوضية الانتخابات ولا للجان البرلمان بمختلف اختصاصاتها، وعجبي من منظمات المجتمع المدني ومراقبي الانتخابات الذين يفترض بهم أن يراقبوا العملية برمتها لا أن يأتوا أول يوم الانتخابات ليتقاتل عليهم المرشحين في العزائم والهدايا والوعود.

وبالتأكيد ليس هناك أي اعتراض أو شك في الدعايات الانتخابية بكل أشكالها الإعلامية في الصحف أو الإعلانات أو التلفزيونات أو الندوات والمهرجانات وحتى لو استخدم الشعر أو الغناء والرقص، كما يحصل في كثير من البلدان الديمقراطية المتحضرة في اوربا وغيرها، لكن ما يثير الاشمئزاز حقا أن تعطى الرشاوى للأهالي وتستغل مفاتيح غرائزية في مجتمعات ما تزال تعاني من مستويات معيشية وحضارية بائسة، وبمختلف أشكالها من ولائم النفاق والتدليس والمبالغ النقدية أو العينية وحتى السفرات الجماعية، التي يتفضل بها متبرعا احد المرشحين ومن خلفه الأحزاب أو الكيانات السياسية أو الاجتماعية، من أموال لا يعرف كنهها ومصدرها الا الله وأصحاب اليد الخفيفة، الذين أضاعوا ما يقرب من ستمائة مليار خلال عدة سنوات، كان بإمكان الخيرين أن يبنوا عراقا يضاهي كوريا الجنوبية أو تركيا على اقل تقدير، ولا نقول اليابان أو المانيا!؟

حقا انه السحت الحرام فلا خير فيه ولا في ما ينتجه أو يؤسسه!

[email protected]