جيل الحرب اللبنانية يتذكر حواجزها

إذا كان كلّ فرح يحمل قدراً من الحزن، فلا عجب أن
يحمل الحزن أيضاً شيئاً من فرح نستحيي أن نسمّيه ،
ولكن يعرفه المبدعون تماماً.

أحلام مستغانمي – فوضى الحواس

عصام سحمراني : هنالك أغنية قديمة لمارسيل خليفة إسمها "أنا يا رفاق من الجنوب". يقول في أحد مقاطعها: "...واجهت حواجز في الدروب، وأبنت تذكرتي وفُتّش في يديّ وفي جيوبي. أحسست إحساس الغريب يجوب في وطن غريب". هذا المقطع وعلى الرغم من أنّه لا يتجاوز بعدد كلماته سطرين صغيرين فهو يصف بواقعية تامّة ما كان يعتبره اللبنانيون خلال أيّام الحرب شراً لا بدّ منه، الحواجز المسلّحة على اختلاف إنتماءاتها وخلفياتها العقائدية.

المدفون

ترتجف سمر وتلمع عيناها وهي تستعيد ذلك اليوم الذي أوقف المسلحون فيه سيّارة أهلها على حاجز "المدفون" أواخر الثمانينيات - وهو حاجز وموقع كبير على الخط البحري في قضاء البترون ، ويعدّ حالياً حاجز الجيش اللبناني الرئيسي في محافظة الشمال. كانت سمر طفلة حينها.. "صُفّ عجنب" قال المسلّح لأبيها الذي لبّى الأمر فوراً فقد كان مقتنعاً أن "لا تفاهم مع رشاش". حينها كان هنالك "هدنة نسبية" وقدّ ظن والدها أنّ الموضوع لن يتعدّى السؤال عن الأوراق "ويعطيكم العافية". لكن "وشوف الحظّ الوسخ" فقد صادف وجود إبن خالتها السوري الجنسية معهم في السيّارة "وجئتنا من عند الله" قال له المسلّحون.
ثلاث ساعات كأنّها الجحيم ،"الذلّ لن أحدّثك عنه لأنّه كان مادة حياة يومية على الحواجز المختلفة" تقول سمر. ثلاث ساعات والمسلّحون يوزّعون نوباتهم بين مراقبة الطريق وذلك الشاب السوريّ الذي لا ذنب له سوى إنّه سوريّ. "أنزلوه وهو بكامل ملابسه في قناة للتصريف "ريغار" مجهّز لمثل مخالفته "الفظيعة" وجعلوا يفجرّون مواهبهم في الشتم والسخرية" من ذلك المسكين. تستعيد ذلك المشهد وتحمد ربّها أن " النهاية أتت هكذا لا أكثر". فهي تعرف أناساً قتلوا لمخالفات من نوع "عدم لبنانيتهم فقط" على نفس الحاجز.

معمل الصفا
لقد كان فعلاً أسبوعاً حافلاً عندما تكفّل نبيل بإيصال جدّته وخالته من بيروت_ بيروت التي كانت تشتعل ضاحيتها الجنوبية بمعارك قطبيها الأبرز_ إلى منطقة النبطية في الجنوب .. هو كان شاباً في السبعة عشر ولا ينتمي لأيّ حزب "الأمر الذي عده المسلّحون غريباً عندما أمسكوا بي".
في ذلك الأسبوع كانت شبه اللحية في وجه نبيل والتي لم يكن قد حلقها بعد في حياته سبباً في اتهامه بالإنتماء إلى أحد الحزبين لدى الحزب الآخر. "كانوا حينها يفتشون على شعرة واحدة في الذقن" على هذا الأساس أوقفه المسلّحون أوّل مرّة في "برج البراجنة" – أقرب مناطق الضاحية الجنوبية إلى مطار بيروت الدولي وقد كانت هذه المنطقة مشتعلة على الدوام خارجياً وداخلياً- وأدخلوه إلى غرفة "دشمة" صبّت في وسط الشارع الذي يسيطرون عليه. "وعاريا بلا ثياب الله الوكيل! تركوني "بالكلسون" ساعتين في البرد القارس . قالوا أنّهم يفتّشون على آثار أحزمة جعب الرصاص على ظهري!!".
وفي مرّة أخرى ولأنّه بات "ملطشة" فقد أمسك به مسلّحون من طينة الأوائل لكن في "بئر حسن" هذه المرّة - منطقة أخرى في الضاحية الجنوبية فيها قصر العويني الذي كان ثكنة لأحد الأحزاب أيّام الحرب وبات حالياً مركزاً للجيش اللبناني. "كلّ ذنبي كان شكلي الذي لم يعجب المسلّح المناوب على الحاجز" يهزأ نبيل. المهمّ أنّهم "شدّوه" إلى إحدى البنايات التي احتلّوها في المنطقة، لكنّ "الربّ ستر" حين التقى بعنصر منهم كان جاراً لأهله فتوسّط له ونفى عنه تهمة الإنتماء إلى الفريق الآخر. "وليتك شاهدت كيف كانوا يضربون بوحشية أكثر من عشرة شبّان في الداخل" .
وإذا كان نبيل قد نجا في المرّتين السابقتين فإنّه حين ركب التاكسي مع جدّته وخالته، وحين قطع التاكسي بهم صيدا ووصل إلى حاجز "معمل الصفا"- حاجز كبير جداً أمام صيدا جنوباً كان يتبع لأحد الميليشيات الرئيسية يومها- لم يسعفه حظه هذه المرة . كلّ ما في الأمر أنّ المسلّحين أنزلوه، "وكانت قتلة من نصيبي وكادوا يخلّصون عليّ لولا أن نزلت ستّي تولول وتؤكّد لهم أنّنا معهم". يستدرك نبيل أمراً كان غائباً عن باله طوال تلك المدّة، "إذا معهم وهكذا فعلوا بي ، كيف إذا لم نكن معهم !!؟" لا يجرؤ نبيل هذه المرّة على التفكير.
وبما أنّنا نروي حوادث عن هذا التنظيم بالذات فما يحكيه هاني يعتبر مهماً في هذا الإطار. لماذا؟ لأنّه وبكلّ بساطة كان واحداً من عناصر تلك الحواجز لكن في منطقة الشيّاح – أحد خطوط التماس بين الشرقية والغربية، وهو المنطقة المسلمة من محور الشياح-عين الرمانة الذي شهد حادثة البوسطة الشهيرة في الثالث عشر من نيسان عام 1975 والتي كانت الشرارة الأولى للحرب اللبنانية. يستعيد "هاني" تلك الأيّام لكنّه لا يسترسل في الكلام كثيراً ويعلن "سخافة كلّ ما كان يجري يومها". فهو يعترف بأنّهم جميعاً لم يكونوا يعرفون "لماذا القتال، بل إنّ أحداً لم يفكّر بالموضوع يومها".
لكنّه وعلى الرغم من ذلك فهو يضحك ملء فيه حين يستعيد مشاهد الحواجز في ذاكرته. وقد كان إعداد الحاجز يتمّ، "عند الملل بين جولة رصاص وأخرى كنّا نقف ونتسلّى بالعباد". وبما أنّ الناس كانوا تسلية بالنسبة لهاني وزملائه فقد أمسك يوماً بشابين هنديين وجعلهما يسجدان ويقومان عند قدميه تحت تهديد السلاح أكثر من نصف ساعة. وقد أجبرهما على قول عبارة "قربانك هاني قربانك". يستعيد المشهد ويضحك مجدّداً، "كانوا يعبدونني! بتّ ربّهم يومها!".

الرمل العالي
"الضرب" و "الخبط" كانا أمراً لا بدّ منه يترافق مع عمليات التفتيش التي ينفّذها المسلّحون على الحواجز أيّام الحرب. لكنّ حاجز "الرمل العالي" أواخر الثمانينيات- الرمل العالي منطقة تعلو برج البراجنة قليلاً وتتبع لبلديتها لكنّ القوّة المسيطرة فيها كانت تختلف عن تلك التي في برج البراجنة- كان مثالياً بالنسبة للحواجز الأخرى. فقد كان مسلّحو هذا الحاجز "يأخذون من يريدون ضربه إلى غرفة خلف الشارع فلا يراه أحد حتّى اليوم الثاني وفي حال أخرج منها حيّاً حينها يكون في رمقه الاخير".. يقول عباس ويستطرد بسخرية، "أرأيت كم هم مذوقون".

أمّا أبرز المخالفات التي كان يضرب الناس من اجلها كانت تتراوح بين "أغان براديو السيّارة أو صورة أحد من مسؤولي الأعداء، أو حتّى الجريدة الخاصة بهم". تلك كانت "كبائر تودي إلى الكوارث" يقول عباس.
لكنّ الكوارث الفعلية قد ذاقها محمود على هذا الحاجز بالذات حين ضبط المسلّحون معه قنينة ويسكي. وعلى الرغم من أنّه أقسم لهم "مليون مرّة إنّي أحملها إلى معلّمي" لكن تبريراته لم تديه نفعا وكان نصيبه فترة زمنية طويلة حاول فيها استعادة قدرته على السير بعد عشرين يوماً باتها في السجن، "والله لم أحمل يومها أيّ همّ أو خوف تجاه السجن ، بل الفلقة على رجلي هي ما فعل فعله بي".

مثلّث خلدة - السفارة الكويتية
حاجز مثلّث خلدة – وهو موقع عسكري كبير يحدّ مطار بيروت الدوليّ من جهته الجنوبية، وقد شهد خلال الحرب أحداثاً كبيرة أعظمها كان وقوف جميع قوى اليسار اللبناني والمنظمات الفلسطينية عام 1982 صفاً واحداً لصدّ الإجتياح الإسرائيلي عن بيروت. دانت السيطرة عليه لكثيرين لكنّه في الفترة الأخيرة للحرب وحتى فترة قصيرة بات موقعاً مميّزاً لقوّة واحدة. وعلى هذا الحاجز بالذات كان عبد الله يساعد أحد أقاربه الذي يعمل في الدهانات في تحميل شاحنة "بيك أب" من منطقة الناعمةوبالتالي ولا بدّ في طريق العودة من المرور على هذا الحاجز. كلّ شيء كان على ما يرام إلى أن "مدّ مدني مسلّح رأسه من شبّاك البيك أبّ وأمرنا بتنزيل كلّ شي: تفتيش بعلب الدهان ".
بدأ عبد الله وقريبه السائق بتنزيل الحمولة حتّى انتبه ذلك القريب إلى شخص وراءهم يشير إليه بيده علامة دفع النقود. "وقتها فهمنا ودفعنا له المعلوم فأمرنا مجدّدا لكن بإعادة التحميل والذهاب".
حاجز "السفارة الكويتية"- المنطقة التي تعلو مخيّمي شاتيلا وصبرا الشهيرين بالمجزرة الإسرائيلية عام 1982- كان فيه مسلّحون أيضاً من نفس طينة مسلّحي "مثلّث خلدة". وكان لقرب هذا الحاجز من أسواق الخضار و"الحسبة" الرئيسية في بيروت أثر بالغ على ممارسات مسلّحي هذا الحاجز. وقد ابتكروا لذلك الأمر "فكرة البرميل" يقول يحي الذي كان يجلب خضاره من تلك الأسواق فلا يصل منها أكثر من النصف. أين ذهب الباقي؟ يجيب يحي "في البرميل" فقد كان المسلّحون يجبرون كلّ من يمرّ على الحاجز أن يضع في البرميل "ما فيه الخير، وبرميل ذاهب برميل راجع.
وما دمنا مع هؤلاء المسلّحين فلا بدّ من ذكر قصّة سامي. هو كان يعمل في أحد معامل الخياطة في الضاحية الجنوبية يومها. وقد كان يرافق السائق إلى البقاع - شرق لبنان- لتوصيل البضائع إلى عدد من الأسواق هناك بصورة دائمة. وبما أنّ "الشوفير" كان قد صار خبيراً في الطريق وما عليها من حواجز فقد كان "يصفّ أمامه عشرات من علب الدخّان فيعطي المسلّحين على كلّ حاجز يمرّ عنده علبتين منها" يتذكّر سامي تلك الطريقة التي كانت تنجّيهم في كلّ مرّة من ساعات طويلة من "المرمطة" ويبدي إعجابه بالشوفير.

ساحة النجمة
تلك الحوادث التي مرّ ذكرها كان جميع أشخاصها من الأناس العاديين الذين لم يكونوا يحملون من سلاح سوى خوفهم. أمّا ما حدث مع ربيع الذي كان من مرافقي إحدى الشخصيات الدينية السياسية القريبة إلى حد ما من الأحزاب فقد كان مختلفاً. فالموكب المذكور كان عناصره مدججين بالأسلحة - بطبيعة حال المواكب في لبنان حرباً وسلماً.
وعند وصول الموكب إلى "ساحة النجمة" في "صيدا"- بوابة الجنوب اللبناني- كان المتوقّع أن يتركه مسلّحو الحاجز يمرّ دون أيّ مضايقة. "لكنّ واحداً منهم أراد معرفة الشخصية السياسية داخل الموكب فحمل مسدّساً ووجّهه إلى سائق السيّارة الأولى". هذا الأمر جعل كلّ من كان في سيّارات الموكب من مسلّحين ينزلون برشاشاتهم إلى الساحة التي تحوّلت إلى ما يشبه معركة جسّ النبض فقد إتّخذ المسلّحون من الطرفين أقسامهم "وعلى لحظة واحدة كاد يفلت زمامها وتنشب المعركة لولا اعتذار مسؤولي المسلّح منّا" .
كلّ من عايش تلك الفترة نال ولو حدّاً أدنى من الإساءة على الحواجز جعلته ينفر من كلّ أشكال الحروب القذرة كحربنا اللبنانية. وهي حين تذكر كيلا تعاد فإنّها تذكّر وبعناوين عريضة بأنّ هؤلاء الناس لا يمكن أن يكونوا وقوداً لحرب جديدة.
لنأمل ذلك!