GMT 6:00 2013 الجمعة 5 أبريل GMT 7:05 2013 الأربعاء 17 أبريل  :آخر تحديث

هل يجوِّز الإمام الصادق النكاح الدبري؟ (1/2)

غالب حسن الشابندر

 

 مقدمة وتوضيح
كنت قد رغبت أن أقرا عن موقع المرأة في كتاب (بحار الأنوار) باعتباره أضخم موسوعة شيعية حديثية، وسبب هذه الرغبة أني طالعتُ في رواية نقلا عن البحار نفسه بأن النساء ناقصات العقول و الحظوظ والدين، والرواية منسوبة إلى أمير المؤمنين علي عليه السلام، فحزَّ في نفسي أن تُنسبَ لأمير البيان والفكر و الدين مثل هذه المقولات الباطلة بداهة، ولكن شكل لي ذلك حافزاً على مراجعة كل ما جاء في هذه الموسوعة عن المرأ ة. وبالفعل تناولت الجزئين (100 و 101) المتعلق بموضوع النكاح إذ تضمن روايات كثيرة عن المرأة وشؤونها وقضاياها، وفيما انا مستمر في تصفح الكتاب حيث كان محشوا بتصور ات مخيفة ومثيرة عن شقيقة الرجل وريحانة النبي وعطر الحياة صادفني العنوان التالي: (32، باب، وطيء الدبر) وتذكرت في الحال ما يشنعه بعض اعداء الشيعة من أنهم يجوزون هذا النوع المتسافل من النكاح، وقد أورد المصنف أحدى عشرة رواية بين ناهية وبين مجوزّة،ولكن كل رواياته منقولة عن مصدر واحد هو تفسير العياشي، وهو تفسير أبي نصر محمد بن مسعود بن عياش السلمي السمرقندي المعروف بالعياشي،ممن عاش في آواخر القرن الثالث الهجري، وكان على مذهب السنة ثم تشيع، فقررت أن اتابع جذور المسألة وذلك بالرجوع إلى أمهات الحديث الشيعي القديمة، و التي تعتبر المصادر المعتبرة. فهرعت إلى كتاب (وسائل الشيعة) للحر العاملي المتوفي سنة (1104) للهجرة، ومن المعلوم إن كتاب وسائل الشيعة هو روايات الكتب الأربعة سطرها المصنف حسب فتواه، وسار على نهجه في تبويب الفتوى أكثر علماء الشيعة فيما بعد. وبالفعل، فقد كان هناك الجزء العشرون من الكتاب بعنوان (النكاح)، وفي الباب (72) منه نقرأ العنوان التالي: (باب كراهة الوطء في الدبر وجواز الإتيان في الفرج من خلف وقدام)، و العنوان واضح من كونه يجيز هذا النوع من النكاح المتسافل، كذلك هناك باب 73 حيث نقرأ العنوان التالي: (باب عدم تحريم وطء الزوجة والسرية من الدبر)، وهو صريح للغاية في تحليل هذا النوع من النكاح الذي وصفه أمير المؤمنين علي عليه السلام بشكل غير مباشر بـ (النكاح المتسافل) وذلك حسب رواية منسوبة إليه، وهي رواية ضعيفة.
ولأجل أن تكتمل الصورة في الإطار كما يقولون رجعت إلى الكتب الروائية التي هي اقدم من الوسائل بطبيعة الحال، حيث الوسائل ليس سوى كتاب تصنيفي، فقرأت عن ذلك في كتاب الكافي للشيخ الكليني المتوفي سنة (328)، وكتاب تهذيب الأحكام للشيخ الطوسي المتوفي سنة (460) وكتابه الموسوم بـ (الاستبصار)، وكتاب (مرآة العقول) لشيخ البحار المتوفي سنة (1111)، وحتى مستدرك الوسائل المتأخر عن الوسائل بطبيعة الحال، فهو للنوري الطبرسي المعروف بجرأته وصراحته حيث أنكر زيارة الاربعين وقال بتحريف ا لكتاب الكريم، وهو المتوفي سنة (1320). ولأن القضية لها علاقة وطيدة بقوله تعالى:(نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم)، فراجعت أمهات التفسير الشيعي في ذلك.
لم يكن موقف فقهاء الشيعة ومفسريهم على توافق في هذه القضية، بل هناك من حلل هذا النوع من النكاح، ومنهم من حلله على كر اهية، ومنهم من حلله بشرط رضا الزوجة، ومنهم من وقف منه موقف الحائر المتردد !!!
الإتجاه العام لهؤلاء الفقهاء والمفسرين هو التجويز، والاتجاه النادر هو التحريم، فيما الفقه السني يتسيده الرفض القوي، ولا نجد من يجوِّز إلاّ نادرا، أي هناك موقفان شبه متناقضين، بلحاظ الاتفاق الجزئي، إذ يلتقي النادر السني بالشائع الشيعي، مما يفرد دائرة تقاطع صغيرة بين المذهبين. ولكن المستغرب عندي هو إصرار بعض الفقهاء الشيعة على التحليل، وكأنه موقف عنادي من السنة ! كما سنرى لاحقا، رغم إن هناك أصولاً شيعية واضحة ترفض هذا ا لنوع من النكاح المتسافل، فما هو السر؟ وهل هي إحدى مصاديق الحرب المذهبية تحت عنواين فقهية؟
الأمر الذي لفت إنتباهي إن فقهاء كبار راحوا يعالجون القضية في كتاب الله عزّ وجل، حيث يرون أن الكتاب المجيد أجاز هذا النوع من النكاح، فزاد عزمي على متابعة المسألة لما لها من إساءة إلى القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي يشع جمالا وبهاء وسناء، وقررت قراءة الموضوع قرآنيا قبل قرائته روائيا، كما قررت أن أ بحث في الجذور الحقيقية وراء مثل هذا التشريع وذلك حسب الإمكا ن، ولكن بلا شك ستكون البداية من الكتاب العز.

 آيتا الطهر والحرث 
 1: قال الله تبارك وتعالى:(ويسالونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهنَّ حتى يطهرن فإذا تطهَّرن فاتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين، نساؤكم حرث لكم فأتوا نساءكم أنّى شئتم وقدِّموا لأنفسكم واتقوا الله و اعلموا أنَّكم ملاقوه وبشِّر المؤمنين)23.
الآية الكريمة تدعو إلى إعتزال النساء في حال المحيض، ولكن ليس الاعتزال المطلق كما كانت عليه بعض الشرائع السابقة، حيث يروى أن اليهود كانوا يتشددون في موقفهم حال الحيض في سعة الإعتزال حتي يشمل المرأة كلها، بما في ذلك حالات التعامل الطبيعي معها مثل المشرب المشترك والسفر المشترك، بل المسكن المشترك، وإن كانت هناك بعض المواقف الفقهية لبعض العلماء إلتزمت باعتزال شبه شامل، كأن يكون الفراش واحدا واللحاف متعددا، ويروي الطبري في ذلك رأيا لاحد الفقهاء ا لمتقدمين، وحجة من يرى هذا إن قوله تعالى لم يحدد مساحة الاعتزال، فوجب صرفه
لهذه المساحة الكبيرة، ولكنّه رأي شاذ، خاصة وإنه لم يستند إ لى أثر صحيح، فيما ظاهر الآية يشير إلى اعتزال المرأة من حيث موضع الأذى، أي الفرج، وفي ذلك ر وا يات من طريق السنة والشيعة، سوف استعرضها لاحقا.
 ليس في هذا اختلاف، ولكن اختلف أهل التأويل في توجيه قوله تعالى: (... فأتوهن من حيث أمركم الله)، وهناك أربعة إتجاهات في ذلك.

الاتجاه الأول:
يرى أصحاب هذا الاتجاه إن المرأة فيما تطهّرت يجوز إتيانها ولكن خصيصا من الفرج، وحجتهم في ذلك إن في الخطاب قيداً إحترازياً، ذلك هو قوله سبحانه: (من حيث أمركم الله) مما يفيد إ ن هناك مكاناً مخصوصا للإتيان، وليس المكان مطلقا، وإلاّ ما فائدة هذا القيد المذكور بشكل واضح ومؤكد وراسخ. هذا الرأي ذهب إليه الكثير من المفسرين من ذوي البراعة في البلاغة والنحو، ففي الكشاف: (... من المأتي الذي أمركم الله به وحلله لكم وهو القبل)، وفي تفسير الطبري:[ (فإذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله)أي فإذا تطهَّرن بالماء فأتوهن في المكان الذي أحلّه الله لكم وهو مكان النسل والولد القبل لا الدبر ]. وفي تفسير البيضاوي: (... فجامعوهن في الموضع الذي أحلّ لكم وهو القبل لا الدبر)، وفي البغوي: (... أي من حيث أمركم الله أن تعتزلوهن... وهو الفرج)، وفي معاني القرآن للفرّاء: [ (فأتوهن حيث أمركم الله)... الفرج ]،24 وهناك آخرون ربما أتطرق إليهم لاحقا، أصحاب هذا الإتجاه يستعينون كذلك ببعض الروا يات الصحيحة عن النبي الكريم وأهل البيت، ويدعمون موقفهم بأراء بعض المفسرين من التابعين والعلماء، نستعرض بعضها في السطور التالية بإذن الله تبارك وتعالى.

الاتجاه الثاني:
يرى بعضهم إن الاعتزال ما دام محصورا في الفرج، فإننا يمكن أن نفهم منه جواز مباشرة كل الجسم ما عدا هذه المنطقة المؤذية، بما في ذلك العجز، ومنهم من يقول بجواز هذه المباشرة بعد التطهر كما في الفرج.
إن الآية الكريمة جاءت لتأسيس حكم شرعي و اضح، ذلك هو تحريم الوطء أثناء الحيض،ولم تكن في مجال تشريع أنواع النكاح الجائز، فالاطلاق هذا مشوب بسبب الغاية من النزول أصلا، الظاهر من نزول الآية ا لشريفة، فإن نزولها كان حصرا في تحريم النكاح أثناء الدورة الشهرية، ولذلك هذا الاستنتاج يتضمن الكثير من التحيمل، وأمَّا قوله تعالى: (... فأتوهن من حيث أمركم الله) بعد التطهر فإن: (من حيث أمركم الله) قيد في مكان ما، وهذا المكان قطعا هو الفرج، وإلاّ ما فائدة هذا القيد الواضح، وهو قيد إحترازي واضح، فيجب الالتزام به.
إن مطلق المكان ما عدا الفرج الذي جعله بعضهم موضوع المباشرة أو الإتيان غير وارد هنا، وإلا َّ هل يعقل إ ن يأتي الرجل زوجته من أنفها أو عينها أو أذنها؟ العرف لا يساعد على ذلك.
أصحاب هذا ا لتفسير يستيعنون بروايات تنسب للنبي وأهل البيت عليهم السلام، وسوف أستعرض هذه الروايات المزعومة في سطور آتية بإذن الله تبارك وتعالى، مع العلم، إن المتبادر عرفا من إ تيان الزوجة أو المرأة هو نكاحها من قبل، ولم يتبادر من هذه الكلمة المضاجعة من دبر، ومن هنا جاء في بعض الفتاسير: (فأتوهن: فجامعوهن)، والمجامعة تعني الإيلاج القُبَلي عرفا، وإذا أ خبر رجل رجلا بأنه مجنب أو أنه أخذ زوجته البارحة ـ مثلا ـ يتبادر إلى ذهن السامع المجامعة من قدام، أو النكاح في الفرج ليس غير.

الاتجاه الثالث:
يرى أ صحاب هذا الاتجاه إن إتيان المرأة من حيث أمر الله ينصرف إلى الطهارة، أي أتوهن وهن طاهرات، طاهرات من دم الحيض، والرأي ليس ضعيفا لأن سياق الآية ربما يساعد عليه (ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهّرن فأتوهن من حيث أمركم الله...)، فإن هذا الاحتفاء بالطهارة وتعليق الإتيان على الطهارة، ربما يفيد مثل هذا الرأي الكريم، وهذا لا يفيد بطبيعة الحال جواز وطء الدبر بالضرورة بعد التطهّر، ولم يبين موقفه من الإتجاه الذي يرى في حصر الإعتزال (الظاهري) في الفرج يبيح إتيان الزوجة في الخلف، أو هو لا يتحدث عن جهة الإتيان قبل التطهر وبعده.

الاتجاه الرابع:
 يرى أصحاب هذ الاتجاه إن المقصود من قوله تعالى: (فأ توهن من حيث امركم الله)، أي من حيث حل لكم الله غشيانهن، أي أن لا يكُّن صائمات أو معتكفات أو معتمرات، وهو رأي لا يستصوبه كثير من المفسرين والفقهاء، وإن كان صحيحاً في نفسه، إلاَّ أنَّ الآية لم تأت لتأسيس هذا الحكم.

الاتجاه الخامس:
 
يرى أصحاب هذا الاتجاه إن المقصود من الآية الكريمة جواز إتيان النساء بعد الطهر من الحيض على هيئات ووضعيات متنوعة ومتعددة، أي وقوفا وركوعا وجلوسا ومضاجعة وإجباء، فليس هناك حالة مخصوصة يجب الإلتزام بها، فالآية ناظرة إلى الهيئات والاوضاع وليس إلى مكان ما أو زمان مخصوص، وبطبيعة الحال إ ن هذا الإتجاه لا يمكن أن يستفاد منه جواز نكاح المرأة في خلفها أو عدم جوازه، لأن مثل هذه الأوضاع ـ على العموم ــ قد تصدق في حال إتيان المرأة في فرجها أو في خلفها، ولهذا الرأي فقهاء وعلماء، كما تروى فيه روايات أيضا.
النتيجة التي تميل لها النفس، هو الرأي الأول، وقد أمضاه كثير من العلماء وا لمفسرين من القدماء والمحدثين، وسوف نلتقي بمزيد من البحث حوله في السطور القادمة بإذن الله.
   
2: ولم يكتف أصحاب التصور القاضي بجواز إتيان الزوجة في العجز بتوظيف ذلك المقطع القرآني الشريف لمبتغاهم بل استدلوا على ذلك بقوله سبحانه وتعالى: (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أ نّى شئتم)، ولا تقريب لهم من الآية الكريمة سوى ادعائهم إن (أنّى) هنا تفيد المكان.
إن الموضوعية تستوجب إستجلاء معنى أو بالاحرى إستعمالات (أنّى) في اللغة، وعليه يجب علينا إستجلاء هذه النقطة المهمة.
تأتي (أنّى) في أكثر من استعمال،، نستعرض هنا بعض هذه الاستعمالات مع مثال توضيحي ليكون ذلك مدخلا لإثبات ما نريد.
تأتي بمعنى (كيف) كما في قوله تعالى: (أنَّى يحي هذه الله بعد موتها) وتأتي بمعنى (من أين) كما في قوله تعالى: (يا مريم أنّى لك هذا)، أي من أين لك هذا، وقد تأتي بمعنى (متى) كما في قوله تعالى: (قلتم أنّى هذا)، وقد تأتي بمعنى (كيف) كما في قوله تعالى: (فأتوا حرثكم أنّى شئتم) قال بذلك الفراء 24، ونقل قول الضحاك إنه يقول:(متى شئتم).
إن أقرب الاستعمالات في حريم الآية المباركة هو المكان المحدد، أي الفرج، بدلالة القيد الاحترازي الواضح:(من حيث أمركم الله)، وسياق الآية يساعد على ذلك بكل وضوح، فإن الحرث يتطلب مكانا للحرث، ويتطلب بذرا، ويتطلب حارثا، ومن ثم هناك نتاج الحرث، وبالتالي، فإن إتيان المرأة من الفرج هي عملية حرث، فالفرج هو المكان، والسائل المنوي هو البذر، والزوج هو الحارث، والذرية هي الحاصل، وربما يكون الحاصل الولد مع اللذة، إن الحرث بين الفخذين وتحت الأبطين وعلى السرة وفي الاذنين لا معنى له، ولا يستسيغه الاستعمال اللغوي، فإن الحرث يتطلب موضع نبت.
إن الحرا أسم لموضع معين، وليس خلاف اللغة إن يسمى الموضع بإسم الكل، كما تقول ضربت الرجل وأنت تريد رأسه أو يده، وبذلك قال كبار اللغويين والبلاغيين، مثل الزمخشري والفراء.
هناك من يصرف (أنّى) إلى الأحوال والهيئات والأوضاع، أي فأتوا نساءكم كيف شئتم، واقفة أو مضطجعة أو راكعة، وهناك من يقول إن المعنى فاتوا نساءكم من حيث يحل لكم أن تشغونهن، أي أن لا يكّن صائمات ولا معتكفات ولا محرمات، ولكن يبقى المكان المخصوص هو الرا جح كما هو واضح بأدنى تأمل.
وهناك آية أخرى يستدل بها المجوزون على ذلك هي قوله تعالى: (... هؤلاء بناتي هنّ اطهر لكم...) في قوم لوط، وقد أفردت لها فصلا قائما برأسه، هو الفصل الآتي.
هل عرض نبي الله لوط (أعجاز) بناته على قومه؟
 

يتبع

في أخبار