عصام سحمراني : هل هو هنديّ، باكستانيّ، أم سريلانكي؟ أمر لم يهتمّ به أيّ من الركّاب صراحةً.
لقد استقلّ الميني باص في منطقة عمشيت وجلس بمواجهتم، والطريق من بيروت إلى طرابلس طويلة بالنسبة لمقاييسنا اللبنانية. فهي تتجاوز التسعين كيلو متراً ،وعلى المسافر فيها أن يمرّ بالترتيب بالدورة فأنطلياس فالذوق فجونية ثم المعاملتين حيث الكازينو الشهير ، بعدها جبيل، فعمشيت فالبترون فشكّا ثم القلمون وصولاً إلى طرابلس. ولا ينجو الركاب بطبيعة حال وطنهم من ازدحام السير المعتاد حتى على هذا الأوتوستراد الساحلي .
وكعادة ركّاب الميني باص على الخطوط الطويلةً فقد تنوّعوا بين الأشخاص العاديّين الذين يتحدّثون عادة بأصوات مرتفعة مع بعضهم البعض أملاً بالطغيان على صوت الراديو،أو العسكريّين شبه المخدّرين الذين يمضون إلى مراكز خدمتهم دون أن يستطيعوا إخفاء تعابير وجوههم التي تلعن على الدوام ساعة النحس التي التحقوا فيها بالجيش_ خصوصا إذا كانوا من المجنّدين المرغمين على " السفر" إلى مراكز خدمتهم برحلات أسبوعيّة تستغرق نصف نهار ينتقلون بين مرحلة و أخرى ، أو هم من العمّال العرب الذين يمضون إلى أشغالهم اليومية بوجوه كئيبة تعكس ابتعادهم عن الأهل والأوطان.
كان يرتدي ملابس مهترئة لا لون لها ، وربّما قد نظلم الأسمال لو شبهنا ما يرتديه بها ناهيك عن رائحة عمله النفّاذة التي بدأت تفوح _ مازوت ممزوج بزيت سيّارات _والتي تدلّ بأيّ حال من الأحوال على محطّة محروقات دون شك. وكعادة اللبنانيّين المتعالين دوماً وبغضّ النظر عن كونهم ركّاب الميني باص لا التاكسيات، فقد تجاهله الركّاب تجاهلاً تاماً ترافق مع تأفّفات الراكب إلى جانبه وخوفه من إتساخ ملابسه إذا ما لمسته تلك اللا أسمال.
ربّما أخذته الغيرة حين دفع أحد الركّاب ألفي ليرة للسائق، فقد جعل يبحث في جيوبه الكثيرة، ودقّق جيّداً في الصالحة منها إلى أن استخرج في النهاية ورقة ألف ليرة كان يخفيها بحرص شديد في مكان ما ، وقد باتت متّشحة بالسواد هي الأخرى .
بقيت مشكلة الألف الأخرى فأجرة الميني باص ألفا ليرة.
قلّبها ونظر مليّاً في زواياها ثمّ حلّت عليه - دون سابق إنذار- نوبة صرع جعلته يتعارك بشراسة مع الورقة في محاولة منه لسلخ ورقة أخرى منها، وفي استماتة جعلت رذاذاً أبيض يخرج من زوايا فمه.. وإستمرّت المحاولات اليائسة حتّى بعدما قطع الميني باص بركّابه نفق شكّا.
ليس واضحا ما إذا كان يريد استدرار عطف أحد الركّاب من محاولاته تلك، لكنّ الأكيد أنّ أحداً لم يعره اهتماماً. لاحظ السائق- عديم الرحمة طبعاً- صراعه المرير فسأله عن مكان نزوله فأجاب بعدما ترجم له أحدهم: جبيل!!
ضحك السائق مع معاونه ملء فيهما واعتبرا الأمر نكتة العام ، وترددت أصداء ضحكهما في مؤخرة الباص، صار ببساطة يضحك معهما بادئ الأمر . لكن الصورة سرعان ما اتضحت أمامه حين نظر إلى الركّاب الذين تناسوا تعاليهم السابق ، فاللبنانيون لا يظهرون على طبيعتهم إلاّ حين يبدأون بالسخرية من أحد ما، وكانوا قد بدأوا بإظهار مواهبهم في الضحك والإضحاك وتركيب الإسكتشات على هذا المسكين . فأدرك حينها أنّه ماضٍ في الإتّجاه الخاطئ.
هنديّ.. باكستانيّ.. أم بكلّ بساطة سريلانكيّ؟ أمر لم يهتم به أحد صراحةً. ربّما هو نفسه لم يكن يهتم بذلك في تلك اللحظات. كلّ ما كان يعرف أنّه صار يتعيّن عليه سلخ ثلاث ورقات إضافيّة من ألفه المسكين! كي لا يقع فريسة بأيدي سائق الميني باص.