حين اختلف المثقفون على تحديد اتجاه التظاهرات في العراق، وما يجب وما لا يجب، كانت ساحة التحرير وسط بغداد، تعج بالشبان، شعارهم الرئيسي يعنى بالكهرباء، لكن شعارات أخرى ذات دلالة شاملة ومركزية حضرت وبقوة مثل (باسم الدين باگونه الحرامية).
إن الجدل في أوساط الكتاب والصحفيين والفنانين... مهم باعتباره يضيف ثراء لمشروع مواجهة خراب العملية السياسية. لكن لا يجب أن لا يعطي لنفسه الحق بأخذ الحراك بعيداً عن إمكانيات أصحابه وهمومهم. فقبل كل شيء، دور المثقف يتمركز حول تفسير الظواهر ودعمها ومحاولة إصلاحها، دون أن يعطي لنفسه حق المعرفة التي تتجاوز الحدود، فيمارس وصاية على أناس نجحوا بالتظاهر والتجمع، وهم بالضرورة لهم وعيهم الخاص وتطلعاتهم المبنية على الوقائع. فلا يقرر المثقف نيابة عن الناس الأكثر شجاعة، لأنه غائب أصلاً عن معادلة التأثير، ومتهم هو مع الصحفي والفنان... بممارسة الإيهام بحق الجموع الان وسابقا، عدا استثناءات تمثل الأقلية. بل إن المطلوب منه أن يتخذ من هذه اللحظة، لحظة أن يبادر الشبان بالحراك، فرصة لإصلاح منظومة فكره وسلوكه والتصالح مع الناس، وليس الوصاية.
ثم، إن تظاهرة الأمس لا قائد فيها، الشباب هم قادتها، من كانوا يصدحون من أعلى الساحة، من كانوا يتوسطون الشبان معلين الشعارات، من كانوا حالمين، لم تحدوهم المصالح. والمثقفون كانوا مساهمين حالهم حال سواهم. بالطبع يبقى دور أحمد عبد الحسين في أغلب التظاهرات مهما، وأظنه الوحيد الذي يمكن أن يقال عنه صاحب مبادرة مستمرة، مهما اتفقنا أو اختلفنا معه في الوسائل والأهداف. ورغم هذا فإن الحراك خرج من دائرة تمثيل الفرد له، بل يفترض أن يفرز من يمثله. ولا يحق لأي منا، كتاباً كنا أم فنانين أم شعراء، أن يبادر من نفسه ليصبح متحدثا باسم مظاهرة التحرير.
من جانب آخر، إن العراق بلد مشتت، ليس اجتماعيا فقط، بل في قضاياه واهتماماته واولوياته ومشكلاته. وحين ينجح العراقيون بلحظة ما، ان يجتمعوا على قضية مهما كانت تفصيلية وجزئية ويراه البعض هامشية، فإن هذا بادرة مهمة للغاية. حيث لا يمكن أن نتوقع اجتماع الشبان من كل الطوائف بشكل تلقائي، على قضية كبيرة، بحجم المشكلات السياسية. الاجتماع يحصل في نقاط معينة، تمثل الشروع نحو القضايا الكبيرة. الكهرباء هي ما يجمع العراقيون، كما هي داعش التي يفترض أن تجمع الأضداد، وحين يعتاد الشبان على ان يكونوا موحدين، عندها نتوقع ان يحصلوا على فرصة تجمع عابر للطائفة أكبر اهتماما وأبعد هدفاً.
وهناك مخاوف، وهي حقيقية، من أن تكون هذه التظاهرات هبّة، ينكفئ الجمع بعدها، هذا صحيح، وكلنا يدرك أن الامور قد لا تتطور، لكن أيضا من المهم إدراك ان تطور الأحداث في حياة مجتمع كبير بمشكلات عميقة كمجتمع العراق، ليست وليدة لحظة، ولا يمكن أن يتوقع علاجها في حركة واحدة، أو حصول اصرار على حلها، انما هو فعل تراكمي. بغداد التي شهدت تظاهرات 25 شباط 2011 استجابة لما يعرف بالربيع العربي، لم تشهد سابقاً أن يدفعها حر الصيف الى التظاهر بهذا الزخم وهذه الطريقة، رغم أن درجات الحرارة عالية في كل السنوات، وأن الكهرباء سيئة في كل الاعوام. وهذا يعني أننا أخيرا بدأنا نشعر بحرارة الجو وسوء الكهرباء، وعلى الرغم من أنه شعور متأخر في الحالات الطبيعية، الا أنه تطور مهم في مجتمع شهد ما شهد من مدمرات لوعيه وشجاعته واحساسه منذ البدايات ومرورا بحماقات الدكتاتور وانتهاء بفوضى المرتزقة.
في ظل هذا يأتي الرأي الآخر، المحبّط، وغير المتفاعل.. ليطالب بالكف عن التظاهر حتى لا تخدم مصالح هذا أو ذاك، مثل أن يقال إن تظاهرات البصرة حرض عليها نوري المالكي، أو تظاهرات بغداد حرض عليها جمال الكربولي لأنه يريد وزارة الكهرباء له، أو القول إن هناك من يتربص للانقلاب على شكل النظام القائم...& طبعا، بالنهاية، أي مخاوف هي مخاوف صحيحة في زمن الفوضى، لكن السكوت، والاكتفاء بصناديق اقتراع مسيطر عليها، لصناعة التغيير.. لم يعد خيارا صحيحاً. التغيير لا يأتي في مجتمع جامد، لا يتحرك، خائف، مسكون بما تطرحه نخبه السياسية والدينية والثقافية من تحذيرات واثارة للرعب. وهذه التظاهرات في حال امتدت وتطورت، الان أو في المدى القريب والبعيد، ستأكل كل من يستثمرها، لأن المستغلين هم جزء من الخراب، بما في ذلك أولئك الذين يتخذون من عواصم الجوار أرضا لمعارضتهم، وهم مجموعة من الارهابيين او بقايا كابوس سابق.
وهناك أيضا من يقف ضد أي تظاهرات، لأنه دائما مع السلطة، أياً كان من هو على رأسها. هذا لن يؤمن بتظاهرة، بل سيكون باستمرار مع قمعها حتى ولو بقوة السلاح. والبعض يقول أين كانت هذه التظاهرات من زمن المالكي، ناسياً أن الامر ليس كذلك، لأن خط سير التظاهر بدأ بقوة منذ تظاهرة الحريات في 2009 وتظاهرة الكهرباء في البصرة 2010 و25 شباط 2011 والغاء تقاعد البرلمانيين في 2013. وجميعها حصلت في الحكومة السابقة.
بالمحصلة النهائية، لا يوجد حراك بدون سلبيات، ولا يوجد حراك يمكن أن يستمر طويلا في ظروفنا، الا أن التظاهر طبقة جديدة في تراكم التخلص من عقدة ساكنة في العراقيين.
&