شهرٌ مضى منذ بدء الحراك الجماهيري العراقي واتساع الاحتجاجات حتى شملت كل محافظات الوسط والجنوب منطلقة ً اولا من ساحة التحرير في وسط بغداد دون ان نلمس تغييراً يذكر او حتى وعودا لتلبية طلبات الجماهير العريضة المشروعة او تحديد سقف زمني لإصلاح ولو جزء يسير من المفاسد الجمّة والاختلالات الكبيرة التي تحفل بها العملية السياسية المربكة في العراق
كل تلك الاحتجاجات والتظاهرات التي وصفت في اسبوعها الرابع بانها قاربت& الاعداد المليونية لم تزحزح الحكومة قيد انملة وقد ظنّ ساستنا انها كمن يحرث في بحر وكمن يملأ آنية مخرومة بكل جوانبها بالماء وحسبوا انها مهما تعاظمت وتكاثرت سيول المحتجين فان الامر لايعدو كونه جعجعة فارغة وهوسا لاطائل من ورائه مادام لايثلم جدارا مائلا ولايقوّم ذيلا معوجا
وأظنهم هجسوا في سرائر انفسهم& ان كل بحار العالم ومسطحاته الواسعة لا تعبئ ماءً في كؤوس منخورة& بالصدأ وكل هواء العالم لايملأ قِربة مثقوبة ، هكذا كانت تصوّراتهم الخاطئة الضيقة الافق
حقّ علينا ان نسأل& هل ُيرتجى من أنفار جلّهم من ذيول الغزاة ومطيّة لدول الجوار وغير الجوار وبيادق تتلاعب بها أيدٍ طامعة غير وطنية تبوّؤا السلطة بالخديعة والمكر والتزييف وتضليل الناس في غفلة من الزمن وعزفوا على اوتار الطائفية والاثنية والعِرقية واشاعوا الكراهية والنزاعات والتناحر بين ابناء الوطن الواحد ، وهل من الممكن ان يكونوا دعاة اصلاح& ورعاة خير يحسنون صنعا بهذا البلد الذي يكاد يحترق ؟؟!
هؤلاء الذين يتلاعبون بمصيرنا هم من حملوا& أوار الكراهية وقدحوا زند النار في قلوبنا وأرواحنا وأشعلوا الاخضر واليانع واليابس والمثمر فكيف بنا ان& نقتنع ونصدق بانهم سيرفعون مطافئ الحريق ويشمرون عن سواعدهم لاخماد الحرائق الشاسعة في كل اركان بلادنا
ولو سلّمنا جدلا وافتراضا بان فيهم من يعوّل عليه في البناء والاصلاح – وهذا محال كما يخيّل الينا – فمن اين لهم الخبرة والمران والدربة والامكانيات المبتكرة والتخصص التكنوقراطي خاصة واننا نعلم يقينا ان غالبيتهم ( الاّ ما اندر جدا ) انحدروا من احزاب اثنية عقيمة الابتكار لاتحسن سوى اداء الشعائر والعبادات والادعية وترتيب الزيارات للاضرحة والمقامات الدينية وترقب مواعيد وفيات وولادات هذا الامام& او ذاك الرجل الذي كان صالحا متديّنا في وقته للاعداد له بمسيرة وزحف الى مزاره واداء طقوس النحيب واللطم والندب وجلد الذات واغراق البلاد في عطلات ليست رسمية وتعطيل مصالح الناس وشلّ مرافق الانتاج الحيوية مثل الصناعة والزراعة والتجارة وايقاف الارزاق للمكدودين الكادحين المساكين الذين بالكاد يستحصلون على خبز يومهم ، كل ذلك اكراما وابرازا وتقديسا لهذا الرجل الصالح الميت منذ قرون مضت وانقضت لكنها مازالت باقية في اذهانهم ليس استحبابا وتمجيدا وانما الافادة منها في تعمية بصائر الناس السذّج الفقراء كي ينسوا ماهم فيه من حيف وظلم وتعسف وتعطيل قدراتهم في العمل والكدح وترميم حاضرهم وبناء اسس مستقبلهم مادامت حسن العاقبة واشتهاء الآخرة والموت قد صارت هي الهدف الاسمى
مارسوا الخديعة وبدأوا يستخدمون الدين لأطماعهم ولايخدمونه ؛ لنواياهم غير الطيّبة وأساؤوا لآل البيت الاطهار ولقدوتنا من النجب والمؤمنين حقا وسوّدوا الصفحات المشرقة البيض لحاجة شريرة في نفوسهم&
ويبدو ان النخبة السياسية العليا بما فيها رئاسة الوزراء التي يقودها السيد العبادي لم تجرؤ ولم تخطُ خطوتها الاولى نحو التغيير المطلوب بدليل عجزها حتى عن اقالة رأس القضاء التي تحوم حوله شبهات بالفساد والتواطؤ والتعكّز على بعض الساسة المتنفذين اضافة الى التردد في فرض العقوبات على المجرمين والفاسدين ولاادري هل ان يد القضاء مغلولة الى عنقها ام ان هناك خفايا لانعرفها وهناك من يستسيغ ان يبقى القضاء مشلولا منخورا وموبوءا برجال لايهمهم ان يفرض القانون وتستقيم الامور لان بقاءه بهذا الشكل يعني بقاء الجريمة وبقاء الارهاب يعيث فسادا وبقاء الاختلالات والهوان والتمزّق في النسيج العراقي المهلهل& اصلا
وحسنا فعل المحتجون ان طالبوا بالبدء في الاصلاحات عسى ان تكون بادرة اولى لانقاذ مايمكن انقاذه مع ادامة وابقاء هيكل الحكم على كثرة الاسقام والاعوجاجات الكامنة فيه مع ادراكنا مسبقا ان لا شئ& من اية اصلاحات ملحوظة ستظهر للعيان خاصة بعد ان طرق اسماعنا مؤخرا ان اجتماعا ثلاثيا قد تمّ مؤخرا بين السادة رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان وقد تمخّض هذا الاجتماع عن ان الاصلاحات التي يلحّ عليها المتظاهرون يجب ان تنجز من خلال الدستور ووفق القانون ولاادري عن ايّ قانون يتحدثون وعن ايّ دستور ملئ بالخلل تلو الخلل وهل يتم ترميم بلاد بأكملها من مواد قانونية ودستورية هي اصلا سقيمة وتحتاج الى من يطببها ويعيد اليها الحياة والفعالية& والمعافاة
اخشى ما أخشاه ان الايام المقبلة ستكون حاسمة ومرعبة الى حد ما فالجماهير العريضة لاتسكت ابدا وليعلم الملأ كله بما فيه نخبتنا السياسية ان الحراك الشعبي المعارض مستمر وسوف لن يتوقف حتى ينجز مايريد وقد بدأها اولا بالتظاهر واعلان مطاليبه وقد تكون الخطوة التالية بالعصيان المدني الواسع وتعطيل الدولة وشلّها والخوف كلّ الخوف مما لايحمد عقباه حين يتصاعد السيل العارم ليمتدّ الى المنطقة الخضراء ودكّ حصونها مهما كانت منيعة وهذا ديدن الشعوب المقهورة المظلومة حين يتساوى الموت مع الحياة ويبلغ الغضب مداه الاوسع ، ولاداعي لان اذكّر تجارب الشعوب المنتفضة عبر التاريخ فالجميع يدرك مثل هذه البديهيات ؛ ولأقولها بملء فمي وبكل صراحة وأضع النقاط على الحروف ان جماهيرنا أعلنت حربها على الطائفية والطائفيين والفساد والفاسدين وقضاة السوء من شاكلة شريح ومن لفّ لفّه ممن يخافون الارهاب وترتعش ايديهم امام غول الفساد وتنفر نفورا شديدا امام المحاصصات وتقاسم النفوذ ولاتترك للمخلصين فسحة كي يبنوا ويرمموا ولم يعد لليأس مكان في نفوسهم فقد نبت فيهم الآمل بالتغيير وتصاعدت أغصانه وصار من الصعب ان تنوشها وتقطّعها سكاكينهم ومقصّاتهم مهما كانت حادة وسترتدّ عليهم باترة أذيال الارهاب والفساد وكل منبت ضار وسام الى الابد

[email protected]

&