ها هو لبنان يخوض معركته المتجددة ضد الإرهاب المنظّم، الذي يحاول مرةً بعد أخرى النيل من سيادتِه وأمن البلد، وتغذية الفتنة السنّية الشيعية.

هذه المرة، إلى الشمال دُر. فالوجهة طرابلس وجوارُها، كيف لا، وهي مركز الثقل السني اللبناني؟!

الجديد أن الجولة الأخيرة بدأت بدون "جبل محسن"، وانحسرت فقط بين الجيش اللبناني من جهة، والمسلحين المتطرفين من أبناء السُنّة من جهةٍ أخرى، الذين يكِنّون ما يكفي من حقد وكره تجاهَه، على قاعدة أنه تحت قيادة مسيحية مارونية فضلاً عن كونِه يتلقى أوامرَه من حزب "اللات" كما يطلقون عليه،. فهذا الأخير، وإن كان حزباً، فهو يفرض سطوتَه ورأيَه على كامل البلد ويؤثّر في مآل أموره بشكل حاسم. بل وأكثر من ذلك، يؤكد مراقبون أنه لولا تدخله في القتال الدائر في سوريا لانهار النظام السوري منذ أكثر من سنة!

وبالعودة إلى أحداث الشمال الأخيرة، قام الجيش اللبناني مؤخراً بحملة مداهماتٍ استباقية بناءاً على معلومات إستخباراتية عن التخطيط لتفجير الوضع الأمني من قبل متطرفين منتمين لتنظيمات إرهابية وخاصة بحق الشيعة في فترة إحياء ذكرى عاشوراء. فقتل من قتل، واعتقل من اعتقل من المسلحين وصادر ما صادر من أسلحتهم وذخائرهم في منطقة عاصون، الضنية.&

بعدها بنحو 48 ساعة، تعرض الجيش بالتزامن لعددٍ من الإعتداءات "الانتقامية" في المنطقة الممتدة من طرابلس وصولاً إلى عكار، فكان منه أن ردّ بحزم، وهو حقّه بقدرِ ما هو واجبٌ عليه.

وشيئاً فشيئاً اتجهت الأحداث نحو التأزم، ازداد الحنق وتعالت دعواتٌ من هنا وهناك تحثّ أهل السنّة على الجهاد ضد الجيش والانشقاق عنه، أبرزها تلك التي جهر بها الشيخ خالد حبلص عبر خُطبِه في أحد مساجد المنية. وهكذا، باتت مدينتا طرابلس والمنية تحت خط النار، ومخطوفتين بقوة السلاح من قِبل القلة القليلة من الإرهابيين الذين لبّوا نداء "الجهاد". أيُّ جهاد؟ والقاتل والمقتول في كلا الحالتين من أبناء البلد الواحد والملّة الواحدة وحتى البيت الواحد. إذ لن يتردد تكفيريٌّ في قتال أخيه إن كان منتسباً لجيش "العدو الصليبي".

الوعدُ بالتحرير كان قد سبق كل هذه المهاترات..&

"سندخل إلى لبنان من عكار ونحرر أهل السنة فيه من ظلم واستبداد حزب "اللات"" وأعوانِه في الجيش الصليبي". هكذا قالها أحد من تفتقت عنهم الثورة السورية من صعاليك (18 عاماً) لا يفقهون شيئاً في الدين والدنيا.. قالها وكلُّه ثقة بأحقيّة قضيتِه ومسعاه.. فبعدما حاربهم الحزب على أرضهم، ارتأوا الانتقام منه في عقر داره، فبات هدفهم كسر شوكة الشيعة، متمثّلةً بمصدر قوّتهم حزب الله، وتدمير الجيش "الصليبي" التابع" له.

الخطأ نفسُه والخديعة نفسها ما زال المندفعون من شباب السنّة يقعون فيهما. كلما أرادوا الانتفاض لحقوقهم نحَوا باتجاه التطرف والإرهاب والتحريض المذهبي. ولو أن الأمر اقتصر على محاربة حزب الله والشيعة، لربما تغيرت التطورات. إلا أنهم ينجرّون تحت راية قتال الجيش الصليبي الكافر، وإنشاء خلافة إسلامية.

الأمر الذي يحرمهم أي بيئة حاضنة على مستوى واسع، &فيقتصر وجودهم على العشرات أو المئات هنا وهناك ممن لا يلقونَ حتى دعم أهاليهم. فواقع أن الجيش اللبناني فيه عناصر من كل المناطق ومن كل بيت تقريباً يفرض نفسه، ويؤمّن غطاءاً وحضناً لا يتضعضع بتلك السهولة أمام وعدٍ بالخلافة. علماً أن التجربة الحية المنقولة من العراق وسوريا عن الخلافة المزعومة ودولتها المجرمة، تكفي كي يلجأ أهل لبنان لدعم الجيش دون شروط في مواجهاته لهكذا دعوات وتحركات.&

في المقابل، يتساءل "متشددون" سنّة لماذا يواجَهون دوما" بالحسم العسكري، في حين يُعامل حزب الله معاملةً خاصة و"لا يجرؤ" الجيش على الدنوِّ من سلاحِه وإن إشارةً.&

في كل مرة يتهمون حزب الله والدولة بالإجرام في حق أهل السنة، والواقع أنهم المجرمون قبل كل شيء بسبب غبائهم. قد يكون للحزب مشروعه الخفي أو الطائفي، كما لكل جهة مشاريعها، غير أنه يُحسَد على ذكاء أربابه. فهم ما كانوا يوماً وتحت أي مسمى أو سبب ليحاربوا جيش لبنان لأنه "صليبي". وليس لأنهم وإياه "واحد" كما يدّعي المتشددون، بل لأن هذا الجيش من كل لبنان.. لكل لبنان.. وليس صليبيا" كما تصوّر لهم سذاجتهم التي زرعت في رؤوسهم حلماً متعفناً يدعى "إحياء الخلافة"!، وهو ما يثبت يوماً بعد يوم أن من وضعه لهم هم أعداؤهم وأعداء الإسلام، وأجهزة مخابراتية أدركت مبكراً أن الدين أفيون الشعوب ونقطة ضعفهم، وخاصة شعوبنا.

وبما أن إنهاء هذه الحالة الشاذة ليس بتلك البساطة، فالسؤال البديهي هنا.. متى سيكون موعد الجولة المقبلة من هذا القتال الدونكيشوتي!

&