استقبلت فلسطين خلال فترة الانتداب عدد من اللجان الدولية في محاولة لحل مشكلة اليهود في فلسطين، ومن لجان التحقيق التي وصلت فلسطين واستمعت إلى الطرفين – اليهودي والعربي – لجنة التحقيق الانجلو – امريكية في عام 1946، والتي عقدت اجتماعاتها في جمعية الشبان المسيحيين في القدس. كان الوفد الذي قابل اللجنة مكوناً من جمال الحسيني وعوني عبدالهادي وأحمد الشقيري والبرت حوراني. ويذكر الشقيري "وكان في مكتب القدس السادة البرت حوراني ورجائي الحسيني وروحي الخطيب ووصفي التل وناصرالدين النشاشيبي يعدون الدراسات التفصيلية في جميع جوانب القضية الفلسطينية يعاونهم عدد من الشبان". وكذلك يضيف [ان اللجنة أعدت ملفاً من ألف صفحة باللغة الانجليزية مبوباً ومفهرساً وقدمته إلى لجنة التحقيق].

البرت حوراني كان الفارس المغوار في حديثه امام اللجنة، وفي هذا الصدد يكتب الشقيري [احمد الشقيري – أربعون عاماً في الحياة العربية والدولية] "وتحدث السيد حوراني حديث الاستاذ الجامعي بسلامة ورصانة محللاً ومعللاً مناقشاً ومفنداً، وكان يتكلم بالمنطق العربي والعقل البريطاني في معزلٍ عن العاطفة العربية، وحاورته اللجنة طويلاً فصمد لها، ولم تستطع أن تجد في مرونته وموضوعيته وايجابياته ذرة من التسليم بالأمر الواقع".

قلما تتحدث الكتب عن مرافعة الحوراني أمام اللجنة الانجلو – امريكية، وهي في رأيي أجمل وأتم ما قيل في الدفاع عن فلسطين وعن مشاريع الحلول التي كانت مطروحة. ويجدر أن يطلع الجميع على هذه المرافعة وخاصة السياسيين وأعضاء وفود المفاوضات واللجان والهيئات العاملة في مجال القضية الفلسطينية.

بداية وقبل استعراض دفاع الحوراني، نعرّف بهذا الاستاذ الجامعي. ولد ألبرت فضلو الحوراني في 31 آذار 1915 في مانشستر/ بريطانيا (رغم أن زميله في اللجنة أحمد الشقيري يقول أنه من جديدة مرجعيون مولداً ومن بريطانيا نشأة، وكان يستعين به موسى العلمي في شؤون الاعلام – حيث لم يكن الشقيري دقيقاً في هذه المعلومة حيث التبس عليه الأمر فوالده من جديدة مرجعيون). درس في اكسفورد ودرّس التاريخ الحديث للشرق الأوسط في اكسفورد حتى تقاعده، وهو زميل فخري Emeritus fellow في كلية سانت انتوني، وزميل شرف في كلية ماجدلين. كان استاذاً زائراً في الجامعة الامريكية في بيروت وشيكاغو وبنسلفانيا وهارفارد، ويحمل لقب استاذ مميز في كلية دارموث. له عدد كبير من الدراسات، إضافة إلى مجموعة من الكتب، إهمها: الفكر العربي في العصر الليبرالي واوربا والشرق الأوسط وغيرها.&

جاءت مرافعة الحوراني أمام اللجنة للاجابة على تساؤلات محددة طرحتها لجنة التحقيق وكذلك على اعتبارات محددة والتي قد تكون موجودة في تفكير اللجنة. وركز الحوراني مرافعته على خطورة الصهيونية والتي تهدد تطور العالم العربي في كافة المجالات.

شدد الحوراني في بداية مرافعته أن هدف الصهيونية الاساسي خلق دولة يهودية في فلسطين، واستند إلى جواب بن غوريون عندما سئل هل سيقبل انقاذ 100 ألف يهودي الماني مقابل التخلي عن فكرته في خلق دولة يهودية، فأجاب لا.

اعتبر الحوراني كل الحلول الوسيطة والمرحلية المطروحة عبارة عن وهم وخداع. وفنّد الاقتراحات التي طُرحت على الطاولة لمناقشتها، وهي: اقتراح التقسيم والثاني اقتراح الدكتور ماجنس Doctor Magnes’s proposal بدولة ثنائية القومية والثالث الذي لم يتبلور بعد ولكن التقطه الحوراني والمتعلق بالسماح لعدد معين من المهاجرين ولنقل 100 ألف بالقدوم إلى فلسطين دون تأخير وتأسيس حكم ذاتي دون تأخير ايضاً وتأجيل حل المشكلة الفلسطينية.

ينطلق الحوراني من رفض التقسيم إلى دولتين من حيث المبدأ، فلا يمكن قبول ذلك، لأن القبول بالتقسيم بعني القبول لاحقاً بدولة على كل فلسطيبن، إضافة إلى أن الدولة العربية ستكون في الجزء الجبلي من فلسطين وهذا الجزء فقير في الموارد. وأدرك الحوراني مبكراً الاطماع الصهيونية التي لا تقف عند حد. فالدولة اليهودية المقترحة لا تلبي الاحلام الصهيونية في المستقبل وسيحاولون أن تكون هذه الدولة الخطوة الأولى لابتلاع فلسطين (وهذا ما يحدث الآن).

أما بالنسبة لاقتراح الدكتور ماجنس والمتعلق بدولة ثنائية القومية، فقد أوضح الحوراني أن ما ذكره الدكتور ماجنس بأن خطته قد وافق عليها أعيان العرب واليهود وتم توقيعها غير صحيح، وهو مخول بالتصريح بهذا الأمر. وقد دار نقاش بين الحوراني ومستر جيستس سينقليتون Mr. Justice Singleton. ورفض العرب لهذا الاقتراح هو رفض مبدئي، حيث سيقوم اليهود بالضغط لزيادة الهجرة وبالتالي الاخلال بالتوازن الديموغرافي في البلد. كذلك، فإن الدكتور ماجنس يقترح السماح لعدد كبير من المهاجرين بالقدوم فوراً إلى فلسطين ولو أدى ذلك إلى استخدام القوة.

إذا تم التوافق على تأسيس دولة ثنائية القومية فإن ذلك سيؤول إما إلى إخفاق تام سيؤدي بالضرورة إلى تدخل قوى أجنبية، أو إلى سيطرة تامة لحياة الدولة باعتبارات كوميونية Communal consideration.

أما الاقتراح الثالث والمتعلق بالصعوبات في كلا الجانبين والتي تعيق ايجاد حل، وبالتالي ينظر في أمر السماح بهجرة اليهود وتوسيع الصلاحيات الادارية تدريجياً وتأجيل النظر في الحل النهائي. إن رفض العرب لهذا الاقتراح – كما بيّن الحوراني – هو رفض مبدئي. فلا يمكن للعرب أن يذعنوا لاية هجرة تفرض عليهم وهم لا يملكون زمام أمورهم، فقبل فرض قبول هجرة اليهود يجب منحهم حق تقرير المصير أولاً.

ويستطرد الحوراني في مرافعته متسائلاً بأي حق تطلب بريطانيا وامريكا بأن يتحمل الفلسطينيون حل مشكلة هجرة اليهود، فذنب خلق هذه المشكلة لا يقع اطلاقاً على العرب، بل هي مسؤولية اوروبا. لقد تحمل العرب جزءاً من مشكلة الهجرة. ويضيف الحوراني وكأنه يجيب على هذا السؤال بدل اللجنة، ستقولون بأنه من الصعب تمرير قانون يتعلق بالهجرة في الكونغرس أو البرلمان البريطاني وتضيفون بأن اليهود يرغبون بالهجرة إلى فلسطين. نحن نرفض والعرب يرفضون ونعتقد أن الانجليز والامريكيين لم يفعلوا ما عليهم فعله لتحمل نصيبهم من مشكلة اليهود التي خلقتها اوروبا.

لا يجب النظر إلى مشكلة هجرة اليهود من زاوية انسانية بل وفق اطار سياسي عام، فالحركة الصهيونية لا تريد حل مشكلة اللاجئيين بل تهدف إلى السيطرة الكاملة على فلسطين، وما التمسك بالهجرة الاّ خطوة اولى على طريق السيطرة الكاملة.

ويوضح الحوراني بأن العرب على استعداد لقبول اليهود الذين دخلوا البلاد بطريقة شرعية واكتسبوا المواطنة الفلسطينية واعتبارهم مواطنين بحقوق كاملة على قدم المساواة مع اليهود الفلسطينيين، ويطلب الحوراني من اللجنة عدم الاستخفاف بهذا الاقتراح لانه يشكل حلاً وسطاً من الجانب العربي. وقد يتسائل البعض ماذا يتوقع اليهود في دولة طابعها عربي. وفي هذا الصدد يشير الحوراني إلى وقائع المؤتمر الذي عقد في عام 1939 (ويضيف بأن وثائق هذا المؤتمر بين ايديكم) وإلى مداخلة جمال الحسيني كناطق باسم الوفد العربي والذي أوضح بجلاء بأن ما يتوقعه اليهود هو حقوق سياسية ومدنية كاملة وادارة ذاتية في المناطق التي يشكلون فيها الاغلبية وأن تكون اللغة العبرية لغة رسمية ثانية في تلك المناطق. وهنا يستنتج الحوراني بأن العرب لا يريدون انشاء غيتو لليهود، وكون طابع الدولة هو عربي لا ينبع من عنصرية وانما لأن غالبية السكان هم عرب وأن فلسطين جزء من الوطن العربي. وهذه الحلول تتطلب وداً من الجانب الفلسطيني تجاه اليهود.

ويرى الحوراني إن كل الحلول المطروحة تحتمل مخاطرة اندلاع عنف وقلاقل، وعلى اليهود أن يعترفوا بالشعور الودي من قبل الفلسطينيين تجاههم وعليهم اكتساب هذا الود والشعور الطيب، ولكنهم لن يسلكوا هذه الطريق الاً إذا تأكدوا أن الدولة الفلسطينية ستتحقق بقيام حكم وطني، وما لم يتم ذلك فستلجأ الصهيونية إلى كل الوسائل المتاحة لتأسيس دولة يهودية.

ويصور الانجليز والامريكان المشكلة وكأنها بين قوميتين أو عرقيين وانهم محايدون وعملهم يتركز في ايجاد حل دون أن يتورطوا في هذه المشكلة. ولكن الحوراني يبين أن الانجليز والامريكان هم فعلاً متورطون في المشكلة وهم ليسوا حكماً عادلاً بين الفريقين.

أن أهم ما يشير اليه الحوراني في مداخلته بأن المشكلة ليست سياسية أو اقتصادية ليتم حلها وفق منظور سياسي أو اقتصادي، إنها مشكلو اخلاقية بالدرجة الأولى، وتتضمن عدالة وحقوقاً، ومهما اتُخذ ولم يُتخذ في هذا المجال فإن ذلك سيحدد العلاقة المستقبلية بين العرب واليهود والعالم الغربي.

ويستحضر الحوراني التاريخ حيث يشير إلى أن العرب عاملوا اليهود معاملة حسنة ولم يشعر اليهود بأية تفرقة على مدار تاريخ تواجدهم بين العرب، ويشير إلى طرد اليهود من الاندلس حيث استقبلهم العرب ولم يتم التعامل معهم كلاجئيين بل أصبحوا مواطنين في البلاد العربية، وهذه حقائق تاريخية لا يستطيع انكارها أحد. ويقارن الحوراني بين معاملة العرب لليهود ومعاملة العالم المسيحي Gentile world لهم، حيث تسببت هذه المعاملة بظهور الجيتو والتفرقة العنصرية وبالتالي ظهور مشكلة اليهود التي حاولت الصهيونية استغلالها وبالتعاون مع الدول الغربية من أجل خلق دولة يهودية، وكأني بالحوراني يريد أن يقول لا تحلوا مشاكلكم مع اليهود على حسابنا، فمن خلق المشكلة عليه حلها.

لا تزال هذه المرافعة بشأن الحلول للمشكلة الفلسطينية صحيحة لغاية الآن، فكل الحلول المطروحة يمكن تفنيدها بناءً على الحقائق والمبررات التي اوردها البرت حوراني.&

وبعد ذلك، يتبادر إلى ذهني سؤال: هل من شارك في المفاوضات وما زال يشارك قد اطّلع على هذه المرافعة وغيرها ليستفيد منها. الله أعلم!!!&

&