بعيداً عن تأثيرات السياسة والإعلام
ما هي قضايا الشباب اللبناني؟

عصام سحمراني: "الهروب من هذا البلد بلد المصائب هو القضية الوحيدة لدي"، هكذا يلخص غسان (طالب في ادارة الاعمال في الجامعة اللبنانية )همه الاول والاخير،بل ويؤكد ان هذا ليس همه فحسب بل هاجس معظم الشباب اللبناني .هذا التصريح ترفضه ريما الفلسطينية جملة وتفصيلا فبالنسبة لها لاتزال القضية الفلسطينية هي الاساس لديها "ولو بحدّها الأدنى في البداية!".
تبيان غريب .. تبيان بين الهزيمة وتضاؤل الأحلام وانخفاض المعنويات لدى ذلك الشاب وامال وتفاؤل وحماسة تلك الفتاة .. ومع أنّ ريما تدرك ان حظوظها في نضالها من اجل قضيتها بات يتقلص يوما بعد يوم لكنها وعلى الرغم من ذلك تتمسك بها لانها تدرك أنّ القضية الفلسطينية باتت "جزءاً من ثقافة شعب كامل" لا قضية فرد واحد فحسب.
بعيدأً عن الساحات السياسية والكمّ الكبير من الكذب والتضليل اللذين يسيطران عليها ،و بعيداً عن الأحزاب الإنتهازية وقضاياها الباطلة التي تشكّل في معظم الأحيان مصائد للشباب أكثر ممّا تشكّل قضايا. بعيداً عن الأحلام الوردية والنضالات الوهمية المتلاعبة بالتوجّهات التي تبثّها وسائل الإعلام في وجدان الأجيال الصاعدة. بعيداً عن كلّ ذلك ، هل من قضية يسعى شباب لبنان الى تحقيقها ،أم إنّ زمن القضايا واليوتوبيات وكلّ ما هو نظرة نحو الأفضل قد انتهى تماماً بالنسبة إليهم؟ وهل بتنا نعيش فعلاً مرحلة الخمول في مختلف جوانبه!!؟
لنرَ!

هامير
يرفض أحمد ( 20 سنة )ادّعاء تبنّيه لقضية كبيرة، "إذا قلت لك إنّ إزالة اسرائيل من الوجود هي قضيتي أكذب عليك لأنّ إسرائيل لن تزول بتاتاً رغم إنّني أحلم بذلك لكن وللأسف فالحلم لا يكفي".
يعمل أحمد كحدّاد للسيارات بأجر متدن لا يسدّ كامل احتياجاته من "دخان وثياب وسهرات وفتيات". ويجد أنّ قضيته ليست أكثر من "العيش بكرامة في بلد محترم"، وبما أنّه يرفض السفر فهو يتبنى لبنان قضية له، "يجب أن نسعى جميعاً لكي يستعيد لبنان سابق عزّه".. حلم بعله يتمسك به هذه المرة . نسرين التي تدرس في إحدى كلّيات الجامعة اللبنانية تجد أنّ قضيتها تقلّصت وباتت تتلخّص في "حلم لا أكثر". حلم يشبه أحلام كثير من أحلام الفتيات اللبنانيات، "لقاء فارس الأحلام". لكنّها لم تعد ترضى بمجيء ذلك الفارس على حصان أبيض يطير، كحكايات "ألف ليلة وليلة" بل "مع هامير أكيد".هذا الحلم يواجهه بسام _العاطل عن العمل _"وكلّ شيء آخر" بنظرته المختلفة.
بسّام هو - بطبيعة الحال - كغيره من الشبّان مشروع فارس أحلام لنسرين وغيرها ، لكنّ مشروع الفارس هذا يجد أنّه لا يصلح لهذا الدور لأنّه لا يتمتع بالحدّ الأدنى من الشروط "الماديّة" المتوقعة .
وعى الرغم من انه بلغ الـ 29 من عمره لكنه لم يتخلّ بعد عن فكرة المستقبل الجيّد "لا نعرف ماذا يخبّئ لنا المستقبل". ورغم ذلك فهو يعترف بالحاضر المزري الذي يعيشه قبل المراهنة على المستقبل، "لا عمل لديّ، ولا سكن، ولا سيّارة أيّ عروس سوف تقبل بي!!؟" ..لنتساءل معه بحيرة من يعرف الجواب ويختبئ خلف إصبعه.

مقبرة الأحلام

لا يطال اليأس بسام فحسب ، لكنه يمتد الى غيره لكنهم وخلافا له يحدّدون ما يريدون ولا ينتظرون مفاجآت المستقبل. رضا ، على سبيل المثال ، يجد أنّ كلّ ما يتعرّض له المواطن اللبناني من عقبات هو بسبب "الوجود السوري"، لستدرك قائلا قبل أن يفهم كلامه سياسياً بأنّ الوجود العسكري السوري لا يعنيه بتاتاً "لكن الوجود البشري العمّالي هو ما قتل أحلامنا في مهدها". لذلك فإنّه يجعل من خروج السوريّ من لبنان قضيته الأساسية. وهو يسعى لذلك الخروج منذ زمن عبر "مقاطعة البائعين والبضائع السورية"..
محي الدين شاب آخر تعكس لحيته وطريقة لبسه التزاماً دينياً ويحمل قضية كبيرة "لا يمرّ نهار دون النضال في سبيلها". قضيته "عودة دولة الإسلام إلى سابق عزّها"، هذا الأمر يجعله يستوقف كلّ من يراه ،"إمّا للدعوة إلى درس دينيّ أو لتصحيح خلل ما ناشئ من كلّ ذلك الإنحلال الأخلاقي حولنا، فالرسول (ص) يقول من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده...". ولا يجد محي الدين عادة آذاناً مصغية لكنّ هذا الأمر لا يزعجه ، بل على العكس فهو "سعيد ومرتاح الضمير لإيماني بأنّ الله سيكافئني في الدنيا والآخرة". سدّد الله خطاك يا أخ "حدّين".
وإذا كان هؤلاء الشبّان قد عرفوا ما يريدون أو ادّعوا ذلك فإنّ عبدو لم يكتشف بعد ما هي قضيته على الرغم تاكيده انه لا بد من وجود قضية ما تعنيه "خلق كلّ شخص لأجلها وللنضال من أجل تحقيقها!" ،لكنّه سرعان ما يغيّر تفكيره ويستدرك قبل المضيّ في أحلامه "الزائفة"، "لكنّني اقتنعت مؤخّراً بأنّني أعيش في لبنان مقبرة الأحلام والقضايا".

بلا قضية بلا بلّوط

نظرة عبدو الإنهزامية امر مرفوض كليا لكل من زملائه علاء وسمر ،فعلاء يرفض أن يقبع كلّ شخص في مكانه وهو ينتظر "أن تأتي إليه القضية". فالموضوع برأيه يتخطى المثاليات إلى "الإنخراط في العمل الإجتماعي الذي يشكّل قضية بذاته "، بينما تذهب سمر إلى أنّ القضية يجب أن تكون "جماعية" حيث تتحقّق من خلال "عمل صغير لكلّ واحد منّا".
العمل الذي تحدّثت عنه سمر قد بدأت هي وعلاء فعلاً به، حيث تطوّعت في إحدى حملات مكافحة المخدّرات بينما تطوّع علاء للمناوبة في أحد مراكز الصليب الأحمر اللبناني.
وتبيّن سمر الفوائد المعنوية الكبيرة التي حصّلتها من خلال مشاركتها التطوعية في تلك الحملة عبر إحساسها بأنّها تقدّم "شيئاً من أجل الوطن ولو من أبواب لا يفهمها السياسيون ومن يمشي خلفهم" ورغم ذلك فإنّ عبدو ما زال يهزأ من أفكارهما "البنّاءة" يقولها وهو يضحك ملء فمه. كأنّ الكلمة بحدّ ذاتها لم تعد تشعره بغير تلك السخرية، في ظلّ ما يواجهه من حطام وتهديم لكلّ شيء؛ "البشر والحجر والأفكار والقضايا" .
يبدو أنّ الفكرة الأخيرة التي أعلنها عبدو وجدت شخصاً آخر يتبناها وبشكل أوسع أيضاً و يوسف هو ذلك الشخص يبلغ يوسف الـ 24 من عمره وما زال يدرس في إحدى كلّيات الجامعة اللبنانية؛ "وفي السنة الأولى أيضاً!".
تسأل يوسف كيف أضاع كلّ تلك السنوات؟ فتفتح له أبواب شتائم عديدة لكلّ ما هنالك من قضايا، ونضال، وشعوب مقموعة، وديمقراطية.، فهو - كما يقول - شارك في أكثر من مائة تظاهرة واعتصام وتعرّض للضرب ورشاشات المياه أكثر من مرّة خلال تلك الأنشطة. والآن ؟ "والآن ماذا !!؟" يعيد إليك السؤال باستغراب ويقول "والآن لا شيء، لا شيء أبداً فقد تبيّنت لي المصالح المختبئة خلف كلّ شخص يحمل قضية". ولا ينسى أن يدعو الآخرين إلى تفكيره الجديد هذا، "بلا قضية بلا بلّوط اتركوا الناس تستيقظ من تخديرها!". يوسف قد أراح باله.
هذا عرض بسيط لجزء من آراء الشباب اللبناني تجاه قضيته المفترضة. القضية التي تحدّث عنها الشباب بعيدة عن السياسة واضطراباتها الداخلية في لبنان. ومن المؤكّد أنّنا لو استطلعنا آراء بعض من الشباب الحزبي في لبنان كنّا سنملأ كثيراً من صفحات قضاياهم التعصّبية على اختلافها. تلك القضايا التي يحفظونها معظم الأحيان عن ظهر قلب كما يحفظون أناشيد أحزابهم دون الإمعان ولو للحظة واحدة بما تحتويه من مبادئ – بغضّ النظر عمّا إذا كانت فعلاً جيّدة وتستحقّ النضال. ففي النهاية لا يمكن للتظاهرات أن تنظّم دون متظاهرين.
ما أسخف هذه الفكرة! أليس كذلك!!؟