GMT 21:06:32 2012 الإثنين 13 فبراير
إيلاف Elaph

أول يومية إليكترونية - صدرت من لندن 21 مايو 2001

  من عناوين اليوم

مواضيع أخرى

اقرأ أيضًا


الختان والعنف ضد المرأة
خالد منتصر

GMT 15:45:00 2004 الجمعة 29 أكتوبر

مقدمة

[عندما يضع الرجل العربى كلمة المرأة فى جملة مفيدة فهو يقع أسير صراع عنيف، ففى العلن يقول أنها الدرة المصونة والجوهرة المكنونة، وفى السر يخفى إحتقاره لها وتعاليه عليها ونظرته المزمنة إلى كيانها كمواطن من الدرجة الثانية، ولايوجد تراث أدبى فى الكون يحمل كل هذه الكمية من الغزل البرئ وغير البرئ فى المرأة، ولكنه فى نفس الوقت هو غزل جسدى لم يتطرق إلى التغزل فى العقل أو الفكر أو السلوك، وهذه الإزدواجية الذكورية هى التى جعلت من المرأة لوحة تنشين سهلة لرصاصات الرجل الطائشة، وصنعت منها تمثالاً محشواً بالقش مثله مثل النماذج التى يتدرب عليها لاعبو "البوكس "، فيكيل لها اللكمات المادية والمعنوية ليفرغ فيها كبته المزمن، وعقده المتضخمة، وطاووسيته المتورمة، وتكون النتيجة مجرد عيشة وليست حياة، عيشة فيها طرف ضد طرف آخر، وليس طرف مع طرف آخر، عيشة مثل لعبة "البازل " التى ضاعت منها قطعة واحدة ولكنها القطعة التى بدونها لن يكتمل الشكل أبداً، هذه القطعة هى التفاهم والتواصل الذى لايمكن أن يحدث نتيجة إحساس الدونية الذى تعيشه المرأة، والذى يؤدى إلى قبول العنف ضدها كأمر واقع، وهو عنف كرسته للأسف الثقافة السائدة لدرجة أن الكثير من النساء لم يعد يرون فيه مشكلة بل يعتبرونه حقاً إلهياً للرجل!!.
[ فى البداية لابد من تعريف العنف، وسنرجع فى هذا التعريف للمادة الأولى من الإعلان العالمى للقضاء على العنف ضد المرأة 1993 والذى يؤكد على أن العنف هو"أى فعل عنيف قائم على أساس الجنس ينجم عنه أو يحتمل أن ينجم عنه أذى أو معاناة جسمية أو جنسية أو نفسية للمرأة، بما فى ذلك التهديد يإقتراف هذا الفعل، أو الإكراه أو الحرمان التعسفى من الحرية، سواء وقع ذلك فى الحياة العامة أو الخاصة"، وهكذا يتسع مفهوم العنف ليشمل العنف المنزلى والمؤسسى والإجتماعى، وهو بذلك لايعنى فقط الإيذاء الجسدى والمعنوى المتمثل بالضرب والقتل والإغتصاب وماتتعرض له المرأة من إهانات وإكراه وإذلال وتهديد وشتم وحرمان، بل يعنى أيضاً كافة أشكال السلوك الفردية والإجتماعية، المباشرة وغير المباشرة، التى تؤثر سلباً على المرأة جسدياً ونفسياً، والتى تعرقل تنمية شخصيتها وقدراتها ومواهبها، وتحط من قدرتها وكرامتها، وتؤكد تبعيتها وتحرمها من ممارسة حقوقها التى كفلها لها الدستور، وتحجبها عن المشاركة الفعلية فى التنمية الشاملة لوطنها، وتشمل أشكال التمييز المؤدى إلى العنف أشياء كثيرة مثل فرص التعليم والعناية الصحية والغذائية، وتوزيع الأدوار داخل الأسرة ومنح الحريات الشخصية، والقوانين والتشريعات 000الخ، أى أنه بإختصار كل مايكرس النظرة الدونية لها فهو نوع من أنواع العنف.
[والعنف ضد المرأة فى مصر يتميز عن العنف فى مناطق أخرى فى العالم بميزة فريدة، وهى أنه يمارس منذ الطفولة، وأحياناً قبلها وهى مجرد جنين فى أحشاء الأم، فثقافتنا السائدة فى كثير من الأحيان مازالت تتوجس من ولادة الأنثى، ثم نصل إلى أخطر ممارسات العنف فى الطفولة وهو الختان أكبر جريمة وحشية بربرية تمارس ضد الطفلة الأنثى فى العالم كله، والمدهش أن الختان أصبح بالنسبة لبعض التيارات فى مصر قضية دونها الموت يرفعها ويقاتل فى سبيلها رجال يعتقدون أنهم قد حلوا كل القضايا المصرية ولم يعد أمامهم إلا متعة الأنثى يحاولون وأدها، ولذلك أفردت فصلاً خاصاً لهذه الجريمة التى تسمى من باب التأدب طهارة البنات وهى فى الحقيقة إغتيال لبراءة وإنسانية البنات، ثم خصصت الفصل التالى لمظاهر العنف الأخرى ضد المرأة من زواج مبكر وإغتصاب وجرائم شرف...إلى آخر هذه القائمة المشينة المهينة لأعز مانمتلكه وهو المرأة.
وأود أن أتوجه بالشكر الخاص إلى التى أفسحت صدرها وصفحات مجلتها لهذه الدراسة أستاذتى وصديقتى سناء البيسى رئيس تحرير مجلة نصف الدنيا، وتحملت بشجاعة أعباء المشاكل التى من الممكن أن تنجم عن مثل هذه الموضوعات التى تحاول خلخلة البديهيات وزرع القلق فى إستقرارنا المزيف، وأيضاً أعرب عن إمتنانى وشكرى للدكتورة فاطمة البودى التى إنتشلتنى من كسلى وشجعتنى على نشر هذه الدراسة فى كتاب يصدر عن دار النشر المحترمة التى تشرف عليها وهى دار العين التى دوماً تتبنى فكر التنوير، وأخيراً وليس آخراً أتوجه بالشكر لسماح زوجتى التى منها أتعلم كل شئ جميل، والتى بها عرفت أن المرأة هى أجمل شئ فى الكون، بالحضن الذى يسع الكون كله، والدفء الذى تبثه للجميع، والحنان الذى يجعلنى قادراً على تحمل مصاعب الرحلة، وإليها أهدى هذا الكتاب.
 د/خالد منتصر
 ص.ب 136 الإسماعيلية
 KHMONTASSER2001@yahoo.com

 

 


 الفصل الأول
 الختان عبودية لاعبادة

 

 

 الختان ليس عملية طهارة وإنما عملية بتر!
 قراءة إجتماعية وأدبية

 [ ختان البنات سؤال يؤرقنى منذ أن كنت طفلاً أرى بنات عائلتى يسقن إلى مصيرهن وكأنهن ذاهبات إلى السلخانة، وكبر السؤال وتضخمت علامة الإستفهام عندما إلتحقت بكلية الطب وعرفت أن هذه الجزارة البشرية التى يمارسها المصريون مع بناتهم لاتمت لعلوم الطب بأية صلة، وتيقنت وتأكدت من أن العرف والعادة والتقاليد والخرافة أحياناً ماتكون أقوى من المصلحة وأعلى صوتاً من المنطق وأشد إقناعاً من الحقيقة العلمية الواضحة، وتساءلت لماذا تدلف بناتنا من عتبة الطفولة إلى باحة أجمل سن وهو سن المراهقة عبر نافورة من الدماء؟!، وكيف نسمح لأنفسنا بممارسة كل هذه السادية بتقطيع أجسادهن وبتر أعضائهن؟، ولماذا تتضخم لدينا غدة الوصاية وننصب من أنفسنا حماة للأخلاق المزيفة التى لايمكن أن تصنعها مجرد "جلدة " إسمها البظر ولكن تصنعها منظومة كاملة من القيم يعلمها لنا الدين وتلقنها لنا الأسرة ومؤسسات المجتمع؟، ولماذا أصبحت لدينا عقدة من ممارسة البهجة ووسواس قهرى من شعور الفرحة ورعب وفزع من النشوة ومصادرة لحق إنسانى مشروع وهو حق الإستمتاع بالجسد بكامل طاقاته التى خلقها الله بداخلنا؟!، كل هذه الأسئلة وغيرها توالدت فى رأسى ثانية مع بدء حملة مقاومة الختان التى تبناها المجلس القومى للأمومة والطفولة، ووجدت أنه لامفر من طرحها حتى يواجه المجتمع نفسه فى المرآة ويرى تجاعيده بكل تفاصيلها وملامحها، فطرح الأسئلة أحياناً يكون أهم من الإجابة نفسها، وقليل من الإستفزاز العقلى فى مثل هذه القضايا يكون مفيداً، ولذلك كان لابد من مناقشة هذا الموضوع من كافة جوانبه المتعددة المتشابكة، فختان البنات ليس مشكلة طبية أو دينية أو إجتماعية فقط، ولكنها حاصل جمع هؤلاء جميعاً ونتيجة تفاعل تلك العوامل بحيث تعد مناقشة عنصر من هذه العناصر منفرداً نوعاً من الغش والخداع.
[ من المضحكات المبكيات فى قضية الختان أن يحدث الخلط الذهنى وعدم وضوح الرؤية فى أذهان المثقفين بنفس درجة اللخبطة والتشويش التى تحدث بها عند العامة والبسطاء، ويكفى أن نعرف أن أعلى صوت مدافع عن الختان هو لأستاذ لأمراض النساء والولادة بطب عين شمس والغريب أنه يصر على مواصلة رفع قضيتة ضد وزير الصحة السابق لأنه منع الختان!، وهذا يدلنا على أن الخرافة كثيراً ماتتفوق على العلم حتى ولو كان مسلحاً بالدكتوراه، وهنا تكمن الكارثة حين يتم تشفير العقول بواسطة الفكر الجمعى الذى يميل فى بعض الأحيان للغوغائية أكثر من الهدوء والمنطق، ولذلك يجب أن نعرف سيناريو تلك البربرية التى تحدث بإسم الدين والدين منها براء وهذا ماسنثبته فى فصل آخر بإذن الله، إنها بربرية إستحقت أن تحمل إسم " البتر التناسلى للإناث " FEMALE GENITAL MUTILATIONوهو الإسم العلمى الجديد الذى تستحقه هذه الجزارة التى تنتمى لعقلية القرون الوسطى ولسلوك الهمج، وسنحاول قبل أى تحليل أن نتعرف عن قرب على هذه العملية التى من الممكن أن يكون المثقفون غير مدركين لمدى بشاعتها وذلك بأن نستمع إلى هذا السيناريو الدراكولى من عدة مصادر منها عالم الإجتماع الذى رصد والطبيبة التى عانت والروائى الذى حكى والبنت التى بترت أعضاؤها حتى نكون على نفس موجة الإحساس ونستطيع أن نستوعب أركان الجريمة حتى نصدر الحكم السليم.
[ البداية مع د.محمد عوض خميس أستاذ الإجتماع الذى يصف "حفلة " طهور بنت وطبعاً نحن نسميها حفلة تجاوزاً فهى حملة دموية وليست حفلة، وأهمية وصف دكتور خميس يأتى أولاً من أنه رصد بعيون أكاديمية، وأيضاً من أنه حضر الطهارة بواسطة داية وليست طبيب، والداية مازالت حتى الآن هى مندوب الشرف السامى فى الأوساط الشعبية التى تمثل الغالبية، ويصف أستاذ الإجتماع هذه الحفلة السادية قائلاً " يجتمع حشد من النساء الأقارب المتزوجات وغير المتزوجات وعدد كبير من الأطفال والأخوة الذكور والأب وعدد محدود وخاص جداً من الرجال، وتعم الجميع فرحة غامرة!، وتتهامس النساء فيمابينهن بجمل غاية فى القباحة والتى لها دلالة على تخلفهن الشديد مثل " خليها تبرد نارها " أو " علشان ماتبقاش مالحة "، أو " شوية ويتهد حيلها..الحال من بعضه " أو " ده يكسر مناخيرها " أو " بكره تتجوز ومهما الزوج عمل لاتتعب ولاتحس "...الخ، ويعقب كل جملة من هذه الجمل ضحكات مرتفعة هستيرية دلالة على الموافقة والترحيب مع التعقيبات ذات الدلالة الجنسية الصارخة، ,هذا الضحك هو نوع من أنواع الشماتة أو تعويض لنقص فمعظم الجالسات حدث معهن مايحدث مع الفتاة المذكورة "...وهنا يسترعى الإنتباه فيما يذكره د.خميس رد فعل المرأة التى تنكر معاناتها وتتخفى وراء لسان طويل وصفاقة مفتعلة حتى تثير الغبار وتتوه القضية الأساسية، ويستكمل الدكتور وصفه قائلاً " تدخل الداية وهى سيدة كبيرة السن قوية الجسد متسخة أظافرها نافرة معها منديل معقود به مشرط طويل عرضه حوالى إثنان ونصف بوصة يشبه سكين الجزار، وتتطوع خمسة من النسوة ذوات الصحة الجيدة من المدعوات إلى الدخول معها ويبدأن على الفور فى رفع ملابس الفتاة حتى الجزء الأعلى من الجسم ثم يوزعن أنفسهن كالآتى:إحداهن تقف عند كتفيها ضاغطة عليهما بكل قوة، وإثنتان يمسكن بالفخذ الأيمن وإثنتان بالفخذ الأيسر ويفتحن الفخذين إلى آخر حد ممكن حتى يبدو العضو التناسلى للفتاة وهى فى حالة صراخ هستيرى بشع، ثم تقوم الداية بمنتهى الهدوء وبحركة سريعة جداً بضرب مشرطها قاطعة البظر تماماً ومعه جزء من الشفرتين، وبعدها يحدث النزيف الحاد من الفتاة وهى فى غيبوبة من جراء هذه العملية الإجرامية التى تتم بدون أى شفقة، وأثناء هذه العملية تكون النسوة يمضغن اللبان الدكر ويضعنه فى طبق ثم يشربن قهوة وتترك الأكواب والفناجين دون غسيل، وتقوم إحدى السيدات بجمع بقايا القهوة " التنوة " فى طبق آخر، ,يطلق البخور أثناء العملية بين النسوة المنتظرات، وتتعالى بعد خروج الداية الزغاريد الهستيرية وتقوم إحدى السيدات بخلط اللبان الدكر وتنوة القهوة والبخور المحترق معاً وتقدمهم للداية التى تدخل مرة أخرى ومعها فرقة المتطوعات لتضع الخليط السابق على الجرح وتضغطه بشكل قاسى جداً ثم تضع فوقه قطعة من قماش خشن، وتخرج الداية مرة أخرى متلقية "النقطة " أى الهبة المالية من أهل الفتاة "..إنتهى السيناريو البربرى بفرحة الجميع وزغاريدهم إلا واحدة فقط هى الفتاة نفسها التى من المؤكد أنها تنعزل بعيداً تلفها برودة الوحدة ودموع التساؤل ليه حصل معايا كده؟وإيه الغلطة اللى أنا عملتها؟، إنها لاتعرف أن غلطتها الكبيرة هى أنها قد خلقت بنتاً!.
[ ومن عالم الإجتماع إلى طبيبة وكاتبة مرموقة هى نوال السعداوى تحكى تجربتها الشخصية مع الختان، تحكيها بكل شجاعة وكل مرارة أيضاً، وهذه الحكاية لها دلالة مختلفة لأنها تصدر عن طبيبة كانت وقت ختانها طفلة تنتمى إلى الطبقة الوسطى المحافظة، وإلى أسرة تتمتع بقسط وافر من التعليم والثقافة، تحكى نوال السعداوى قصة ختانها قائلة:
" كنت فى السادسة من عمرى، نائمة فى سريرى الدافئ أحلم أحلام الطفولة الوردية حينما أحسست بتلك اليد الخشنة الكبيرة ذات الأظافر القذرة السوداء، تمتد وتمسكنى، ويد أخرى مشابهة لليد السابقة خشنة وكبيرة تسد فمى وتطبق عليه بكل قوة لتمنعنى من الصراخ، وحملونى إلى الحمام، لاأدرى كم كان عددهم ولاأذكر ماذا كان شكل وجوههم وما إذا كانوا رجالاً أم نساء؟، فقد أصبحت الدنيا أمام عينى مغلقة بضباب أسود، ولعلهم أيضاً وضعوا فوق عينى غطاء، كل ما أدركته فى ذلك الوقت تلك القبضة الحديدية التى أمسكت رأسى وذراعى وساقى حتى أصبحت عاجزة عن المقاومة أوالحركة، وملمس بلاط الحمام البارد تحت جسدى العارى، وأصوات مجهولة وهمهمات يتخللها صوت إصطكاك شئ معدنى ذكرنى بإصطكاك سكين الجزار حين كان يسنه أمامنا قبل ذبح خروف العيد، وتجمد الدم فى عروقى ظننت أن عدداً من اللصوص سرقونى من سريرى ويتأهبون لذبحى وكنت أسمع كثيراً من هذه القصص من جدتى الريفية العجوز، وأرهفت أذنى لصوت الإصطكاك المعدنى وماأن توقف حتى توقف قلبى بين ضلوعى، وأحسست وأنا مكتومة الأنفاس ومغلقة العينين أن ذلك الشئ يقترب منى، لايقترب من عنقى وإنما يقترب من بطنى، من مكان بين فخذى، وأدركت فى تلك اللحظة أن فخذىّ قد فتحتا عن آخرهما، وأن كل فخذ قد شدت بعيداً عن الأخرى بأصابع حديدية لاتلين، وكأنما السكين أو الموسى الحاد يسقط على عنقى بالضبط، أحسست بالشئ المعدنى يسقط بحدة وقوة ويقطع من بين فخذى جزءاً من جسدى، صرخت من الألم رغم الكمامة فوق فمى، فالألم لم يكن ألماً وإنما هى نار سرت فى جسدى كله وبركة حمراء من دمى تحوطنى فوق بلاط الحمام، لم أعرف مالذى قطعوه منى، ولم أحاول أن أسأل، كنت أبكى وأنادى على أمى لتنقذنى، وكم كانت صدمتى حين وجدتها هى بلحمها ودمها واقفة مع هؤلاء الغرباء تتحدث معهم وتبتسم لهم وكأنهم لم يذبحوا إبنتها منذ لحظات، وحملونى إلى السرير ورأيتهم يمسكون أختى التى كانت تصغرنى بعامين بالطريقة نفسها فصرخت وأنا أقول لهم لا، لا، ورأيت وجه أختى من بين أيديهم الخشنة الكبيرة، كان شاحباً كوجوه الموتى وإلتقت عينىّ بعينيها فى لحظة سريعة قبل أن يأخذوها إلى الحمام، وكأنما أدركنا معاً فى تلك اللحظة المأساة، مأساة أننا خلقنا من ذلك الجنس، جنس الإناث الذى يحدد مصيرنا البائس ويسوقنا بيد حديدية باردة إلى حيث يستأصل من جسدنا بعض الأجزاء ".
[ تساءلت نوال السعداوى ولكن غيرها لم يتساءلن بل رضين بأن يسقن كالقطيع إلى مصير هو كالقضاء والقدر، بل والمدهش أن الكثيرات منهن نتيجة تزييف الوعى يدافعن عن ذبحهن، تخيلوا إلى أى درجة وصل غسيل المخ بالمرأة التى تتخيل أن تقديمها كقربان على مذبح الأخلاق هو أعظم تكريم!، وإذا كانت نوال السعداوى قد حكت عن تجربة ختان مألوفة لفتاة شرقية مسلمة، فإن الروائى الكبير سليمان فياض فى روايته "أصوات " يحكى عن تجربة غير مألوفة ومدهشة لإمرأة أجنبية ظن أهل زوجها المصرى أنهم بهذا الختان يحافظون على شرف إبنهم العائد من الغربة مصطحباً هذه الفرنسية الشقراء التى حتماً ستخونه إذا لم يتم ختانها، إجتمعت نسوة القرية وقررن إنقاذ شرف إبنهم حامد بختان سيمون حتى لاتصبح كماوصفوها قطة جائعة تبحث عن الرجال، وعلى لسان زينب زوجة أخ حامد التى تغار من سيمون نسمع القصة:
" أغلقت نفيسة النافذة وأحطنا بها فدارت حول نفسها باحثة عن مخرج، أمسكنا بها، فصرخت وقاومت، خفنا منها، فأغلقت فمها بكفى وطرحناها على السجادة فى أرض الغرفة، ورفعنا ذيل القميص الذى ترتديه، وكنا نمسك بها جيداً وهى تناضل بكا مافيها من قوة لتتخلص من ثمانية أيد، وقالت نفيسة: ألم أقل لكم؟، وراحت نفيسة تمارس مهمة تطهيرها بالمقص، ثم بحلاوة العسل الأسود لتزيل القذر الذى تحمله بين فخذيها، وشهقت نفيسة وقالت لحماتى:أنظرى ألم أقل لك؟أنها لم تختتن."
وعند هذا الإكتشاف الخطير كان لابد أن يسيل لعاب النسوة لممارسة السادية الكامنة فيهن والتى تنتقل كالجينات الوراثية من جيل إلى جيل، ويكمل سليمان فياض الحكاية على لسان زينب فيقول " أخرجت نفيسة زجاجة من صدرها ونزعت غطاءها، ففاحت منها رائحة البنج وغمست فى الزجاجة قطعة قطن، أخرجتها من صدرها أيضاً، ثم وضعتها على أنف سيمون، رأيت فى ضوء المصباح عينيها مفتوحتين على آخرهما، مليئتين بالفزع، فكرت فى أن أتركها، وأدفع الكل عنها، وأوقظها، تصورت نفسى فى مكانها، لكن خطر لى أنها تبهج حامد بروحها وربما أيضاً بجسدها الذى يشبه الملبن بياضاً وطراوة لأنها لم تختتن، وكان جسدها يسترخى تحت أيدينا، وفمها يتوقف عن المقاومة، ويتوقف الأنين المكتوم المنبعث من أنفها، وعيناها تنطبقان، وتظلان مواربتين "....لم يشفع كل هذا الفزع لبطلة الرواية، فالخوف والرعب يشعل رغبة النسوة ويؤججها فى مزيد من الإنتهاك، وتكمل زينب القصة قائلة " أخذت نفيسة تمارس مهمتها بسعادة بالغة، والنسوة واقفات مستريحات ينظرن إلى مهمة جليلة، وفى قلق وسرور شديدين، وجذبت نفيسة ذلك الشئ حتى آخره بيد، وأخرجت باليد الأخرى موساً حادة كموس الحلاق من جيب ثوبها، وفتحته ومسحته فى جانب ثوبها، ثم ضغطت بجانب السلاح، وجذبت حد الموس بسرعة، فإنفصل ذلك الشئ فى يدها الأخرى، وتفجر دمها غزيراً، لم نر مثل هذا الدم من قبل على كثرة ماشاهدنا من طهارة للصبيان والبنات، وأخذت نفيسة تدس كل مامعها من قطن لتوقف النزف، لكن القطن كان يغرق بسرعة فى الدماء المتدفقة من المسكينة، ودست نفيسة شالها، وشال سيمون، وكل ماطالته يدها فى الدم المتفزر، والدم لايتوقف، والقماش يغرق فى بحر من الدم، لطمت حماتى خديها بيديها وصاحت:يامصيبتى، صاحت فينا نفيسة تنهرنا حتى لانفضح أنفسنا وطلبت منى أن آتيها بكل مالدينا من بن وتراب فرن وتراب أحمر ".
ولم يفلح البن أو التراب أو البصل أو الكولونيا فى إيقاظ سيمون فهى قد ماتت، إنها كما قالت الحماة جاءت من بلدها لعذابها، إن هؤلاء النسوة بترن سيمون لأنها قامت بإستفزاز سكونهن وبلادتهن بإقبالها على الحياة فقررن إخراسها إلى الأبد ليس بقطع لسانها بل بقطع وبتر أنوثتها!.
ومن سليمان فياض إلى الروائى الراحل فتحى غانم وروايته البديعة "زينب والعرش " التى تم فيها ختان زينب بطلة الرواية بعد صراع ورفض من الجدة التركية دودو هانم وإصرار من الأم خديجة ذات الأصول الريفية، ولكن قانون الأخلاق المزيفة كان هو الأعلى صوتاً وموس أم إسماعيل هو الذى وضع نقطة نهاية السطر، وتم ختان زينب ويحكى فتحى غانم عن زينب بعد ختانها بيوم قائلاً " لما رأت دودو هانم زينب منفرجة الساقين منكسرة الرأس، طلبت منها أن تتقدم إليها، ولكن زينب وقفت حائرة، وضحكت خديجة وقالت أنها مكسوفة وكان السرور يلمع فى عينى خديجة التى حاولت أن تنقل سرورها إلى حماتها فجعلت تقول لها أنها الخير والبركة فى البيت، وأنها لم تفعل مافعلت إلا ليقينها أن أنوثة زينب لن تكتمل إلا بالختان، وهى لن تتزوج تركياً ولكن زوجها سيكون مصرياً، وهو لن يرضى بزوجة بغير ختان، وجعلت خديجة تثرثر بحكايات عن رجال إكتشفوا أن زوجاتهن بغير ختان فكانوا يطلقونهن، أو كما حدث لحكمت الألفى وهى من عائلة تركية تسكن فى المنيرة فقد صمم زوجها على أن تجرى لها أم إسماعيل عملية الختان وهى عروس جاوزت العشرين، فنزف منها دم غزير وكادت أن تموت وهزت دودو هانم رأسها مستسلمة لكلام خديجة وقالت وهى تتنهد أن زمن الرجال الذين كانوا رجالاً قد ولى ولم يبق إلا الفلاحين "!.
[ هذه الحكايات ليست كلام روايات وإنما هى واقع كتبه من هم ضمير الوطن، إن هذه الحكايات جميعاً نقطة فى بحر القلق والتوتر الذى تغرقن فيه بناتنا المذبوحات بسكين الجهل والخرافة، والدماء النازفة من الفتاة هى فى بعض الأحيان أقل الأضرار فالنزف النفسى يكون أكثر تدميراً، ويقول عنه د.حلمى عبد السلام فى كتابه مفاهيم جديدة إن آثار الختان النفسية قد تكون سابقة له، فما أن تسمع الفتاة بما حدث لأقرانها الأكبر سناً حتى ينتابها القلق، وكلما إقتربت من السن المعتاد إجراء الختان فيه يتصاعد قلقها ويتحول إلى رعب نفسى قد يصل فى بعض الحالات إلى حدوث كوابيس وتأخر دراسى، وتزداد حدة هذا القلق كلما كانت الفتاة معتدة بنفسها وبشخصيتها، ويحكى د.طه باشر أن فتاة كانت تصرخ خلال نومها قائلة " الحشرة، الحشرة " ولكن الأهل لم يجدوا أثراً لمثل تلك الحشرة، ثم تبين أن خادمة البيت كانت قد أعادت عليها فى الأيام السابقة بأنها سوف تختن، فالحشرة التى تتكلم عنها فى منامها تعبر عند العامة بمخالبها ومنظرها المخيف عن المرأة التى تقوم بالختان، وبعد ذلك تم التأكيد للفتاة بأنها لن تختن، وقد أدى ذلك إلى أن عادت الفتاة إلى نومها الهادئ "، وفيما يخص الآثار النفسية اللاحقة لختان البنات تقول د.سامية سليمان رزق " لايمكن أن تمحى الآثار النفسية لأخذ البنت غدراً وسط مظاهر الإحتفال، لتفاجأ بعملية التكبيل ورؤية أسلحة البتر، وتعانى من الآلام والمضاعفات، فى مقابل تقديم رشاوى مادية رخيصة، فمهما كانت البنت صغيرة فهى تستطيع أن تقارن بين ماقدم لها من أكل مميز وملابس جديدة، وبين مادفعته من كرامتها بعرضها مجردة من ملابسها الداخلية أمام أغراب، ويترتب على ذلك فقدان ثقة الطفلة فى أبويها أو من يحل محلهما، ويرتبط الغدر والأذى الجسمى والنفسى بخلق الشعور بالظلم لدى الفتاة الصغيرة والتى قد تلجأ للتعبير عنه بالتبول اللاإرادى والإنطواء الإجتماعى، فعملية الختان ليست بتراً عضوياً ولكنها أيضاً بتر نفسى ".
حقاً إنها عملية بتر نفسى قبل أن تكون بتراً جسدياً، إن محاولة بتر المرأة إجتماعياً محاولة قديمة ومتكررة، يلح فيها المجتمع على شطب هذا الكيان وحذفه تارة بعزله داخل أسوار البيت، وتارة بتحويل الشارع إلى معتقل تتحرك فيه المرأة بحساب وريبة وأغطية وحواجز، ويؤكد د.عادل صادق أستاذ الطب النفسى على المعنى السابق بقوله " إن الختان يشكل عملية بتر تظل فى مخيلة الفتاة مدى الحياة، إن هذا الشعور بالبتر لعضو مهم فى جسم الفتاة بمافيه من معان جنسية يصبح شيئاً راسخاً فى ذهنها، ويقولون إن هذا الجزء يبتر حتى لاتنحرف الفتاة، وبذلك يصبح مفهوم الأخلاق مرتبطاً بالغريزة وأنه لاإرادة لها فى ذلك، وذلك يحرمها كأنثى من الإعتزاز بذاتها الأخلاقية الإنسانية الناشئة عن قناعة وإيمان "، ويحكى د.طه باشر فى كتابه السابق عن إمرأة فى الثلاثين من عمرها قد عانت من هبوط نفسى بعد وضعها على إثر تأخر شفاء ندب الختان، فلم تستطع الأكل أو النوم، وكان يجب معالجتها جسدياً ونفسياً فى عيادة الأمراض العقلية، ويحكى عن إمرأة أخرى كانت مريضة عقلياً وعندما أحيلت إلى الطبيب تبين أن هذه المرأة لاأطفال لها وأنها مطلقة مرتين، وبعد الفحص تبين أنها تعانى من ورم بحجم كرة التنس تحت جرح الختان وبعد إزالة هذا الورم شفيت وتركت المستشفى وهى سليمة عقلياً "، وقد رصد باحثون كثيرون التحول المرعب الناتج عن ختان الإناث، فقبل الختان كانت الفتيات ودودات وصافيات العين وطبيعيات دون خوف من الفحوصات الطبية، أما بعد شهرين أو حتى سنتين من الختان، تحولت الصورة تماماً، فالبنت منهن تقف مرتجفة وتفزع من الفحص الطبى وتصبح عدوانية فى ردود أفعالها...الخ.
[ لابد أن نعرف أن الختان ليس تقرباً للآلهة، وأن ماكنا نفعله فى عصر الفراعنة لم يعد صالحاً لهذا العصر، فمن عادات المصريين القدامى إلقاء دمية على شكل فتاة جميلة يزينوها كعذراء يوم عرسها ويلقونها فى النهر، وكانوا يعتقدون أنهم إن لم يفعلوا ذلك فإن النهر قد يغضب عليهم ويكف عن الإنعام عليهم بفيضانه، وكان موسم وفاء النيل هو الوقت المناسب لختان البنات، فتقوم الدايات بختانهن فى ذلك الوقت، وكانوا يحتفظون بتلك الأجزاء التى كانت تقطع من الأعضاء الجنسية للفتاة ويلفونها على هيئة حجاب ويربطونها بخيط حول عنق الفتاة التى قطعت منها تلك الأجزاء، وفى يوم الإحتفال بعيد فيضان النيل كانوا يلقون بتلك الأجزاء فى مجرى النهر معتقدين أن الفتاة التى لاتفعل ذلك تبقى عانساً من غير زواج، أو أنها إذا تزوجت فإنها لاتنجب أطفالاً على الإطلاق، أو حتى إذا أنجبت أطفالاً فإن أولئك الأطفال لايعيشون أو يموتون صغاراً، وللأسف مازلنا نصر على تقديم بناتنا كقرابين لوهم كبير إسمه العفة التى لايعرف الكثيرون أنها مسئولية عقل وروح وليست مسئولية قطعة من اللحم أو بروز من الجلد خلقه الله كمصدر للمتعة وليس للنكد.
 
 

 

 الختان ليس عادة إسلامية أو فرعونية ولكنها عادة عبودية!
 قراءة تاريخية وأنثروبولوجية

[ كنت متأكداً حتى وقت قريب بأن ختان الإناث عادة خاطئة يفعلها المسلمون ولها أصل فرعونى، ولكن عندما سألنى أحد مرضاى المسيحيين عما كنت أستطيع إجراء عملية الختان لطفلته الصغيرة إندهشت مرتين، الأولى لأنه طلب منى أنا شخصياً هذا الطلب، أما الدهشة الكبرى فقد كان مصدرها أن الطالب مسيحى الديانة وهنا خاب ظنى وأيقنت أن ختان الإناث عادة عابرة لحواجز الأديان والجنسيات!، وقد جعلنى هذا المريض أعيد البحث فى الأصول التاريخية لهذه العادة البربرية بعيداً عن الأديان، وعندما قرأت بعدها عن وضع المرأة المميز فى العصر الفرعونى عدت للتشكك فى أن أصل الختان فرعونى كما يدعى الكثيرون وكما كنت أنا شخصياً معتقد، ومن هنا قررت الخوض فى بحار وعواصف تاريخ الختان الشائك حتى نفهم معاً من أين نبعت كل هذه الأنهار الدموية؟.
[ يحكى المستشار ماهر برسوم عبد الملك قصة لها دلالة مهمة فى كتابه "مذكرات مستشار مصرى " جرت أحداثها أثناء عمله كوكيل نيابة فى الصعيد حيث إستدعى لتحقيق حادثة سقوط شخص من القطار مما أدى لبتر ساقه، وعند سؤال المصاب إتهم حماه، وعندما تمت مواجهة المتهم دافع عن نفسه بجملة كان فيها الإفحام والإقناع كله فقد قال " وده معقول يابيه أرميه من القطر ده واخد عارى!!"، وقد إرتعشت عند قراءة هذه الجملة البليغة التى لخصت المسألة كلها، إن المرأة عار والرجل هو الذى يخفى آثار هذا العار فمن الممكن أن يخفيه بالقتل أو يرمى تبعته عن كاهله بالزواج أو يكيف و"يأيف " هذا العار منذ الطفولة بالختان، إنها آثار عهد العبودية والإقطاع والرق والجوارى التى إمتدت لتعشش فى عقول البعض من ضعاف النفوس ومرضى العقول من الرجال الذين مازالوا يعيشون بمنطق شهريار وسلوك الطاووس الذى إن أنصف المرأة فمن باب الإنعام والهبة وليس من باب الحق المشروع والواجب الملزم، وكما كان يمارس الإخصاء فى العصور الإقطاعية حتى يضمن السيد أن العبد لن يلعب بذيله وحتى يضمن أن قوته الجسمانية لن تضيع أدراج الرياح فى النزوات، فبعد أن تم إستبدال السيد الرجل بالسيد الإقطاعى تم "الإخصاء الأنثوى" الجديد عن طريق الختان حتى تصبح ممتلكات الرجل خالية من التلوث الإشعاعىالجنسى والقذارة الشهوانية التدميرية الشاملة!، ولأن أصل كلمة البظر الطبية معناها المفتاح فقد فعل السادة بنفس منطق حزام العفة ختان المرأة حتى لاتفتح به باب الشهوة!.
يرفض الكثيرون من الأطباء والباحثين نسبة ختان الإناث إلى الفراعنة ومنهم د.محمد فياض ود.نوال السعداوى ود.سامى الذيب وغيرهم بالرغم من تسمية أهل السودان لأفظع وأبشع أنواع الختان ب"الختان الفرعونى "، فتقول د.نوال السعداوى أن أندونيسيا مارست ختان الإناث قبل مصر القديمة " ولقد أثبت علم التاريخ والأنثروبولوجى أن هذه العمليات، الختان والإخصاء وغيرها، لاعلاقة لها بالمصريين أو العرب أو المسلمين أو اليهود أو المسيحيين أو البوذيين أو غيرهم، إنها ترتبط بنوع النظام الإجتماعى والإقتصادى السائد فى المجتمع وليس نوع البشر أو دينهم أو لونهم أو جنسهم أو عرقهم أو لغتهم " وتضيف " إن القارة الأفريقية أو اللون الأسود ليس مسئولاً عن هذه الجريمة وإنما هى إحدى جرائم العبودية فى التاريخ البشرى، إلا أنها بقايا النظرة العنصرية التى تتصور أن مشاكل الدنيا بمافيها الإيدز أصلها أفريقى، أو على الأقل بدأت فى أفريقيا ثم إنتقلت بالعدوى فقط إلى الجنس الأبيض "، ويقول د.سامى الذيب صاحب أهم الدراسات عن الختان أنه قد يرجع سببه للنظام الذكورى الذى يشرع تعدد الزوجات ونظام العبيد، ويشير إلى كتاب الكاماسوترا الهندى الذى يتحدث عن كيف أن الرجل فى نظام الحريم كان لايمكنه أن يرضى جميع النساء اللاتى يمتلكهن، فقد يتداول العلاقة الجنسية مقسماً لياليه بينهن، وقد يختار إحداهن ليمارس الجنس معها، بينما تقوم المحرومات بممارسات وحيل غير مشروعة للوصول إلى الرجل أو تعويض هذا الحرمان، وللحد من هذه الممارسات غير المشروعة قام الذكور بفرض الختان على الإناث بإعتباره وسيلة للحد من شهوتهن ومنع إختلاط أطفالهم الشرعيين بأطفال من رجال غرباء، ويؤكد د.أحمد شوقى الفنجرى على هذا المعنى قائلاً " تعود هذه العملية إلى عصور الإقطاع حين كان الإقطاعى يمتلك الآلاف من البهائم والغنم إلى جانب المئات من العبدات والعبيد، وكان يعامل البهائم والبشر على السواء على أنهم ملك له، فكان يخصى الذكور من البهائم حتى لاتحمل الإناث وهن فى مرحلة إدرار اللبن، ويخصى الذكور من العبيد حتى لا يقتربوا من نسائه، أما الإناث من البهائم فكانوا يضعون فى أرحامهن قطعة من النوى أو زلطة حتى لاتحمل فى وقت غير مناسب، أما العبدات فكان يعتبرهن ملك له فقط دون غيره رغم أن أعدادهن بالمئات، فكان يختنهن لقتل الشعور الجنسى حتى لايستمتعن بالجنس لأنه لايستطيع إشباعهن جميعاً "، إنها ليست مسألة مكان بعينه أو دين بذاته هى التى صنعت الختان ولكنها مسألة إحساس العبودية الذى لو تغلبت عليه إنتفى سبب الختان وأصبح مرفوض إجتماعياً، وعلى العكس لو إستسلمت له لصار الختان مناسبة يجب الإحتفاء بها والترويج لها، ويستخدم فى هذا الإحتفاء والترويج الدين تارة والعادات تارة أخرى لكى تغطى هذه العادة الوحشية بورق سيلوفان جميل يجعله مقبولاً بل ومطلوباً أيضاً.
[ عندما يسيطر الفكر الأسطورى الغيبى على مجتمع يظل محتفظاً فى بنائه بالخرافة التى تنتقل عبر جيناته الوراثية جيلاً بعد جيل خاصة عندما يتوارى المنهج العلمى فى التفكير ويفشل فى إحداث التوازن وخلق الطفرة التى تجعل الأسطورة جزءاً من الفولكلور لامكوناً للتفكير والفعل والإختيار والقرار، والأعضاء المبتورة تمثل منذ قديم الزمان وفى معظم الأساطير قرابين ومكونات خلق، ففى أسطورة ريجفيدا الهندية تم ربط "بروزا " وتقديمه ضحية وخلق العالم من أشلائه فمثلاً من عينه خلقت الشمس وهكذا، ومعظمنا يعرف قصة إيزيس وأوزيريس الذى مزقه إله الشر " ست" فحاولت إيزيس جمع أشلائه ولكنها فشلت فى العثور على عضوه التناسلى الذى إبتلعته ثلاث سمكات تمثل قوى الشر، ومن الأساطير الأفريقية القديمة أسطورة قبيلة "مانتجا " التى تصارع فيها الأخوان "باجنزا " و" ياكومو " أمام الإله وجرح فيها الأول وتم ختانه، وبعد شفائه رفض العلاقة الجنسية مع زوجته التى طلبت أن تختتن هى الأخرى لكى ترضى زوجها، وأسطورة التضحية بعروس النيل التى تحدثنا عنها سابقاً هى مجرد إشارة لأهمية التضحية أو القربان فى الفكر الأسطورى، وهو تارة يستخدم لتفادى غضب الآلهة وتارة أخرى كطقس للعبادة، ومن ضمن هذه القرابين حرق الأجساد وبتر الأعضاء، فبعض القبائل الأفريقية تضحى بالخصية اليسرى أو اليمنى رغبة منهم فى إتقاء شر ولادة التوأم!، وهنا يصبح الختان مجرد ظلال أسطورة ورمز للتضحية الدينية التى تتحول رويداً رويداً لعلامة تميز وتفرد لقبيلة ما أو أصحاب دين ما أو سكان بلد ما يوحدهم هذا الطقس وينقذهم من الشتات الإجتماعى.
[هذا التوحد أو هذه الرغبة العارمة فى التشابه وخلق الإنتماء والتطابق المزيف المزعوم يجعل من الختان وسيلة سهلة وسريعة لتحقيق كل هذا بمجرد ضربة مشرط ونزف دماء وتضحية بجزء هو فى عرف العامة جزء زائد عن الحاجة يجلب وجع الدماغ والهياج الجنسى، ورغبة أفراد المجتمع فى أن يكونوا نسخ متكررة فوتوكوبى من بعضهم هى إمتداد للفكر العبودى الذى خلق ورسخ عادة الختان، وتعبر د.كاميليا عبد الفتاح عن تأثير هذا التطابق على عادة ختان البنات قائلة " إن عملية ختان البنات تندرج تحت مفهوم التطابق فى المجتمع، ويظهر ذلك فى توقع حدوث الختان وضرورته وفى الرضى عنه والإقتناع به، وإلى جانب رغبة البنت فى التطابق فهناك دلالة نفسية لكل هذا وهى إحساس البنت بالأهمية ولو لمدة أيام، تلك الأهمية التى تفتقدها البنت عادة فى مجتمعنا، وهذا الفرح الذى يغمر الأسرة يعلق بذهن الفتيات الصغيرات اللاتى يطالبن بأن يجرى لهن الختان كنوع من التقاليد والمشاركة الوجودية والتطابق مع قيم المجتمع "، والمدهش أن هذه الرغبة فى التشابه التى تذكرها د.كاميليا قوية على عكس مانعتقد أن الألم يتغلب عليها، فالرافضة لقيم المجتمع المستقرة أو بالأصح التى يريد لها البعض الإستقرار لتحقيق مكاسبه، هذه الرافضة خاسرة وتصرفاتها مستهجنة وصديقاتها تعايرنها بأنها أقل منهن مما يضطرها لطلب الختان!، ويورد د.سامى الذيب بعض الأمثلة التى من الممكن أن نستغربها فى البداية ولكن عندما نلمس عن قرب وطأة وسطوة التقاليد سيضيع هذا الإستغراب، فهو يقول أن المجتمع السودانى يضع غير المختونات ضمن ثلاثة خانات الأطفال والمجنونات والعاهرات، وتشير إحدى الدراسات الميدانية التى أجريت فى الصومال أن الفتيات اللاتى يتركن بلا ختان لمدة طويلة يطالبن تكراراً بختانهن لأن عدم ختانهن يجعل منهن منبوذات فى محيطهن ولايمكنهن أن يجدن زوجاً إلا خارج مجتمعهن، وقد صرحت إحدى الممرضات غير المختونات بأنها تعيش مأساة وتفضل ألف مرة الموت على أن تعيش منبوذة!، وأعتقد أننا فى مصر لابد أن نخلق إلحاحاً حول خطورة الختان حتى نكسر هذه الرغبة فى التشابه، ولابد من كسر هذه الحلقة الجهنمية فى سياسة القطيع الى تخلق نوعاً من الراحة المزيفة، ويظل يقنعك تيار ليس فى الإمكان أبدع مماكان أن التغريد خارج السرب برغم أنه يمنحك متعة التميز إلا أنه يفقدك دفء القطيع، وتصدق الفتيات والأمهات هذا الهراء ويفضلن حالة أسر السكون والركود الذى يصل لحالة التعفن على حرية الحركة والتغيير والتقدم.
[ ولأن العبد مجرد شئ أو جزء من المتاع الإقطاعى فإن التصرف معه يتم بنفس الطريقة التى يتعامل بها الإقطاعى مع ممتلكاته ودوابه ومزرعته، فكما يسمن أبقاره حتى تعطى مزيداً من اللحم واللبن فإن المجتمع المتأثر بالفكر العبودى يختن المرأة لتجهيزها للزواج، أو بإختصار علشان تعجب السيد الذى هو الرجل، وكما تقول أسطورة أفريقية لقبيلة " دوجون " أن الإله "أما " قبض على مصران ملئ بطين فخارى ورماه فتكونت الأرض على شكل إمرأة مضطجعة على ظهرها، وعندما أراد "أما " لقاء هذه المرأة منعه هذا العضو الملعون فقام الإله بقطعه ليتم اللقاء، ومازال هذا الإعتقاد هو أساس عملية الختان حتى الآن فى تلك القبيلة، والأفارقة لهم رأى غريب فى سبب الختان وهو أن الفتاة الصغيرة تستمتع بطريقة ذاتية ولذلك عندما تكبر لابد أن يقطع مصدر اللذة الذاتية حتى تبحث عن الرجل وعن الزواج، والأشد غرابة أن هناك مجتمعات فى كينيا وأوغندا وغرب أفريقيا تستطيع فيها الفتاة الإنجاب خارج العلاقة الزوجية لإثبات خصوبتها وبعد الإنجاب يتم ختانها إعداداً للزواج، وقد أوضحت ممثلة لجنة النساء الغينيات فى مؤتمر داكار 1984 أن الفتيات المختونات يبقين فى غرفة واحدة أو فى الغابة المقدسة لمدة شهر حتى يشفى الجرح، وفيها تقوم إمرأة عجوز بمراقبتهن وتعليمهن القصص والأغانى الشعبية ودور ربة البيت...الخ وبعد الخروج من هذه العزلة يصبحن صالحات للزواج، أما فى مصر فتوجد بردية كتبها باليونانية كاهن مصرى يرجع تاريخها إلى عام 163 قبل الميلاد يؤكد فيها على العلاقة بين الختان والزواج، ويذكر د.سامى الذيب رواية للرحالة الإسكتلندى "جيمس بروس " حول محاولة المبشرين الكاثوليك فى مصر فى القرن السابع عشر منع ختان الإناث على أتباعهم ولكنهم تراجعوا عن هذا المنع عندما رفض الرجال الزواج من النساء الكاثوليكيات غير المختونات!، وتذكر د.آمال عبد الهادى فى دراستها عن قرية دير البرشا ذات الأغلبية المسيحية التى تخلت عن ختان الإناث أن أكثرية الناس كانوا يرفضون مساعدة الغير فى عدم ختان بناتهم وكان سبب رفضهم مايلى " كل واحد يحكم على بيته لنفرض أننى نصحت أم بعدم ختان بنتها ثم لم تتزوج فماذا سيكون موقفى؟!".
[ كما يمثل عدم الزواج هاجساً بشعاً وملحاً من بقايا العصر العبودى الذى يعامل العانس كعار وعبء ومصدر نحس، فإن العقم وعدم الخصوبة هو الهاجس الأشد وطأة لأن المرأة فى هذه المجتمعات هى ماكينة تفريخ لفقس الأطفال، وأى خلل فى هذه الوظيفة هو بمثابة تجريس مزمن للمرأة، ولذلك تعتقد بعض القبائل فى نيجيريا أن البظر عضو خطير يؤذى رأس الطفل إذا مسه ومن الممكن أن يصل الإيذاء لحد القتل، ولهذا السبب يتم ختان المرأة فى الشهر السابع من الحمل إذا لم تكن مختونة قبل الحمل، وهناك إعتقاد فى بوركينا فاسو أن بظر المرأة يجعل الزوج عاجزاً جنسياً وقد يموت أثناء العملية الجنسية، وفى مناطق ساحل العاج يعتقد أن المرأة غير المختونة لايمكن أن تنجب، وهناك أسطورة تقول بأن الفرج له أسنان تضر بالرجل وأن البظر هو آخر سن فيه يجب قلعه، وتعتقد بعض القبائل بأن الختان يزيد الخصوبة وأن البنت غير المختونة تفرز إفرازات قاتلة للحيوانات المنوية للزوج، وفى مصر تحكى مارى أسعد وحلمى عبد السلام عن الأصول الأسطورية لعلاقة الختان بالإنجاب، ومنها قصة تسمية مايقطع من المرأة بالفضلة لخطورتها، بالإضافة لقطع هذه الفضلة هناك عمليات كثيرة يعتقد فيها المصريون تحد من خطر الجزء المقطوع مثل التمائم السحرية وغسله بصورة خاصة أو مسه بأشياء مختلفة، وإستلهاماً من أسطورة عروس النيل التى سبق ذكرها فى الفصل السابق يعتقد أن من لاتلقى بفضلتها فى النيل لن تنجب على الإطلاق، وبالطبع يساعد الجهل بعلم التشريح على سريان وإنتشار حجة ووهم أن الختان يسهل عملية الولادة لأن مايجب إزالته يسد الطريق أمام الجنين، وكما كان القدماء يشكلون جسد المرأة بإضافة الشحم والدهون و " يعلفونها " "لمزيد من التخن والربربة" لتصبح كمصارعى السومو فإنهم يشكلون جسدها بالكشط والإزالة وبالطبع يقف الختان كأشهر هذه الأساليب التى تعبر عن المزاج الإجتماعى السادى الذى يشيئ المرأة.
[ وتمشياً مع إعتبار الختان وقفة عند مرحلة المجتمع العبودى، فإن النجاسة المرتبطة بأعضاء الجسم وتقسيم الجسد إلى مراتب طبقية حسب درجة الطهارة والنجاسة كل هذا من بقايا التصور الإقطاعى للجسم الذى يختلف فيه جسم العبد عن سيده وأيضاً أعضاء الجسم الواحد نفسه، ويكفى أن الإسم الذى يطلق على الختان هو الطهارة، وفى السودان يعتبرون البنت غير المختونة نجسة وإطلاق صفة إبن غير المختونة يعتبر من قبيل الشتيمة هناك ويشبه شتيمة إبن العاهرة، والإرتباط بين عدم الختان والنجاسة عند القبائل الأفريقية إرتباط وثيق، فالبعض يرفض الأكل مع غير المختونة وفى مالى يرفضون مجرد تحضيرها للأكل، والبعض يعتقد أن فى البظر سم قاتل، وفى أوغندا تعبر المرأة غير المختونة بنتاً مهما كان عدد أطفالها، ويعتبر إبنها "إبن بنت " دون أية كرامة فى جماعته ولايحظى بأى منصب هام، ولايحق لهذه المرأة حلب البقر لأن ذلك يجلب النحس، كما لايحق لها سكب الماء فى الإناء الذى يحتوى ماء الشرب للعائلة، أو الصعود إلى المخزن لإحضار الحبوب للطبخ أو الزراعة، وإذا مات رجلها لايحق لها إستقاء الماء من النهر أو البئر للذين يدفنون زوجها، إن مفاهيم النجاسة المرتبطة بعبادة الطوطم ومفاهيم إنسان الكهف الأول الذى كان لايستطيع فهم الظواهر المحيطة به فينسج حولها الأساطير ومنها أسطورة النجاسة وخاصة بالمكان الذى ينزل منه دم الحيض المفاجئ الذى وضعه هذا الإنسان فى خانة النجاسة كحل منقذ لعقله القاصر.
[ السحر وطقوسه وتدريباته عنصر أساسى من عناصر تكوين المجتمع العبودى، وقد جمعت ال"بولتين " عدد ديسمبر 1991 بعض هذه الطقوس الأفريقية الغريبة التى تنقلنا فوراً لجو المجتمع القبلى الذى يفتقر لأبسط بديهيات المنهج العلمى فى التفكير وتفسير الظواهر، ويحدد الساحر مكان التدريب على طقوس إحتفالات الختان من غناء ورقص، وتتسابق الفتيات فيه للبحث عن الشجرة المقدسة ومن تجدها هى التى تتلقى أكثر طلبات زواج، وفى قبيلة "ناندى " عشية إجراء الختان تشعل النار المقدسة قرب شجرة مخصوصة، وتقوم الخاتنة بفرك مكان الختان بنبات لاسع حتى ينتفخ المكان، ثم يتم الكى بقبس من النار وسط غناء ورقص القبيلة، وفى قبائل "أوبانجى " يحظر دخول المكان على الرجال إلا زوج الخاتنة العجوز الذى يسيطر على الفتاة بعنف فاتحاً فخذيها فى نفس الوقت الذى يلهب ظهرها فيه سوط تمسك به إمرأة من القبيلة، وبعدها يتم جز البظر بالسكين، وتقف البنات فى طابور تحرسهم زغاريد القبيلة، وعلى من تنهى عملية الختان أن ترقص رقصة اللقاء الجنسى والدم ينزف منها، وفى توجو ينتهى طقس الختان بسير الفتيات عاريات فى موكب حتى يصلن إلى التمثال المقدس، وفى دولة بنين تجلس الفتيات على حجر مسطح على شكل دائرة ووجوههن إلى الخارج، وتجلس الخاتنة وسط الدائرة وتلف الحجر حتى تواجه البنت وتجرى لها الختان، ثم تلفه لكى تختن الفتاة التالية وهكذا....، كل ماسبق له ظلاله الدينية فى معتقداتهم، وهو شبه إمتحان تجريه القبيلة للبنت، وهذا الإحساس بالإمتحان إنتقل إلي مجتمعنا المصرى حيث نعقد إمتحانات دورية للبنت فى الأخلاق بالطبع التى هى أخلاق من وجهة نظرنا تحمل خاتمنا الخاص وبصمتنا المميزة، إن الفرق بيننا وبينهم إنهم يجرون الختان بصراحة وتحت غطاء السحر ونحن نجريها بنفاق وتحت غطاء الدين.
[ العبودية ليست تعريفاً زمنياً ولامكانياً ولكنها مجموعة قيم أخلاقية معينة، ونظرة خاصة متزمتة، ونسق سلوكى يهتم بالحفاظ على المظهر الخارجى، وأرتيكاريا شديدة من أى شئ يمس ممتلكات السيد ومنها المرأة، بدليل أن هذا الختان البربرى وصل إلى أوروبا عندما سيطر عليها إحساس الطهر "البيورتانى " فى العصر الفيكتورى المتزمت المتخلف الذى صاحبه تخلف طبى أيضاً، وقد ساعد هذا المركب المتخلف المزدوج على تبنى عادة الختان وقد ساعد على إنتشارها بعض التفسيرات الطبية التى تربط بين الأمراض العقلية والعصبية التى تصيب النساء وبين أعضائهن التناسلية، والتى تدين المرأة لأنها أسيرة طبيعتها البيولوجية المتقلبة من حمل وإرضاع وولادة وحيض..الخ، ممايؤدى من وجهة نظر أصحاب هذه التفسيرات لخفض قدرتها الذهنية وإنهيار إرادتها الواعية وفقدها للقدرة على التحكم فى نفسها، وفى كتاب "موقف الأطباء من ختان الإناث" تقص مؤلفتا الكتاب آمال عبد الهادى وسهام عبد السلام قصة غزو ختان النساء لأوروبا إبان العصر الفيكتورى، ففى سنة 1858 أدخل د.إسحق بيكر براون ختان النساء لبريطانيا كوسيلة علاجية للأمراض البدنية والعقلية التى كان يعتقد أنها تصيب النساء بسبب تعرضهن للإثارة الجنسية، وللعلاج "مارس د.براون إستئصال البظر والشفرين الصغيرين كعلاج لهذه الأمراض بل وأحياناً المشاكل الإجتماعية كالطلاق!، وكان يتباهى بأنه يخدرهن تخديراً كلياً "، وقد أدت التجاوزات المهنية للدكتور براون إلى تجريده من ألقابه العلمية وفصله من عمله، وفى سنة 1867 نشرت المجلة الطبية البريطانية خطاباً هاماً يوضح أسباب رفض المجتمع الطبى لممارسات د.براون، يقول الخطاب " نحن معشر الأطباء حماة مصالح النساء بل ورعاة شرفهن، والحق إننا نحن الطرف الأقوى وهن الطرف الضعيف، فهن مجبرات على تصديق كل مانقوله لهن لأنهن لسن فى وضع يسمح لهن بمجادلتنا، لذا يمكن القول بأنهن يقعن تحت رحمتنا، وفى ظل هذه الظروف لو تخلينا عن التمسك بمبادئ الشرف وخدعنا مريضاتنا أو ألحقنا بهن الأذى بأى شكل، فإننا لانستحق الإنتماء إلى مهنتنا النبيلة "، وأما الأكثر طرافة فهو ماذكر فى كتاب "مشاكل النساء " لفرنيون كوليمان من أن الختان أستخدم لعلاج كثرة عرق الأيدى وللفتيات اللاتى كن يعملن بمصانع النسيج على آلات الخياطة التى تعمل ببدال القدم، وكان المبرر هو أن حركة إهتزاز الفخذين الدائمة وإحتكاكهما كانا يولدان إثارات جنسية لاتحتمل!!، وقد تبنى البعض فى مصر مثل هذا الرأى أو أشد منه فى تأييد الختان فقالوا أن تلامس الملابس وإحتكاكها بالبظر من الممكن أن يثير البنت فمن الأفضل ختانها!!.
[ وفى ختام هذه القراءة التاريخية نقول إننا بالختان نقول مرحباً بالعبودية ووداعاً للحرية والعقل، وإذا رغبنا فى الخروج من كهف الظلمة لساحة النور علينا أن نعترف بأن أجسامنا ملكنا ومصدر فرحتنا وليست وعاء شرورنا وآثامنا ورذيلتنا، وأن نمنع أى بتر عدوانى نفعله بها كالختان الذى هو من بقايا العبودية والتى للأسف نحن إليها أحياناً وبكامل إرادتنا.
 

 


 مصر تحقق الرقم القياسى فى الختان
 الختان... قراءة جغرافية وإحصائية

[ أحسست بالعار وأنا أقرأ التوزيع الجغرافى والأرقام الإحصائية لمعدلات ختان الإناث فى العالم، فمصر هى أكبر هذه الدول من حيث عدد اللاتى يتعرضن لهذه العملية الهمجية!، هل يعقل أن مصر مهد الحضارة وأم التاريخ تبتر أجساد بناتها بهذه الوحشية؟!، هل يعقل أن مصر التى إحتضنت الأديان والثقافات والأفكار والقيم لاتستطيع أن تحتضن بناتها وتحميهن من مذبحة البتر التناسلى؟، هل يعقل أن تكون مصر مضغة فى أفواه المؤتمرات العلمية التى تدين الختان ووسائل الإعلام التى تصوره ومنظمات حقوق الإنسان التى تندهش من أنه مازال فى مصر من يجر إبنته ويسحبها إلى حيث يقوده خياله المريض ويقنعه بأنه بذلك يحافظ على شرفه الذى يراق على جوانبه الدم؟!، وهل يعقل أنه فى عصر الكمبيوتر والهندسة الوراثية يوجد من يلجأ لحلاق الصحة والداية حتى تجرى للبنت أبشع عملية جراحية فى التاريخ؟، وهل يعقل أنه بعد كل تلك السنوات من الهجوم على عادة الختان مازلنا فى مقدمة طابور الدول التى تتبنى هذا التخلف؟، ولكن ماحدث فى الواقع أن الخرافة أصبحت معقولة، والدجل صار علماً، والبنت صارت ضحية للعنكبوت الذى غزل خيوط بيوته فى العقول حتى صارت كهوفاً وخرابات.
[ الأرقام أحياناً صادمة ولكنها دوماً مصابيح تنير الطريق، وهى أحياناً مقلقة ولكنه القلق الذى يثير العقل لتلمس الحل، وعفواً عن أن هذا الفصل ملئ بالأرقام ولكن الأرقام أصدق أنباء من الكتب مع الإعتذار لشاعرنا الكبير "أبو تمام "!.
فى المؤتمر الرابع لبتر الأعضاء الجنسية الذى إنعقد عام 1996 فى سويسرا ظهرت هذه الأرقام العالمية المرعبة وهى كالتالى:
• يتم فى العالم ختان مايقرب من 2 مليون طفلة سنوياً، أى بمعدل 1666666طفلة شهرياً، 5480 طفلة يومياً، 228 طفلة كل ساعة، أو 3,8 طفلة كل دقيقة!
• نسبة المختونات فى العالم تبلغ 5% أى بمجموع 100 مليون أنثى!
وقد نشرت منظمة الصحة العالمية فى أعوام 1994 و1996 و1998 أرقاماً مختلفة بخصوص عدد النساء المختونات فى الدول التى تمارس ختان الإناث، وهى كالتالى حسب الترتيب الأبجدى الأجنبى:( سنلتزم فى الجدول بإحصاء 1998)
بنين 1,365,000 ليبيريا 902,400
بوركينا فاسو 3,656,800 مالى 5,155,900
 الكاميرون 1,336,800 موريتانيا 295,250
وسط أفريقيا 759,810 النيجر 921,200
تشاد 1,932,000 نيجيريا 25,601,200
ساحل العاج 3,048,270 السنغال 838,000
جيبوتى 248,920 سيراليون 2,167,200
***مصر 27,905,930 الصومال 5,034,260
أريتريا 1,599,300 السودان 12,816,000
الحبشة 24، 723، 950 تنزانيا 1,552,000
جامبيا 396,800 توجو 1,044,500
غانا 2,635,200 أوغندا 513,050
 كينيا 6,967,500 زائير 1,107.900

[ يظهر من الجدول السابق مركز مصر المتقدم جداً والحاصل على المركز الأول فى عدد النساء المختونات على مستوى العالم، وسيعترض البعض قائلاً لماذا لم يتم الحساب بالنسبة لعدد السكان وليس بالعدد الفعلى؟، وهذه ملاحظة جيدة ولكن يظل العدد كبير بالنسبة لقيمة مصر الحضارية، والتى تجعل من الظلم أن توضع فى زمرة دول أقل منها تاريخاً وتقدماً بهذه الصورة المهينة، ولكن ماذا نفعل فهذا ماجنته أيدينا على أنفسنا، ومن رسم هذه اللوحة الدموية هم نحن وليس المستعمر أو الغازى... إلى آخر هذه القائمة التى كثيراً ماأراحت بالنا وصرفتنا عن النظر إلى الخلل الكامن فى سلوكنا نحن والذى يجب أن يتغير جذرياً خاصة فى التعامل مع المرأة، ونلاحظ من الجدول أيضاً أن كل الدول المذكورة تقع فى أفريقيا برغم وجود دول أخرى يجرى بها الختان مثل أندونيسيا وماليزيا وباكستان ومسلمى الهند وبعض المناطق فى اليمن وعمان وعرب النقب فى فلسطين والقليل مازال يعتنقه فى الإمارات، ونستطيع أن نقول من خلال ذلك أنه مازال واجباً على منظمة الصحة العالمية وضع إحصاء جديد يتعامل مع الظاهرة بشكل أعمق وأشمل، والملاحظة الثالثة أن عدد الدول العربية التى تمارس ختان الإناث بصورة كبيرة قليل جداً ويكاد ينحصر فى مصر والسودان وأريتريا، وهذه الدول هى التى يشكل فيها الختان ظاهرة وليست حالات فردية، وأن دولاً إسلامية عربية لاتمارسه مثل السعودية والعراق والمغرب وليبيا وسوريا، وهناك دولاً إسلامية عربية لاتعرفه على الإطلاق مثل تركيا وإيران مثلاً، وهذا يؤكد مرة ثانية على أن جذور هذه العادة ليست عربية أو إسلامية، وممايؤكد ضرورة مراجعة هذه الإحصائيات قول د.سامى الذيب أن ختان الإناث ليس حكراً على القارة الأفريقية فقد عرفت تلك العادة فى أوروبا والولايات المتحدة أيضاً، ولكنى أود توضيح هذه النقطة للدكتور سامى وأقول أنها إستثناء يؤكد القاعدة ويجعلنا نحاول البحث فيما فعلته الهجرات المتتالية من معتنقى فكرة الختان إلى هذه البلاد، والتى يغذيها إحساس الإغتراب والرغبة الحارقة فى الإنتماء والتميز لدرجة أن بعض المسلمين فى بلاد لاتعرف الختان عندما ينتقلون إلى بلاد أوروبية أو أمريكية يمارسون الختان!كما فعل بعض أتباع الجبهة الإسلامية فى الجزائر عندما سكنوا ألمانيا برغم أن الجزائر لايعرف فيها الختان، وكأنهم يصرخون نحن مختلفون عنكم ياأهل الغرب.
[ كان لابد من عرض الإحصائيات العالمية والتوزيع الجغرافى لعادة الختان فى العالم فبل الإنتقال إلى مصر بصفتها صاحبة الرقم القياسى للأسف، والغريب أن مناقشة هذه الظاهرة زادت حدتها بعد حادثة شهيرة وهى عرض قناة ال CNN فى 7 سبتمبر 1994 لفيلم عن ختان طفلة فى العاشرة من عمرها تدعى نجلاء بواسطة حلاق صحة فى القاهرة، وكأننا لانفيق إلا عندما يتناول الغرب سيرتنا ويلقى عليها ضوءاً ويصورها بعدسة الزووم، وبالطبع هاجت الدنيا وماجت وتاهت الحقيقة فى وسط دفاعنا عن أنها مجرد حالات فردية، والهجوم على صناع الفيلم وإتهامهم بسوء النية وإصطياد مثل هذه الأشياء لتصويرنا كجهلة وهمجيين، ومع إعترافى بأن النية الأمريكية فى عرض الفيلم ليست نية صافية وليست بغرض إنقاذنا من ممارسة هذه العادة البغيضة، وليست بهدف تطويرنا إجتماعياً، ولكنها مجرد فضول إعلامى يستخدم المصريين كنوع من الترويج الإعلامى وإستخدامهم كفولكلور مسلى ومثير، ورفضنا لابد أن يكون لممارسة هذه العادة القبيحة قبل أن يكون رفضاً لمن رصدوها وصوروها، وإذا كانوا هم على خطأ فنحن على خطيئة بسماحنا حتى الآن بممارستها، وهى خطيئة بالفعل لأننا بتتبع الإحصائيات التى أصدرتها منظمة الصحة العالمية عن تطور هذه الظاهرة فى مصر نجد أنها تتضخم، ومن الممكن أن يكون تضخمها بسبب دقة المعلومات التى تتوافر سنة بعد أخرى وليست بسبب عدد المختونات، ولكن فى كل الأحوال العدد كبير بحيث يصعب تجاهله والتغاضى عن ردود أفعاله فى العالم كله، ففى عام 1994 وجد أن نسبة المختونات 50% أى مايساوى 13,625,000 إمرأة، ثم فى عام 1996 وصل الرقم إلى 80% أى مايساوى 24,710.000 إمرأة، ثم وصلنا إلى الرقم الموجود بالجدول السابق والذى يزيد على 27 مليون بنسبة 97%، والغريب أن هذه العادة برغم هذا الإنتشار المرعب لم يتحدث عنها رفاعة الطهطاوى أو قاسم أمين وهما من هما فى مجال الدفاع عن حرية المرأة، وأعتقد أن سطوة وإنتشار الختان والخلفية الدينية المزعومة التى كان يستند إليها شكلت سداً منيعاً أمام مناقشة هذين المدافعين الكبار اللذين إعتقدا أنها بالفعل ضرورة بيولوجية بجانب الضرورة الدينية، وعذرهما أن الطب كان مايزال فى مرحلة متخلفة بالنسبة لمناقشة مثل هذه الأمور ولكن مالا أغفره لهما أنهما لم ينظرا إلى الإنتهاك الجسدى والنفسى الذى يحدثه الختان، وأنهما لم يتساءلا عن جدواها وهما يسمعان عن كم الدماء التى تسفح من الفتاة المصرية التى كانت تريد أن تتحرر من اليشمك الإجتماعى الذى كان يغطى على العقول والذى تمثله هذه العادة البغيضة قبل التحرر من يشمك الزى الذى يغطى الوجوه!.
[ من أقدم الدراسات الميدانية المهتمة بموضوع الختان فى مصر دراسة د.محمد كريم أستاذ أمراض النساء والتوليد بطب عين شمس، وقد أجراها سنة 1965 على عينة من سيدات نادى القاهرة (200 سيدة) ووقتها جاءت النتائج لتؤكد أن 74% منهن قد أجريت لهن عملية الختان، وقد أجرى نفس الأستاذ بحثاً ميدانياً آخر 1994 على عينة سيدات من نفس النادى ليخرج بنتيجة أن 98% منهن مختنات، ويرجع د.كريم إرتفاع النسبة إلى أن البحث الثانى إعتمد على الكشف الطبى وليس الكلام الشفهى كالبحث الأول الذى أخفت فيه السيدات بالطبع هذه الحادثة إما خجلاً وإما لأنها لاتريد أن تتذكرها من أصله، ومن أبحاث النوادى لأبحاث كليات الطب ونبدأ بنفس الأستاذ والذى أعتقد أنه قد جعل من الختان هماً شخصياً له مماأدى به إلى مراجعة نتائجه مرات ومرات كى يصل إلى الرصد الصحيح، والبحث المنشور فى جريدة المصور عدد 7 أكتوبر عام 1994 قد أجرى على المترددات على العيادة الخارجية لطب عين شمس فى أغسطس 1994 وبلغ عددهن 800 طفلة من سن 6 إلى 14 سنة وروعى فيها بقدر الإمكان تفاوت المستوى التعليمى والإجتماعى للعينات، وأن يكون بينهن نسبة 10% من الأقباط، وأثبتت الدراسة أن 81% مختونات، وكانت نسبة الفتيات المختنات فى الأسر الفقيرة تصل إلى 88% وفى الأسر متوسطة الدخل 71% وفى الأسر الغنية 15%، وعن علاقة الختان بمستوى تعليم الأبوين تبين أن أمية الأب والأم ترفع نسبة الختان فى الأسرة إلى 96%، وتتضاءل النسبة عند الأبوين الحاصلين على تعليم أساسى لتكون 80% حتى تصل إلى 10% عند أصحاب التعليم العالى، وعندما خلط الباحث أو جمع بين المتغيرين وهما المستوى الإقتصادى والتعليمى كانت نسب الموافقة على إجراء العملية كالتالى:
 والدان فقيران أميان 99%
 فقراء +تعليم أساسى 96%
 فقراء+تعليم عالى 12%
 متوسطا دخل+أمى 88%
 متوسطا دخل+ تعليم أساسى 63%
 متوسطا دخل +تعليم عالى 5%
 ثراء+أمية 35%
 ثراء+ تعليم عالى صفر%
ونستخلص من هذه الدراسة حتى ولو إعترضنا على بعض النسب ومستوى العينة دلالة هامة جداً وهى أن التعليم والثقافة لهما دخل هام فى منع الختان بل وأهم من مسألة الفقر والثراء لنتأكد من أن طريقنا الوحيد للقضاء على مثل هذه العادات المتخلفة هو طريق نشر الثقافة والتعليم والإستنارة.
وقد أثبتت الدراسة السابقة أن نسبة 48% من عمليات الختان تجرى بواسطة الداية مقابل 46% بواسطة الأطباء و 6% بواسطة حلاقى الصحة، وهذا يؤكد على أن الأطباء أنفسهم مازالوا يشاركون فى هذه الجريمة وسنناقش ذلك بالتفصيل بعد الإنتهاء من إستعراض الإحصائيات المصرية المختلفة التى درست الختان.
[ فى نفس الكلية السابقة كلية طب عين شمس أجرى د.ماهر مهران أستاذ النساء والتوليد والوزير والمشرف الأسبق على مشروع تنظيم الأسرة فى عام 1979 فحصاً على 2000 سيدة من المترددات على عيادة أمراض النساء فى الكلية فى عمر الإنجاب فوجد أن 95% من السيدات قد أجريت لهن عملية الختان والتى يطلق عليها أكثر الجراحات حدوثاً فى مصر.
وفى دراسة ميدانية أخرى قامت بها وزارة الصحة فيمايشبه المسح الصحى على مدى عامين برئاسة د.فاطمة الزناتى الأستاذة بكلية السياسة والإقتصاد، وأهمية البحث تنبع من أنه تم على مدى عامين وشمل محافظات الجمهورية ولم يقتصر على مدينة واحدة أو عيادة خارجية محدودة فى كلية طب بعينها كالدراستين السابقتين، وقد بينت هذه الدراسة أن نسبة المختونات فى مصر تصل إلى 97% وتنقسم هذه النسبة إلى 99,5% فى الريف و94% فى المدن، وأن قرابة 82% من النساء مازلن يؤيدن ختان الإناث منهن 91% فى الريف مقابل 70% فى المدن، وقد بينت النتيجة أيضاً أن نسبة النساء غير المتعلمات التى تؤيد الختان هى 93% وهذه النسبة تنخفض إلى 57% بين النساء الحاصلات على شهادة الثانوية أو درجة أعلى، وكانت الأسباب التى ذكرت تأييداً لختان الإناث كمايلى:
58,3% عادة حسنة
30,8% مطلب دينى
36,1% النظافة
8,9% إمكانيات أكبر للزواج
3,8% لذة أكبر للرجل
9,1% تحافظ على البكارة
5,6% تحمى من الزنا
5,9% أسباب أخرى
وكانت الأسباب التى ذكرت ضد ختان الإناث كمايلى:
37,8% عادة سيئة
29,8% مخالفة للدين
45,8% تؤدى لتعقيدات طبية
27,3% تجربة ذاتية مؤلمة
12,1% ضد كرامة المرأة
19,6% تمنع اللذة الجنسية
5,9% أسباب أخرى
كما أثبتت الدراسة أن 74% من النساء تعتقد أن الرجال يفضلون المرأة المختونة، وأن 72% منهن تعتقد أن الختان جزء مهم من التقاليد الدينية، وأن 41% يعتقدن أن الختان يحمى من الوقوع فى الزنا.
[ ومن الدراسة الميدانية للموضوعات الصحفية التى وإن إفتقرت للأرقام الإحصائية إلا أن لها أهمية فى معرفة الأسباب التى تكمن وراء تمسك المجتمع المصرى بهذه العادة من خلال قراءة صحفية لآراء شريحة ما من المجتمع، وقد حاولت الصحفية بثينة البيلى هذه المحاولة من خلال تحقيقها الصحفى فى مجلة المصور 23/9/1994، وسنعرف من خلال الإجابات الفطرية البسيطة لسكان حى الإمام الشافعى فى القاهرة مبررات هذه العادة القبيحة.
عند سؤال الصحفية لإحدى السيدات عن مكان حلاق الصحة المتخصص فى الختان، سألتها السيدة عماإذا كان لديها بنت تريد طهارتها؟، وقالت لها هنا فى الإمام نجرى عمليات طهارة جماعية للبنات فى سوق الجمعة، وقالت السيدة: أنا مع طهارة البنت والدليل على ذلك أن الله يحب المتطهرين!!!!، ودافعت فى حدة بعد محاولات الصحفية أن تبين لها المعنى الحقيقى للمتطهرين قائلة:هو إحنا خواجات، طيب النسوان الأجانب سايبة، إحنا مسلمين، وأنا طاهرت بناتى الإتنين من أسبوع، والبنت لازم تتطاهر وهى كبيرة مش زى الولد، وأنا نفسى إتطاهرت عند الحلاق نفسه لأنه شاطر ونعرفه أباً عن جد بنطلبه وييجى لغاية البيت، ثم جذبت الصحفية من ملابسها بعنف بائعة بسيطة متجولة عندما إشتمت رائحة الهجوم على الختان من كلامها قائلة:إنتم مش عايزين البنات تتطاهر ليه؟، عندنا فى البلد الموضوع ده عيب كبير، ولو دخل العريس على مراته ولقاها مش متطاهرة يطلب الداية فوراً، الطهارة بتحمى عرض البنات، يعنى نسيبهم يمشوا على حل شعرهم!!!.
وبالطبع لايستطيع المجتمع أن يترك البنات على حل شعرهم كما يصرخ منطق السلخانة فيسارع بسحبهن من هذا الشعر السايب إلى حيث يؤدون فريضة قربان الختان!، وبهذه الكلمات البسيطة تلخص النسوة ببساطة منطق المجتمع فى تبنى الختان، فالختان هو واجب دينى لكى تصبح البنات من " المتطهرين"!، وحتى لانصبح مثل الخواجات وهو نفس المفهوم الذى إلتقطه سليمان فياض فى روايته أصوات وعرضنا له من قبل، وأيضاً لكى يرضى عنها الرجل ويتأكد من فحولته ومن شرفها المختوم بخاتم النسر، وأخيراً لحماية عرض البنات، ولاأعرف السبب الحقيقى حتى الآن فى أنه فى مصر لايوجد إلا عرض واحد للبنات ولايوجد عرض للرجل، وكأن الرجل طول فقط!....
معذرة على هذه السخرية فى موقف الجد لأن المسألة كلها تقع فى خانة الكوميديا السوداء التى تختلط فيها الدموع بالضحكات، ويختلط شجن وحزن البنت بحماس وإبتسامة الأهل الذين يتخيلون أنهم قد إرتاحوا وأراحوا أنفسهم من وسواس الشرف المؤرق البغيض الذى يطاردهم فى المنام فيستيقظون ليذبحوا إبنتهم فى اليقظة.

 

 

 قراءة سيكولوجية للختان
 [ختان البنات هذا الطقس الدموى الذى نحتفل فيه بذبح فتياتنا، غالباً مايغلفه الأهل فى ورقة سيلوفان رقيقة ملونة لتقديمه وتبريره لهذه الفتاة المذبوحة، هذه الورقة إما أن تكون على شكل فروض دينية أو ضرورات إجتماعية أو أعراف وعادات سلوكية، وعندما تبدأ البنت فى فك ورقة السيلوفان لتبتلع الحلوى المسمومة سرعان ماتكتشف حجم الخديعة التى صنعها الأهل، وعمق الفخ الذى أوقعوها فيه، وأن المسألة ماهى إلا مجرد عقد نفسية ومتاعب سيكولوجية يعانى منها المجتمع قبل الأهل، ويغرق فيها الأهل قبل البنت، ويمهد الطريق للبنت لكى ترث كل هذه العقد والمتاعب، يتم كل هذا بقلب بارد وحس متبلد، وكأننا فى شبكة مافيا غامضة لانعرف خيط بدايتها من طرف نهايتها.
[ سيناريو الختان ذكرنى بماتفعله مجموعة دينية مغربية تقوم بتجريح الرأس حتى تنزف وذلك إعتقاداً منها بأنه يخرج الجن والأرواح الشريرة، وهذه الجماعة تؤمن بوجود جنية شريرة تدعى " عائشة قنديشة " يمكنها أن تقتل كل من يعصى أوامرها فتأمر أتباعها بهذه المذبحة تعطشاً للدماء!، وعقدنا النفسية هى بمثابة عائشة قنديشة الخاصة بنا، و أولى عناصر هذا التفسير النفسى للختان هى أنه مظهر من مظاهر التسلط الإجتماعى من الذكور على النساء وأيضاً من النساء على النساء، وكما يبحث الرجل عن وسائل لتقويته الجنسية بداية من المأكولات البحرية حتى الفياجرا مروراً بجميع أنواع المنشطات، يبحث أيضاً وخاصة إذا كان فرق السن كبيراً عن تثبيط أو مايتخيله هو تثبيط للرغبة عند المرأة، وبالطبع أسهل وأنجح الوسائل هى الختان، ولذلك تقترح د.كاميليا عبد الفتاح أن من أهم عناصر مكافحة ختان الإناث هو مكافحة تعدد الزوجات ونظام الزواج بفرق كبير فى السن بين الرجال والنساء، تقول د.كاميليا عبد الفتاح " إن معنى الختان فى الطبقات الفقيرة يرتبط بإرضاء الرجل إلى جانب إرتباطه بالنظافة وعدم الهياج وبأنه سنة مرغوبة فى الطبقات الأعلى، فالبنت الصغيرة تخضع لهذه العملية بل وتستريح لها طالما أنها ترضى الناس وأنها المتطلب الرئيسى للرجل حيث تشيع فكرة أنه يفرح بذلك، وأن ختان البنت هو من ضمن المؤهلات التى لن تقبل كزوجة بدونه "، أما ماأدهشنى حقيقة هو نتيجة البحث القيم الذى كتبته د.سهام عبد السلام ود.آمال عبد الهادى تحت عنوان موقف الأطباء من ختان الإناث، وأهمية هذا البحث تأتى من أن عينة البحث تتكون من الأطباء فقط وهم أكثر الناس معرفة بأضرار الختان الطبية ولكن عند النزول إلى الواقع وسماع آرائهم نجد كم هى قوية الأعراف والتقاليد؟، ومايهمنى هنا هو رأى الأطباء الرجال وخاصة من ينظرون إلى المرأة منهم بنظرة دونية، وقد وجدت الباحثتان أنه هناك إرتباط إيجابى بين الموافقة على عمل المرأة وبين رفض الختان، فالإتجاه الغالب بين معارضى الختان يوافق على عمل المرأة بدون قيود أو شروط ووصلت نسبتهم إلى حوالى 61%، ونسبة الرافضين حوالى 11%، ونأتى إلى الفريق الآخر وهو مؤيدو الختان الذين منهم من يرفض عمل المرأة نهائياً ونسبتهم 31% أما الباقى فيقبل العمل المشروط بشروط كثيرة ومجحفة، ومؤيدو الختان يصفون عمل المرأة للباحثتين بأن له أثر سلبى على الأسرة وضياع لحقوق البيت وبأن الزوجة أساساً ست بيت وحرام عملها خارج البيت الذى هو مملكتها، وأنها تضيع فرصة الرجال فى العمل، وأيضاً المرأة غير كفء فى العمل، وعمل المرأة ضد الفضيلة ومخل بالآداب العامة ويثير شهوة الرجال، وتختتم الباحثتان تغطية هذه النقطة بقولهما " رفض الختان هو جزء من موقف عام يرى المرأة كائناً عاقلاً مساوياً للرجل فى الحقوق والواجبات والقدرة الإجتماعية، ويرى أن تقدم الوطن مرهون بإسهام كل مواطنيه رجالاً ونساء، بينما ترتبط الموافقة على الختان بنظرة دونية للمرأة تراها أقل كفاءة من الرجل، وأن مكانها المنزل لخدمة الزوج والأبناء، وخروجها خارج هذه الحدود يرتبط بالمشاكل الأسرية ويخلق فوضى جنسية ".
[ نستخلص مماسبق أن التسلط الذكورى موجود حتى فى الفئة المثقفة التى تعرف تماماً خطر هذه الجريمة على البنت وكيف تحرمها من البهجة والحياة الجنسية السليمة بل والحياة الإنسانية السليمة وتنتهك حقها الإنسانى البسيط، إن الأطباء الذكور يعرفون كل هذا بل هم متأكدون منه تمام التأكد وبالرغم من ذلك ولاأبالغ إذا قلت أنه من أجل ذلك يوافقون على الختان هذه العادة المتخلفة لأن موقفهم الإجتماعى أصلاً متخلف، وهذا يتطابق مع ماقاله أحد الرؤساء الأفارقة –توماس سنكارا- عن الختان " هناك محاولة للحط من المرأة بجعلها تحمل هذه العلامة التى تنقص من وضعها والتى تشعرها دائماً بأنها ليست إلا إمرأة ناقصة عن الرجل، لايحق لها حتى الإستفادة من جسدها وأن تفرح وتُفرح جسدها وكل كيانها، فلها حدود فرضها عليها الرجل، لذلك فالختان وسيلة لإذلالها "، ولابد أن نذكر فى هذا السياق مافعله الرئيس جومو كينياتا فى دعايته الإنتخابية من ترويج لعادة ختان البنات حتى يكسب الجولة!!، وحتى فى أمريكا سنة 1848 كما يذكر د.سامى الذيب كان هناك علاقة أو رابطة ما مابين إعلان حقوق المرأة فى الولايات المتحدة فى هذا العام وبين تأييد الرجال هناك لختان الإناث كرد فعل لإرجاع المرأة إلى دورها الذى إعتادوا عليه وبسبب خوف الرجال من أنوثة المرأة، فهم يرون أن المرأة كانت تميل إلى الرذيلة مما يتطلب علاجها ببتر أعضائها الجنسية، ومما يساهم فى تبرئة الرجال من تهمة الترويج للختان نتيجة التسلط الذكورى ماتطلق عليه د.سهام عبد السلام مؤامرة الصمت، تقول د.سهام عن هذه المؤامرة " تنشأ النساء على أن من العيب أن تعلن المرأة الامها لاسيما المرتبطة منها بالجنس، بذلك تنكر النساء هذه الآلام سواء التى مررن بها فور إجراء التشويه لهن أو التى يعانينها فى حياتهن الزوجية من جراء هذا التشويه، ويكررن ماجرى لهن فى بناتهن، علاوة على ذلك أدى سياج الصمت المضروب حول الحديث عن هذا الموضوع إلى إحجام السيدات والفتيات التى لم يجر لهن هذا التشويه الجنسى وأسرهن عن الحديث مع بقية أخواتهن بمايعرفنه معرفة اليقين من عدم ضرورة هذه العملية وأن العفة والنظافة لاترتبطان بها، وأن حياتهن تسير فى مجراها الطبيعى قبل الزواج وبعده مع تمتعهن بالسلامة الجسدية، بل بلغ الأمر حد جهل أصحاب الموقفين بوجود بعضهما البعض أصلاً، فمن تخلوا عن ممارسة التشويه الجنسى للإناث صاروا يعتقدون أن مصر كلها قد حذت حذوهم ولم يعد فيها من يمارس هذه العادات، ومن مازالوا يتمسكون به يعتقدون أن هذه هى طبائع الأمور، وأنه لاتوجد فى مصر كلها إمرأة لم تجر لها هذه العملية ".
[ تحدثنا من قبل ونحن نصف حفلة الختان عن الفرحة العارمة التى تنتاب الأمهات والنسوة الجالسات حول الفتاة الذبيحة، والمدهش أن من يحافظ على مسيرة الختان هن النساء!، فالجدات والأمهات هن اللاتى يقررن ويخططن لهذه العملية، والداية الأنثى هى التى تذبح وتضرب أول فرشاة دماء فى لوحة المهانة الأنثوية، والخالات والعمات والجارات والحبايب هن اللاتى يقمن بالتكتيف وعماية الأسر وكتم الأنفاس ولى الأيادى وشل الأرجل ووقف الصراخ وملاحظة العرق المفصود وكم الإزالة المضبوط...الخ، إنها مشاركة نسائية غير مسبوقة لتقديم تاء التأنيث كقربان، ولاأعرف على حد علمى المتواضع مثل هذه المشاركة النسوية فى صنع دونية لمن هى من بنات جنسها، وإذا كان الرجل هو المايسترو الإجتماعى فى عملية الختان فالمرأة هى الأوركسترا التنفيذى الذى يعزف لحن العذاب!.
[ شكل إنعزال المرأة عن المشاركة فى الحياة الإجتماعية نمطاً سلوكياً جعل الشرنقة الأنثوية تفرز خيوطاً من الأنانية والتسلط والعدوانية، فهى وإن غاب صوتها خارج البيت فقد ترك لها حسم بعض الأمور داخل البيت الذى ضحك عليها الرجل وقال أنه مملكتها كى يلهيها عن صنع مملكة خارج أسوار هذا البيت، ومن ضمن هذه الأمور كل مايتعلق بالعادات والتقاليد وأهمها ختان البنات وضرب سياج من التربص بتصرفات البنت ونصب الفخ تلو الفخ وكأننا فى رحلة صيد، وقد ترتب على منع خروج السيدات قديماً من المنزل ظهور طبقة من المترددات على المنزل ممن يقضين حاجاته وقد تميزن بطول اللسان والكلام المكشوف حتى مع الرجال وكأنهن يعوضن بتطرف كبت الأخريات وصمتهن، ومن أمثلة تلك المترددات الدلالة التى تبيع الملابس، والماشطة لعمل الحمام والحنة وغيرها من الأعمال داخل وخارج المنزل ومن ضمنها الترويج لبنات الأسرة وبيان صفاتهن الحميدة وأهمها أنهن مختونات طبقاً للمواصفات القياسية!!، وبالطبع الداية التى تقوم بعمليات الختان والتوليد، قام هذا "الجيتو " النسائى بغزل خيوط المؤامرة على مر التاريخ، والمساهمة فى ترسيخ الدونية الأنثوية ونشر الدفء المزعوم الناتج عن الإنتماء للجماعة، والخوف عند عدم تنفيذ الأمر من الطرد من جنة هذا الدفء الحاضن الآمن، ويورد د.سامى الذيب رأى إحدى الباحثات السيدة "هيكس " والذى يعبر عن المعنى السابق فهى تقول " أن النساء يساندن ختان الإناث لأنهن يحصلن من ورائه على التقدير والإحترام الإجتماعى ولقمة العيش، فمن دون ختان لازواج ولاإحترام، فهذه وسيلتهن لحماية أنفسهن وضمان دورهن فى المجتمع، والختان يخضع المرأة للنظام الإجتماعى المتضامن الذى من دونه لاحياة لهن، كما يعتبر ختان الإناث وسيلة لفقد الفردية ودخول جماعة النساء التى غايتها حماية عادات المجتمع الثقافية فيكرسن حياتهن للصالح العام "، أما د.سامية سليمان رزق فتقدم تفسيراً آخر لمشاركة المرأة فى ختان بنات جنسها وهو الرغبة فى الإنتقام من الزوج وتقول أنه يرجع إلى " معتقدات لدى البعض وبخاصة النساء من أن كبت الرغبة الجنسية لديهن من خلال الختان هو بمثابة سلاح فى أيديهن لمواجهة هذا الزوج وإذلاله، وهو أمر يوضح كيف أن النساء أنفسهن أصبحن مع الوقت يقمن بإعادة تشكيل القمع الذى يلحق بهن ويبررن حدوثه لصالحهن "!، إنه تفسير غريب ومدهش ولكنه من الممكن أن يكون حقيقى فهو نوع من الإنتقام اللئيم لتراث من القهر والقمع الرجالى ولكنه مخلوط ببعض السذاجة التى توارثتها الأنثى نتيجة العزلة الإجبارية عن الذوبان فى المجتمع، ففعلت كمايفعل جندى الأمن المركزى الغلبان للهروب من الجيش ببتر ساقه!.
[ وتفسير آخر تقدمه طبيبة سودانية من خلال بحث بعنوان السجينات ل lightfool-klien يقدم لنا مبررات تلك العدوانية الغريبة من إمرأة المفروض أنها تألمت ونزفت من تلك العملية وتكرر بغباء نفس التصرف، وتقول الطبيبة السودانية أنه ليس غباء ولكنه ثأر!، فالنساء هناك كماتخبرنا تلك الطبيبة ليس لهن دور فى المجتمع، فيقمن بصب كل سيطرتهن المكبوتة على الأبناء والبنات، فيجرين لبناتهن عملية الختان كما أجريت لهن أنفسهن، فكل إمرأة تألمت كثيراً لابد لها من الثأر، ولكن لايمكنها الثأر إلا من بناتها رغم محبتها لهن، وتشعر الجدة أنه إذا أبطلت العادة فإنها سوف تفقد كل مالها من سلطة، وتضيف هذه الطبيبة أن هذا الإصرار ليس لأن هؤلاء الجدات شريرات على العكس فقد يكن متدينات وطيبات، ولكن مشكلتهن أنهن يعتقدن أنه لايمكن الحفاظ على بكارة البنت إلا إذا اجرى لهن الختان والنوع الفرعونى منه بالذات، وتضيف أن النساء رغم الألم الذى عانينه يقمن بختان بناتهن إختياراً للطريق الأسهل وتهرباً من مقاومة المجتمع، إنه ليس حب التدمير من أجل التدمير ولكن لأنها لم تختزن فى عقلها الباطن إلا هذا السلوك تجاه المرأة، إنها تصرخ من خلال بناتها، إنها الجين النفسى الذى يحافظ على نقل تلك العادات السلوكية من جيل إلى آخر، وترى د.سهام أن المرأة لاتفعل ذلك إلا إرضاء لنزعة الرجل فهى بمثابة الوكيل المنفذ لإرادته، وهى تشير فى ذلك إلى قول إمرأة عجوز صرحت لها " يجب أن تختن البنات لأن الرجال فقراء، فهم يأكلون فراخ المزارع التى تربى بالهورمونات، ولذلك لايمكن للرجال أن يرضوا نساءهن غير المختونات "!!، فالسيدات اللاتى ينبشن من أجل الختان يتحركن تجاه هذه الجريمة بتنويم مغناطيسى من المفاهيم الجاهزة حول العلاقة بين الرجل والمرأة التى يغلفها التحدى لإثبات الرجولة والفحولة بمعناها الضيق الآلى البحت، الذى لاتظلله أية عاطفة أو حب، إنها علاقة باردة لوزادت عن المقدار المحدد لها -وبالطبع الذى يحدد هذا المقدار هو الرجل- لوزادت هلك الرجل ولابد من أحد حلين، الأول أن يبتعد الرجل وينزوى وهذا مستحيل ففيه جرح لكرامته ورجولته، والثانى هو أن يطمس ملامح الزوجة العاطفية والجنسية فتظل كالتليفون منقطع الحرارة جسماً معدنياً بارداً بلاإرسال أو إستقبال!.
[ يفسر البعض سيكلوجية الختان على أنه خليط مابين المازوكية أو الماسوشيزم والسادية أو الساديزم، والأولى هى نسبة إلى مازوش الذى كان يتلذذ بتعذيب نفسه وبتر أعضائه، والثانية منسوبة إلى الماركيز دى صاد الذى قضى 16 سنة فى السجن و11 سنة فى مستشفى الأمراض العقلية ويتصف هذا المرض بالرغبة فى تدمير وإيذاء الغير كما فعل الماركيز عندما كان يجلد ضحيته وأحياناً يسلخها!!، فهل يرضى مجتمعنا فى القرن الواحد والعشرين أن يوصف بالسادية أو المازوكية تجاه نفسه وتجاه بناته بالذات، إننا لانستطيع أن ندين الآخرين الذين يصفوننا بهذا الوصف قبل أن نعدل من سلوكياتنا تجاه العنف ضد المرأة.
[ إذا كنا قد حاولنا توصيف وتأصيل الجذور السيكولوجية للختان، فإن توصيف الآثار السيكولوجية المدمرة على البنت نتيجة الختان والتى تحدثنا عن جزء بسيط منها من قبل تحتاج إلى مجلدات ومجلدات، فكل حالة ختان هى حالة منفردة لها عقدها الخاصة ومشاكلها المتفردة وعندما نفتح خزانة الذكريات سنجد مايندى له الجبين خجلاً ومايشيب له الولدان فزعاً، وهذا ليس تلاعباً بالكلمات الفصحى المتقعرة البليغة ولكنها تعبير عن واقع مرير يصرخ بالرعب، ففضلاً عن الإنتهاك الجسدى والجنسى للأطفال الصغار، فهناك خدش البراءة وعمل FOCUS أو تثبيت وتقريب بعدسة العادات والتقاليد والأخلاق على "تابو " الجنس ففى هذا السن الصغير تبدأ البنت فى التفكير بأن هذه المنطقة هى منطقة القاذورات والدماء والعنف والمحظور، وممنوع عليها الإقتراب من هذا المكان البغيض الكريه، وتبدأ بالونة الفزع فى التضخم والإرتفاع حتى تنفجر فى وجه المجتمع وأحياناً فى وجه الضحية نفسها، وتبدأ البنت فى تعلم إخفاء إنفعالها الحقيقى المؤلم لإرضاء الأهل الذين يقنعونها بأن هذا الإجراء هو الصح، ويتطور هذا الإخفاء إلى إتقان التمثيل والكذب، فتمثل على الجميع بأنها طبيعية، وتمثل على زوجها بأنها مستمتعة، وتمثل على أهلها بأنها ممتنة، ويمتد حبل الكذب حتى يخنق أبسط المشاعر الإنسانية الجميلة التى خلقها الله فى قلوبنا للإستمتاع بالحياة، إننا بالختان نزرع الكذب والخوف والنفاق فى عقل وروح البنت لنشكل على هوانا مسخاً إنسانياً نمارس فيه عقدنا النفسية الناشبة أظفارها فى لحم حياتنا.
[ أما سكوت المجتمع على هذه المذبحة فكثيراً ماأتخيل أنه خرس ناتج عن مخدر عام إستنشقناه فقررنا "الطناش" واللامبالاة والصمت الرهيب إزاء هذه الجريمة النكراء، وبمناسبة المخدرات فالكثير من الباحثين يرجع سبب هدية الحشيش الروتينية التى تمنح للعريس والتى هى جزء من محبة الجيران والأقارب للقادم على الحياة الجديدة، يرجعها هؤلاء إلى الختان حتى يتخيل العريس أن لقاءه دهر وساعات طوال، وحتى يتوه عن الحقيقة بأن لقاءه فى الحقيقة لقاء بدون إحساس، بارد برودة الفريزر، يفتقد إلى الحياة والدفء والنبض، ويوجد باحثون ومفكرون كثيرون أدانوا الختان كسبب من ضمن أسباب إنتشار المخدرات، فيقول المفكر أحمد أمين فى قاموس العادات والتقاليد عن الختان " فى هذه الأيام من حياتى، أعنى فى سنة 1950 ومابعدها، نادى بعض الناس بقصر الختان على الذكور دون الإناث، وحجتهم فى ذلك أن ختان البنات قد سبب إنتشار عادة تعاطى الحشيش والمنزول والأفيون ونحو ذلك، وذلك بسبب أن البنت إذا أختتنت ثم كبرت فختانها يقلل من لذتها الجنسية، فيضطر الرجل إلى إستعمال المخدرات التى ذكرناها، فنادوا بعدم ختانها حتى لايضطر الرجل إلى مثل هذه المخدرات "، ويورد د.سامى الذيب آراء أخرى فى هذه المسألة على موقعه فى الإنترنت منها رأى د.محمد سعيد الحديدى الذى يقول " إن المخدرات والمغيبات بكافة أنواعها قد إنتشرت فى بلادنا إنتشاراً مخيفاً قد تعدى كل الإحصائيات فى أى بلد آخر رغم العقوبات الشديدة والقوانين الصارمة التى يؤخذ بها كل من تجرأ وتعاطى هذه المخدرات، ماالسر فى هذا ياحضرات السادة، لو إهتدينا إلى هذا السر لوفرنا على أنفسنا وعلى أمتنا المال الكثير الذى يبذل لمكافحة هذه الأشياء ولجنينا فوائد أعظم، فكم من أشخاص زجوا فى السجون وكم ضحوا بأموالهم وعقولهم وأسرهم لتعاطى هذه السموم، مالسر فى ذلك إذاً؟، إنى أسلم معكم بأن كثيراً ممن يتعاطون هذه المواد المخدرة يتعاطونها لنقص فى إدراكهم وتكوينهم العقلى، ولكن مارأيكم فيمن يتعاطون هذه المواد من أناس يشهد لهم نجاحهم فى حياتهم العملية والعلمية والأدبية والمادية بقسط أوفر من رجحان العقل بل النبوغ؟، الجواب بسيط، وهو الرغبة فى تخدير الحساسية لدى هؤلاء الرجال ليحصل التكافؤ بينهم وبين من يلامسون من نساء مختتنات "، ويقول د.رشدى عمار أيضاً " فى 62 حالة كان الأزواج يتعاطون المخدرات أو المشروبات الكحولية للمساعدة على الإتصال الجنسى ورغبة فى إشباع الزوجات والأزواج، وبسؤالهن عن النتائج كانت الإجابة أنه أفاد فى بعض الحالات وأنه يأتى بنتيجة عكسية فى حالات أخرى، ونحن جميعاً نعلم أن من أسباب إدمان بعض الرجال على المخدرات أو المشروبات الكحولية هو الرغبة فى إطالة اللقاء الجنسى نظراً لزيادة نسبة البرود كنتيجة للطهارة ".
[ إنه كابوس أسود، أو بلغة ومصطلحات الطب النفسى إن الختان وسواس قهرى متسلط، وضلالات مسيطرة علينا توحى بأن البنت عار، وبأننا مطاردون من العالم المتحضر الذى يريد أن يطمس ثقافتنا والتى نتخيل أن من سماتها الأساسية الختان، أليست ثقافة الشعوب فى حاجة إلى غربلة وإعادة فرز من آن لآخر لطرد كل ماهو ضار ودخيل فى هذه الثقافة؟، أعتقد انه قد آن الأوان لعمل هذه الغربلة وتنفيذ هذا الفرز حتى تصبح ألف باء ثقافتنا هى حقوق الإنسان وأولها حقه فى جسد غير منتهك.

 

 الختان....قراءة قانونية
 الختان ممنوع سواء بيد الداية أو بمشرط الجراح
 يجب تجريم الطبيب الذى يجرى الختان
 الطبيب الذى يجرى الختان مجرم فى نظر القانون

[ أسرع قاتل لقوانيننا هو مبدأ "الفصال" أو الحلول الوسط أو الرغبة فى إرضاء جميع الأطراف، وأول ضحية لهذا المبدأ هو القوانين التى لها علاقة بالعادات والتقاليد والأعراف الإجتماعية ومن ضمنها القوانين المتعلقة بختان البنات، فنحن دائماً عندما نتحدث عن سن قانون للختان نقول فى حواشيه أنه مسموح للأطباء فقط بأن يجروا عملية الختان، وكأننا نتحدث عن حق الأطباء فى الفيزيته وليس عن حق البنات فى جسد لاينتهك الختان ممنوع بواسطة الدايات وحلاقين الصحة والأطباء أيضاً، إننا نتحدث عن مبدأ وعندما نتحدث عن المبادئ لابد ألانساوم أو نستثنى أو نفاصل أو ننافق.
[ أعترف بأننا لانستطيع منع الختان بمجرد نصوص قانونية، فهذه العادة البربرية لابد أن تستأصل بمزيد من التثقيف والتنوير والوعى وليس بمزيد من القوانين والأحكام والتوصيات، ولكننا لانستطيع أن نغفل أن القوانين مهمة لضبط المسألة، وأن يد القانون تصبح غليظة عندما يريد لها المجتمع أن تكون غليظة، وتصبح متخاذلة عندما يريد لها المجتمع العكس، وسنحاول إستعراض المسيرة القانونية الدولية والمصرية ضد ختان البنات حتى نفهم مدى التقدم فى النضال ضد هذه العادة البغيضة.
[ كان أول نقاش عالمى لهذه القضية فى عصبة الأمم عام 1931 فى مؤتمرها بجنيف عندما ناقش وضع الأطفال الأفارقة، وتطرق الموضوع إلى ختان الإناث فى إحدى القبائل الكينية، ولكن المؤتمر رفض الخروج بتوصيات الدول الأوروبية التى حاولت تجريم هذا الفعل، وبعدها فى 1958 رفضت منظمة الصحة العالمية تنفيذ الدراسة التى طلبتها الأمم المتحدة لوضع حد لممارسات الختان بدعوى أنها لاتملك صلاحية دراسة مثل تلك الأمور الثقافية!، وظلت طلبات النساء الأفريقيات للمنظمة الدولية بتبنى منع الختان خاصة بعد مؤتمر الأمم المتحدة فى أديس بابا حول مشاركة النساء فى الحياة العامة، حتى تحقق الحلم وأدين الختان فى 1964 فى مؤتمر توجو، ثم صدر أول رد فعل من منظمة الصحة العالمية حول الآثار الصحية الضارة للختان فى 30 سبتمبر 1976 والذى أدان الختان الفرعونى فقط، ثم أتت نقطة التحول فى 1979 حين عقدت المنظمة مؤتمراً فى الخرطوم لمناقشة الظاهرة بشكل أكثر حسماً ومنهجية، ومنذ ذلك اليوم ولاتكاد تمر سنة إلا وتصدر المنظمة إدانة وتجريم فى صورة تقارير أو دراسات أو مناشدات، وكان أهمها الدراسة التى أصدرتها منظمة الصحة العالمية 1998 وكتبتها د.ناهد طوبيا وسوزان عزت والتى سنعود إليها كثيراً فى هذا الشق من الدراسة حول الرؤية القانونية للختان، ويمكن إختصار موقف الأمم المتحدة من الختان فى النقاط التالية:
*إدانة ختان الإناث بجميع أنواعه وإعتباره مخالفاً للحق فى سلامة الجسد والصحة الجسدية والنفسية، وصورة من صور التمييز والعنف ضد النساء.
* رفض إجراء هذه العملية فى الأوساط الطبية.
* المطالبة بوضع قوانين لمنع ختان الإناث ومعاقبة من يمارسه حتى الأطباء.
[ وإذا كان الختان مجرماً طبقاً للقوانين السابقة، فهو مجرم أيضاً طبقاً لحقوق الإنسان فهو تعدى سافر على الجسم وإهدار للحق فى سلامة الحياة والجسد وهما من أهم حقوق الإنسان، فالوثيقة العالمية لحقوق الإنسان تقول فى المادة 3: لكل فرد الحق فى الحياة والحرية وفى الأمان على شخصه، وفى إتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل المادة 24: الإعتراف بحق الطفل فى التمتع بأعلى مستوى صحى، وتتخذ الدول الأطراف جميع التدابير الفعالة بغية إلغاء الممارسات التقليدية التى تضر بصحة الأطفال، وفى الفقرة الخامسة من القانون الدولى للأخلاق الطبية " يجب حماية كل طفل من علاج أو كشف طبى غير ضرورى "، ومن الحق فى حماية الجسد إلى الحق فى عدم التعذيب، والختان لاشك نوع من التعذيب، والحق فى العرض الذى نقسم نحن الأطباء فى البند الثالث ونقول بإزائه " أن أحفظ للناس كرامتهم، وأستر عورتهم "، والختان هو منتهى إهدار الكرامة وفضح العورة وإنتهاكها.
[ من الأمم المتحدة ومنظمة الصحة والهيئات غير الحكومية إلى مصر حيث ينطبق المثل السائد " اللى إيده فى الميه مش زى اللى إيده فى النار "، فنحن فى مصر أيدينا وأرواحنا فى أتون النار التى تحرق كيان البنات ولذلك كان لابد أن نلجأ للقوانين كى نطفئ لهيبها المستعر.
صدر أول نص قانونى حول ختان الإناث سنة 1959 تحت مسمى القرار الوزارى رقم 74، وقد وضعته لجنة من الأطباء ورجال الدين من بينهم المفتى حسن مأمون والشيخ حسنين مخلوف، وقد جاء فى المادة الثانية أن تلك اللجنة قررت مايلى:
• أن يحرم بتاتاً على غير الأطباء القيام بعملية الختان وأن يكون الختان جزئياً لاكلياً لمن أراد.
• منع عملية الختان بوحدات وزارة الصحة لأسباب صحية وإجتماعية ونفسية.
• غير مصرح للدايات المرخصات القيام بأى عمليات جراحية ومنها ختان الإناث.
• الختان بالطريقة التى يجرى بها الآن (1959) له ضرر صحى ونفسى على الإناث سواء قبل الزواج أو بعده، ونظراً لأن الفقهاء إستناداً إلى بعض الأحاديث الصحيحة قد إختلفوا فى أن خفاض الإناث واجب أو سنة ومنهم من ذهب إلى أنه مكرمة إلا أنهم قد إتفقوا جميعاً على أن شعائر الإسلام والشريعة تنهى عن الإستئصال الكلى.
وعندى تعليق شخصى بسيط على ماسبق وهو أن اللجنة برغم إستنارتها إلا أنها كانت تعانى من الجبن ونفاق المجتمع ومسك العصا من المنتصف ومحاولة حل المعضلة بأسلوب عقيم وهو " نشيل حتة بس علشان مانزعلش حد "!!، ولم يناقشوا الأمر على أنه إنتهاك حتى ولو ملليمتر واحد، فالمسألة ليست مسألة مقاييس ولكنها مسألة مبادئ لايمكن المقايضة عليها وأى مواربة لنافذة المساومة سيفتح الطريق والمنافذ لإجتياح هواء الأفكار المتخلفة التى لاتلبث أن تتحول إلى رياح عاتية.
[ كان يوم 7 سبتمبر 1994 يوماً فاصلاً فى تاريخ مناقشة الختان، فقد عرضت السى إن إن فيلماً يصور ختان طفلة تدعى نجلاء على يد حلاق صحة فى مدينة القاهرة، وكانت الظروف حينذاك قابلة للإشتعال فقد كان مؤتمر السكان العالمى مجتمعاً، ووزير الصحة كان قد أدلى بتصريح من عينة كله تمام والأمور مستتبة وأن الختان نادر فى مصر، وجاء هذا الفيلم ليفضح الجميع ويؤكد على أن هذه الهمجية مازال لها أنصار ومؤيدون، ولأن الفضيحة عالمية كان لابد أن تنعقد اللجان وتنبثق كعادتنا فى مواجهة الأمور بعد إستفحالها، وضمت اللجنة 22 عضواً منهم الوزير على عبد الفتاح والشيخ سيد طنطاوى مفتى الجمهورية حينذاك، وصدر البيان بعدها بشهر ويومين فى 9 أكتوبر وكان أول بند فيه ينص على أن ختان الإناث عادة قديمة ومتوارثة ولايوجد نص فى القرآن الكريم أو الحديث بشأنها، وأن حديث ختان الإناث روى من أوجه كثيرة كلها ضعيفة ومعلولة ومخدوشة لايصح الإحتجاج بها، وأن هذه المسألة مردها إلى الأطباء، ولكن تعليمات وزير الصحة كان فيها نوع من التراخى والإعتراف المستتر والكسوف من الإدانة الكاملة والتجريم الحاسم، ففى التعليمات التى أرسلها الوزير فى 19 أكتوبر 1994 تظهر ميوعة التعامل مع الختان فى عبارات مثل "منع إجراء عمليات الختان فى غير الأماكن المجهزة لذلك" وكأنه توجد أماكن مكيفة مجهزة للختان وأخرى غير مجهزة، كيف ونحن نتكلم عن منع الختان نقول فى نفس الوقت وبعد سطر واحد أن هناك أماكن مجهزة لذلك، إنه تناقض لفظى يعبر عن التناقض العقلى الذى يعشش فى أذهان حتى القيادات التى تتصدى لهذه المسألة من أطباء وشخصيات عامة، وفى عبارة أخرى تقول التعليمات "يقوم كل مستشفى تعليمى أو مركزى بتحديد يومين أسبوعياً لإجراء عملية ختان الذكور ويوم آخر لإستقبال الأسر الراغبة فى ختان الإناث وأوصت التعليمات بالتحاور مع الأسرة ولكن إذا أصرت فلامناص من الختان!!، وكأن من يأتى إلى المستشفى ويقول أنا عايز أنتحر أو أبتر ساقى نشكل له لجنة إستماع وإقناع وإن لم يوافق فأمرنا لله نسمع كلامه وننفذ ونقول آمين!، إن هذا التراجع واللاحسم فى مواجهة مثل تلك المشاكل هى التى تسمح لكل من هب ودب بزرع التوجس فى عقل ووجدان المجتمع بأن هؤلاء الموظفين يقفون أمام الشرع وبهزة بسيطة من الممكن أن يتنازلوا عن تصلب رأيهم فى مسألة الختان.
[ ولم تكن نقابة الأطباء أفضل من الوزارة فى هذه المسألة، فقد أصدرت بياناً فى 25 أكتوبر 1994 يبيح ختان الإناث ولكن بشروط، وقاتل الله كلمة لكن هذه التى تشبه كلمة لو فى أنها تفتح عمل الشيطان، فكلمة الإباحة فى حد ذاتها جريمة وموقف رجعى مهما ألصقنا بها من "اللاكنات "!، وكانت الشروط هى أن العملية بعد البلوغ وتكون جزئية لاكلية، وبموافقة البنت وولى الأمر وأن تراعى الأصول المهنية والفقهية!! (ملاحظة لوراعينا الأصول المهنية لن تنفذ العملية من أصله)، والمدهش ماطالبت به النقابة من عدم تجريم الختان بقانون، وإجراء المزيد من بحوث الختان، ولاحظوا أن هذا البيان كتبه أطباء يعرفون جيداً أن الختان قتل بحثاً وأضراره ظاهرة للأعمى!، وفى لهجة خطابية منبرية يقول بيان النقابة " إن الأمة المصرية تنتمى إلى الحضارة العربية والإسلامية والبعد الإنسانى، وهى ذات قيم ومبادئ ومثل وهوية خاصة مستقلة يجب أن تفخر بها وتدافع عنها وتبشر بها بين أمم العالم!!، والسؤال هل الختان أصبح من قيمنا ومبادئنا وهويتنا، وهل الحضارة تحتاج إلى التمسك بهذه القشور، والتمسح فى العار والإنتهاك والبربرية التى تحدث تحت إسم الإنتماء الثقافى والدينى.
[ والمدهش أنه بعد كل هذه الضجة والبيانات والتوصيات ظل ختان البنات يجرى بنفس الحماس وفى نفس المستشفيات مستفيداً بالطبع من كلمة "لكن "، وقد أوضح بيان المنظمات غير الحكومية الصادر فى مارس 1995 ذلك وفضح بعض الممارسات ومنها أن مدير إحدى المستشفيات بالغربية كان يحتكر إجراء العملية لنفسه، وأن الخناقات كانت بين الأطباء المستفيدين من تخصصات الأطفال والجراحة والنساء!، وبعد تغيير وزير الصحة فى 1996 فوجئ بفضيحة أعنف وإن لم تكن على الهواء مباشرة فقد ماتت طفلتان أحدهما على يد طبيب، وهنا ظهر أن الأطباء غير معصومين من الخطأ، وأن المصيبة فى الممارسة نفسها وليست فى من يمارسها، ولذلك أصدر د.إسماعيل سلام قراره بتاريخ 8/7/1996 بأنه " يحظر إجراء عمليات الختان للإناث سواء بالمستشفيات أو العيادات العامة أو الخاصة، ولايسمح بإجرائها إلا فى الحالات المرضية فقط والتى يقرها رئيس قسم أمراض النساء والولادة وبناء على إقتراح الطبيب المعالج "، وبرغم الإستثناء فى هذا القرار إلا أنه كان خطوة إلى الأمام، ولكن قوى التزمت ومن ضمنها طبيب رفعت قضية على الوزير بأن ذلك ليس من حقه وضد الشريعة، وحكمت لهم المحكمة، ثم فى الإستئناف خسر المتزمتون الجولة الأولى ولكنهم لم يهدأوا حتى هذه اللحظة فالقضايا مازالت المحاكم تتداولها وكأن هؤلاء المتزمتين قد جعلوا من هذه الجلدة قضية حياتهم لن تمر إلا على جثثهم!، وهنا تحضرنى ملاحظة لها دلالة، فالبرلمان المصرى عند مناقشة قانون الطفل 1996 رأى أن المادة 240 من قانون العقوبات تنطبق على عملية تشويه أعضاء الإناث وتكفى لتحريمها، ولاأعرف لماذا هذا الخوف على النص على تجريم الختان فى قانون منفصل واضح وصريح وحاسم؟، هل هو مغازلة المشاعر والعواطف على حساب حقوق الإنسان البديهية؟!، لاأعرف والإجابة ليست عندى بالتأكيد.
[ من أهم الدراسات المصرية التى تناولت ختان البنات من زاوية المسئولية الجنائية والمدنية دراسة المستشار صلاح محمود عويس والذى كان يشغل منصب نائب رئيس محكمة النقض، والذى يقول " إن الجهاز التناسلى للأنثى فى شكله الطبيعى لايعتبر مرضاً، ولايعتبر سبباً مباشراً لإصابتها بمرض معين، ولايعد سبباً مباشراً لإحساسها بالآم مبرحة أو بسيطة، ومؤدى ذلك أن المساس بهذا الجهاز الفطرى لايعتبر علاجاً لمرض، أو كشفاً عن داء، أو تخفيفاً لألم، أو إزالة لألم قائم، فإن هذا الفعل يعتبر خارجاً عن نطاق دائرة التطبيب التى يقوم عليها حق الطبيب فى علاج المرضى، ويعتبر الطبيب لذلك مرتكباً جريمة جرح عمدية يعاقب عليها بالمادة 241 أو المادة 242 من قانون العقوبات، وتتحقق بذلك المسئولية الجنائية والمدنية للطبيب الذى أعتبر فاعلاً أصلياً لأنه هو الذى إرتكب الفعل المادى للجريمة وتتحقق كذلك مسئولية الولى أو الوصى بإعتباره شريكاً للطبيب "، ويؤكد د.محمد فياض على نفس المعنى قائلاً " إن للطب أخلاقاً أبرزها عدم إجراء عملية طبية إلا إذا كانت لها فائدة صحية وخالية من الضرر الجسمانى، وبالمنطق نفسه فإذا ثبت أن أية عملية ليست لها فائدة طبية أو تؤدى إلى مخاطر، فإن من الأخلاقيات عدم إجرائها بل وهذا ماأصر عليه تجريم الطبيب الذى يجريها، ورأيى أن الطبيب الذى يوافق على إجراء عملية ختان الإناث يتساوى مع الذى يوافق على عمليات الإجهاض المفتعل، وأن تجريم الثانى يستوجب تجريم الأول ".
ويرد مؤيدو الختان على هؤلاء بأن الختان لايستحق عقوبة قانونية لأنه من باب التأديب الذى يمارسه ولى الأمر على البنت، ويرفض المستشار صلاح عويس هذا المنطق بقوله " إن ولاية الولى تتحدد فى أموال له، فهو يتصرف فيها طبقاً لضوابط معينة، أما بالنسبة لنفس الصغير أو الصغيرة فإن ولايته هى حقه فى التأديب والتعليم، وحق التأديب طبقاً للشريعة الإسلامية ينحصر فى توجيهه إلى السلوك القويم والعادات الحسنة، والترغيب بالضرب غير المبرح للعادات السيئة، فهل من المنطق والعقل يعتبر حرمان الصغيرة من جزء من عضو فطرى خلقه الله بجسدها من باب التأديب والتهذيب!!...." ودعم المستشار تساؤله بكيف نطلق عليه تأديباً وأكثر النساء اللاتى يمتهن الدعارة مختنات، وأيضاً يرفض المستشار إطلاق صفة التجميل على ختان البنات فيقول " عمليات التجميل التى أصبحت ضمن الجراحات الطبية يقصد بها إصلاح العضو أو تقويمه أو إزالة زائد فيه، أو بمعنى آخر محاولة إعطاء عضو من أعضاء الجسم أو جزء منه الشكل الطبيعى الفطرى، وهذه هى الغاية من عملية التجميل، فهل يتفق ذلك مع عملية الختان، وهى فى كل صورها تعتبر تغييراً للشكل الطبيعى للعضو التناسلى للأنثى حسب فطرته التى خلقه الله عليها، بالطبع لا، ومن ثم فلاتكون هذه العملية بمثابة تجميل بل هى فى حقيقتها إنتهاك لجسد الأنثى "، وقد كتب المحامى الشهير أحمد شنن فى جريدة الأخبار مقالاً أشار فيه إلى دور وحق النيابة العامة فى تقديم مرتكب هذا الفعل للمحاكمة وإعتبار جريمة الختان جريمة تلبس والتى تتيح لمأمورى الضبط القضائى القبض على الفاعلين والشركاء وتقديمهم للنيابة العامة.
[ إن القانون وحده لايستطيع بجرة قلم أن يلغى عادة إجتماعية راسخة ومتجذرة كالختان، إنه يحتاج إلى جانبه الإستنارة فى التفكير، والحسم فى التنفيذ، والإقتناع بأن هذه العادة الوحشية لاعلاقة لها بالشرف ولابالعفة، والتأكد من أن المرأة ليست عدواً ولكنها شريكة حياة ورفيقة درب.

 


 الختان...قراءة طبية
 الختان بين الفوائد الوهمية والأضرار الصحية
 الختان قاتل العلاقة الزوجية

[ الحجج التى يسوقها مؤيدو الختان هى مجرد أوهام تعشش فى عقولهم، يسبغون عليها صفة العلم ويغلفونها بورق زينة ملون من المصطلحات الأكاديمية التى يحسبون أنها الممر الآمن لعبور وترويج أكاذيبهم وخيالاتهم وتهاويمهم، ومازال مغول الفكر الرجعى وتتار القرون الوسطى يصرون على سيادة الشكليات بإسم الحفاظ على الشرف، وترهيب نصف المجتمع بإسم كبح جماح الشهوة، ولايعرفون أن الشرف سلوك لاتضبطه الداية أو حلاق الصحة، وأن الشهوة الجامحة لن يلجمها بتر عضو أو نزف دم، وأن المجتمع الواثق من نفسه لايزرع ألغاماً فى أجساد بناته بدعوى أنه يحافظ عليهن من الإنحراف، فالإنفجار عندما يحدث سيحرق الجميع وأولهم المجتمع نفسه.
[ مايدعيه مروجو فكرة الختان يذكرنى بإحدى الإعلانات الطريفة عن حزام العفة التى ذكرت فى كتاب THE GIRDLE of chastity"" تأليف Dingwall وهو من مؤلفات القرن التاسع عشر يقول الإعلان " لاإغتصاب بعد الآن، آلة تحفظ إخلاص النساء، مع درع وقفل ومفتاح بسيط 120 فرنك، مع درع وقفل ومفتاح مشغول بفن 180 فرنك، مع درع وقفل ومفتاح من الفضة صناعة متقنة جداً 320 فرنك..ترسل بناء على حوالة بريدية للسيد فلان، والإختراع الكل يعرف فائدته، فبفضله يمكن التأمين على الشابات من المصائب التى تسبب لهن الخزى، وبفضله يمكن للزوج أن يترك زوجته دون خوف من تدنيس شرفه، وهكذا لاعار بعد الآن، فبفضله سيتأكد الآباء بأنهم الآباء الشرعيين، إنه أكبر خدمة للأخلاق "!!!.
أعتقد أن مايقوله مؤيدو الختان هذه الأيام لايختلف كثيراً عما قاله الإعلان السابق، فنفس الأفكار المتخلفة التى يتبناها إعلان القرن التاسع عشر عن الأخلاق وكيفية الحفاظ عليها هى نفس الأفكار التى ينطلق منها مؤيدو الختان، وأعتقد أنه لو قدر لمؤيدى الختان عمل إعلان فى الجرائد أو التليفزيون لن يختلف عن هذه الصيغة السابقة بل سيكون أكثر كوميدية وأقترح الصيغة التالية " بضربة مشرط وكبسة بن ستحافظ على أخلاق إبنتك مدى الحياة، شيل الجلدة ونام مستريح البال أيها الأب المسكين "!!، معذرة على هذه الكوميديا فى موقف لايتحمل إلا البكاء، ولكننا أحياناً نحتاج إلى الكوميديا السوداء لكى نعبر عن العبث الذى يخاصم العقل ولايفسره إلا عبث مثله.
[ أولى المفاهيم المغلوطة التى تحكم نظرة المجتمع وتجعله يقبل ختان البنات، هو مايروجه البعض من كلام مرسل عن أن الأعضاء المبتورة بالختان تزيد من شهوة المرأة، كما يقول عبد السلام السكرى " إنه يحد من غلواء شهوة المرأة حتى لاتقع فى المحظور "، وهو نفس الإعتقاد الشعبى الذى تعبر عنه الشابة آمال التى تقول فى تحقيق مجلة صباح الخير 3/11/1994 " حينما وضعونى على الماجور كنت أستعطف أمى قائلة:يامه حرام عليكى تعملى فى كده؟، أهون عليكى يامه؟، فقد كنت كبيرة 11 سنة، وأعى الأحداث التى حولى، كما كنت قد رأيت بنات كثيرة أجريت لهن هذه العملية ومدى الألم الذى تعرضن له، كانت أمى كما أتذكر تبكى معى وهى تخلعنى ملابسى قائلة "علشان تكبرى وتفورى وتتخنى "، ولاأنسى نظرات عم إسماعيل الحلاق فى جسدى كله وهو يعد الموسى ويسألهم "أكلتوها اللحمة وشربتوها اللبن ولالسه؟، حينما لمسنى صعب عليا جسمى الذى أخفيه عن أبى وأمى وأخوتى، بعدها وضع لى شوية بن وقطن ونصحنى ألا أتحرك من سريرى عشرة أيام، كل هذا كوم وعذاب أول مرة أدخل الحمام كوم تانى، بل كثيراً ماأشعر به للآن!"، وتتفق آمال مع أم سعيد الفلاحة المصرية التى ذكرها طبيب النساء مصطفى بدوى فى كتابه عن الختان حين قالت إن الرجال يحبون الزوجة التى لايسهل إثارتها لأن هذا معناه أنه يمكن الوثوق بها "، وإذا قيل هذا الكلام من فلاحة بسيطة فهو مقبول ولكن أن يقال من طبيب كبير فهذا هو المستغرب والمثير للدهشة فالدكتور حامد الغوابى يردد للأسف نفس منطق أم سعيد فهو يقول " إن الرجل دائماً أكبر من زوجته فى السن، وقد يكون الفارق بينهما عشر سنين أو خمس عشرة أو عشرين سنة أو أكثر كمانرى فى بلادنا، فمابال هذا الرجل إذا بلغ سن الخمسين أو أكثر، وقد فتر نشاطه وضعفت حيويته، وكانت زوجته لاتزال فى سن الثلاثين أو أقل بأعضائها السليمة الحساسة، كيف لمثل هذا الرجل أن يحتفظ بصحته وهو يجد أمامه زوجة لاتزال فى عنفوان الشباب، قوية الإحساس، وهو قد فتر إحساسه، شديدة الميل وهو قد قل ميله، فماذا تكون النتيجة؟، هنا يضطر الرجل إلى تناول المكيفات كالحشيش، ولكن فى الحالة الأولى التى تختتن فيها المرأة نصف إختتان يكون إحساسها معقولاً، والزوج والزوجة فى حالة متساوية "!!!.
بالطبع كنت أريد أن أضع مليون علامة تعجب بعد هذا الكلام، وأتساءل هل هذا منطق؟، وألا تلاحظون معى أن الكلام كله والتركيز على الرجل وكيف يكون سعيداً وغير مرهق ومطمئن على فحولته؟!، وأن مشاعر وعواطف المرأة هى فى آخر القائمة إن لم تشطب منها أصلاً!، وهل حل مثل هذه المشكلة التى يتحدث عنها الدكتور الغوابى تكون بالبتر أم بتحجيم ظاهرة فارق السن الرهيب بين الزوج والزوجة أم أن كاهل الزوجة هو الذى لابد أن يتحمل كل شئ؟!، وهل يرضى الزوج أن يحل هذه المشكلة بإخصائه؟!، ولنفرض أن هناك فرقاً فى السن فلابد أن نفهم أن الجنس ليس محصوراً فى المفهوم الميكانيكى الضيق وأن له أبعاداً إنسانية وحسية أعمق وأشمل من هذا السباق الذى يتصوره هؤلاء المؤيدون مابين فحولة الرجل وشهوانية المرأة التى يتخيلونها أفعى بفحيح لاينقطع، وهذا للأسف خيال مريض يتصور المرأة دائماً كفتاة من فتيات البورنو!.
[ لايحاول مؤيدو الختان فهم الحقيقة الطبية التى تقول أن المخ هو العضو الجنسى رقم واحد فى الإنسان، وأن الأعضاء التناسلية ماهى إلا منفذ لأوامر هذا المايسترو، فالمخ هو مصدر الرغبة الجنسية ومحرك الشهوة، ولذلك فإزالة البظر وبتره لايلغى الرغبة الجنسية ولايكبح الشهوة كما تتخيل جمعية محبى الختان، وأننا لو أردنا أن نفرمل هذه الرغبات والشهوات ماعلينا إلا تنفيذ أمر طبى واضح وصريح وهو بتر المخ مصدر هذه الشرور والآثام!!، والحقيقة أن كل ماتخرج به البنت الغلبانة هى أن الختان لايقتل عندها الرغبة بل يقتل عندها الإشباع، بمعنى آخر يعاملها المجتمع كما يتعامل مع حيوان يجوعه ويحرمه من الطعام وعندما يضع أمامه طعاماً يجعله يشمه فقط بأنفه حتى لايدخل جوفه!!، إنه التعذيب بعينه، والقهر فى أعلى صوره، والقمع كما يجب أن يكون فى سجون النازية والفاشيست.
[ رغم أن عكس المفهوم السابق هو الصحيح، وبرغم أن العلاقة الزوجية تتأثر فإن معظم الناس نتيجة للتغييب والتزييف العقلى والروحى يركبون موجة الدروشة ويستجيبون للدعوة القائلة أن الختان مفيد للعلاقة الزوجية، ويعارض د.ماهر مهران هذا المفهوم قائلاً "إن نسبة الضعف فى التجاوب فى التى أجريت لهن عملية الختان تصل إلى 54%، ويرجع هذا إلى إستئصال المناطق الحساسة اللازمة للتفاعل الجنسى، ومما لاشك فيه أن عدم تجاوب المرأة فى اللقاء الجنسى يؤدى إلى مشاكل عديدة أولها عدم تواصل التعاون الجنسى بين الزوج والزوجة، ممايؤدى إلى إحتقان مزمن فى الحوض والألم والإفرازات بجانب التوتر العصبى والنفسى، وقد أدى ذلك فى كثير من الحالات إلى مشاكل أسرية عنيفة قد تنتهى بالطلاق، كما أن ذلك سبب من الأسباب الهامة التى أدت إلى إنتشار المخدرات بين الأزواج متصورين أن فى ذلك حلاً للمشكلة "، ويضيف د.ماهر مهران قائلاً عن تأثيره على الزوج فيقول " لاشك أن المشاكل الجنسية والنفسية الناتجة عن طهارة الإناث تنعكس على الزوج، وقد وجد أن 10% من الأزواج يشكون من ضعف أو سرعة، كما أن 18% من الأزواج يستعملون المخدرات، كما أن 3% من الأزواج متزوجون من زوجة أخرى حلاً للمشاكل الجنسية والأسرية "، وتؤكد د.سهام عبد السلام على نفس المعانى قائلة " فى حالة الإحباط الجنسى المتكرر قد يحدث إكتئاب لدى بعض السيدات، أو قد يدفع ببعضهن للعصبية وإثارة النكد بلامبرر، وقد تنحرف من لم تحظ بتنشئة إجتماعية قويمة وتبحث عن أكثر من شريك لمحاولة الوصول إلى الإشباع الجنسى الذى ينقصها".
[ وهكذا تحدث الصدمة لدى المجتمع الذى يتخيل أنه يزرع الفضيلة فيجد أنه قد حصد الخيانة، ويخبرنا د.سامى الذيب عن هذا المعنى عندما كتب عن الدراسة التى أجرتها الطبيبة KOSO-SOMAS فى سيراليون والتى كانت نتيجتها "ضعف التجاوب الجنسى الذى يصل إلى حد فقدان الرغبة فى الحياة عندما ترى أن زوجها يتركها عاطفياً ليذهب إلى أخرى لعدم تجاوبها معه جنسياً، وتشير هذه الطبيبة إلى أنها قامت بمقابلات مع 50 سيدة مارست الجنس قبل ختانها، وقد تبين أن لاأحد منهن قد وصلت بعد الختان إلى مستوى اللذة التى كانت تشعر بها قبل الختان، ولم تكن هؤلاء السيدات تعى أن سبب ذلك هو الختان، وقد حاولت بعضهن البحث عن الزوج المثالى متنقلة من رجل إلى آخر مماأدى إلى فقدان زوجها وخراب بيتها، ,هكذا بدلاً من أن يكون ختان الإناث وسيلة لمنع العلاقة الجنسية خارج الزواج، أدى ذلك الختان إلى نتيجة عكسية تماماً "، والغريب أن بعض أهل العلم الذين من المفترض أن يتحلوا بالمنهج العلمى فى التفكير، الغريب أنهم مازالوا يرددون نفس الكلام القديم الذى ردده بعض العرب قديماً نتيجة جهلهم حينذاك بعلوم التشريح والفسيولوجى، فنراهم كأنهم مرآة للجاحظ حين قال فى كتابه الحيوان " البظراء تجد من اللذة مالاتجده المختونة..، وزعم جناب بن الخشخاش القاضى أنه أحصى فى قرية واحدة النساء المختونات والمعبرات، فوجد أكثر العفائف مستوعبات (أى مختونات)، وأكثر الفواجر معبرات (أى غير مختونات)، وأن نساء الهند والوم وفارس إنما صار الزنى وطلب الرجال فيهن أعم لأن شهوتهن للرجال أكثر، ولذلك إتخذ الهند دوراً للزانيات، قالوا:وليس لذلك علة إلا وفرة البظر والغلفة "!!، وبالطبع لاتعليق على هذا الكلام إلا أنه كلام مرسل يغفر لصاحبه أنه قد كتبه منذ قرون عديدة حيث كان العلم مفتقداً للكثير من أدواته المنهجية، والرد على هذا الكلام بسيط جداً كما ذكرنا من قبل فالعفة التى يتحدث عنها الجاحظ لايخلقها الختان، والفحش والعهر والزنا وخلافه من السلوكيات الجامحة لاتنتشر فى مجتمع لأن نساءه غير مختونات بل لأن المجتمع يوجد به أعراض خلل متعددة منها الإقتصادى والإجتماعى والسياسى...الخ فتتجه النساء إلى ممارسة الدعارة إما للتكسب أو للإحتجاج أو لأن التلوث الأخلاقى صار شيئاً طبيعياً وغير مستهجن فى المجتمع وليس لأن فيه جلدة زائدة عند نسائه!!، ويردد المحدثون من هذا التيار المؤيد للختان نفس كلام إبن تيمية فى فقه النساء والطهارة حين قال أنه يوجد نوع من السباب والشتيمة وهو يابن الغلفاء! ويبرر ذلك بأن " الغلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر، ولهذا يوجد من الفواحش فى نساء التتر والأفرنج مالايوجد فى نساء المسلمين "، ويؤكد على نفس المعنى إبن قيم الجوزيه حين يبرر إجراء الختان بأن فيه تعديل للشهوة حين يقول " إذا أفرطت الشهوة ألحقت الإنسان بالحيوانات، وإن عدمت بالكلية ألحقته بالجمادات، فالختان يعدلها ولهذا تجد الأغلف لايشبع "!!!!، وينقل لنا الباجى فى كتابه المنتقى قول أحد الفقهاء " ومن إبتاع أمة (جارية ) فليخفضها إن أراد حبسها، وإن كانت للبيع فليس ذلك عليه "، والمعنى خطير وملخصه أنه إذا أردت السيطرة على الجارية وتلجيمها فعليك بالختان! وكأنك تضع لجاماً فى فك حيوان.
[ وهناك بعض الحجج الكوميدية التى يلبسها مرددوها رداء العلم حتى تمر تحت قوس النصر الإجتماعى!، ومن ضمن هذه الحجج الواهية أن حرارة الجو تؤثر على السيدات الشرقيات وتزيد من حساسيتهن الجنسية، فعلى سبيل المثال كتب د.عبد الرحمن العدوى الأستاذ بالأزهر " إن البنت فى بلاد المشرق وهى غالباً بلاد حارة أكثر أيام العام، إذا لم تعمل لها عملية الختان، فإنها مع هذا الجو الحار تكون ذات رغبة جنسية جامحة، تقلل لديها جانب الحياء..."، وهذا حديث يجافى المنطق فضلاً عن العلم ويفترض أن الدول ذات المناخ الحار هى دول ملعونة بالرغبة المتأججة، ولايوجد فى الدنيا من يربط بين درجة الحرارة التى تعلنها الأرصاد وبين الرغبة الجنسية، وثانى الحجج التى يسوقونها هى أن إحتكاك الملابس يزيد من الإثارة وهو قول غريب جداً فالرجل الذى يملك ماهو أضعاف أضعاف هذا الجزء الضئيل الموجود فى المرأة والمختفى أصلاً، هذا الرجل لوطبقنا عليه نظرية إحتكاك الملابس لخرجنا بكارثة أخلاقية تعصف بالمجتمع كله، والحجة المماثلة هى أن الختان يحمى السيدات من إثارة وسائل المواصلات المزدحمة، وكما يقول شيخ الأزهر الراحل جاد الحق " الفتاة التى تعرض عن الختان تنشأ من صغرها وفى مراهقتها حادة المزاج سيئة الطبع، وهذا أمر قد يصوره لنا ماصرنا إليه فى عصرنا من تداخل وتزاحم بل وتلاحم بين الرجال والنساء فى مجالات الملاصقة والزحام التى لاتخفى على أحد "!، وأعتقد أن مثل هذا الكلام ينسى الرجال تماماً ويعاملهم على أنهم ملائكة برغم أنهم كما ذكرنا يملكون أضعاف المبررات التى يسوقونها تبريراً لختان البنات فهل نقوم بعملية إخصاء مثلاً حتى لايحدث ذلك للرجال فى وسائل المواصلات؟، وهل نطبق الختان طبقاً لتلك النظرية على الموظفات فقط ونخص راكبات الحافلات!!!، والحجة التالية هى حجة أن الختان يحمى البنت من الإثارة التى يتسبب فيها التليفزيون كما قال أبو آلاء الجمل فى كتابه نهاية البيان " نحن أيها الأخوة نعيش فى عصر طغت عليه المادة وأصبح يموج بشتى ألوان الفجور والفسق من نساء كاسيات عاريات، من دور سينما ومسارح ومن وسائل إعلام هدامة...هل تتركها ببظرها كاملاً أمام أية إثارة بسيطة تؤدى بها إلى الهلاك ومسالك الشيطان؟، ماذا لو قامت إبنتك ففتحت التليفزيون ورأت فيلماً مثيراً وهى لم تخفض ولم تختتن؟، فماذا تفعل هذه الفتاة المسكينة "!!، إنها فعلاً مسكينة بمثل هذه الأفكار التى تسيطر على عقلية مجتمعنا الذى يحكمه هاجس ووسواس وفوبيا الجسد فى كل تصرفاته، إن البعض يصل فى تفسيره المقيت المتهافت إلى أن عدم الختان هو السبب فى إصفرار وجه البنت وهزالها وعدم تركيزها فى الدراسة!!، ووصل الشطط بالبعض إلى تبرير الختان بسفر رب العائلة إلى دول الخليج كما يقول أبو آلاء فى كتابه السابق عندما ذكر أن " حسب الإحصائيات يوجد حوالى خمسة ملايين مصرى فى شتى بقاع العالم، وعلى أقل تقدير نصف هؤلاء بالطبع ترك زوجته، ومن يسافر من هؤلاء لايرجع إلا بعد سنة فى المعتاد، بالله عليكم ماذا تفعل زوجة هجرها زوجها لمدة عام كامل...بالطبع لو كانت الزوجة قد خفضت فإن ذلك يهذب من شهوتها فتحفظ زوجها وبيتها "!، وأتساءل لماذا هذا التصور المريض عن نسائنا أنهن مجرد حيوانات جائعات للجنس؟، كيف يدعى هؤلاء أنهم يحترمون المرأة ويقدرونها ويعتبرونها الجوهرة المصونة والدرة المكنونة وهم يصفونها بهذه الأوصاف ويصمونها بهذا العار، والغريب أنهم يطلبون العفة للمرأة فقط و"يطنشون " عنها بالنسبة للرجل، ويتناسون أن معظم من يتم ضبطهن فى بيوت البغاء مختونات ولم يمنعهن ختانهن من ممارسة الرذيلة!!، ولنستمع إلى هذه الأم المصرية التى تحدثت فى جريدة الشعب 18/11/1994 وهى تقول عن نفس المعنى " الختان عندنا فى القرية عادة مرتبطة بشرف البنت، فهو ضمان عقلها والمسألة تتجاوز الأهل، فالأم التى لاتجرى هذه العملية لإبنتها وتعلن عن ذلك وسط نساء القرية، تعلم أن إبنتها ستتهم بعد ذلك بالفجور، وربما لايتقدم للزواج منها أحد، لأنها ستكون فى نظرهم عينها بجحة وقليلة الأدب، والأمر لاشأن له بالدين، إنه عرف قوى، وأنا شخصياً لاأجرؤ على عدم ختان بناتى، بتوع مصر (القاهرة ) يقدروا، لكن عندنا لأ، دى كانت تبقى فضيحة للبنت وأنا لازم أستر عليهم "!!.
[ ومن الحجج الواهية التى تتمسح بالعلم إلى الأضرار الصحية التى رصدها العلم، فالختان يحمل فى جعبته الكثير والكثير من المآسى والكوارث الصحية التى تبدأ بالنزيف وتنتهى بالموت، والنزيف أحياناً يكون بسيطاً وتزيد إلتهاباته بالبن وتراب الفرن والقرض وخلافه من الأشياء التى نكتم بها النزيف، وأحياناً يكون النزيف شديداً بسبب إصابة الشريان البظرى نفسه، ومن الأضرار الصحية الصدمة العصبية الشديدة التى تحتاج النقل إلى المستشفى، ومن الحوادث المعتادة أثناء عملية الختان وبسبب تلوى البنت وعدم السيطرة عليها من الممكن أن يمتد المشرط ويجرح أعضاء أخرى مثل مجرى البول أو الشرج...الخ، وقد سجلت بعض الحالات التى إنتهت بعدم التحكم فى البول والبراز، وأيضاً سجلت حالات -وياللقسوة والبشاعة – كسر للترقوة من جراء الضغط العنيف على عظام الطفلة البريئة، أما المتاعب البولية بعد الختان فلاتحصى فالخوف من التبول على الجرح من الممكن أن يؤدى إلى إحتباس البول، ووجود الصديد به من تراكم الميكروبات، وإلتهابات المثانة والكلى، ومن الممكن أيضاً أن تمتد الإلتهابات والميكروبات للأعضاء التناسلية الداخلية كالرحم والمبيض وقناة فالوب مما يؤدى فى النهاية إلى العقم، ويذكر د.سامى الذيب أن 25% من حالات العقم فى السودان سببها الختان، هذا فضلاً عن الألم الذى تحدثه الندبات الناتجة عن الختان، وعندما يلتئم الجرح بالنسيج الليفى المفتقد للمرونة التى تتطلبها عملية الوضع التى من الممكن أن تنتهى بكارثة وتعسر مرور رأس الجنين، وإلتهابات بغدد بارثولين وتعسر الطمث نتيجة لعوامل نفسية نتيجة الصدمة أوعضوية بسبب الإلتهابات والإحتقان وخلافه.
[ نأتى إلى أخطر الأضرار الصحية وكارثة الكوارث و"أم المآسى" الوفاة، عندما يهمد جسد طفلة فجأة بعد أن كان يملأ البيت ضجيجاً، عندما تودع الحياة من كانت تتشبث بأطراف ثوبها، عندما تموت نتيجة جهل، عندما تذبح بسكين التخلف وبلاسبب، ومن ركام أخبار الوفيات الناتجة عن الختان نقتبس هذا الخبر لنقرأه سوياً، الخبر منشور فى الأهرام 16 أكتوبر 1996 ويقول " أمرت نيابة أرمنت بقنا بضبط وإحضار طبيب الوحدة الصحية لبلدة الضبعية للتحقيق معه حيث تسبب فى وفاة طفلتين فى يوم واحد إثر قيامه بإجراء عمليتى ختان لهما فى مسكن كل منهما، فأصيبت الطفلتان بنزيف حاد مما تسبب فى وفاتهما، تبين من التحريات أن الطفلتين المتوفتين هما أميرة محمود حسن (4 سنوات ) ووردة حسن السيد( 3 سنوات)، وأن والد كل منهما إتفق مع الطبيب وإسمه عزت شلبى سليمان على إجراء عمليتى الختان مقابل عشرة جنيهات للعملية الواحدة "، إنتهى الخبر ولكن لم تنتهى المهزلة، فبعشرة جنيهات نقدم بناتنا إلى عزرائيل، بعشرة جنيهات نبيعهن فى سوق النخاسة لكى يتحول الوجه المشرق بالحمرة إلى جمجمة، ويتحول الجسم النامى الذى مازالت براعمه تغازل الشمس إلى جثة، والفستان إلى كفن، والضحكة إلى ندب وتعديد، والمهد إلى قبر، وأعواد الفل والياسمين إلى كتلة صامتة وجافة من الصبار، ببساطة تتحول البنت إلى مجرد رقم فى شهادة وفاة سرعان مانوارى عارها التراب.

 

 

 الختان والدين
قراءة دينية للختان
 * الختان لم يذكر فى القرآن وجميع الأحاديث التى تناولته ضعيفة

[ من أسماء الله الحسنى الرحمن الرحيم، والدين هو الرحمة..هو السكينة..هو الحنو..هوالأمان..هو الكرامة.. هو الإنسانية، والختان من المؤكد أنه يتعارض مع الدين الحنيف لأنهإجراء شرير لايعرف الرحمة، ويخلو من السكينة، وقلب من يجريه لايعرف الحنو، تفقد معه بناتنا إحساس الأمان، وتنزع من كيانهن الكرامة، لأن من يأمرون به ويدعون إليه ضد الإنسانية.
[ أرجو قبل الخوض فى موضوع الختان من الناحية الدينية معتمداً على آراء رجال الدين المستنيرين والمفكرين الإسلاميين الذين يقرأون الواقع ويجددون فى الخطاب الدينى، أرجو من الجميع أن يقرأوا معى القرآن الكريم الذى لم يذكر الختان فى أى آية من آياته، لكى نتعرف على فلسفته فى التعامل مع الجسد البشرى وإحترام حرمته، الجسد المقدس الذى كرمه الله سبحانه وتعالى، لنقترب من هذه الآيات ونتأمل:
• "خلق كل شئ فقدره تقديراً" [سورة الفرقان ]
• "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً" [ سورة النور]
• فطرة الناس التى فطر الناس عليها لاتبديل لخلق الله" [ الروم]
• الذى أحسن كل شئ خلقه" [ السجدة]
• "لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم" [ التين]
• "كل شئ خلقناه بقدر" [القمر]
• "وقال الشيطان لأتخذن من عبادك نصيباً مفروضاً ولأضلنهم ولأمنينهم ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولأمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان من دون الله فقد خسر خسراناً مبيناً " [ النساء]
[ وقد علق المفكر الإسلامى د.محمد سليم العوا فى مقال بجريدة الشعب 18/11/1994 على هذه الآية الأخيرة بقوله " القرآن الكريم جعل من المعاصى قطع بعض الأعضاء ولو من الحيوان، بل هو مماتوعد الشيطان أن يضل به بنى آدم فى أنعامهم وقرنه بتغيير خلق الله، والختان للإناث بصورته التى يجرى بها فى مصر، وفى أجزاء أخرى من العالم الإسلامى، فيه تغيير خلق الله، ومن قطع بعض الأعضاء المعصومة مالايخفى، وإذا كان هذا فى الحيوان من أضلال الشيطان فكيف يكون فى حق الإنسان؟!"، ويقول الشيخ عبد الرحمن النجار عن نفس المعنى " البنت الصغيرة التى يريد أبواها أن يختناها لو كانت عندها قدرة على التعبير لصاحت فى وجههما:إتركانى ولاتعذبانى، والإسلام نهى عن التعذيب، والرسول قال:من آذى مسلماً فقد آذانى ومن آذانى فقد آذى الله، إتركانى لطبيعتى الأنثوية التى خلقنى الله عليها ولاتضرانى صحياً ونفسياً وإجتماعياً، والله تعالى يقول:"لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم"، إن هذا هو نداء الفطرة التى فطرنى الله عليها "، وإقتبست د.نوال السعداوى من جوهر الدين ماساعدها على تكوين رأيها فى الختان بنفس المعنى الذى وصل إليه المفكران الإسلاميان السابقان وإن إختلفت الألفاظ، فهى تقول فى كتابها المرأة والصراع النفسى:" إن الدين بمعناه العام هو الصدق والمساواة والعدالة والحب والصحة لجميع الناس رجالاً ونساء، ولايمكن أن يكون هناك دين يدعو إلى المرض أو تشويه أجساد البنات وقطع بظورهن، وإذا كان الدين من عند الله فكيف يمكن للدين أن يأمر بقطع عضو فى الجسم خلقه الله، المفروض أن الله لايخلق الأعضاء إعتباطاً، ولايمكن أن يخلق الله البظر فى جسد النساء ثم ينزل على الناس ديناً يأمرهم بقطع هذا البظر، فهذا تناقض خطير لايقع فيه الله سبحانه وتعالى، وإذا كان الله قد خلق البظر كعضو حساس للجنس وظيفته الأساسية والوحيدة هى الإحساس بلذة الجنس، فمعنى ذلك أن الله قد أباح للنساء اللذة الجنسية وأنها جزء من الصحة النفسية، وعلى هذا فإن المرأة التى تحرم من اللذة الجنسية تحرم جزء من الصحة النفسية، ولايمكن أن تكتمل صحة المرأة النفسية بدون إكتمال لذتها الجنسية "، وهكذا ومن إحساسنا ومعرفتنا بالمقاصد الكلية للدين وفهمنا المستنير لفلسفة القرآن نستطيع أن نصل إلى تأكيد بأن الختان يتعارض مع الدين ومع القرآن، وأيضاً مع قواعد الشريعة التى تحكم الإجتهاد والتى لخصها د.شوقى الفنجرى فى كتابه عن الختان فى النقاط التالية:
• أنه لايجوز أخذ أى تشريع أو قاعدة شرعية من حديث ضعيف، لأن معنى الحديث الضعيف أنه قد يكون مكذوباً أو موضوعاً لغرض ما.
• أنه إذا إختلف الرأى بين عالم الطب وعالم الدين فى قضية علمية أو طبية فإن رأى الطبيب هو الذى يؤخذ به لأنه أكثر فهماً ودراية فى تخصصه.
• فى الشريعة قاعدة تقول " لاضرر ولاضرار "، ومعنى ذلك أن أى مسألة يكون فيها ضرر للمسلمين حسب رأى أهل الإختصاص فعلى المشرع أن يتركها ويتجنبها.
[ نأتى بعد ذلك إلى السنة التى يعتمد مؤيدو الختان والمدافعون عنه عليها كسند لهم ودليل على قوة حجتهم، وسنقوم بالرد عليهم من خلال تفنيد رجال الدين لآرائهم وللأحاديث التى إعتمدوا عليها، ونثبت أن مايدافعون عنه فى الحقيقة هو موقفهم الرجعى من المرأة وإرتباطهم بعادات وتقاليد زائفة وليس دفاعهم عن الدين وجوهره وغاياته، ونبدأ اولاً قبل الخوض فى الأحاديث وبيان صحتها بسؤال عقلى غاية فى البساطة، وهو هل ختن الرسول بناته؟، ولو كان قد فعل فإن المؤيدون سيكون لديهم الحق والدليل الدامغ، ولكن المدهش أن الإجابة هى بالنفى وأن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يفعل ذلك، وأن هذا السؤال البسيط لم يفكر فيه المؤيدون برغم بساطته وبديهيته، وقد أجاب الشيخ عبد الرحمن النجار عن هذا السؤال فى كتابه موقف الإسلام بقوله " والرسول كانت له أربع بنات ولم يؤثر فى سيرته أنهن أختتن "، وقد آثرت أن أذكر هذا قبل الخوض فى تفاصيل الأحاديث لأقول أن السيرة تؤيدنى، وأننا سنخوض فى بحار عميقة من الجدل قد كفانا الرسول –صلعم- جهد الخوض فيها بسيرته العطرة نفسها، ولكن علينا لكى نكمل البحث ونفحم مؤيدى الختان الذين غسلوا العقول، أن نعرض للأحاديث التى يعتمدون عليها أولاً ثم نرد عليها من واقع إجتهادات رجال الدين المستنيرين.
• [ الحديث الأول هو "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء " وهذا الحديث منقول عن الحجاج بن أرطأة، ويقول القرطبى وبن حجر "والحجاج ليس ممن يحتج به ".
• الحديث الثانى والذى قيل بصيغ مختلفة من ضمنها " إذا إلتقى أو مس أو جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل ".
• الحديث الثالث وهو أشهرهم وهو الذى إستخدمه مؤيدو الختان، ورواياته مع إمرأة تختن الجوارى، فى الرواية الأولى دون ذكر إسم إمرأة أو مع ذكر إسم أم عطية وأم أيمن وأم طيبة، والرواية الثانية ذكر فيها إسم أم حبيبة وأم حبيب، وقد جاء فى سنن بن داود "إن أمرأة كانت تختن بالمدينة، فقال لها النبى لاتنهكى فإن ذلك أحظى للرجل وأحب للبعل "، وقد علق عليه أبو داود فى سننه الجزء الخامس قائلاً " ليس بالقوى وقد روى مرسلاً، ومحمد بن حسان مجهول، وهذا الحديث ضعيف "، والرواية الثانية عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله لأم عطية إذا خفضت فأشمى ولاتنهكى فإنه أسرى للوجه وأحظى عند الزوج "، وقد قال بن داود عن هذا الحديث "حديث ختان المرأة روى من أوجه كثيرة، وكلها ضعيفة معلولة مخدوشة ولايصح الإحتجاج بها "، وهناك رواية ثانية المشهورة بإسم رواية أم حبيبة وهى أكثر الروايات ترديداً فى مصر، وأشهر من ذكرها الشيخ الراحل جاد الحق فى فتواه عام 1994 ولكنه لم يذكر مصدرها وقد قال فى فتواه الغريبة وقتها وهى أن ترك الختان يوجب قتال تاركيه!، وكذلك ذكرها د.حامد الغوابى فى كتابه ختان البنات، والرواية تقول "عندما هاجر النساء كان فيهن أم حبيبة، وقد عرفت بختان الجوارى، فلمارآها رسول الله –صلعم- قال لها:ياأم حبيبة هل الذى كان فى يدك هو فى يدك اليوم؟، فقالت: نعم يارسول الله، إلا أن يكون حراماً فتنهانى عنه، فقال رسول الله –صلعم-:بل هو حلال، فادن منى حتى أعلمك، فدنت منه، فقال:ياأم حبيبة، إذا أنت فعلت فلاتنهكى، فإنه أشرق للوجه وأحظى للزوج ".
[ عرضنا للأحاديث التى تناولت الختان وتعليقات علماء الحديث والفقهاء القدامى عليها، ولكن ماذا قال فقهاء زماننا ومفكرى عصرنا الإسلاميين عن هذه الأحاديث؟.
بالنسبة للحديث الأول يقول سليم العوا:"ليس فى هذا النص حجة لأنه نص ضعيف، مداره على راوٍ لايحتج بروايته، فكيف يؤخذ منه حكم شرعى بأن أمراً معيناً من السنة أو من المكرمات، وأقل أحوالها أن تكون مستحبة، والإستحباب حكم شرعى لايثبت إلا بدليل صحيح "، وحديث إلتقاء الختانين يقول عنه العوا " لاحجة فى هذا الحديث الصحيح على ذلك، لأن اللفظ هنا جاء من باب تسمية الشيئين بإسم الأشهر منهما، أو بإسم أحدهما على سبيل التغليب، ومن ذلك كلمات كثيرة فى صحيح اللغة العربية منها العمران (أبو بكر وعمر) والقمران (الشمس والقمر) والعشاءان (العشاء والمغرب)..الخ، فلفظ الختانين لادلالة فيه على مشروعية ختان الإناث، والحديث وارد فيما يوجب الغسل وليس وارداً فى أمر الختان أصلاً ".
[ نأتى إلى أشهر الأحاديث وهو الحديث الأخير، والذى إستخدم فى الرد على كل وزير صحة يتجرأ ويمنع الختان فتجلده الألسنة بأنه مارق عن الدين، فيبدأ فى التراجع، يقول عنه العوا " حديث أم عطية بكل طرقه لاخير فيه ولاحجة تستفاد منه، ولو فرضنا صحته جدلاً، فإن التوجيه الوارد فيه لايتضمن أمراً بختان البنات، وإنما يتضمن تحديد كيفية هذا الختان إن وقع "، وسأحاول أنا تقريب المعنى الذى قصده د. العوا، وهو أننى لو أمرت مريضاً عندى بأن يخفض السجائر التى يدخنها إلى خمس سجائر فقط بعد أن كان يدخن علبتين، فهل يعنى هذا أننى قد أمرت بتدخين السجائر وأدعو إليها؟، أم أننى أتماشى مع عرف سائد وأريد تخفيفه على مراحل!!، وعن هذا المعنى يقول أنور أحمد فى كتابه آراء علماء الدين "من يتدبر هذا الحديث المنسوب إلى النبى يمكن أن يتصور أن النبى لم يرد أن يصادر عرفاً جرت عليه العرب، وعادة تأصلت فى نفوسهم، فأراد أن يخفف من غلوائها ويحد من أضرارها، فجرى حديثه للخاتنة بهذا التوجيه الكريم الرحيم "، وعن حديث أم حبيبة فهو مكذوب أيضاً عند العوا ويقول عنه " هذا الحديث لايوجد فى كتب السنة، وليس هناك ذكر فيها لإمرأة بهذا الإسم كانت تقوم بهذا العمل، فكلامهم هذا لاحجة فيه، بل لاأصل له "، ويقول الإمام شلتوت معلقاً على هذه الأحاديث جميعاً فى فتاويه الصادرة 1959 " وقد خرجنا من إستعراض المرويات فى مسألة الختان على أنه ليس فيها مايصح أن يكون دليلاً على السنة الفقهية فضلاً عن الوجود الفقهى، وهى النتيجة التى وصل إليها بعض العلماء السابقين، وعبر عنها بقوله ليس فى الختان خبر يرجع إليه ولاسنة تتبع، وأن كلمة سنة التى جاءت فى بعض المرويات معناها إذا صحت الطريقة المألوفة عند القوم فى ذلك الوقت، ولم ترد الكلمة على لسان الرسول بمعناها الفقهى الذى عرفت به فيمابعد، والذى أراه أن حكم الشرع لايخضع لنص منقول، وإنما يخضع فى الذكر والأنثى لقاعدة شرعية عامة وهى أن إيلام الحى لايجوز شرعاً إلا لمصالح تعود عليه، وتربو على الألم الذى يلحقه ".
[كذلك يؤكد الشيخ سيد سابق على نفس المعنى قائلاً " الختان لايجب على الأنثى، وتركه لايستوجب الإثم، ولم يأت فى كتاب الله ولافى سنة رسوله عليه السلام مايثبت أنه أمر لازم، وكل ماجاء عن رسول الله فى ذلك الأمر به ضعيف لم يصح منه شئ ولايصح الإعتماد عليه، والواجب لايكون واجباً إلا إذا كانت هناك آية قرآنية توجبه، أو حديث صح سنده ومصدره، أو إجماع من الأئمة، وهذا الأمر لم يرد فيه آية ولاحديث صحيح ولم يجمع عليه العلماء "، وأيضاً يقول الشيخ محود خضر 1997 فى معرض رده على الشيخ جاد الحق " قول الرسول –صلعم- للخاتنة:إن كنت فاعلة يدل على أن الأمر من أوله لآخره مكروه وأن الأفضل البعد عنه نهائياً "، وأما فتوى الشيخ سيد طنطاوى رداً على طلب وزير الصحة السابق على عبد الفتاح 1994 فيقول فيها عن ختان البنات " لم يرد بشأنه حديث يحتج به، وإنما وردت آثار حكم المحققون من العلماء عليها بالضعف...، وقد ذكر هذه الأحاديث جميعها الإمام الشوكانى فى كتابه نيل الأوطار وحكم عليها بالضعف، وقال صاحب كتاب عون المعبود فى شرح سنن أبى داود بعد أن ذكر ماجاء فى الختان "وحديث ختان المرأة روى من أوجه كثيرة، وكلها ضعيفة ومعلولة، مخدوشة لايصح الإحتجاج بها "، ويقول فى نهاية فتواه " أما بالنسبة للنساء فلايوجد نص شرعى صحيح يحتج به على ختانهن، والذى أراه أنه عادة إنتشرت فى مصر من جيل إلى آخر، ومن الأدلة على أنها عادة ولايوجد نص شرعى يدعو إليها، أننا نجد معظم الدول الإسلامية الزاخرة بالفقهاء قد تركت ختان النساء، ومن هذه الدول السعودية ومعها دول الخليج وكذلك دول اليمن والعراق وسوريا وشرق الأردن وفلسطين وليبيا والجزائر والمغرب وتونس..الخ "، وقد إتفق معه فى الرأى د.سيد رزق الطويل عميد كلية الدراسات الإسلامية وقتها وأيد كلام د.طنطاوى ورفض فتوى جاد الحق قائلاً " إننى أستغرب كلامه بمحاربة القرية التى لاتلتزم بالختان فمعنى ذلك أن علينا أن نحارب العالم كله ماعدا مصر والسودان "!!، ومن العلماء غير المصريين الذى أدلى بدلوه فى القضية الشيخ عبد الغفار منصور مستشار الفقه الإسلامى فى مكة المكرمة فى بحثه الذى ألقاه فى مؤتمر السكان بالقاهرة، وقد قال " إننا لانعرف عادة الختان فى مكة لاقبل ميلاد الرسول ولابعد بعثه، وأن الرسول –صلعم- لم يقم بإجراء الختان لبناته، وحتى يومنا هذا فإن عادة الختان غير معروفة فى مكة ".
[ بعد كل هذه الآراء الدينية من رجال الدين وعلمائه ومفكرى هذا العصر الأجلاء وكلها تدين الختان، ألا تندهشون معى لماذا وبرغم كل هذا تظل هذه العادة الهمجية تغرس أنيابها فى رقبة المجتمع المصرى حتى تمص دماءه؟!، ولماذا يسيطر الفكر الغوغائى على هذه الأسر والمجتمعات التى تحسب أن البنت عار مقيم، وقمعها واجب، وكبتها فضيلة، وبترها فريضة، ودموعها كذب، وألمها إحتيال؟؟، نريد الإجابة بأن يقف المجتمع أمام المرآة ويرى تجاعيده بصراحة وقسوة، ويعترف بأن البنت لابد أن توضع فى مآقى العيون، وبدلاً من أن يرفع سكيناً ليجرحها وينزع أحاسيسها ويغتال مشاعرها، يهديها ياسمينة لتطوق عنقها الجميل البرئ، ولتعرف بعدها أن الحياة تستحق أن تعاش بدون دماء.

 

 


 الفصل الثانى
 العنف ضد المرأة

 

 العنف ضد الطفلة المصرية يبدأ منذ الولادة
["يامخلفة البنات يامخلفة الهم للممات "، " ولما قالوا دى بنية إتهدت الحيطة عليا، ولما قالوا ده ولد إشتد ضهرى وإتسند "، "وإكسر للبنت ضلع يطلع لها إتنين"، هكذا تستقبل البنت فى ثقافتنا الشعبية، وهكذا يتعامل الفولكلور الذى هو ترجمة حس البسطاء مع الأنثى، وهذا هو أول مظاهر العنف ضد الطفلة التى من المفروض أن يستقبلها المجتمع بالترحاب على أنها ضيف فاعل وأساسى وليس على أنها إحتياطى أو رديف للبطل الأصلى المغوار وهو الطفل الذكر الذى ينتظره الأهل على أحر من الجمر مهما كان فى البيت من طابور إناث، وهذا العنف الفولكلورى هو أقسى أنواع العنف لأنه يتعامل مع المجهول ويصادر على المستقبل، فهذه الطفلة المولودة لاينتظر المجتمع حتى تقدم أوراق تفوقها أو حيثيات نجاحها، ولكن هى متهمة إلى أن تثبت براءتها وحتى عندما تثبت هذه البراءة فهى براءة ليست موجودة فى جيناتها الوراثية ولكنها براءة ممنوحة بصك مدموغ من الرجل، والفولكلور لايتعامل بهذا الجفاء مع الطفلة حين ولادتها فقط وإنما يمتد هذا الجفاء وهذه العدوانية معها فى مسيرة الحياة بعد ذلك، فالمرأة لابد أن تكون عروسة حلاوة وياريت تبقى عروسة لنفسها ولسعادتها الشخصية ولكن لإسعاد الرجل الذى لابد أن تضبط موجتها الخاصة على ريموت كونتروله الحساس، فهى لابد أن تكون مفرفشة حتى لايعبث فى الخارج ويرجع بيته بدرى "اللى مراته مفرفشة يرجع البيت من العشا" و"خد المليح وإستريح " أو "خد الحلو وإقعد قباله وإن جعت شاهد جماله"، وهى لابد أن تبحث عن الزواج ليس لأنه يحقق تناغماً وإنسجاماً ولكن لأنه يحقق أماناً وحماية ف"ضل راجل ولاضل حيطة "، والمرأة لاتأخذ مكانتها الإجتماعية إلا من خلال الزوج "حرمة من غير راجل زى الطربوش من غير زر "، بل أكثر من ذلك سعادتها مرتبطة بمزاجه و"المود" بتاع سيادته الذى مهما تقلب فعليها أن تضبط ترموستات عواطفها على درجة حرارته الشخصية "اللى جوزها يحبها الشمس تطلع لها "، ويزيد الفولكلور الشعبى فى بيان أسباب تبنيه لمفهوم البنت هم للممات بأنها لاتؤتمن على سر "ياويل من أعطى سره لمراته ياطول عذابه وشتاته "، وهى لايوثق ولايعتد برأيها "الراجل إبن الراجل اللى عمره مايشاور مراته "، ولذلك فمن حق الناس مواساة من تلد بنتاً بقولهم "إن شالله تزينيها بعريس" لأن" صوت حية ولاصوت بنية "، و"إبنى حمال همى وبنتى جلاب همى "، و"الصبى حمال المصايب والبنت بلوة عالأهل وعالقرايب"، ويحتفل الأهل بسبوع الولد بأبريق فخم مذهب أما البنت فبمجرد "قلة" بالطبع لكسرها وراها بعد أن تذهب لبيت الزوجية، ويظل العقل الجمعى الذى ينبض بكراهية وإحتقار المرأة يضغط على الجميع فتقتنع الأنثى بأنها بالفعل هم وإبتلاء ويقتنع الرجل بأن طلاق من تنجب إناثاً هو حق شرعى لأنه مش ناقص هموم وبلاوى أو على رأى المثل المشرحة مش ناقصة قتلى!!
[أعتقد أن الطريق بعد ذلك أصبح ممهداً ومعبداً لأن تجرى عليه عربات العنف والإضطهاد ضد المرأة بسرعة الضوء، وإذا كنا قد عرفنا العنف فى العدد الماضى ونحن نناقش أعنف سلوك بربرى وهمجى تتم ممارسته ضد الطفلة المصرية وهو الختان، فإننا سنحاول قبل التعرض لصور العنف الأخرى أن نناقش أنواعه وأسبابه ودوافعه.
فى دراسة هامة للدكتورة إقبال السمالوطى عن أنواع ودوافع العنف ضد المرأة والطفل حاولت تصنيف أنواع ذلك العنف من أربعة مداخل أو وجهات نظر:
1-من حيث القائمين:والمدهش أن المرأة نتيجة تزييف الوعى المزمن على مدى تلك السنوات تمارس أحياناً عنفاً ضد بنات جنسها فمثلاً فى حالة الختان تجر الأم بنتها بعنف لكى تختتن لأنها ترى أن فى ذلك صالح إبنتها ومصدر عفتها وشرفها.
2-من حيث نوعية العنف:هناك عنف جسدى أو مادى بالضرب والإغتصاب وهناك عنف معنوى بالسب والإهانة والتجريح والسخرية.
3-من حيث مدى شموله:فهناك عنف فردى يتم نتيجة لترويج فكر جماعة عقائدية معينة تحمل إحتقاراً شديداً للمرأة وتلبس هذا الإحتقار وتسبغ عليه رداءاً فكرياً عقائدياً مكذوباً.
4-من حيث الدافع للعنف:هناك عدة دوافع للعنف منها الإحباط كوسيلة لدفع الفشل، أو الحرمان سواء مادى أو معنوى كوسيلة تعويض، وقد يكون الدافع للعنف هو إظهار المهارة والتفوق وأحياناً إظهار الرجولة أو الرغبة فى الإنتقام حتى من الذات.
[أما العوامل البيئية التى يحاول بها علماء الإجتماع تفسير دوافع العنف تجاه المرأة والطفل فهى كثيرة نلخصها فى النقاط التالية:
*أولاً نظرية الضغط البيئى:وهذه النظرية ترى أن الضغوط البيئية المختلفة سواء كانت زحاماً أو ضوضاء أو تلوث أو خلافه من ضغوط البيئة تؤثر إذا زادت عن الحد وقدرة التحمل فسوف تؤدى إلى إنفجار الإنسان وقيامه بأعمال العنف، فمثلاً ساكن العشوائيات الذى يعانى من الإزدحام وسوء حالة المسكن ونقص الخصوصية وإنعدام المرافق والخدمات بالطبع سيمارس العنف ومن العادى والطبيعى أن يمارسه ضد الضعفاء وفى مقدمتهم النساء والأطفال، وهذه نظرية فى مجملها سليمة ولكنى لأقبلها على إطلاقها فنحن نرى أن العنف صار يستشرى حتى فى أكثر الطبقات ثراء وتعليماً، مما يدل على أن تيار العنف ضد المرأة صار تياراً فكرياً مقبولاً إلى حد ما وله مبرراته التى يقدمها البعض على أنها من العرف أو من التقاليد أو من الأخلاق أو من الدين وهذا مكمن الخطر.
*ثانياً نظرية الموارد الإجتماعية:ترى هذه النظرية أن الصراع بين البشر يزداد مع زيادة عدد السكان بمعدل أكبر من معدل تزايد الموارد البيئية، ومن هنا يتم الصراع والتنافس على هذه الموارد المحدودة ويتولد العنف، وحيث أن رقعة مصر الزراعية فى حدود 6 مليون فدان ثابتة لاتتزعزع فى نفس الوقت الذى يتضاعف فيه عدد السكان بشكل سرطانى مما يساعد على إزدياد ظاهرة العنف وخاصة نحو الأضعف كماذكرنا المرأة والطفل.
*ثالثاً نظرية الحرمان البيئى:البيئة التى لاتشبع حاجات أبنائها تدفعهم دفعاً نحو العنف، هذا هو ملخص تلك النظرية الصحيحة إلى حد كبير، فيكفى أن ننظر إلى حرمان الصعيد من الخدمات والإستثمارات مقارنة بالوجه البحرى وإنعكاس ذلك على نسبة العنف وإنتشاره.
*رابعاً نظرية الإحباط:البيئة المحبطة بيئة تفرخ العنف، فالفرد الذى لاينجح فى تحقيق ذاته من خلال عمل أو أسرة هو صيد سهل لممارسة العنف.
*خامساً نظرية المهمشين: هذه النظرية ترى أن من هم على هامش المجتمع والمهملين من قبل الدولة أكثر المواطنين ممارسة للعنف، فالتجاهل هو مشتل العنف ومحرض الإنتقام، وبالطبع يمارس الهامشى عنفه ويخرج عقده على من هم أكثر هامشية المرأة والطفل.
*سادساً نظرية التعلم: العنف سلوك مكتسب من الممكن تعلمه من البيئة المحيطة أو من على الشاشة 000الخ، وهذا يلقى باللوم على وسائل التعليم والإعلام فى تقديم العنف كسلوك مقبول أو على الأقل متعود عليه.
[هذه النظريات من الممكن أن تفسر لنا وتجيب على سؤال لماذا العنف ضد المرأة؟، ولكنها لاتستطيع الإجابة على سؤال لماذا التمييز ضدها؟، ذلك التمييز الذى يبدأ كما ذكرنا من قبل الولادة أثناء الإستعداد الذى تختلف مفرداته بالنسبة للولد عنه بالنسبة للبنت، وبعدها يبدأ الأهل بالتعامل بشكل مختلف مع كل منهما على حدة وتنتقل خبرات حياتية مختلفة تجعل الإستجابات مختلفة هى الأخرى، فالبنت لها العروسة وأدوات المطبخ اللعبة، والولد له ألعاب الذكاء والمهارة والفك والتركيب والمسدسات، وبعدها تأتى المدرسة لترسيخ قيمة التفوق الذكورى، وتؤكد على هذا المفهوم الدكتورة رفيقة حمود التى تقول "تخضع الفتاة منذ طفولتها لتربية صارمة تتطلب منها الطباع اللينة، والنعومة فى الكلام وإنخفاض الصوت عند الضحك، فى حين تترك للصبى حرية الكلام والقهقهة والتصرف، ويدرب الصبى ليكون شجاعاً قوياً لايبكى، وتوجه البنت لتكون سلبية متقبلة ضعيفة، وقد بينت الدراسات على سبيل المثال أن الأهل يحاولون إستثارة نشاط الصبى وعدوانيته، ويسخرون منه إذا بكى أو خاف، ويتسامحون معه إذا تسلق الأشجار والجدران، فى حين يرفضون أن تكون البنت كثيرة الحركة ومتمتعة بالحيوية والإستقلالية، ويؤنبونها على كثير من التصرفات التى يتسامحون فيها مع الصبى ويحاولون تعديل سلوكها، ويشجعونها لتكون هادئة ومطيعة "، وبالإضافة إلى ماسبق يفرض على الفتاة طابع من السرية والتكتم فهى الستر الذى لابد له من غطا، ودلالها وتدليلها خطأ وفضيحة "دلل الحية ولاتدلل البنية "!!، ويتم تدريب البنت بكل إصرار على خدمة ذكور الأسرة بما فيهم إخواتها الأصغر منها، وبالطبع يكون هذا مقدمة لتدريبها على دور الزوجة المطيعة التى لاتسمع ولاترى ولاتتكلم إلا عندما يسمح لها، وكما يقول المثل العربى "تلاته بيطولوا العمر:الدار الوسيعة، والفرس السريعة، والمرأة المطيعة"، وأيضاً يشمل هذا التدريب المبكر للطفلة على دورها المستقبلى إجبارها على ترك اللعب بل والدراسة فى بعض الأحيان وذلك للتفرغ لمساعدة الأم فى الأعمال المنزلية، فى حين يحصل الولد على وقت أكبر للتركيز واللعب وينطلق خارج المنزل إلى العالم الخارجى الذى ينمى قدراته، والمدهش أن التمييز يمتد إلى طريقة العقاب، تقول الباحثة أميرة بهى الدين "عندما تعاقب الأسرة صغارها تميز فى ذلك بين الصغير والصغيرة، سواء من حيث سبب العقاب، أو من حيث جسامة العقاب وتكراره، فالصغيرة تلازم أمها فى المنزل فتفجر الأم فيها كل إرهاقها وألامها الدفينة بسبب مشاكلها الأسرية الخاصة، بخلاف الصبى الذى يكون خارج المنزل يدرس أو يلهو أو يعمل، فالأم لاتقسو على إبنها الذكر سواء لإعجابها الدفين برجولته المبكرة، أو لأنها تخشى فراره منها إن هى قست عليه، فى حين تتوقع من الفتاة الطاعة والتفانى وإنكار الذات، إنه العنف المنظم المعوق للفتيات القاتل لإستقلاليتهن والمهدر لطاقتهن الإبداعية "، ثم تأتى وسائل الإعلام التى تقدمها على أنها مخلوق هيمان فى عالم الأحلام، وشخصية سلبية مترددة تفتقد إلى أدنى درجات التفكير العقلانى لاهم لها إلا البحث عن الرجل وضله لإمتاعه الجنسى وتمثيلية الحاج متولى ليست بالبعيدة عنا، وتقول الدكتورة عواطف عبد الرحمن فى دراسة نشرت لها عام 2000 أن 80% من برامج المرأة فى التليفزيون تتناول فن الطهى والحياكة والموضة وتربية الأطفال وفن الديكور، وكأن هذه المسائل هى قضية المرأة الأساسية وزادها اليومى وهكذا يزيد إيقاع التعامل معها كدمية وموديل ومادة للمتعة، وتكرس الدونية التى هى الباب السحرى لولوج التمييز المؤدى إلى العنف.
[من أبرز مظاهر العنف ضد الطفلة الأنثى التمييز فى التغذية والعناية الصحية، فبرغم الجهد الملموس للدولة فى رعاية الطفل الصحية سواء فى توفير التطعيمات والأمصال أو فى توفير محاليل الجفاف والأدوية وتعميم التأمين الصحى، إلا أن التمييز الإجتماعى قد أصاب الطفلة الأنثى بالضرر الصحى من ناحية سوء التغذية أو إهمال الرعاية الصحية السليمة، فالكثير من الأمهات يحرصن على إرضاع الصبيان لفترة أطول من تلك التى تخصص للبنات، وفى معظم الأحيان تحرصن على تقديم لحوم أكثر للصبى عن أخته وتتلهفن على الذهاب للطبيب بالولد أسرع من البنت، وفى كل التقارير العربية يتضح بجلاء أن نسبة وفيات البنات فى السنوات الأولى أعلى من نسبة وفيات الذكور، والأنيميا نسبتها أعلى فى الإناث عن الذكور، وفى دراسة لليونيسيف على المنطقة العربية 1995 إتضح أن نسبة البنات اللواتى يعانين من الأنيميا تزيد 2,3% عن البنين، كما وجد أن 25% من الفتيات فى سن المراهقة يعانين من نقص نسبة الحديد، فضلاً عن زيادة نسبة التقزم ونقص البروتين نتيجة لممارسات التغذية المتحيزة للبنين، وفى دراسة أجراها عادل سلطان وناهد رمزى على إحدى القرى المصرية وقدماها لجمعية التنمية الصحية والبيئية 1999، ذكر أنه عند توزيع الطعام داخل الأسرة أثناء شهر رمضان وعيدى الفطر والأضحى يحصل الأب على 32% من إجمالى الطاقة الغذائية التى تستهلكها الأسرة، فى حين تحصل الأم على 28,8% من هذه الطاقة، كما يحصل الأب على 32,9% من إجمالى عنصر الحديد فى غذاء الأسرة، بينما لاتحصل الأم سوى على 29,1% من هذا العنصر، وتوجد دراسات أخرى تشير إلى أن معدل إنتشار الأنيميا بلغ 22,1% بين الحوامل و25,3% بين النساء المرضعات.
[ومن عنف التمييز الغذائى والصحى الذى من الممكن ألا يكون ملموساً لدى الكثيرين إلى عنف آخر أكثر وضوحاً وأوسع تأثيراً وأفدح خطراً ألا وهو التمييز فى فرص التعليم، فتعليم الولد واجب أما تعليم البنت فهوعند البعض ترف، وتعليم الولد لن يفسده أما تعليم البنت فقد يفسدها ويفتح عينيها وكأننا كنا نتمنى ولادتها عمياء، وتعليم الولد مباح حتى فى المدارس البعيدة عن القرية أما تعليم البنت فيجب أن يكون جنب البيت فإذا لم يتوفر هذا القرب فجلوسها فى البيت أفضل، وإذا تعثر الولد فيجب أن يعيد السنة أما البنت فتعثرها لايتطلب إعادة أو تحسين مجموع ويقرر الأهل أن "يتاووها " فى أى جراج مدرسى حتى تحصل على دبلوم التجارة "مش آخرتها حتتجوز وتقعد فى البيت" 000الخ، وسيادة هذه المفاهيم فضلاً عن أنها تتعارض مع أبسط القيم الإنسانية فهى تتعارض أيضاً مع المواثيق الدولية التى وقعنا عليها مثل إتفاقية حقوق الطفل والتى سيأتى ذكرها كثيراً فى حلقات دراستنا، وهى تنص فى المادتين 28 و29 على عدد من البنود أهمها:
1-تعترف الدول الأطراف بحق الطفل فى التعليم، وتحقيقاً للإعمال الكامل لهذا الحق تدريجياً، وعلى أساس تكافؤ الفرص، تقوم هذه الدول بمايلى:
أ-جعل التعليم الإبتدائى إلزامياً ومجانياً.
ب-تشجيع تطوير شتى أشكال التعليم الثانوى سواء العام أو المهنى، وتوفير هذه الأشكال وإتاحتها لجميع الأطفال، وإتخاذ التدابير المناسبة لذلك، مثل إدخال مجانية التعليم وتقديم المساعدة المالية عند الحاجة إليها.
ج-جعل التعليم بشتى الوسائل المناسبة متاحاً للجميع على أساس القدرات.
د-جعل المعلومات والمبادئ الإرشادية التربوية والمهنية متوافرة لجميع الأطفال وفى متناولهم.
هه -إتخاذ التدابير لتشجيع الحضور المنتظم فى المدارس والتقليل من معدلات ترك الدراسة.
2-تتخذ الدول الأطراف التدابير المناسبة لضمان إدارة النظام فى المدارس على نحو يتمشى مع كرامة الطفل الإنسانية.
3-تقوم الدول الأطراف بتعزيز التعاون الدولى وتشجيعه فى الأمور المتعلقة بالتعليم وبخاصة من أجل هدف الإسهام فى القضاء على الجهل والأمية.
4-توافق الدول الأطراف على أن يكون تعليم الطفل موجهاً نحو:
أ-تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها.
ب-تنمية إحترام حقوق الإنسان والحريات ومبادئ حقوق الإنسان.
ج-تنمية الإحترام لهوية الطفل الثقافية ولغته وقيمه الخاصة، وأيضاً الحضارات المختلفة عن حضارته.
د-إعداد الطفل لحياة تستشعر المسئولية فى مجتمع حر، بروح من التفاهم والتسامح والمساواة بين الجنسين.
[ولكن هل تحققت تلك المساواة المزعومة؟، الحقيقة لا، فالمفارقة صارخة وحسب إحصائيات الأمم المتحدة لعام 1999 هناك أكثر من 130 مليون طفل فى البلدان النامية محرومون من حق التعليم وللأسف ثلثا هذا العدد من البنات أى حوالى 87 مليون طفلة، وكذلك يشير نفس التقرير إلى أن سدس سكان العالم أميون ومعظمهم فتيات، وهذا بالطبع إنتهاك لحقوق الإنسان وإهدار لطاقات المرأة الفاعلة وتبديد لقوى إنتاجية مؤثرة فى المجتمع، وإذا إنتقلنا من المستوى العالمى إلى المستوى المحلى هنا فى مصر سنجد أن الصورة ليست وردية بل قاتمة وأننا بالفعل مازلنا بعيدين عن مستوى ونسب الدول المتقدمة فى التعليم، فالنساء يشكلن 66% من إجمالى نسبة الأمية فى مصر، ويصل معدل الإلتحاق بالمرحلة الإبتدائية للفتيات إلى 79% بفاقد قدرة 21% من إجمالى عدد الفتيات فى المرحلة العمرية الموازية، وتزداد نسبة الفاقد لتصل إلى 42% فى المرحلة الثانوية إذ يصل معدل إلتحاق الفتيات إلى 58%، والتمييز بين البنات والأولاد فى مسألة التعليم يصل إلى نسب فاضحة ومزرية فالفجوة النوعية فى التعليم بين الذكور والإناث تصل إلى 21%، وذلك بالطبع إنطلاقاً من مفهوم المصير النهائى للبنت هو الزواج، وأنها ماكينة تناسل بشرى لابد أن تهيأ لهذه الوظيفة، وتنطلق مقولة "يعنى اللى قبلك عملوا إيه بالتعليم" وتصدقها البنت الصغيرة وتظل منذ نعومة أظفارها تؤهل نفسها لهذا الدور فتهمل الدراسة ولو تفوقت فهى تتفوق هروباً من جو الأسرة الخانق وتطلعاً إلى اليوم الذى تخرج فيه من الأسر، وأحياناً تنجح وكثيراً ماتفشل فدورها الرئيسى كأنثى لاكإنسان كامل الإنسانية لاتتبناه الأسرة فقط ولكن للأسف يتبناه المجتمع ككل وهنا تكمن المأساة.
[ونجاح الفتاة فى التعليم سرعان مايواجه بعوائق وصعوبات مثل بعد المدرسة عن البيت، وتذكر د.ناهد رمزى فى دراستها عن الحرمان من التعليم "أثبتت الدراسات فى ريف مصر أنه عندما يزيد بعد المدرسة عن كيلو متر واحد من المسكن فإن معدل التسرب لدى الفتيات يزداد بشكل جوهرى، وقد أشارت الإحصاءات إلى أن معدل تسرب الفتيات من التعليم الأساسى يصل إلى 21%".
[إن ضمان حق التعليم للفتاة ليس إجراء منعشاً للإقتصاد فحسب أو محافظاً على الأخلاق والعدل فقط، ولكنه يشمل جوانب كثيرة ربما تمتد مع الفتاة بعد ذلك طوال حياتها، فعلى سبيل المثال تبين أن هناك إرتباط واضح بين تعليم الفتيات وإنخفاض معدلات وفيات الأطفال، فزيادة نسبة 10% فى تعليم البنات بالمرحلة الإبتدائية ترتبط بإنخفاض نسبة وفيات الأطفال بنسبة 4,1% وفاة فى كل ألف وفاة، كما أن أى إرتفاع مماثل لنسبة البنات الملتحقات بالتعليم الثانوى يمكن أن يؤدى إلى توقع إنخفاض آخر مقداره 5,6% وفاة فى كل ألف وفاة، وبالإمكان كذلك أن نترجم كل سنة تعليم إضافية إلى إنخفاض فى معدلات الإنجاب علاوة على نقص فى وفيات الأمهات بسبب الحمل والولادة.
لكن تظل المأساة الأكبر وهى أن العنف ينتقل من البيت خارج المدرسة إلى داخل المدرسة حيث تمارس سلوكيات عنف وقسوة ضد الفتاة داخل أسوارها لدرجة أن 50% من عمالة البنات الصغيرات سببها الهروب من قسوة المدرسة، وغير بعيد عن الذاكرة ظاهرة الإغماء الجماعى الذى كان يحدث فى مدارس البنات فقط منذ عدة سنوات والذى دل على أن عملية تشكيل شخصية تلك الفتيات داخل المدارس بها خلل خطير أدى إلى إنتاج نفسيات هشة ومعقدة وهستيرية مما يفرض على علماء التربية النظر بعين الإعتبار إلى وضع قواعد للتعامل مع البنات الصغيرات داخل المدرسة تحترم الجانب النفسى قبل الجانب التلقينى.
[أتمنى ألا نكسر للبنت ضلع لأنها لن تعوضه بضلعين، بل ستعوضه بحزنين وإرتعاشتين وترددين وإنكسارين وشجنين وإغترابين ودمعتين وصمتين، فالضلع وراءه القلب وقلبها لن يحتمل أكثر من عنف وإن حدث ذلك فهى حتماً ستضع مكان القلب عصفوراً ذليلاً لتتحول الضلوع إلى قضبان، والصدر إلى زنزانة والقلب إلى مآقى دموع.

 

 

 
 عمل الطفلة سخرة مقنعة000
 الرق الجديد00 عنف مستتر وعبودية جديدة

[عندما أثيرت قضية تعذيب خادمة وفاء مكى فى جميع وسائل الإعلام تم التركيز على الجانب البوليسى فيها، وطرحت الأسئلة ذات اليمين وذات اليسار عن هل عذبت وفاء الخادمة وهل هى بريئة أم مذنبة؟، وهل الخادمة صادقة أم كاذبة ومدعية؟، كيف تظل الخادمة فى الحمام ولاتصرخ للنجدة؟، كيف تستطيع الأم المريضة أن تقيد الخادمة؟، كيف نقلت الخادمة للقرية؟، ماهو تقرير الطب الشرعى؟، وماهو مقدار التعويض الذى أخذه الأب؟000إلخ، هذه الأسئلة وغيرها والتى إنهمرت كالشلال مكتسحة فى طريقها السؤال الموضوعى الذى كان لابد أن نسأله لأنفسنا قبل هذه الإستفهامات المباحثية، السؤال هو لماذا عملت مروة الطفلة بنت العاشرة كخادمة فى بيت وفاء مكى من الأصل؟، ولماذا أرسلها أبوها هى وشقيقتها للعمل هناك؟، بالطبع إنه الفقر، ولكن هل الفقر هو الذى أصابنا نحن المثقفين بالتنويم المغناطيسى والغيبوبة حتى ننسى أو ننتناسى طرح هذا السؤال أم أنه الخوف من فتح هذا الدمل المتقيح بصديد اللامبالاة والقسوة والذى يديننا قبل أن يدين الأب أو مروة أو حتى وفاء مكى؟!!، وهل لو لم تعذب مروة وأمثالها من الخادمات الصغيرات فهل عملها كخادمة من الناحية الإنسانية والقانونية والإجتماعية صحيح؟، وإذا لم يكن هناك قانون يحظر عمل الطفلة كخادمة فلماذا لا يصدر قانون يحظر هذه السخرة الجديدة؟، هذا هو السؤال الحقيقى الذى تاه فى وسط هستيريا بحثنا الدائب عن جانب الفضيحة والنميمة فى أى قضية نناقشها لنختزل هذه القضية وغيرها لتظل أسيرة نظرة أنانية ضيقة كالطائر مقصوص الريش لايستطيع التحليق فى الفضاء المتسع، وتفشل فى أن تصبح قضية إجتماعية تتصدر المشهد الوطنى وتبقى كمعظم قضايانا الإجتماعية الهامة مادة نميمة تتصدر أخبار الحوادث.
[ يقول بهى الدين حسن فى ورقته المقدمة لليونيسيف 1994عن الطفلة الخادمة "عندما تعمل الصغيرات كخادمات فى المنازل -وهو عمل بالغ الإنتشار فى مصر- يحرمن من أسرهن، ويحتجزن فى أسر غريبة عنهن، يقدمن لها خدمات لاتتناسب مع أعمارهن، ويتعاملن مع أجهزة معقدة ويحملن الأثقال، ويخدمن الأطفال الذين هم فى مثل عمرهن أو يزيد، يحملن حقائبهم المدرسية، ويرتدين ثيابهم البالية، ويأكلن مايبقى عنهم، ويتحملن العقاب الرادع لأتفه الأسباب، ويقارن أنفسهن بأطفال الأسر التى يخدمونها والذين يلاقون الكثير من الرعاية والتدليل فيشعرن بالقهر النفسى "، والخدمة فى البيوت ليست العمل الوحيد للطفلة الفقيرة ولكنها تؤخذ من حضن الأسرة لتعمل أحياناً فى الزراعة أو جنى القطن أو ورش النسيج والملابس وصناعة السجاد والمصانع الصغيرة 00الخ، إنه إسترقاق من نوع جديد يتم تحت سمع وبصر المسئولين ولكن يتم التغاضى عنه برغم وجود القوانين الدولية والمحلية، والتى لابد أن نتوقف عندها ليتذكر المتناسون والمتغاضون والمطنشون!!
[بدأ الإهتمام العالمى بقضية عمالة الأطفال عقب إنشاء منظمة العمل الدولية عام 1919، فتوالت صدور الإتفاقيات التى تنظم إشتغال صغار السن فى الأنشطة المختلفة، وصدرت أول إتفاقية برقم 5 لسنة 1921 بتحديد سن تشغيل الأحداث فى الأعمال الصناعية، مقررة تحريم وتجريم تشغيلهم قبل سن الرابعة عشر فى المنشآت الصناعية، وبمقتضى الإتفاقية رقم 59 لسنة 1937 تم تعديل السن إلى الخامسة عشر، وأوصت إتفاقية برقم 90 لسنة 1948 بألا تتجاوز مدة تشغيل الأطفال دون سن الثامنة عشر سبع ساعات يومياً، وحرم من تشغيلهم ليلاً، ثم صدر الإعلان العالمى لحقوق الطفل من الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نوفمبر 1959 والذى كان بمثابة طوق نجاة لأطفال العالم، وينص المبدأ التاسع من هذا الإعلان على أنه "من الواجب ألا يبدأ إستخدام الطفل قبل بلوغه سناً مناسبة، كما يجب ألا يسمح له بأى حال من الأحوال أن يتولى حرفة أو عملاً قد يضر بصحته أو يعرقل وسائل تعليمه، أو يعترض نموه من الناحية البدنية أو الخلقية أو العقلية، وكذلك تؤكد إتفاقية حقوق الطفل 1989 والتى صدقت عليها 160 دولة من ضمنها مصر، تنص فى المادة 32 على مايلى:
*تعترف الدول الأطراف بحق الطفل فى حمايته من الإستغلال الإقتصادى، ومن أداء أى عمل يرجح أن يكون خطيراً، أو أن يمثل إعاقة لتعليم الطفل أو أن يكون ضاراً بصحة الطفل أو بنموه البدنى أو العقلى أو الروحى أو المعنوى أو الإجتماعى.
[وبالإضافة إلى الإتفاقيات الدولية التى وافقت عليها مصر هناك الإتفاقيات العربية وأهمها الإتفاقية رقم 1 لعام 1966 والتى تناولت موضوع تشغيل الأحداث ضمن المواد من 57 إلى 64، حيث تلزم فى البداية التشريع الوطنى لكل دولة، بتحديد الأعمال التى لايجوز تشغيل الأحداث فيها من الجنسين قبل 12 سنة، ولايجوز تشغيل الأحداث فى الأعمال الصناعية قبل سن 15 سنة، بإستثناء الملتحقين بالتدريب، وعدم جواز تشغيل الأقل من 17 سنة فى الأعمال الخطرة أو الضارة بالصحة، أما التشريع المصرى فقد إعتنى بالطفل من كافة جوانبه النفسية والإجتماعية والصحية حيث ألزم الدستور الدولة بحماية الأمومة والطفولة وتوفير الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم، كما أولى رئيس الجمهورية الطفولة إهتماماً خاصاً عندما أصدر عام 1988 قراراً بإنشاء المجلس القومى للطفولة والأمومة، وكذلك عندما أعلن عن عقد حماية الطفولة منذ 1989، وتتابع السيدة سوزان مبارك بمجهوداتها العظيمة رعاية مبدأ الإستمتاع بالطفولة وتوفير كل الظروف المناسبة لإزدهارها.
وقد سنت القوانين منذ سنة 1909 لتنظيم عمل الأطفال حيث صدر القنون رقم 14، ثم صدر قانون رقم 48 لسنة 1923 وكان السن المحظور وقتها أقل من 9 سنوات، ثم إرتفع سنة 1959 إلى 12 سنة، ثم عام 1981، ثم صدق مجلس الشعب عام 1996 على قانون الطفل وفيها يحظر عمل الأطفال قبل 14 سنة ويجوز بقرار من المحافظ المختص بعد موافقة وزير التعليم الترخيص بتشغيل من دون الثانية عشرة فى أعمال موسمية بحيث لاتخل بتعليمهم أو بصحتهم، ولايجوز تشغيل الأطفال أكثر من ست ساعات فى اليوم ويجب أن تتخلل ساعات العمل فترة أو أكثر لتناول الطعام والراحة لاتقل فى مجموعها عن ساعة ويحظر تشغيلهم فى أيام الراحة أو العطلات الرسمية، وأيضاً لايجوز تشغيلهم فيما بين الساعة الثامنة مساء والسابعة صباحاً.
[لكن هل إلتزمنا حقاً بهذه القوانين والإلتزامات أم أنها صارت حبراً على ورق؟، الواقع يثبت أننا فى كثير من الأحيان قد حولناها لحبر على ورق، وبالطبع أتحدث عن الأطفال من الجنسين ولكن لأننا نناقش فى هذه الدراسة العنف ضد المرأة فسيتم التركيز على الطفلة الأنثى، وأيضاً لأنها الضحية الأكثر تعرضاً للتعويق الإجتماعى والتشويه النفسى والتسرب التعليمى من الطفل الذكر، وتقدم النتائج التى توصل إليها المركز القومى للبحوث الإجتماعية والجنائية ونشرتها د.ناهد رمزى عن ظاهرة عمل الأطفال فى الورش الصناعية صورة صارخة البشاعة عن ظروف عمل الفتيات الصغيرات، فقد إرتفعت بينهن نسب العاملات فى المواد الكيماوية 54% كالعمل فى المدابغ وصناعة الخراطيم ومواسير البلاستيك والصباغة، و32% فى الأفران، وبينت دراسات الحالة أن هذه الورش تتسم بظروف قاسية غير مناسبة للعمل نتيجة لقلة الإضاءة وضعف التهوية وإنتشار الروائح النفاذة وإرتفاع الضوضاء بما يمثله ذلك من مخاطر جسدية ونفسية شديدة عليهن خاصة أن هؤلاء الفتيات كن يمضين كل يومهن فى العمل داخل الورشة، وتزداد الجوانب السلبية بخلو تلك الورش من إحتياطات الأمن الصناعى، فقد أثبتت الدراسة أن 91% من الأطفال العاملين فى المهن الخطرة لايرتدون ملابس خاصة ولايستخدمون أدوات واقية من مخاطر العمل، كذلك بينت الدراسة أن 40% من تلك الورش تخلو من أبسط أنواع أجهزة الأمان كطفايات الحريق، وأن 50% من هذه الورش تخلو من أدوات الإسعاف الأولية التى تحتاجها فى حالة إصابة أحد العمال.
وقد أشارت نتائج دراسات أخرى أن 36% من الفتيات اللاتى يعملن فى صناعة السجاد تعانين من مشكلات بصرية ومن إعاقة جسمية ومن أمراض صدرية، كما أن أوزانهن تقل عن الوزن الطبيعى للفتيات فى أعمارهن نفسها، كما أن هناك فرقاً فى الطول (يعكس نقصاً فى النمو) يبلغ من 2-4 سم وذلك بالمقارنة بالفتيات المناظرات لهن فى العمر واللاتى لم يسبق لهن الإلتحاق بأى عمل، وفى الأعمال الزراعية تزداد المعوقات حيث تستخدم الفتيات بصورة كبيرة وخطيرة وفى أعمال شاقة مثل رش الأسمدة والمبيدات والحصاد والعناية بالحيوانات وحمل صناديق الخضروات وغيرها من الأعمال المضنية.
[ومشكلة عمالة الأطفال مشكلة عالمية بدأت تشكل خطراً كبيراً وباتت تمثل قلقاً مزمناً فى ضمائر الأمم لدرجة أن بعض البلاد بصدد إصدار تشريعات بحظر إستيراد منتجات من صناعات تستخدم عمل الأطفال، وهناك أكثر من 120 مليون طفل فى العالم يعملون وقتاً كاملاً من عمر 5إلى 14 سنة ويمثل الأفارقة 40% من هذه النسبة، أما فى العالم العربى فقد وصل عدد الأطفال فى سوق العمل نحو عشرة ملايين طفل عربى فى عام 2000، وقد أرجع الباحثون عمالة الطفل بهذه الصورة المضطردة إلى تلك العوامل:
*العوامل السكانية:يربط البعض بين عمالة الأطفال وبعض الظواهر السكانية مثل إرتفاع معدلات الإنجاب والهجرة من الريف إلى الحضر.
*إنخفاض المستوى التكنولوجى: قد يكون هناك إرتباط بين عمالة الأطفال وبين إنخفاض المستوى التكنولوجى فى القطاعين الزراعى والصناعى، فضلاً عن إنخفاض أجور الأطفال، وكفاءتهم فى أداء بعض الأعمال مثل جمع القطن والأعمال المساعدة فى الورش الصناعية. [ولكن هذه العوامل يعتبرها البعض فى مجملها لاتعدو أن تكون عوامل جذب وليست عوامل أساسية، ويرجعون العوامل الأساسية إلى عوامل تعليمية أو إقتصادية، ويركزون على التعليم كسبب أساسى، فالفشل فى التعليم أو الرغبة فى تعلم صنعة كبديل للتعليم هو سبب رئيسى ومهم، ثم تأتى الحاجة لمساعدة الأهل فى مصروف البيت أو رغبة الطفل فى الحصول على مال ينفقه على نفسه ومتطلباته الشخصية، كما أن هناك أسباب فرعية مثل أن العمل أفضل من اللعب فى الشارع، وعدم الرغبة بالجلوس فى المنزل، أو بسبب وفاة أحد الوالدين أو الرغبة فى التجهيز للزواج 00الخ.
وفى دراسة الدكتور أحمد عبد الله القيمة والمهمة عن عمالة الأطفال أجراها فى مدابغ مصر القديمة وجد أن 90% من أسباب عمالة الأطفال فى رأى أرباب الأسر ترجع إلى الفقر، وحوالى 50% فى رأى الأطفال أنفسهم تعود للفشل فى التعليم، وطبقاً للأرقام التى ذكرتها نفس الدراسة يتضح أن القوة العاملة للأطفال تمثل 29% من مجموع أطفال مصر فى الفئة العمرية من 6إلى 14 سنة!!، وهى نسبة رهيبة لأنها إستغلال بكل ماتحمله كلمة الإستغلال من معنى، وبحسب تعبير مدير عام منظمة العمل الدولية 1983 الذى لخص أوجه الإستغلال في " توظيف الأطفال فى مهام أو فى ظل ظروف تعرض حالتهم الجسدية والعقلية للخطر، وإستقطاع للأرباح من عمالة الأطفال عن طريق دفع أجور منخفضة لهم، وإنكار حق الأطفال فى اللعب والتعليم والإستمتاع بطفولة طبيعية"، ويكفى أن نذكر حالة الطفلة منى عبد الغنى فى هذه الدراسة والتى بدأت العمل فى المدابغ فى سن ثلاث سنوات ونصف وكان أجرها فى سن الرابعة والنصف خمسة جنيهات فى الأسبوع، وكانت عينة البحث على خمسين طفلاً منهم أربعين بدأوا العمل قبل العاشرة.
[وبماأننا لانعترف بالأثار النفسية لعمالة الأطفال ونعتبرها دلع ومياصة عيال، فسنذكر حادثتين توفى فيهما أطفال فى عمر الزهور، الأولى فى عام 1991 فى الحوامدية بالجيزة حين لقى 11 طفلاً مصرعهم فى إنقلاب عربة كانت تقلهم إلى مكان عملهم فى شركة قطاع عام لتكرير السكر!!!تصوروا قطاع عام ياناس!!، والثانية يوم 7 سبتمبر 1992 حين ماتت فتاتان إحداهما فى العاشرة فى إنقلاب عربة أيضاً كانت تقلهما من قرية صا الحجر غربية إلى إحدى مزارع الياسمين الخاصة، وهناك بالطبع مئات الحوادث مثلها تحدث سنوياً ولاحس ولاخبر، وبرغم هذه النهايات المفجعة إلا أن السخرة الجديدة والرق المستتر فى عمالة الأطفال مازال مستمراً برغم صيحات وصرخات المهتمين والباحثين، ومازالت عينا الطفلة البريئة الخادمة التى تنظر إلى عروسة رفيقتها فى السن والتى جعلها الزمن ستها، مازالت هذه النظرة لاتؤرق أحداً، مازالت يدا البنت المعروقة الجافة من أثر الأنيميا وهى مجروحة من عيدان القطن لاتستفز أحداً، ومازال صدر الأمورة "المزيق" من الربو فى مصنع السجاد لايسمع أحداً إلا الأمورة نفسها، فمتى نرى ونسمع أم أننا فى الكهف نائمون وفى العسل غارقون.

 

 


 الزواج المبكر إغتصاب علنى وصريح!!
*الزواج المبكر جريمة يشارك فيها مأذون مأجور وطبيب بلاضمير وأب جشع يبيع بنته فى المزاد.
 -45,8% من بنات الريف يتزوجن أقل من 16 سنة.
 -15% من مواليد الوطن العربى تلدهن أمهاتهن فى سن
 المراهقة.
 -نسبة وفيات الحمل والولادة للأمهات المراهقات خمسة
 أضعاف الأمهات فوق العشرين.
 -300 حالة زواج مبكر من غير المصريين يومياً فى الشهر
 العقارى تزيد إلى 500 فى الصيف.
 -الزواج المبكر جريمة تحدث يومياً برغم تجريم الشرع
 والقانون لها.
[ يقف الزوج صاحب الخمسين ربيعاً على شباك تذاكر الأتوبيس قائلاً للموظف:لو سمحت تذكرة لى ونص للمدام!!، ليست هذه نكتة وإنما للأسف حقيقة تحدث كثيراً عندنا فى مصر وسيناريو عبثى سريالى كابوسى أبطاله رجل رضى على نفسه أن يبيع لحم إبنته الطفلة بالقطاعى لرجل آخر قبل على نفسه أن يعاشر طفلة فى سن البراءة، الرجل الأول كاذب ومزور والرجل الثانى جشع وشهوانى، ملخص المشهد إغتصاب مقنع ومقنن بورقة عليها شهود، إغتصاب ليس فى السر وإنما هو فى العلن يقام له إحتفال ويوزع فيه الشربات ويدعى له المعازيم الذين يجلسون ليمارسوا النميمة ويملأون بطونهم بكل سرور وحبور وراحة ضمير، إنها جريمة يشارك فيها مأذون مأجور وطبيب باع ضميره وكتب شهادة تسنين مزورة وأب عرض طفلته فى مزاد "ألا أونه ألا دو ألا ترى ومين يزود"وعريس مفجوع لايريد زوجة وإنما يريد وعاء لتفريغ كبته وشهواته، والضحية زهرة بريئة بنت إمبارح، كانت حتى ليلة أمس تلعب فى الطين وتجرى وراء صاحباتها فى الإستغماية، وتبكى حين تنام فى العتمة، ولإقناعها وغسل دماغها يكفيها قطعة لبان أو عسلية، وفجأة بين عشية وضحاها يطلب المجتمع منها أن تترك ساحة الإستغماية الفسيحة لتتمدد فى سرير نوم متر فى متر تحت جثة من اللحم والشحم والعرق لشبه إنسان يؤدى غرضه فى ثوان ٍ ثم ينام ليغطى صوت شخيره على نهنهات دموعها، ويسد كرشه الأسطورى كل مسام التنفس لديها خانقاً إياها، والمدهش أن الأهل يأتون ليلة الدخلة لتهنئتها مطالبين إياها عدم الشكوى لأن الزواج سترة وهى مجرد فتاة جيشا تدلع وتدلك وتدغدغ وتزغزغ، والزوج إمبراطور يابانى آمر ناهى، عليها السمع والطاعة وعليه الإستمتاع والإستنطاع!!.
[-هى فين العروسة
-بتلعب بره فى الحارة 00أو فى الجرن 00أو فى الشارع!!
*بالطبع علامات التعجب السابقة التى وضعتها بعد جملتين الحوار من عندى، لأن الكارثة أن هؤلاء النخاسين الجدد المتاجرين بلحم وروح وأعراض أطفالهم، لم يضعوا أى علامة تعجب ولم يرمش لهم جفن ولم تهتز لهم خلجة وهم يمارسون هذه الجريمة البشعة التى تعد من أخطر صور العنف فى بلادنا ضد المرأة أو بالأصح ضد الطفلة الأنثى، عنف يومى متكرر طرفاه جلاد وضحية أما القاضى فغائب عن ساحة المحكمة، تبكى الطفلة فلايسمع لها أحد، تصرخ فينهرونها، تشكو فيقال لها إنتى مازلتى عيلة ماتفهميش حاجة، إشمعنى هنا ودلوقتى عيلة وحين تزوجت كانت آنسة حلوة خرطها خراط البنات وجسمها فاير ولازم تتلم!!، وبعد الزواج بواحد لم تختره من الأصل عليها تلبية مطالبه بداية من الأكل وليس إنتهاء بالجنس، وتلبية مطالب العيال والقيام بالأعمال المنزلية من طبخ وكنس 00الخ، مما يتعارض مع تكوينها الجسدى والنفسى، والأرقام على عكس مانتصور مخيفة ومرعبة ففى دراسة ميدانية حديثة أجريت فى إحدى قرى الجيزة وجد أن 45,8% من إجمالى العينة قد تزوجن فى سن أقل من 16 سنة، وأن نسبة الإناث اللاتى تزوجن فى سن العشرين قد بلغ 87,9% وذلك بحجة صيانة عفاف البنات، والحفاظ على شرفهن والخوف عليهن من العنوسة، أو للتخلص من عبء إعالتهن، خاصة إذا كان العدد كبيراً، أو للإستفادة من مهورهن، أو للرغبة فى إكثار العزوة، أو لتقليص الفارق العمرى بين الآباء والأبناء، أو مجرد إثبات سطوة الآباء على البنات ليس إلا 00الخ وتشير دراسة أخرى للدكتورة علياء شكرى إلى أن 36% من زيجات الريف تقع فى سن يقل عن 16 سنة، كما بينت دراسة د.إقبال السمالوطى 2000 أن هناك مابين 15 إلى 20 % من مجموع مواليد الوطن العربى تلدهن أمهاتهن وهن فى سن المراهقة، وهذا يدق ناقوس الخطر بقوة محذرا ً من المخاطر الرهيبة التى تنشب أنيابها فى الطفلة التى يوقعها حظها العاثر فى فخ الزواج المبكر.
[ أولى المخاطر هى المخاطر الصحية كتسمم الحمل، وفقر الدم، وصعوبة الولادة، والإجهاض، وبالطبع يساهم صغر السن فى فتح شهية الزوج للإنجاب المتكرر دون فاصل زمنى معقول بين الولادة والأخرى مما يعرضها للإنهاك البدنى ويعرض أطفالها للأنيميا والجفاف وإنخفاض الوزن والمناعة، ولهذا تكون معدلات وفيات الأمهات والرضع والأطفال دون الخامسة أعلى فى المناطق التى تنتشر فيها ظاهرة الزواج المبكر، وتبين الدراسات أن إحتمالات الوفيات فى الفتيات من عمر 10-14 سنة بسبب الحمل والولادة تزيد خمسة أضعاف عن وفاة النساء فى سن 20-45 سنة، وأن عسر الولادة أكثر شيوعاً بين الفتيات المراهقات، وأيضاً ترفع الدراسات الميدانية للباحثين مثل مركز النديم ود.إقبال السمالوطى ود.رفيقة حمود وغيرهم الستار عن أرقام ونتائج مرعبة لظاهرة الزواج المبكر، فهذا النوع من الزواج يحرمهن من فرص التعليم 47,3% من فتيات عينة بحث ريف الجيزة قد توقفن عن متابعة التعليم بسبب الزواج المبكر، وليس الصحة والتعليم فقط هما الخسارة الوحيدة ولكنها تخسر نفسها ومعنوياتها من الإحباط والقلق نتيجة لعدم قدرتها على القيام بإلتزاماتها وأعبائها والتناقض النفسى نتيجة عدم الإشباع العاطفى الذى لم ينضج بعد خاصة إذا كان الزوج أكبر منها بعشرات السنين، فقد أظهرت إحدى دراسات وزارة التأمينات والشئون الإجتماعية أن الفارق فى السن بين معظم الفتيات اللاتى تزوجن مبكراً وبين أزواجهن كان كبيراً، و على سبيل المثال كانت نسبة الفتيات اللاتى تزوجن من أزواج يكبرونهن بعشرين سنة وأكثر 65,7% مما يؤدى لإفتقاد الهارمونى والإنسجام ويصبح الزواج كقطعة موسيقى نشاز تعزف فيها الطبلة مكان الكمان والصاجات مكان الناى!!، وتنتهى معظم هذه العلاقات الشاذة إما بالصمت المتواطئ وإما بالطلاق الصارخ المدوى، فقد تبين أن نسبة المطلقات بين المتزوجات من سن 12-18 سنة بلغت 49% من حالات الطلاق.
[-"أبويا عامل تراحيل وأنا وافقت علشان أساعد أبويا 000السمسار أعطى أبويا 3 ألاف جنيه وأخد هو 10 ألاف، وسافرت مع الراجل العجوز بلده وهناك إتغيرت معاملته وعاملنى زى الخدامة، حتى أولاده مارحمونيش وشاركو أبوهم فى لحمى، وبعد خمس شهور طلقنى ورجعت على بيت أبويا"!!
هذه العبارات السابقة ليست من فيلم مقاولات رخيص ولكنها منقولة بالضبط من على لسان طفلة من البدرشين كانت جريدة الأهالى قد أجرت معها حواراً لرصد ظاهرة بيع المراهقات وتصدير القاصرات للخليج، وهى ظاهرة وتجارة تكاد تتخصص فيها قرى بعينها معروفة للمسئولين قبل الوسطاء، تجارة يعمل فيها الأب سمساراً فى جسد إبنته والأم دلالة تبيع البنت مقابل برميل من النفط، لاأستطيع أن أطلق عليها وصفاً سوى أنها دعارة أسوأ من دعارة بيوت الهوى، فالعقود العرفية لايتم توثيقها، والزوج بالكاد جد "مكحكح " والتسعيرة يضعها السمسار حسب السن ودرجة الجمال والدلع والأهم حسب المستوى الإقتصادى للأسرة، وبالطبع ينتهى هذا الزواج المأساوى بمشاكل لاحصر لها، من ضمنها جنسية الأطفال الذين فى الغالب يتركهم الأب العجوز ويغادر البلاد بعد رحلة الترفيه، أو يبعثهم مع الأم التى ملها وعافها لأرض الوطن، فهم لايمكن طبقاً للقانون المصرى أن يحملوا جنسية الأم، وبالتالى ليس لهم الحق فى التعليم المجانى أو الرعاية الصحية أو العمل فى القطاع الحكومى 00الخ، وهو فى الأصل فقير إبن فقيرة يتعامل معه المجتمع كأجنبى أسوأ حالاً من اللقيط، وتطبق عليه حلقة الفقر والضنك ويصبح أمام أحد إختيارين أن يتسول أو أن يسرق، لماذ تحدث تلك المتاهة منذ البداية؟، الجواب لأن هذه الزيجات عرفية لأن قوانين بلاد الزوج تنظم زواج رعاياها من الأجنبيات، ولاتعطى الزوجة الأجنبية أية حقوق إذا لم تلتزم بشروط الزواج من أجنبية، وبالتالى فهى لاتستطيع الحصول على الطلاق بسهولة إذا إختفى الزوج، وأيضاً هى لاتستطيع اللحاق به فى بلده لأنها ممنوعة بحكم قانون بلده من الدخول، بل الأنكى والأخطر أنها لاتستطيع مقاضاته هناك لتطلب حقوق أولادها منه، والمأساة ليست بسيطة أو مجرد ترف أو طق حنك فى مجلة ولكنها مأساة بمعنى الكلمة فالرقم مخيف والإحصائيات مرعبة فما يقرب من 300 حالة زواج مبكر لفتيات مصريات من غير المصريين تسجل يومياً فى الشهر العقارى، ويرتفع العدد إلى 500 حالة فى الصيف الذى هو موسم السياحة وماأتعس هذا النوع من السياحة التى من الممكن أن تدخل تحت بند السياحة الزواجية وأحياناً العلاجية!!.
والمأساة الأكبر حين تسافر الطفلة مع الزوج إلى بلده، وهى القليلة الخبرة والنضج تفتقد الأهل والسند والدفء والحماية الإجتماعية والقانونية، ويفترسها إغتراب الغربة والوحدة نتيجة الإختلاف الثقافى والعادات والتقاليد والشعور بالدونية نتيجة إهانة عائلة الزوج لها فهى تسافر لتعمل خادمة وجارية لازوجة، خاصة أنها تكون الزوجة الثانية أو التالتة أو الرابعة، حيث أكدت دراسة السمالوطى أن نسبة 65,7% من اللاتى تزوجن فى سن مبكرة من زوج غير مصرى أن أزواجهن كانوا متزوجين بأخريات قبل الزواج منهن، مماجعل نسبة الطلاق فى هذه الزيجات تصل إلى 51,4% من إجمالى عينة البحث.
[والعجيب والغريب أن إنتشار الزواج المبكر يتم بالرغم من أن هناك قانوناً شرعياً ووضعياً يمنع ويجرم مثل هذا الزواج، فالزواج فى الشريعة الإسلامية عقد رضائى يعتبر الرضاء به أحد أركانه الجوهرية، وفى حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم "لاتنكح الأيم حتى تستأمر ولاتنكح البكر حتى تستأذن "، وهذا يدل على أن الرضا الصحيح الذى لاعيب فيه شرط لازم من شروط الزواج.
أما من الناحية القانونية الوضعية فتنص المادة 33 من لائحة المأذونين أنه لاتجوز مباشرة عقد الزواج ولاالمصادقة على زواج مستند إلى ماقبل العمل بهذا القانون مالم يكن سن الزوجة ست عشرة سنة وسن الزوج ثمانى عشرة سنة وقت العقد، على أن المادة 34 من نفس اللائحة تفتح باب التحايل على شرط السن بقولها أن السن يثبت بشهادة الميلاد أو مستند آخر أو شهادة طبية يثبت فيها السن، وتنص المادة 227 عقوبات بأنه يعاقب بالحبس مدة لاتتجاوز سنتين أو بغرامة لاتزيد على ثلاثمائة جنيهاً كل من أبدى أمام الجهات المختصة بإثبات بلوغ أحد الزوجين السن المحددة قانوناً لضبط عقد الزواج أقوالاً يعلم أنها غير صحيحة، ويعاقب بالحبس أو بغرامة لاتزيد على خمسمائة جنيه كل شخص خوله القانون سلطة ضبط عقد الزواج وهو يعلم أن أحد طرفيه لم يبلغ السن القانونية للزواج.
وبالنسبة لزواج المصريات بغير المصريين فقد وضعت المادة شروطاً إضافية لتأمين حقوق الزوجة المصرية منها ألا يتجاوز فرق السن بين الزوج والزوجة خمسة وعشرين عاماً، والجزاء على عدم توافر هذه الشروط هو رفض توثيق العقد، إلا أنه أمام الإغراءات المادية يتم التحايل بالعقود العرفية التى لاتقدم أى ضمانات قانونية للزوجة التى تترك فى مهب الريح الإجتماعية قبل القانونية.
[إن ليلة زفاف طفلة هى ليلة زفاف دامية طقوسها مرعبة وتفاصيلها هى جريمة قتل مكتملة الأركان، فمن يمنع تلك الجريمة التى يقتل فيها الجهل والفقر والتخلف بخنجر مسموم روح زهرة ياسمين كانت تتوق للتفتح، إنه الخريف عندما يفرض شروطه على الربيع فينتصر الذبول على التفتح، والموت على الحياة، والتجاعيد على النضارة، إنه الكبر قبل الأوان والغروب فى ساعة الفجر.

 

 


 *قانون الجنسية المصرية لايعرف زينب
[ تخيلوا معي امرأة لكي تنقص وزنها قامت بقطع ثدييها وتمزيق رحمها و إلقاء كل هذه الأعضاء في صندوق القمامة، هذه ليست نكتة ولا فيلماً خيالياً من أفلام " الأكشن" و لكنها الحجة التي يستند إليها المجتمع المصري في تبرير منع إعطاء الجنسية المصرية لأبناء الأم المصرية المتزوجة من أجنبي، فالبعض يقول إن منح هذه الجنسية لهؤلاء يساعد علي زيادة السكان و يسهم في إذكاء نار الانفجار السكاني أي أننا نفعل بالضبط مثلما فعلت تلك المرأة التي أنقصت وزنها بالطريقة السابقة، و بالطبع أبناء بلا حبل سري يربطهم بالمجتمع هم مواطنون بدرجة مغترب، و تائهون في صحراء الضياع بلا نجم يهديهم أو بوصلة ترشدهم و مطاردون بلا جريمة و مهددون بلا سبب، و شيوخ و هم في شرخ الصبا.

[البداية زوجة تختار زوجاً أجنبياً بكامل حريتها أحيانا و بإجبار تحت وطأة أحيانا أخري، المهم أنها قد تزوجت، أما النهاية فهي دائما مغتربون دون هوية و دون جنسية و الرحلة ما بين محطة الانطلاق و رصيف الوصول مليئة بالتفاصيل الساخنة، فهي أحيانا تفاصيل سعيدة يرسمها زوج أجنبي يفهم جيداً واجبات الزوجية و معني الأسرة و قيمة المرأة، و أحياناً أخري و هي للأسف النسبة الغالبة تفاصيل مأساوية يحفرها دراكولا مصاص الدماء علي رقبتها و روحها و كيانها فهو يشتريها جارية بكل شروط الجواري ثم يتركها بعد أن يكون قد وجد جارية أخري، و لكن المأساه أنه يتركها تصارع بعد ذلك مجتمعاً يظلمها و يفترسها هو الآخر، فهو لا يريد الاعتراف بأبنائها و فلذات أكبادها، وهو الذي يعترف بأبناء الزنا و اللقطاء و المدهش أن أبناء الأم المصرية المتزوجة من أجنبى هم أبناء علاقة شرعية، و لكن كل هذا لا يشفع لها، فالأبواب موصدة دونها، والكل يصم آذانه عنها، و القانون لا يقف إلي جانبها و المجتمع ينفيها هي و أبناءها و المدهش أنها لم تعد حالات فردية فهناك أكثر من 250 ألف أم مصرية تعاني من تلك المأساة، و 600ألف إبن و إبنة يعيشون علي قمة بركان الرفض وحافة هاوية الانكار.
[المشكلة ليست كلمة في خانة الهوية بالبطاقة الشخصية و جواز السفر، و لكنها في إنسانية هذا الابن وكرامة هذه الابنة إن أبناء هذه الأم يتعلمون بأبهظ التكاليف، ومن حالفهم الحظ و طلعوا الأوائل يمنع تعيينهم في الكليات، و هم ممنوعون بالطبع من الترشيح للمجالس النيابية، ومطالبون بالرحيل أو بتجديد الإقامة كل فترة مثلهم مثل المفرج عنهم حديثا و المطالبين كل يوم بإثبات نفسهم و الإمضاء في قسم البوليس، ليس لهم تأمين صحي، لا يتوفر لهم وظائف محترمة، بإختصار ليست لهم حقوق المواطن المصري علي الإطلاق!، ولكن ماذا تقول نصوص القانون المصري التي تناقش مسألة الجنسية ( القانون 26 لست 1975) تعالوا نقرأها معا و نناقش مدي معقوليتها و منطقيتها:
• يعتبر مصرياً بالميلاد كل من ولد لأب مصري و ذلك دون قيد أو شرط و لا عبرة بتعدد ميلاد الأجيال في الخارج، إذ تعتبر هذه الأجيال جميعها مصرية فور الميلاد رغم ميلادها بالخارج و استقرار الأسرة بالخارج بشكل نهائي، بل يظل هؤلاء الأبناء مصريين حتى لو ثبتت لهم جنسية الأم الأجنبية طالما كان الأب مصرياً وقت الميلاد، و معني هذا الكلام أن الحفيد الذي يعيش في أمريكا أو موزمبيق أو حتى إسرائيل يظل مصرياً لأن جده مصري، و أباه الذي لم يزر مصر فترة واحدة مصري بالتبعية لجده.
• الجنسية المصرية تثبت لمن يولد من أم مصرية في مصر إذا كان الأب مجهولاً أو كان عديم الجنسية أو مجهولها، و معني هذه الفقرة أن حال المرأة التي إغتصبها مجهول، أو حملت سفاحاً من فرد عديم الجنسية أو مجهولها، تصوروا تلك المرأة أفضل حالاً من المرأة التي تزوجت بأجنبي شرعاً علي سنة الله و رسوله.
 
• يعتبر مصرياً من ولد في الخارج من أم مصرية و من أب مجهول أو لا جنسية له أو مجهول الجنسية إذا اختار الجنسية المصرية خلال سنة من تاريخ بلوغه سن الرشد بإخطار يوجه إلي وزير الداخلية بعد جعل إقامته العادية في مصر و لم يعترض وزير الداخلية علي ذلك خلال سنة من وصول الإخطار إليه، و أيضاً معني هذا الكلام عجيب و غريب فهو يجعل الجنسية المصرية مسموح بها و ممنوعة بل مستحيلة في الوقت نفسه، فالإبن عديم الجنسية حتي بلوغ سن الرشد و عندما يصل إلي سن البلوغ لا يكتسب هذه الجنسية أوتوماتيكياً، فهذا رهن بموافقة وزير الداخلية و هي موافقة ضمنية بمعني أن الوزير إذا لم يعترض خلال سنة من تاريخ تقديم الطلب فمعناه أنه موافق، يعني السكوت علامة الرضا، فالجنسية هنا منحة و ليست حقاً أصيلاً، وإنتظروا لاتتسرعوا لسه متاهة بيت جحا ماخلصتش، فالإعتراض غير مسبب يعني إعتراض و خلاص، و لا يحق لك أن تشتكي أو تعرف حتى السبب -شفتم إزاي دي وصفة سهلة ووصفة هايلة- و المدهش و العجيب أن قوانين زمان كانت أكثر حنواً و تعاطفاً مع الأم المصرية المتزوجة من أجنبي، و لو قرأناها بإمعان نري أننا تقدمنا و لكن إلي الخلف بالنسبة لهذه القضية، فتشريع الجنسية الصادر سنة 1950 كان أكثر تقدمية و استنارة، فلم يكن يعلق جنسية هذا الإبن المولود بالخارج لأم مصرية و الدخول فيها علي سلطة الدول التقديرية بل كان يرتب الدخول في الجنسية المصرية علي مجرد الطلب و دون حاجة للاستقرار بمصر، فقد كان ينص علي أنه:
يعتبر مصرياً من ولد في الخارج من أم مصرية و أب مجهول الجنسية أو لا جنسية له و اختار الجنسية المصرية خلال سنة من تاريخ بلوغه سن الرشد، و ذلك بإخطار يوجه إلي وزير الداخلية.
ولو رجعنا إلي قانون أقدم نجده أكثر شجاعة هو الآخر في التصدي لهذه القضية، فتشريع الجنسية الصادر سنة 1929 لا ينص علي أن يكون محل الميلاد مصر حتى تنقل الأم جنسيتها للابن المولود لأب مجهول أو عديم الجنسية ففي المادة السادسة من هذا القانون نجد:
 يعتبر مصريا من ولد في القانون المصري أو في الخارج من أم مصرية ما دامت نسبته إلي أبيه لم تثبت قانونا.
كل ما سبق يجعلنا نصرخ كما صرخ قديما فؤاد المهندس: قانون الجنسية مافيهوش زينب، و لكننا لن نرقص كما رقص الفنان الكبير و هو يغني من غير شنب، فالحقيقة أن من يملك الشنب هو من يملك القانون، ومن يملك هذا الشنب هو الذي يملك حق منح الهوية و تشكيل الكيان و نفحة الاعتراف، و كلنا أمل في أن يصدر قانون جديد يعدل من هذه الموازين المختلة، و يحمل صيغة مختصرة وواضحة و هي " يعد مصريا من ولد لأب مصري أو لأم مصرية "، و هذا لأن القانون الحالي لا يتعارض فقط مع الإنسانية و لكنه يتعارض كما قال د. فؤاد رياض أستاذ القانون الدولي مع تشريع الجنسية الحالي للقانون الدولي و أيضاً يخالف المبادئ الأساسية في الدستور المصري نفسه، فالقانون الدولي ينص علي وجوب تمتع كل فرد بالجنسية، و قد تأكد هذا المبدأ في الاتفاقية الدولية التي وافقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في فبراير 1967 و هي تقضي في الفقرة الثالثة من المادة (24) منها بأن لكل طفل الحق في أن تكون له جنسية.
[ لو ذهبنا إلي دول نامية مثلنا لنقرأ قوانين جنسية فيها نجد أنها أكثر مرونة و توافقاً مع المتطلبات الاجتماعية و الإنسانية، ففي الجزائر علي سبيل المثال ينص تشريعهم 1970 علي أنه يعتبر جزائرياً الولد المولود من أم جزائرية و أب عديم الجنسية، أي أن القانون الجزائري لم يشترط الميلاد بإقليم الدولة كشرط للاعتراف مثل القانون المصري، أما القانون التونسي فيذهب إلي أبعد من ذلك حيث حدثت ثورة تشريعية بالنسبة لهذه القضية 1993 حين ساوي تماما بين الأب و الأم في منح الجنسية حيث نص علي أنه " يصبح تونسيا من ولد خارج تونس من أم تونسية و أب أجنبي علي أن يطالب بهذه الصفة بمقتضي تصريح خلال العام السابق علي سن الرشد، أما قبل بلوغ الطالب سن التاسعة عشرة فيصبح تونسياً بمجرد تصريح مشترك من أمه و أبيه " بمعني أن الدولة لا تستطيع منعه من إكتساب الجنسية بمجرد تعبيره عن رغبته في إكتسابها، وإذا ذهبنا إلي أحراش أفريقيا في زائير، نجد أنه حتي القانون الزائيري للجنسية سبق القانون المصري حيث نص 1981 علي أن جنسية زائير "تثبت فور الميلاد لكل من ولد لأب زائيري أو لأم زائيرية دون تفرقة"، و إذا قررنا الطيران إلي الصين حيث نتوقع أن يكونوا أشد منا قسوة في قانون جنسيتهم لأنهم أصل الانفجار السكاني و هم أحق بقانوننا الميمون، و لكن للأسف لن يجد المشرع المصري في قانون الصين القشة التي يتعلق بها، فالقانون الصادر في الصين 1980 ينص علي أنه يعتبر صينياً كل من ولد بالخارج لأب صيني أو لأم صينية، و نجد أن هذه المفاهيم تتكرر في القانون التركي و المكسيكي و البلجيكي...الخ
و القانون الحالي في نظر أساتذة القانون يتعارض مع الدستور و هذا ما يؤكده د. فؤاد رياض و الأستاذة مني ذو الفقار و د. فوزية عبد الستار و غيرهم كثيرون، فهو يتناقض مع المادة 11 التي تقول " إن الدولة تكفل مساواة المرأة بالرجل في ميادين الحياة السياسية و الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية "، و تضيف المادة 40 أن " المواطنون لدي القانون متساوون في الحقوق و الواجبات العامة لا تميز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو الدين أو العقيدة"، و بما أن قانون الجنسية المصري يميز ما بين المرأة و الرجل فالقانون إذاً غير دستوري و هذا ما إستند إليه بعض أعضاء مجلس الشعب في اعتراضاتهم علي هذا القانون.
 [و كما أن هناك من يعترض علي القانون الحالي فإنه قد وجد أنصاراً و مدافعين و حججهم جاهزة، و لكن من السهل تفنيدها فالحجة الأولي، و هي التي ذكرناها في بداية المقال تقول إن المجتمع " مش ناقص " انفجار سكاني، و هذه حجة متهافتة و مردود عليها تجعلنا نغض الطرف عن الأسباب الحقيقية لزيادة السكان من جهل و تخلف، و الحجة الثانية هي أن الأب هو الذي يزرع الانتماء و ليس الأم، و الحقيقة و العلم يثبت عكس ذلك فالأم هي التي تحتضن الطفل في سن يكون فيها كالورقة البيضاء تخط عليها ما تشاء من قيم و مثل، و كالأرض البكر التي تستقبل كل البذور الصالح منها و الطالح بلا اعتراض، إذاً الأم هي تصغير الوطن و هي من تزرع هذه الروح منذ الطفولة عن طريق الأم التي يختزل الطفل صورة الوطن في حضنها الواسع.
أما الحجة الثالثة فهي حجة غريبة فالبعض يقول إن السماح بالجنسية لهؤلاء الأبناء يفتح الباب علي البحري لظاهرة الأبناء غير الشرعيين، و كأننا نتهم نساءنا في شرفهن بكل هذه البساطة و السطحية، و الحجة الرابعة وهي التقليل من زواج الأجانب فهي تعد تدخلاً صريحاً في حق أصيل و هو حق اختيار شريك الحياة، أما الحجة الأخيرة و التي يعدها المدافعون عن القانون الحالي مفحمة فهي أن الازدواجية موجودة سواء بهذا القانون أو من غيره، فكما قلنا الجنسية المصرية تمنح جيلاً بعد جيل لأبناء الأب المصري الموجود في الخارج و المتزوج من أجنبية حتي لو انقطعت صلتهم، إذاً هناك إزدواجية فعلاً، فلماذا تكون فخراً بالنسبة لهؤلاء، وتهمة وسبة بالنسبة لأبناء الأم المتزوجة من أجنبي؟!.
[نتمني رفع المعاناة عن ربع مليون امرأة مصرية أصبحت تسليتهن الوحيدة في أوراق المحاكم، يتنزهن في أقسام البوليس و لا يقرأن المستقبل إلا علي صفحات المظالم و الشكاوي وطلبات الإقامة و بين سطور توسلات تخفيض مصاريف التعليم و الفرص الاستثنائية لتعيين المغتربين، إن أبناء تلك الأمهات المعذبات ليسوا نبتاً شيطانياً و إنما هم زرع أصيل نما في قلب هذا الوطن، و لكنهم للأسف زرع فقد جذوره وكتب عليه العطش المزمن لأنه ممنوع من الري، وفقدت أوراقه نعمة النظر إلي دفء الشمس لأنها أوراق ذابلة في نظر المجتمع أما ساقه وبراعمه فقد نخرها السوس حتى العصارة، فهل ننقذ هذا الزرع أم ندعه يتحول إلي مجرد كومة قش تنتظر أن تكون وقوداً لحريق منذر؟!.
 

 

عمل المرأة هل هو" صرمحة"؟!
لا تجوع الحرة إذا أكلت من يديها‍

["تجوع الحرة و لا تأكل بثدييها"... من أشهر الأقوال المأثورة في لغتنا العربية التي نسيت أو تناست أن تضيف قولاً مأثوراً آخر حتي تؤكد قيمة عمل المرأة لتتزن المعادلة، فلم تقل مثلاً " لا تجوع المرأة الحرة حين تأكل بيديها"، و أقول تناست اللغة لأن لغتنا العربية لم تخرج عن السياق الثقافي في العام للمجتمع، ولم تكن استثناء في مسيرة التمييز ضد المرأة، و تعمدت هي الأخري الإنحياز للرجل، و ها هي بعض الإمتيازات التي حصل عليها الرجل في لغتنا العربية التي اضطهدت المرأة هي الأخرى، و مارست عليها القهر اللغوي كما مارس المجتمع عليها من قبل القهر الاجتماعي.
[فعلي سبيل المثال من الممكن أن ننطق إسم أحمد و نقول " أحمدن " بالتنوين، لكن لا نستطيع أن نفعل نفس الشئ مع " سعاد" فممنوع أن نمارس عليها حق التنوين و ننطقها سعادن"، و يتساءل القارئ " و إيه يعني التنوين.. ده شئ تافه ليست له دلالة؟" و لكن بعض علماء اللغة يؤكدون أن له دلالة ودلالة كبيرة، فالتنوين ممنوع علي الاسم العلم المؤنث كما هو ممنوع علي الاسم الأعجمي، و يعني إيه أعجمي؟، الأعجمي إسم يطلق علي غير العرب و تشم منه رائحة المهانة لغير العربي و عطر الفخار للعربي المميز، و يحمل الأعجمي معني الابهام و عدم القدرة علي التعبير لدرجة أن أحد معانيه في المعجم هي البهيمة، نستخلص إذاً أن وضع المرأة في اللغة هو نفس وضع أولئك الأعاجم الأغيار الأقليات.
[ لم يكن هذا هو المظهر العنصري الطائفي الوحيد الذي مارسته اللغة العربية ضد المرأة، فمثلاً إذا أردنا الحديث عن جمع كبير يضم ألف إمرأة و رجل واحد فسنعامله معاملة جمع المذكر و ليس جمع المؤنث، إذاً العدد لا يهم و الكم مهمل، فالمهم أن الرجل يجب ما عداه و يلغي من سواه، فالذكر هو الأصل في اللغة العربية مع أن الأنثي هي الأصل في الحياة.
و برغم أن القرآن أحدث ثورة في لغة خطاب النساء اللاتي وجه إليهن الكلام مساوياً لخطاب الرجال علي عكس الخطاب الجاهلي، و برغم أن القرآن أنصف حواء من المفهوم التوراتي الذي يحملها مسئولية إغواء آدم وساوي بينهما في مسئولية اقتراف الخطيئة فقال في محكم آياته " فأزلهما الشيطان"، إلا أن الكثيرين حتي المستنيرين مازالوا يرفضون هذه المساواة و يطلقون علي عمل المرأة " صرمحة"، و لنقرأ ما كتبه د. مصطفي محمود في جريدة " الأهرام بتاريخ 18/2/1992 حيث قال " نسمع هذه الأيام صيحات التمرد التي يطلقها نصفنا الآخر اللطيف، و أكثرهن زوجات لرجال أثرياء يطالبن بالخروج من البيت للعمل و يلقين بأولادهن إلي الشارع، و تصرخ الواحدة في وجه زوجها بأنها تريد أن تحقق ذاتها و أن رأسها برأسه سواء بسواء، يحيرني هذا المنطق فأي تحقق للذات، تريد أن تصبح هذه المرأة أو تلك سكرتيرة لفلان أو مهندسة للمجاري أو صرافة في بنك أو بائعة في سوبر ماركت، إن تحقيق الذات هو كلام روايات و طلب للتغيير و " الصرمحة"!!.
و هكذا و ببساطة شديدة يتهم عمل المرأة بأنه نوع من الصرمحة، والمشكلة الحقيقية في هذا الكلام أنه ليس حديثاً خاصاً، أو مقالة مستثناه، أو كلاماً عابراً قيل منذ سنوات، و لكنه تيار عام جارف، و مناخ محيط خانق يتنفس هذه المفاهيم التي أقل ما توصف بأنها مفاهيم متخلفة غير حضارية، و لا تتنافي فقط مع القيم الدينية، بل تتنافي أيضا مع أبسط القيم الإنسانية، و المأساه أن المرأة نفسها أصبحت تردد هذا الكلام نتيجة الضغوط الشديدة و الحياة القاسية التي من الممكن أن توفر لها هامش عمل بسيطاً، و لكنها في نفس الوقت تضغط عليها بين سندان الواجبات المنزلية المهلكة و مطرقة الإهمال الحكومي وعدم توفير ما يساعدها علي أداء هذه الواجبات من أجهزة كهربائية و حضانات... إلخ، و هكذا تصورت المرأة قيودها أساور ذهبية، و جعلها الرجل المروج لهذا الفكر تعيش في وهم أنها الدرة المصونة والجوهرة المكنونة و التي لا يجب عليها أن "تتبهدل "في العمل، و هو في الحقيقة يريدها مجرد دمية، و بالطبع يحمل هذا الفكر مغالطات كثيرة تحمل في طياتها عوامل موتها و من السهل الرد عليها، فأولاً ليس الخروج إلي العمل مرادفاً بالضرورة و التبعية لإلقاء الأولاد في الشارع، و كثيراً ما تروج وسائل الإعلام لخرافة أن الإدمان و التربية السيئة هي نتيجة طبيعية لعمل المرأة و يا سلام علي أمهات زمان اللاتي كن تلزمن بيوتهن لتخرجن أبناء صالحين...إلى آخر هذا الكلام، و نحن نعترف بالجميل لهذه الأمهات، و لكننا لا نوافق علي أن المرأة العاملة هي بالضرورة أم فاشلة، و ما أكثر النماذج الناجحة التي نراها لأمهات عاملات جعلن من أبنائهن علامات بارزة في المجتمع مهنياً و أخلاقياً، و كان الإحتكاك الإجتماعي خير معين لتلك الأمهات علي تحقيق غايتهن و هدفهن التربوي.
و ثانياً: لا يكفي أن نقول: ما كفاية علي الستات التعليم فهذه مصادرة علي حقهن و أحلامهن المشروعة، فالعمل ضروري مثله مثل التعليم، و بدلاً من أن نفكر في تجنيب المرأة بهدلة العمل علينا أن نقضي علي أسباب هذه البهدلة من الأصل، و نجعل ظروف العمل أكثر إنسانية للجميع سواء المرأة أو الرجل، و أيضاً يعد هذا الكلام من قبيل الفهم المنقوص لمفهوم التعليم نفسه، فالتعليم عملية ديناميكية مستمرة طوال العمر و ليس مجرد عدد من السنين أو مراحل دراسية معينة تقضيها المرأة بين جدران مدرسة أو معهد أو جامعة.
و ثالثا: اتهام المرأة علي طول الخط بأنها السبب الأساسي للبطالة " و لما نبقي نلاقي شغل للرجالة الأول نبقي نشغل الستات "، هذا الاتهام يغفل الأسباب الأساسية للبطالة و التي ستخلق البطالة حتي و لو كان المجتمع كله من الرجال، فلابد من أن نواجه أنفسنا بشجاعة و نعترف بأننا كمجتمع و كمسئولين تسببنا في خلق البطالة التي جعلنا من المرأة سبباً لها و شماعة نعلق عليها كل خطايانا الاجتماعية و الاقتصادية أيضاً.
رابعاً: إستخدام اللهجة الساخرة لتمرير أخطر الأفكار تدميراً، و تبرير وأد المرأة المعاصر بإسم حمايتها عن طريق جمل مثل " يعني حتعملي إيه بالشغل أخرتها حتشتغلي مهندسة مجاري و لا بياعة في سوبر ماركت "، و بالطبع لا يوجد عمل حقير لأن مجاله المجارى أو الزبالة، ولاآخر فاضل لأن مجاله العطور أو الزهور، و تدني وضع المرأة ليس ناتجا عن تدني مجال العمل، و لكنه ناتج عن تدني إنسانيتها و التعامل معها و كأنها قطعة شطرنج ما عليها إلا أن تستجيب لحركات أيدينا، و ليس عليها أن تختار و تدخل كلاعب أو كمشارك.
[و تعتبر المحامية صفاء زكي مراد الأفكار التي تنادي بعودة المرأة للبيت و منعها عن العمل أفكارا انتهازية، عندما تحتاج للمرأة في نشاط تنموي قومي تنادي بحق العمل، و في أوقات الانحسار الاقتصادي تنادي بجلوسها في المنزل، و تتغافل عن كون المرأة كائناً اجتماعياً له دوره المؤثر الفعال، و الذي يتسع ليشمل عملها والتزامها نحو الأسرة و البناء، و تتغافل هذه الأفكار أيضاً كون العمل في حد ذاته قيمة عظيمة و كبيرة تضيف إلي الإنسان الكثير، و عمل المرأة يصقلها و يثقفها و يوسع مداركها و يجعلها كائناً اجتماعياً أقدر علي التفاعل مع الحياة، و تضيف الأستاذة صفاء مراد قائلة " قضية عمل المرأة الانتاجي و إنخراطها فيه انما هي قضية اجتماعية و اقتصادية، قضية تحويل مجموعة بشرية في المجتمع تمثل من حيث التعداد نصفه من كونها مجموعة مستهلكة تعيش علي ناتج عمل النصف الآخر و تستهلكه إلي مجموعة منتجة تسهم في صنع الخيرات المادية التي يعيش عليها المجتمع، و مع هذا فيجب ألا نغفل أن الأعباء المنزلية و الأسرية الملقاة علي عاتق المرأة وحدها فى ظل إنسحاب الدولة وتخليهاعن القيام بدورها الخدمى الاجتماعى، وفىظل سيادة نسق فكرى وقيمى متخلف، كل هذا يجعل من عمل المرأة عبئاً اضافياً وضرورة اقتصادية أكثر منه قيمة انسانية واجتماعية مهمة.... إنتهت هذة المرافعة البليغة ولكن لن تنتهى بالطبع مشاكل عمل المرأة وقبولها كعضو فاعل فى المجتمع إلا إذا أدت الدولة دورها الخدمى والاجتماعى كما يجب، وإنتشرت المفاهيم التى تعلى من شأن عمل المرأة ومن شأن المرأة ذاتها ككائن كامل وليس نصف كائن.
 [دائماً ما يهرب معارضو عمل المرة فى كتاباتهم من رقم مهم ومزعج وهو أن 22 % من الأسر المصرية تعولوهن سيدات، وذلك لأن هذا الرقم يحمل فى طياتة الرد المفحم على من يطالب المرأة بالجلوس فى البيت لعدم جدوى العمل الاقتصادية، ونجد كثيراً من الرجال فى الطبقات الشعبية يهاجمون عمل المرأة ويحقرونها، وفى الوقت نفسه نجد الزوج ينتظرها بعد عودتها من العمل كخادمة او عاملة ليقبض راتبها، وإن رفضت يعالجها بالضرب لأنه فى أحيان كثيرة يريد هذا الراتب والأجر لشراء البانجو، وأحيانا للزواج من إمرأة أخرى لتلعب دور الضرة وبذلك تتحول الدرة المكنونة الى ضرة مجنونة، وتنقلب الجوهرة المصونة الى المرة المئونة، إلى بقرة يحلب منها الزوج الفلوس ليرضع منها ملذاته الخاصة.
[من الأرقام الاخرى المفحمة الرقم الذى يمثل نسبة عمل المرأة فى التعليم الابتدائى، فأكثر من 97 % من مدرسى الابتدائى من النساء وهو رقم مكتسح يدل على مدى إسهام المرأة فى تشكيل عقل ووجدان الجيل الجديد فى مصر بعملها أيضاً وليس بمجرد جلوسها فى بيتها.
 ورقم آخر ولكنه هذه المرة يثير الخجل فى مجتمع يدعى المساواة ويحاول اللحاق بركب القرن الحادى والعشرين، رقم نسبة البطالة التى وصلت حسب تقرير " فريدريش ايبرت" الى أكثر من 24 % أى ضعف معدلها على المستوى القومى، والرقم الآخر هو أن ثلث عمالة النساء غير مدفوعة الأجر، وفى دراسة قام بها معهد التخطيط القومى فى مصر تناولت 6064 مؤسسة صناعية صغيرة أظهرت النتائج أن ثلثي المنشآت فقط كانت تدفع أجوراً متساوية للنساء و الرجال.
[ علي ضوء هذه الأرقام وغيرها تحلل د. رفيقة حمود وضع عمل المرأة عندنا فتقول " أرباب العمل يحجمون عن تعيين النساء بحجة أنهن يتغيبن أكثر من الرجال خصوصاً المتزوجات منهن بسبب المسئوليات الأسرية أو يستبعدونهن من العمل بشكل تعسفي في حالات الزواج و الحمل و الولادة فضلاً عن حرمانهن من الضمانات الاجتماعية و التأمين الصحي و من فرص التدريب و التأهيل و إبعادهن عن المراكز القيادية حتي و إن كن يتمتعن بالمؤهلات العلمية و المهنية اللازمة، هذا و تستبعد المرأة من بعض الإعلانات التي تعلن عن موظفين لبعض الأعمال التي يمكن أن تمارسها، و تنحصر فرص التعيين أو الترقية للمرأة في إطار الوظائف غير الإشرافية 46.9%، بحيث لا يسمح لها بالمشاركة في اتخاذ القرار كما يتم التركيز علي تعيينها في الأعمال المتعلقة بالخدمات 37.2% و هي الوظائف التي لا تظهر قدراتها الخلاقة في العمل".
و المدهش أن يحدث هذا التجاوز و يتحقق هذا الظلم في ظل دستور مصري يؤكد مساواة المرأة بالرجل و تحقيق الفرص المتكافئة لهما، و يعلي من قيمة العمل الإنساني عامة و عمل المرأة خاصة و يتضح ذلك من مواد الدستور أرقام 8، 13، 14، 10، 11 و التي تنص علي ما يلي:-
- المادة 13: العمل حق وواجب و شرف تكفله الدولة و يكون العاملون الممتازون محل تقدير الدولة و المجتمع، ولا يجوز فرض أي عمل جبراً علي المواطنين إلا بمقتضي قانون و لأداء خدمة عامة و بمقابل عادل.
- المادة:14 الوظائف العامة حق للمواطنين و تكليف للقائمين بها لخدمة الشعب و تكفل الدولة حمايتهم و قيامهم بأداء واجباتهم في رعاية مصالح الشعب.
- المادة 10: تكفل الدولة حماية الأمومة و الطفولة و ترعي النشء و الشباب وتوفر لهم الظروف المناسبة لتنمية ملكاتهم.
- المادة 11:تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة و عملها في المجتمع ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية و الإجتماعية و الثقافية و الاقتصادية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية.
و إنطلاقا من تلك المفاهيم التي أقرها الدستور حاول القانون المصري أن يعكسها علي مواده و كان المشرع في كثير من الأحيان مستنيراً واعياً لدور المرأة الإنساني و الإجتماعي فأصدر عدداً كبيراً من قوانين العمل التي تحمي المرأة مثل:
• للعاملة الحق في إجازة وضع تكون مدتها ثلاثة أشهر بعد الوضع و ذلك لثلاث مرات طوال حياتها الوظيفية.
• للعاملة التي أمضت ستة أشهر في خدمة أصحاب العمل الحق في إجازة وضع مدتها خمسون يوماً بأجر كامل، ولا يجوز تشغيل العاملة خلال الأربعين يوما التالية للوضع.
•  في خلال الثمانية عشر شهراً التالية لتاريخ الوضع يكون للعاملة الحق في الحصول علي اجازة بدون راتب لا تزيد علي سنة لرعاية طفلها.
• علي صاحب العمل الذي يستخدم مائة عاملة أو أكثر في مكان واحد أن ينشئ أو يعهد إلي دار حضانة بإيواء الأطفال.
• لا يجوز تشغيل النساء في الفترة ما بين الساعة الثانية مساء و السابعة صباحا إلا في الأحوال و الأعمال و المناسبات التي يصدر بتحديدها قرار من وزير القوي العاملة.
• لا يجوز تشغيل النساء في الأعمال الضارة بهن صحياً أو أخلاقياً و كذلك في الأعمال الشاقة.
[لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن و يأتي الواقع بما لا تشتهيه و تبغيه القوانين، فأي قانون يظل حبيس أوراقه و بنوده و لا يساوي ثمن الحبر الذي كتب به إذا لم يواكبه قبول اجتماعي يجعل تطبيقه مقبولاً، و للمحافظة علي روح القانون و عدم تحويله إلي مجرد فقرات شكلية و عبارات حماسية مزخرفة يجب أن يحميه المجتمع لا أن يهرب منه و يحاول وأده و الالتفاف عليه و الزوغان منه، و قد إستغل الكثيرون من أرباب العمل الثغرات التى دخلت وتسللت إلى نسيج بعض هذه القوانين لجعلها حبراً على ورق، وذلك كله يرجع لسبب بسيط هو أنهم فعلاً لايؤمنون بعمل المرأة ودورها الإجتماعى، ويحاولون تهميشها بشتى السبل والوسائل وتحت مسميات كثيرة منها الدينى ومنها الإجتماعى ومنها الإقتصادى..الخ، ومن بين هذه الثغرات التى لابد أن ياتفت إليها المشرع مايلى:
• يوجد تناقض تشريعى واضح بين قانون المرأة العاملة بالقطاع الخاص، والمرأة العاملة بالقطاع العام والدولة، ففى حالة القطاع العام والدولة إجازة الوضع ثلاثة أشهر، وفى القطاع الخاص أربعون يوماً فقط، وهذا تمييز واضح مابين الحالتين، فبرغم أن المشرع قد إقتنع أن المدة المناسبة ثلاثة أشهر فلماذا التراجع في حالة العاملات في القطاع الخاص؟.
•  تناقض تشريعي آخر بين العاملات في القطاع الخاص و العام، ففي القطاع الخاص إجازة رعاية الطفل سنة بدون راتب، أما في القطاع العام فمن حق العاملة إجازة سنتان بدون راتب لرعاية الطفل، وهذا تمييز آخر ليس له أي مبرر.
•  الشرط الذي يتطلبه القانون لكي يلتزم صاحب العمل بإنشاء دور حضانة لأطفال العاملات و هو استخدامه لمائة عاملة فأكثر هو شرط مجحف بحقوق المرأة العاملة في المنشآت التي تستخدم عاملات أقل من هذا العدد، و ذلك لأن إحتياج المرأة لدور الحضانة لا يتقيد بالعدد و هو إحتياج ملح سواء في المصانع الصغيرة أو الكبيرة، إنه بإختصار شديد غير عادل و غير مبرر، و في معظم الأحيان يتحايل عليه صاحب العمل بتعيين أقل من مائة عاملة تجنباً لوجع الدماغ.
•  و الغريب و المدهش و نحن ننتمي جميعا إلي أصول ريفية، تجد معظمنا ينسي المرأة الفلاحة و يتحدث عن المرأة المتوسطة بنت المدينة، و كأنها هي التي تمثل عنصر النساء في المجتمع و تنص المادة "14" من إتفاقية المرأة علي إلتزام الدول الأطراف بأن تضع في اعتبارها المشاكل الخاصة التي تواجهها المرأة الريفية، و الأدوار المهمة التي تؤديها في تأمين أسباب البقاء اقتصادياً لأسرتها بما في ذلك عملها في النشاط الاقتصادي دون أجر، و أن تكفل لها علي أساس المساواة مع الرجل حق التدريب و التعليم و التأمين الاجتماعي و المشاركة في وضع و تنفيذ خطط التنمية علي جميع المستويات، و توفير فرصة الحصول علي القروض و الائتمان، و تسهيل و تسويق التكنولوجيا المناسبة، و المساواة في المعاملة في مشروعات استصلاح الأراضي و الاستصلاح الزراعي و مشروعات التطوير الريفية و في التمتع بالظروف المعيشية الملائمة.
ما سبق هو المفترض ولكن ما يجري علي أرض الواقع بعيد كل البعد عما سبق ذكره، فالقانون المصري لا يعتبر المرأة الريفية التي تعمل عاملة، و سنفهم حالاً حل هذا اللغز العويص، السبب كما تقول المحامية مني ذو الفقار أنها تعمل بدون أجر في معظم الأحيان و لذلك فهي لا تتمتع بأية حماية قانونية في ظل قوانين العمل السارية، و لا بأية حقوق في التأمينات الإجتماعية، كما أن حقها في الحصول علي الائتمان و القروض و تسهيلات التسويق و المشاركة في تنفيذ البرامج الصحية و تنظيم الأسرة، تعتبر جميعها نظرية إلي حد بعيد حيث يحول دون تطبيقها أو ممارستها نسبة الأمية العالية و إزدواج مسئولية المرأة الريفية و غيرها من الأسباب الاقتصادية و الاجتماعية.
و إذا كان هذا هو حال المرأة الريفية فماذا سيكون حال بائعة الخضروات المتجولة على سبيل المثال؟، بالطبع في منتهي البؤس و الضنك، فلو حملت أو وضعت هذه المرأة هل لها من معين؟، أم أننا سنطلق في وجوههن قولنا المأثور "الفقرا لهم ربنا"، و بالطبع نعم بالله، و لكن الله لم يقل لنا أن نرمي هؤلاء السيدات في الشارع بدون أي تأمينات أو دعم، و أعرف أن هذا مطلب من مطالب اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة بالنسبة لنا لأن المرأة علي الهامش و من نتكلم عنهن علي هامش الهامش، و لكن صدقوني لن يحدث تقدم بدون حلم و بدون تفكير في اليوتوبيا.
وهذا التهميش للأسف تسهم فيه وسائل الإعلام فبعد أن كنا في الستينات نشاهد فيلما للفنانة ماجدة تذهب فيه للسد العالي أصبحنا نسمع السيدة آمال فهمي و هي تدعو في برنامجها " علي الناصية" لعودة المرأة للبيت وأصبحنا أيضاً نشاهد إعلانات وظائف غريبة و شاذة تكتب بكل بجاحة وظائف " للذكور فقط"، فهل تصبح الحياة للذكور فقط برغم أن صانعة الحياة و رحمها الخصيب و حضنها الواسع هي المرأة و المرأة فقط؟

 

"الشلوت" حجر الزاوية في العلاقة الزوجية
["إكسر للبنت ضلع يطلع لها ضلعين "، و" ضرب الحبيب زي أكل الزبيب"، هذه الشعارات و غيرها هي ما يستند إليه و يختبئ وراءه معظم الرجال الذين يضربون زوجاتهم، و المصيبة أن هذه الأمثال الشعبية ليست صناعة مصرية خالصة، و إنما هي سوق عربية مشتركة، فهناك أيضاً من تعبيرات و أمثال الشام " المرأة مثل السجاد ما بتنضف إلا بالخبط "، و "المرأة مثل الزيتون ما بتحلي إلا بالرص" أي بالضرب، و" المرأة كل مابهدلتها حبتك و كل ما دلتها سبتك"، و "المرأة فشه خلق " أي متنفس للكبت، و" إضرب المرأة بدون سبب هي بتعرف ليش"..الخ

[و لأن المرأة فشة خلق كما تقول الأمثال التي جمعتها د. رفيقة حمود، فهي كمثل كيس الرمل الذي يعلقه أصحاب العمل اليابانيون علي بعض أبواب شركاتهم ليضربه الموظفون في الصباح، و يفشوا غلهم فيه فينتهي توترهم و يبدأوا يوماً جديداً بهمة و نشاط، و لأن من المسموح به للرجل أن يكون بالون غضب، ومن الممنوع علي المرأة أن تقترب من هذا البالون إلا كدبوس لتخفيف توتره، و التساؤل الذي يفرض نفسه هو: هل الزواج تحول إلي ساحة مصارعة أو حلبة ملاكمة؟، والإجابة في كثير من الأحيان نعم، ذلك ما تؤكده هذه الأرقام المأساوية المفزعة التي تؤكد أن واحدة من كل ثلاث نساء مصريات متزوجات تتعرض للضرب مرة واحدة علي الأقل منذ زواجها، و من 42% إلي 46% من النساء المتزوجات الأميات أو الحاصلات علي تعليم ابتدائي تعرضت للضرب خلال حياتها الزوجية، و 14% من الحاصلات علي درجات تعليمية أعلي بما في ذلك التعليم الجامعي وما فوق الجامعي تعرضت للضرب في حياتها الزوجية ( د. ماجدة عدلي مركز النديم)، و في بحث ميداني آخر يدل علي مدي إنتشار الضرب لدرجة الوباء تبين أن 83% من نساء عينة البحث و 94%من الرجال أفادوا أنهم يعرفون أسراً تضرب فيها النساء الزوجات و الأمهات و الأخوات (مركز دراسات المرأة الجديدة )، كما بين بحث أجراه المجلس القومي للسكان في مصر أن 35% من المصريات تعرضن للضرب من قبل أزواجهن علي الأقل مرة واحدة و أن حملهن لم يعفهن من العقوبة (الأهرام 7 فبراير 1997 ) و هذه الاحصائيات غالباً أقل من الحقيقة لأن المرأة تداري و تخفي و تبلع إهانتها رافعة الشعار المخادع الذي تمر من خلال بوابته كل الاهانات "بلاش نهد البيت و خلينا نربي العيال"، و هي كلمة حق يراد بها أباطيل كثيرة أهمها تسويغ و تبرير ضربها و إهانتها المستمرة أمام الناس و أمام أطفالها، و الأهم أمام نفسها التي تتعود الاهانة حتي تدمنها، فيضاف الخراب النفسي إلي التدمير الجسدي.
[ دائماً ما كنا نكتب في الفصول السابقة التي تناولنا فيها العنف أرقاماً جامدة، و الرقم بطبيعته كائن ميت يفتقر إلي حرارة الروح و عنفوانها، و لأن الضرب فعل أو أكشن مثير و دموي فمن المفيد تحويل هذا الفصل إلي دراما من لحم و دم تتناسب مع حيوية هذا الاكشن، و تبتعد عن جفاف الأرقام، وكانت البداية صورة القضية التي أطلعتني عليها الصديقة المحامية عزة سليمان و التي أصابتني بإزعاج و فزع شديدين من فرط التناول المخل و الفهم المغلوط لما يسمي حق تاديب الزوجة في الشريعة الإسلامية، فالقضية التي نظرتها محكمة النقض في ديسمبر 1994 أصابتني بما يشبه الزلزال النفسي وجعلتني أتأمل في قضايا كثيرة مثلها فوجدت أن النظرة المؤيدة نفسها للضرب موجودة و إن تم الإعتراض فقط علي درجة قسوة الضرب، وهذه النظرة لم تناقش أو تعارض علي الإطلاق مشروعية الضرب نفسه كمبدأ.
القضية كانت مناقشة الطعن المقدم من زوج ضرب زوجته " وداد محمد علي " في كفر الشيخ بطوبة أدت إلي موتها بعد إحداث تهتك بالطحال و نزيف دموي حاد، ومحامي الزوج يعترض علي الحكم الصادر ضد الزوج و -أرجوكم ألا تندهشوا- بالحبس سنتين مع الشغل، يعني المحامي زعلان إن الزوج سيحبس سنتين مع أنه عمل حاجة بسيطة قتلها بس بغرض التأديب!!، فالمحامي يقول في دفاعه إن الزوج استخدم حقه في تأديب زوجته طبقاً للمادة 60 من قانون العقوبات و التي تقول أنه لا تسري أحكام قانون العقوبات علي كل فعل إرتكب بنية سليمة عملاً بحق مقرر بمقتضي الشريعة، و الحمد لله أن المحكمة رفضت هذا الطعن، ولكن المشكلة ليست في قبول الطعن من عدمه، و لكن المشكلة الأكبر أن مسألة التأديب بالضرب هذه تناقش علي أنها حق مقرر و طبيعي للرجل من المكن طبعا أن يسئ استخدامه، ولكن ماذا إذا أحسن استخدامه؟، هل يكون مقبولاً حينذاك؟، و إذا قبلناه نكون كأننا نطالب الأزواج بأن يدخلوا مدرسة ليتدربوا فيها كيف تلاكم زوجتك بدون إحداث كدمات أو سحجات أو إصابات ظاهرة؟، كأن الزوج حين يلطم زوجته الأستاذة الجامعية مثلاً بدون أن تحدث كدمة ليؤدبها فهذا مقبول لأنها لاتحتاج إلي علاج أكثر من واحد و عشرين يوم، أي أن المهم هو لغة التقارير الطبية و ليست لغة التقارير العاطفية و الانسانية، و نحن هنا ننسي أو نتناسي أن مجرد التلفظ أو السب بعبارات خارجة أو قاسية للزوجة هو عنف أيضاً، و أن الضرب عقوبة غير حضارية و خصوصاً بين الزوج وزوجته، و مبادئ الإسلام العامة تؤكد حرمة الجسد و عدم إهانته، و تؤكد أيضا حسن معاشرة المرأة (و عاشروهن بالمعروف)، (و من آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها، و جعل بينكم مودة و رحمة )، و لذلك لابد من فهم الآية التى تقول" واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن و إهجروهن في المضاجع و إضربوهن.."، و التي يعتمد عليها الكثيرون في وجوب تأديب المرأة بالضرب لابد أن نفهمها في ضوء هذه المبادئ الاسلامية العامة، و أيضا لابد من فهمها في سياق زمانها ومعتقدات وعادات وأعراف المجتمع وقتها، لابد من هذا لكي نتحاشي الخلاف العميق في تفسير ما هو النشوز؟، و ما حدود هذا الضرب؟، و الذي أقر البعض بأنها بمجرد سواك، و آخرون قالوا بمنديل ملفوف، و البعض أباح اللطم باليد، و البعض نصح بأنه لا يجب أن يكون ضرباً مبرحاً يكسر العظام...الخ، بالطبع يتسع مفهوم الضرب المبرح ليستغله البعض في إهانة الزوجة لأن أحداً لا يعرف ما حدود هذا المبرح بالضبط؟، و لذلك و لأنها قضية مهمة و بالغة الخطورة و متشعبة و غير محددة الملامح، فإننا نطالب بإعادة طرح قضية التأديب بالضرب مرة أخري و بآليات أخري و بمشاركة علماء الاجتماع و رجال الدين و الباحثين في علوم النفس وممثلي الجمعيات و غير الحكومية و حقوق الإنسان و قضايا المرأة ومع كل هؤلاء بل قبلهم المسئولون و المشرعون.
[و إذا كنا قد ذكرنا الآيات القرآنية التي حثت علي معاملة المرأة و معاشرتها بالمعروف، فإننا لابد أن نذكر ايضا في هذا المضمار الأحاديث النبوية التي قد يغفلها بعض الرجال عن عمد لتدعيم نظرتها الدونية للمرأة و نذكر منها:
• " لا يجلد أحدكم إمرأته جلد العبد ثم يجامعها في آخر اليوم"
• " استوصوا بالنساء خيرا"
• " أطعموهن مما تأكلون و اكسوهن مما تكتسون و لا تضربوهن و لا تقبحوهن"
• عن عائشة رضي الله عنها قالت " ما ضرب رسول الله صلي الله عليه و سلم خادماً ولا إمرأة "
[هذه الأحاديث و غيرها ودراسة الغايات الكلية و الأهداف السامية للدين الإسلامي الحنيف، و مراعاة تطور و تغير العصر و المجتمع، و بالتالي دور ووضع المرأة كل هذا يجعلنا كما قلنا نعيد النظر في الكثير من مفاهيمنا مثل التأديب و القوامة و نقصان العقل و الدين و لزوم المرأة البيت و عدم خروجها للعمل ….إلخ
[و إذا كنا سنعيد النظر في مفاهيم كثيرة فلابد أن يكون من بين ما سنعيد النظر فيه مفهوم العنف ذاته و ستساعدنا في ذلك المادة الثانية من الإعلان العالمي لإزالة أشكال العنف ضد المرأة، و أيضاً ما تضمنته مؤتمرات السكان التي اشرفت عليها الأمم المتحدة وبذلك يمكننا تقسيم العنف إلي:
• العنف النفسي: معاملة المرأة علي أنها أقل أو جعلها تظن أنها حالة نفسية معقدة، و إفقادها الثقة في ذاتها، و اتهامها بالتسبب في العنف الممارس ضدها.
•  العنف الاقتصادي: عدم السماح للمرأة بالعمل و عدم اعطائها نقوداً، أو أخذ النقود منها وعدم إخبارها بدخل الأسرة.
• العنف الجنسي: إجبار المرأة علي ممارسة جنسية ضد رغبتها.
• تهديد المرأة: التهديد بقتلها أو تركها أو إجبارها علي عمل أشياء غير قانونية.
• إستخدام الأطفال ضد المرأة من خلال تهديدها بعدم رؤيتهم ثانية أو إشعارها بالذنب لتركهم.
• إرهاب المرأة: كسر أشياء أو سكب الطعام علي الأرض أو الإحتفاظ بآلة حادة في المنزل للتهديد.
• عزل المرأة عن بيئتها: تحديد حرية حركة المرأة و منعها من رؤية عائلتها و أصدقائها.
[من أهم الدراسات المصرية التي تناولت موضوع ضرب الزوجة الدراسة التي كتبتها الباحثة د. مارلين تادرس، و هي دراسة لا غني عنها لكل من يتصدي لدراسة هذه القضية، و قد أجري هذا البحث علي عينة من نساء " منشأة ناصر" سنة، 1997و منشأة ناصر لمن لا يعرفها هي منطقة عشوائية أسفل جبل المقطم يقطنها حوالي مائة ألف نسمة، و سر تميز هذا البحث أن سن النساء في عينة البحث تتراوح مابين 14 و65 عاماً، و هي مساحة عمرية واسعة نستطيع معها رصد العنف في الطبقات الشعبية ضد المرأة، و الذي يعكس بالتالي نظرة دونية مهينة نحوها، و سنستعرض معاً نتائج البحث، و نحاول ترتيبها و معها كلمات و عبارات بعض النساء كما هي، أو كما يقولون "بعبلها" حتي نكسو القضية لحماً ودماً كما كسوناها من قبل بملفات قضايا المحاكم الفعلية.
• ممارسة العنف للمرة الأولي ضد الزوجة في الشهر الأول من الزواج كان بسبب العائلة في 36% من الحالات و هذه بعض شهادات الزوجات:
-رسمية( 29 سنة): أمه كانت بتقومه عليا علشان كانت عايشة معانا
-سامية (45 سنة): كنت حامل و سلفتي ضربتني في بطني بعامود حديد و أغمي عليا
- نورا( 26 سنة): كنت بغسل و أمه طلبت مني شاي قلت لها حاضر لما أخلص فراحت قالت لجوزي إنك لازم تضربها لما تقول لها علي حاجة و تقول لك لأ... وجه ضربني.

•  كان السبب التالي للعنف في الشهر الأول متمثلاً في الخلاف حول الزيارات 14% سواء أهلها أو حتي أهله:
-صباح( 45 سنة): كنت عايشة مع أهله و بعدين اتخانق معاهم و منعني من الأكل و الكلام معاهم فأنا رفضت فضربني.
-زوبة( 38 سنة): أخويا قاله إني بأروح لبيت عمي و أغسل مع بناته فبعد ما مشي جاب الحزام و ضربني.
-هويدا( 36 سنة): بعد الجواز بأسبوع رحت شفت بنتي أصلي كنت متجوزة واحد قبله وليا بنت منه فضربني.
-لواحظ (35 سنة): رحت لبيت أخوه من غير إذنه فحلف ما أدخل بيت أخوه تاني لمدة سنة مع إنه ساكن في نفس البيت فوقينا و حلف يمين طلاق ما أعتب هناك جتني خيبة أمل لأني عرفت هناك إنه كان متجوز و أنا مراته الثانية لأ و إيه كمان بيضربني.
• أما السبب الغالب 75% و الذي كانت النساء يتهربن من التصريح به فقد كان الجنس سواء في الشهر الأول أو بعد ذلك:
-عزيزة (30 سنة): ضربني ليلة الدخلة لأن كان عندي نزيف وهوما رحمنيش.
- زكية( 29 سنة): كان عايزني و هو غريب عني و مش عارفاه قبل كدة فبعدته عني فضربني.
- سكينة (25 سنة ):يوم الدخلة حصل لي نزيف لأنهم أخذوا شرفي بلدي و قعدت أعيط و ضربني و رحت المستشفي.
- فاتن (35 سنة): لو رفضت يتلكك علي أي حاجة بعدها و يضربني و يشتمني.
- عيشة (30سنة): المعاشرة عنده بالعافية و يضربني و يقول لي مش بمزاجك.
- صباح( 60 سنة): لسه لحد دلوقتي يضربني علي الموضوع ده مع إن عنده 85 سنة.
- هدي (36 سنة): دايماً بيزعق و يبهدل الدنيا علشان الموضوع ده لأننا ساكنين في أوضة واحدة و الولاد كتير يزعق و يحدفني باي حاجة طالما عايزني دلوقتي لومين قاعد يبقي لازم دلوقتي.
•  من الأسباب المهمة الأخري في غير الشهر الأول من الزواج المصروفات، حيث ذكرت 65% من النساء أنهن يتعرضن للعنف بسببها، ثم تأتي أعمال المنزل 25%، و تحت هذا البند الطعام غير الجاهز أو كسر شئ أو ملابس غير مغسولة... إلخ.
[نحن بالفعل أمام ميلودراما ما تتضاءل إلي جانبها مسرحيات يوسف وهبي و أفلام حسن الإمام إنها ميلودراما من لحم و دم و المدهش أنها تأخذ غطاء شرعياً، و في معظم الأحيان لا تستهجن ولا يتم إدانتها، و بما أننا تكلمنا عن أسباب العنف فلابد أن نتكلم عن أشكاله، و قد أثبتت نتائج البحث أن 30% من النساء يتعرضن للعنف بشكل يومي، و العنف هنا يتخذ أشكالاً متعددة منها الضرب باليد، و الضرب بالعصا، و بسلك الكهرباء و بالحزام و الشومة أو بسيخ حديد أو جنزير، بالإضافة إلي قذف أشياء في وجوههن مثل الوابور و الأحذية و الكراسي و الطعام، و أيضاً اللطم علي الوجه و شد الشعر و الخبط في الحائط...الخ، و أثبت البحث أن 16% من العينة قد أصبن إصابات تتراوح ما بين كسر الذراع و الضلوع و النزيف الداخلي و الإصابات في الرأس و اليد و التي تتطلب غرزاً، و أيضا الإجهاض، بينما 9% منهن حاولن الانتحار، و هنا من المفيد اقتباس بعض التعليقات التي نحس معها أننا مازلنا نعيش عصر المعتقلات أو في سجن الباستيل:
-إيمان 50 سنة: بيضربني بإيده اللي عاملة زي المرزبة
-أم رشا 37 سنة: لما بيقوم مش بيعرف نفسه كأنه اخد بنج يضربني بالقلم بالبوكس بأي حاجة.
-غالية 45 سنة: بيضربني بسلك الكهرباء بالخرطوم ببرميل ميه يرقعني فيه حتي في الشتا و يوقفني في المطر وكل أنواع التعذيب اللي تخطر علي البال ويوقفني قدام مراته الثانية علشان لو هي ضحكت يعيد الضرب من تاني وممكن يفضل علي كده طول الليل ويسبنا و يهيننا وممكن يعاشر واحدة فينا قدام الثانية.
-عايدة 27 سنة: بيضربني بالأقلام بس أصله مش زي الرجالة التانيين اللي بيضربوا بالخرطوم لأ هو حنين!
[ ألم اقل لكم إننا نريد إعادة تعريف العنف، فالست عايدة تحمد الله أن زوجها حنين لا يضرب بالخرطوم، و موقف عايدة يشرح لنا جزءاً من أسباب عدم الإبلاغ عن هذه الحوادث، فالعنف وتلك المأساة مبرر أحيانا عند المرأة نفسها، و قد أسهم في ذلك المجتمع الذي رسخ دونيتها الإجتماعية منذ الصغر، وقام ب "الطناش" علي صور عنف معنوي أخري كان يجب أن يجتثها من جذورها منذ بدايتها، و الأرقام و التعبيرات التالية تعبر أصدق تعبير عن ردود الفعل التي تترجم الخوف المترسب في الأعماق، و الخلل الضارب بجذوره في العلاقة الأسرية، فقد ذكرت 65% من الزوجات اللاتي لم يبلغن البوليس أن الدافع الرئيسي لذلك هو أنه عيب أن تبلغ عن زوجها، و البعض من أجل الأطفال، و البعض الآخر لم يبلغن من الخوف، و الباقي قلن إنهن خائفات علي أزواجهن:
-نجية 31 سنة: لأ ما أروحش القسم علشان عيب و بعدين لما توصل إن الواحدة تشتكي اللي بياكلها و يشربها يبقي مالهاش لازمة تعيش بعد كده.
-مني 32 سنة:أبقي ست ناقصة هيكون شكلي إيه لما نرجع تاني و ننام جنب بعض.
-مايسة 33 سنة: لو حبسته مين حيأكلنا.
- أم سليمان 37 سنة:عيب الواحدة تروح القسم حتي لو جوزها فتح نافوخها.
- شادية 49 سنة: ما أعملهاش جبانة بعيد عنك ده جبار و مفتري.
-هدي 32 سنة: ما أفكرش أبدا في الموضوع ده لأنه مسيره حيطلع من القسم و ممكن يولع فيا بعد كده.
-فايزة 36 سنة: إحنا متعودين علي الضرب.. أخويا من صغري كان بيضربنا قبل الجواز، لو رحت البوليس هيسجنه علشان هو هربان من التجنيد و معاهوش بطاقة).
[هؤلاء النساء الغلابة لم يستطعن إلا أن يكن أرقاماً في بحث، و فشلن في أن يصبحن كيانات في وطن، و لكن لا تتصوروا أن الضرب العنيف إقتصر عليهن فقط، فكل يوم نقرأ عن عنف ضد ميسورات الحال أيضاً، و منهن أستاذة الجامعة و الطبيبةو المهندسة، فالضرب صار صاروخاً متعدياً للطبقات، و الفرق هو أن البحث أجري علي منشأة ناصر، و لم يصل إلي نادي الجزيرة بعد، و لكني واثق أن الجميع في الهم سواء، ما دامت القبضة هى الحاكمة، والبوكس هو السيد، و الشلوت هو حجر الزواية في العلاقة الزوجية.


 

 الإغتصاب صناعة رجالية

[من بين الكائنات و المخلوقات سواء كانت حيواناً أو طيراً أو حشرة، إنفرد بالقدرة علي الاغتصاب مخلوقان هما الرجل و فصيلة العناكب، و هذا معناه أن الإغتصاب صناعة رجالي و هواية لا يقدر عليها إلا الذكور، و في الفيلم الأجنبي " هيروشيما حبيبي" مزج المخرج وساوي بين حادث القنبلة الذرية و حادث الاغتصاب، و أعتقد أنه لم يكن يبالغ وقتها، و لم يكن واقعاً تحت تأثير الخيال الفني و الجموح السينمائي، فالإغتصاب زلزال تأثيره علي نفسية الفتاة كتأثير القنبلة الذرية، فهو يدمر الثقة و يحطم الأمان ويزعزع كل القيم و المثل في نظرها.
[و المغتصبة تنتهك روحياً قبل أن تنتهك جسدياً، و يزحف التصحر العاطفي علي خضرة مشاعرها و تفتح عواطفها ورغبتها في الحياة، و عندما ينشب ذئب النذالة و الرعب أظافره في جسدها، فهو في الوقت نفسه يجرح أنوثتها و إنسانيتها وابتسامتها، فينقلب حنانها قسوة، و تنقلب رقتها شراسة، و يتحول الحنان إلي فزع، و الإقبال علي الحياة إلي رعب من مجرد الانتساب إليها.
[في قصة الحرام للمبدع يوسف إدريس جعل الاغتصاب هو الثمن الذي دفعته عاملة التراحيل لجذرالبطاطا، فأضافت إلي فقر الجيب فقر الروح و جدب الأمل، كانت تتحمل الزمن الضنين و الفقر الكاسر و قلة الموارد و ندرة الحلم، لكنها لم تحتمل هذه اللحظة الرهيبة لحظة إغتصابها في حقل البطاطا، فبداية الاغتصاب استباحة و هي برغم فقرها لم تكن مستباحة، و نهاية الإغتصاب موت يلف الفتاة بكفنه لحظة أن يغادر المعتدي ساحة معركته القذرة، فتعيش الفتاة تتحرك علي قدمين من عار، و الاغتصاب الذي هو في نظري أكثر الجرائم إثارة للتقزز و الاشمئزاز، هو جريمة عنف و تمرد و إحتجاج مرضي قبل أن يكون لمجرد الحصول علي اللذة، إنه رغبة في هتك نسيج المجتمع وفض بنيانه قبل أن يكون هتكاً لعرض أوفضاً لغشاء، و إنتشاره في أي مجتمع هو دلالة علي خلل مرعب، و علامة علي إنهيار سريع و تفكك مريب، و الأهم أنه مؤشر خطير علي مدي العنف المكبوت الذي لا يجد له إلا منفذاً في جسد المرأة، و متنفساً في كيانها و روحها، و لم لا و هي التي يمارس معها العنف أشكالاً و الواناً من المهد إلي اللحد؟، و إستسهال تنفيذ جريمة الإغتصاب بالرغم من قسوة و تغليظ العقوبة، و بالرغم من كم الإدانة الإجتماعية الضخمة التي توجه للمغتصب، ليس له إلا تفسير واحد، و هو أنه يوجد إغتصاب في نواحي أخري كثيرة من المجتمع تحتاج إلي تدخل.
[تعريف الاغتصاب و التحرش الجنسي كمصطلح إتسع بفعل الفهم الرحب و المتسع لحقوق المرأة و حريتها، فهو حالة التحرش و التلاصق بأعضاء الجنس سواء اقترن ذلك بجنس كامل أم لا، وسواء إقترن بإستخدام القوة أو التهديد بها أم لا، و ذلك دون موافقة الأنثي و رضاها، و كذلك إذا كانت الضحية قاصراً تحت السادسة عشرة أو كانت معاقة عقلياً أو حركياً، و إنطلاقاً من هذا المفهوم فإن إتصال الزوج بزوجته جنسياً دون رضاها و موافقتها يعتبر اغتصاباً، و يشهد القضاء في الدول الأجنبية قضايا تتهم فيها الزوجات أزواجهن باغتصابهن و يحكم فيها لصالحهن، و لإثبات أن معظم حالات الاغتصاب هي صور عنف و ردود فعل إجرامية لأشخاص سيكوباتيين أو مرضي نفسيين و ليست من أجل اللذة الجنسية فقط و التي من الممكن أن يحصل عليها في أي بيت دعارة، أثبتت إحدى الدراسات العلمية الإحصائية أن نصف حالات الاغتصاب تقريبا ينهي فيها المغتصب العملية الجنسية في الدقائق العشر الأولي، و يتبعها بعد ذلك بالإيذاء النفسي و البدني للضحية و الذي قد يتطور إلي قتلها أي أن العنف قبل النشوة و التدمير قبل النزوة.
 و التدمير النفسي ليس وليد اللحظة و بالعكس لا يمكن نسيانه طوال العمر، لدرجة أن الأطباء قد نحتوا مصطلحًا طبياً جديداً لوصف ما يحدث بعد الاغتصاب، وهو متلازمة حادث الاغتصاب و الذي يمر بمرحلتين:
1- المرحلة الحادة: و تستمر من عدة ساعات لعدة أيام بعد الحادث، و في هذه المرحلة يعتري الضحية إضطراب شديد في السلوك و التصرفات و تهيج و انفعال و إحساس شديد بالغضب و الذنب و الشعور بالتحقير و الذل و المهانة، و قد تستطيع الضحية في أحوال قليلة أن تكتم أحاسيسها و إنفعالاتها و تختزن معاناتها النفسية في اللاشعور كخبرة مؤلمة، تتسبب فيما بعد في كثير من الأمراض النفسية، ولا يتوقف الأمر عند الاضطرابات النفسية فهناك الكثير من الاضطرابات الجسمانية مثل الصداع و الارهاق و الأرق و اضطرابات الجهاز الهضمي مثل القيء و الإسهال و المغص، واضطرابات الجهاز البولي مثل كثرة التبول أو التبول اللاإرادي كما أنها قد تشعر بأعراض بعض الأمراض الجنسية التي ربما قد تكون قد انتقلت من الجاني إليها.
2- المرحلة المزمنة: وتبدأ هذه المرحلة بعد الإغتصاب بحوالي أسبوعين أو ثلاثة، و فيها تبدأ المغتصبة في العودة التدريجية إلي طبيعتها، و إن كان ينتابها الكوابيس و المخاوف ذات الطابع الجنسي، و مع المساعدة النفسية و الطبية و التأهيلية قد تشفي الضحية، ولكن الغالب الأعم لا تتعافى من هذه الخبرة المؤلمة و تظل تعاني طوال عمرها من إضطرابات نفسية مزمنة و فقدان للإحساس بالأمان و بردود جنسي، و إذا كان المغتصب مصاباً بأمراض جنسية، فإنه ينقلها للضحية، و أهم هذه الأمراض الإيدز و السيلان و الزهري و الكلاميديا و العدوى الميكروبية، مما يتسبب في التهابات الجهاز التناسلي وانسداد قنوات فالوب و ما يستتبعه من عقم، و رغم أن احتمالات الحمل بعد الاغتصاب نادرة فهي تتراوح ما بين 2-4% فإن الضحية غالباً ما تواجه موقفاً غاية في الصعوبة قد يعرضها لمخاطر الإجهاض العشوائي بما يصاحبه من تلوث و نزيف و أحياناً موت.
[تشير تقديرات المركز القومي للبحوث الاجتماعية و الجنائية إلي أن جرائم الاغتصاب تبلغ أكثر من عشرة آلاف جريمة سنوياً نقلاً عن مركز النديم للعلاج و التأهيل النفسي لضحايا العنف، و هو رقم مرعب و خطير و حتى لو كان الرقم الحقيقي النصف، فهو مازال مرعباً و خطيراً، و للأسف لا يتم الإبلاغ إلا عن 2% فقط، و في الصعيد لا يتم الإبلاغ عن حالة واحدة، و يرجع د. أحمد المجدوب صعوبة معرفة الحجم الحقيقي لظاهرة الاغتصاب إلي تفضيل الفتاة، و أهلها تكتم الأمر لأن الجيران و الأهل و حتى المعنيين بالمسئولية يلقون باللوم علي الفتاة في كثير من الأحيان لمظهرها المغري، أو سلوكها المتساهل... إلخ، الأمر الذي يؤدي إلي تعذر زواج الضحية بعد ذلك إذا كانت لم تتزوج، أو إلي طلاقها إذا علم زوجها بما حدث، فتفضل السرية كذلك قد تكون الفتاة علي علاقة عاطفية برجل يغتصبها و يعدها بالزواج حتي تمر لحظات القلق، و إذا انتهي الأمر بأمان و لم تبلغ الفتاة، هرب الجاني من قيد العلاقة أو أبقي عليها في شكلها السري الجديد، و تظل الفتاة متعلقة بسراب الوهم، و قد يكون الجاني من أقارب المجني عليها، و أحياناً من المحارم فتفضل هي و الأسرة عدم الابلاغ حفاظاً علي كيان الأسرة، و أكثر جرائم الاغتصاب المبلغ عنها هي الجرائم التي تكون فيها الفتاة دون السن التي يعتد فيها برضاها، و إذا تصادف و أبلغت إحدي الأسر بما حدث لإبنتها يظهر عندئذ العدد الكبير من جرائم الاغتصاب التي إرتكبها المتهم من قبل دون أن تقوم ضحاياه بالإبلاغ عنه.
[المؤسف أن الوعي الجمعي يحصر كارثة الاغتصاب في اطار الجنس و ليس في اطار العنف، ولا يريد أن يدرك أن الجنس ما هو إلا وسيلة فقط لتفريغ هذا العنف، و مازال يصر علي أن الفتاة هي المسئولة و الحل هو سجنها في قمقم لأنها شيطان يتحرك علي قدمين، وماكينة إغراء جنسية لا تستحق إلا الإعدام!!، و الأكثر احباطاً أن المجتمع يمارس الصهينة و الطناش و التعامي عن ممارسات عنيفة و مضايقات جنسية لا تتخذ صورة الاغتصاب الجنسي الصريح الكامل، و قد اتسع مجال الاهتمام بهذه القضية بعد التقارير التي رفعت للأمم المتحدة و نوقشت في مؤتمر بكين 1995 حيث طالبت جمعيات حقوق الإنسان و الجمعيات الحكومية و النسائية بضرورة الكشف عن صور العنف التي تواجه المراة عموماً، ومن بينها مضايقات العمل و هي مضايقات كما عرفتها د. ثريا صالح أستاذ علم النفس بجامعة أم درمان بأنها محاولة الشخص بطريقة مؤذية غير ملائمة، و قد تأخذ عدة أشكال منها ما هو موجه لفرد أومجموعة من الأفراد، و منها ما هو موجه بصورة علنية مثل الرغبة أو عدم الرغبة في فرد بعينه لمجرد الجنس، أو بصورة غير علنية، و المضايقات الجنسية harassment sexual هي اشد أنواع تلك المضايقات مرارة و عنفاً و تشير دراسة الباحثة ملك زغلول 1992 إلي أنه برغم صعوبة البحث فإن هناك عدداً من النساء قد إشتكين من هذه المضايقات، و بلغت نسبتهن 18.5% في الحضر، و 7.3% في الريف أما عن مصادر المضايقات فهناك مضايقات من الزملاء الذكور بلغت 41%، و مضايقات من الجمهور32.8 %، و مضايقات بسبب التمييز ضد المرأة 5.4%، و قد أشارت إحدي الدراسات الميدانية الأخري التي ذكرتها د. ناهد رمزي في تقريرها الصادر عن رابطة المرأة العربية إلي ان 66% من الفتيات يتعرضن للعنف في أماكن عملهن ويأخذ العنف عادة طابعاً جنسياً و يتراوح ما بين:
-المعاكسة بالكلام أو الألفاظ ذات المعاني الجنسية 30%
- التحرش باللمس 17%
- الغزل غير المقبول 20%
ويترتب على هذه المضايقات شعور الفتاة بالإرتباك والخوف والإحباط في 23% من الحالات، أو الشعور بالإهانة والسلعية والرغبة فى الانتقام 42% من الحالات، وقد أشارت 67% من الحالات إلى أنهن لايستطعن ترك العمل بالرغم من تلك المعاناة لأسباب اقتصادية.
 ومن صور العنف غير المتحضر إكراه الزوجة على إقامة العلاقة الزوجية قسراً وبدون رضاها،
وهو سلوك لا يدينه المجتمع بل يعتبر الإمتثال له واجباً مقدساً، و قد يجبر الزوج زوجته علي أساليب منحرفة في العلاقة رغماً عن أنفها، و كأن هذا الجسد ليس جسدها بل جسده هو، و قد أجري مركز النديم و مركز دراسات المرأة الجديدة بحثاً ميدانياً في مصر أفادت 93% من عينة البحث أنهن يعتبرن المعاشرة الزوجية بدون رغبة الزوجة عنفاً، و بالطبع هذا هو الإسم المؤدب للإغتصاب الصريح الذي لم يردن التصريح به!!
[و إذا كان التحرش الجنسي بالمرأة جريمة بشعة، فالأكثر بشاعة أن يكون التحرش و الإغتصاب لطفلة صغيرة، فهو هتك للبراءة، و الجاني فيها لا يستطيع حتى أن يبرر فعلته بالهياج الجنسي، فالضحية عصفورة مازالت تتعلم فن الطيران و الحياة، و مازالت واثقة بأن كل الألوان بيضاء، و مازالت تؤمن بأن كل البشر صادقون، فيأتي الذئب البشري فيقص زغبها الناعم ليبدله أشواكاً، و يعرفها أن اللون الأسود هو السائد، و أن كل البشر خفافيش تعشق الظلام، و إذا كان الأطفال يمثلون 45% من الشعب العربي، و هي أعلي نسبة في العالم فلابد أن نمنح هذه المشكلة اهتماماً أكبر.
[و في البداية ما تعريف الاستغلال الجنسي للجسد الطفل؟، أنه اتصال جنسي بين طفل و بالغ من أجل إرضاء رغبات جنسية عند الأخير، مستخدماً القوة و السيطرة عليه، هذا هو التعريف العلمي لهذا الاستغلال الذي يعرف أيضاً بأنه دخول بالغين وأطفال غير ناضجين و غير واعين لطبيعة العلاقة الخاصة جداً وماهيتها، كما أنهم لا يستطيعون إعطاء موافقتهم علي تلك العلاقة، و الهدف هو اشباع المتطلبات و الرغبات لدي المعتدي وإذا ما حدث الزلزال الأكبر داخل إطار العائلة من خلال أشخاص محرمين علي الطفل، مما يعتبر خرقا للتابو و العرف الاجتماعي وزعزعة لكل ما استقر عليه هذا المجتمع حول وظيفة و بنيان العائلة، وهو ما يسمي سفاح القربي أو زنا المحارم أو قتل الروح كما تسميه الباحثة ناهد باشطح التي كتبت دراسات مهمة حول هذه القضية، و يعرف سفاح القربي في القانون بأنه ملامسة جنسية مع قاصر أو قاصرة علي يد أحد أفراد العائلة.
و قد كتب الباحثان مكلوبتس ولفشيتس 1995 حول المقصود من الاستغلال الجنسي للطفل بأنه:

 كشف الأعضاء التناسلية
 إزالة الملابس عن الطفل بطريقة إغوائية
 ملامسة أو ملاطفة جسدية خاصة.
 التلصص علي طفل.
 تعريضه لصور أو أفلام فاضحة.
 أعمال مشينة و غير أخلاقية مثل إجباره علي التلفظ بألفاظ فاضحة.
 الاغتصاب.
[وعن كيفية الإنتهاك الجسدي للطفل تقول الباحثة ناهد باشطح إن المعتدي هو شخص يكبر الضحية بخمس سنوات علي الأقل، و له علاقة ثقة و قرب للضحية في معظم الأحوال، و قد دلت الدراسات علي أن أكثر من 75% من المعتدين هم ممن لهم علاقة قرب بهؤلاء الأطفال، و يتم الإعتداء عن طريق التودد أو الترغيب، و هو استخدام الرشوة و الملاحظة و تقديم الهدايا أو عن طريق الترهيب و التهديد و هو التخويف من إفشاء السر أو الكشف عن الاعتداء، و ذلك عن طريق الضرب و التهديد بالتوقف عن حب الطفل..إلخ.
[لماذا تستغل البراءة؟ سؤال طرحته الباحثة لميس ناصر للبحث عن مبررات حدوث هذا العنف الجسدي تجاه الطفلة و صنفت هذه العوامل صنفين:
أ‌- العوامل الديموغرافية: و هي العوامل الإجتماعية و السياسية و النفسية و الاقتصادية و العوامل القانونية و أهمها عدم كفاية القوانين التي تحكم الاعتداءات الجنسية علي المرأة و الطفل، و قصور التعامل الأمني مع مثل هذا النوع من المشكلات، وعدم وضوح بعض المفاهيم قانونياً مثل الإساءة الجنسية، ووسائل الإعلام التي تكرس مظاهر العنف في البرامج التليفزيونية و ألعاب الكمبيوتر.
ب‌- عوامل الخطورة: و تنقسم إلي عوامل خطورة ترتبط بالمعتدي و هو في الغالب شخص قد أسئ إليه جسديا أو عاطفيا أو جنسيا، و عوامل خطورة ترتبط بالمعتدي عليه مثل بعض صفات الأطفال الجسدية و العاطفية التي تقلل من حصانتهم للإساءة، ثم تأتي عوامل الخطورة المرتبطة بالعائلة فبعض العائلات لها صفات محددة تزيد من احتمالية الإساءة فيها مثل النزاعات الزوجية و الضغوط الاقتصادية، و أخيراً عوامل الخطورة المرتبطة بالمجتمع المحيط الذي يتساهل في العقاب والعنف الجسدي و يعتبره أعلي أنواع التقويم مما يجعل العنف مبرراً.
[الدراسة الوحيدة التي استطعنا الوصول إليها، ووجدناها تتناول موضوع التحرش الجنسي بالطفل في مصر هي الدكتورة فاتن عبد الرحمن الطنباري الباحثة بمعهد الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس، و تشير هذه الدراسة إلي أن حوادث الاعتداء الجنسي علي الأطفال تمثل 18% من إجمالي الحوادث المختلفة للطفل، و فيما يتعلق بصلة مرتكب الحادث بالطفل الضحية اتضح أن النسبة هي 35% لهم صلة قرابة بالطفل، أما الآثار التي يتركها الاعتداء الجنسي علي الطفل فقد لخصتها الباحثة والصحفية ناهد باشطح في ثلاثة آثار أو دلائل:-
1.الدلائل الجسدية: تختلف باختلاف العمر ومنها: صعوبة في المشي أو الجلوس، أو أمرا ض في الأعضاء التناسلية، إفرازات أونزيف أو تلوث متكرر في مجري البول، أو أوجاع بالراس و الحوض.
2.الدلائل السلوكية: الإنطواء و الانعزال و الانشغال الدائم بأحلام اليقظة، و عدم النوم و كثرة الكوابيس، تدني المستوي التعليمي و عدم المشاركة في أنشطة المدرسة، تورط الطفل في سلوك إنحرافي، وعدم الثقة بالنفس و بالآخرين، و العدوانية، تشويه الأعضاء التناسلية و تعذيب النفس، و من الممكن أن تقوم الطفلة بتصرفات إغوائية استفزازية.
3. الدلائل النفسية: ينجذب الطفل إلي الشذوذ الجنسي شيئاً فشيئاً، و يؤكد ذلك بحث العالم الأمريكي جريجوري ديكسون 1996، و الذي يظهر أن 49% من الشواذ جنسياً قد حدث لهم نوع من الإعتداء الجنسىفى طفولتهم.
[ الاغتصاب هو اغتصاب للروح، و التحرش الجنسي هو تحرش بكل ما هو جميل في هذا الكون، و المرأة قارورة عطر تتعطر بها الدنيا في هجير الوحدة و قيظ الياس، فلنجعلها تفوح ناشرة شذاها غير خائفة و غير مرعوبة من ذئب يتلذذ بجسدها، أو بلطجي ينهش روحها، لا تمنعوا عطرها بتحويله إلي بركة دم.

 

 

 الضرة ضرورة أم ضرر؟!
[ " الضرة " هي الزوجة الثانية و عندما تتأمل في الكلمة تجد أنها توحي حتماً بالضرر، و لكن المدهش أن المحكمة في مصر لا تعترف بذلك و تطلب من الزوجة الأولي إثبات أن الزوجة الثانية ضرر، و هكذا اللغة الدارجة دائما أصدق حتي من القوانين و التي يقال إنها تصاغ بلغة جامعة مانعة، إنها ليست مجرد كلمات و لكنها قبل ذلك مدلولات، فهي الضمير العام للمجتمع و الصوت الحقيقي له، و المجتمع الذي غالباً ما يضع مساحيق تجميل علي سلوكياته و لكن كثيراً ما تفضحه اللغة الحقيقية التي يتحدث بها و يعبر عما بداخله من خلال مفرداتها.

[و بما أننا قد إخترعنا إختراعاً نملك نحن فقط حقوق براءته و تسجيله، وهو إختراع تزويق الكلمات و تجميلها لإبعادها عن معناها الحقيقي و تفريغها من مضمونها الصريح، و ذلك بعد تغيير بعض حروفها فمثلاً كما أطلقنا علي الهزيمة تعبير" نكسة"، و علي رفع الأسعار عبارة " تحريك الأسعار"، و علي الكوليرا " أمراض الصيف "، أطلقنا أيضا علي الضرة لفظ ضرورة، و قلنا أن الضرة في أحوال كثيرة هي ضرورة، و تعمد الكثيرون أن يجعلوا التعدد هو الأصل الذي يجب تشجيعه إلي أن وصلنا إلي الذروة في رمضان منذ عدة أعوام حين أتحفنا التليفزيون المصري الرسمي بملحمته المتخلفة عن الحاج متولي وزوجاته الأربع اللاتي يعشن في خيره و بحبوحته بلا أية مشاكل، و في منتهي السعادة و البغددة بل الأدهي أن تحضر الزوجة السابقة فرح اللاحقة و ترقص فيه، وكان المبرر في كل مرة الجملة الخالدة التي يقولها الحاج متولي" ما دام أنا مقتدر و الشرع محلل لي أربعة يبقي إيه الضرر"!!، و كأنه يتحدث عن مواشي لا عن زوجات، و إذا كان هذا هو حال الإعلام الرسمي الذي يمثل الواجهة الثقافية للمجتمع فبالله عليكم ماذا يكون حال باقي المجتمع الذي يئن تحت وطأة الأمية و الجهل و التخلف؟
 و إذا كان مجتمع الرجال قد أعجب بالحاج متولي و دشنوه رمزاً للرجولة والفحولة، فإن قانون الأحوال الشخصية للأسف قد سيطرت علي بعض مواده عقلية الحاج متولي كيف حدث ذلك؟، هذا هو ما سنعرفه بعد أن نستعرض رحلة الزوجة الثانية مع قانون الأحوال الشخصية.
[ صدر قانون الأحوال الشخصية في مصر رقم 25 لسنة 1920، و تعدل بموجب القانون رقم 25 لسنة 1929 و بعدها بخمسين سنة صدر القانون 44 لسنة 1979، أي أننا إحتجنا إلي نصف قرن تغيرت فيه الدنيا 180 درجة لكي نصدر قانوناً جديداً ينصف المرأة، و لكن برغم كل هذه المدة الطويلة و المكاسب البسيطة التي تتحقق بسرعة السلحفاه لم يعجب هذا القانون الرجال، و هاجت الدنيا و ماجت و خصوصاً من التيارات الرجعية و ممثليها الذين شنوا حملة شعواء علي القانون، و حاربوه و كأنهم يحاربون الكفار، و أطلقوا سهام سخريتهم من القانون، و أطلقوا عليه قانون " جيهان " نسبة لقرينة الرئيس الراحل السادات، و إتهموا شيخ الأزهر حينذاك بأبشع التهم، و ظلوا وراء القانون بالمرصاد حتي تم إلغاؤه، و لكن ماذا كانت تقول مواد هذا القانون حتي تنطلق ضده كل هذه الحملات المسمومة؟
[قانون 1979 في الحقيقة لم يقيد حق الزوج في الزواج بأخري، و لكن كل ما فعله هو مجرد تنظيم ممارسة هذا الحق بأسلوب يحترم آدمية و إنسانية الزوجتين الأولي و الثانية حتي لا يتعامل معهما الزوج و كأنهما مجرد كرسيين من حقه التصرف فيهما كيف يشاء، فالقانون قد ألزم الزوج بالإقرار بإسم الزوجة أو الزوجات اللاتي في عصمته، و محل إقامتهن قبل عقد الزواج الجديد بكتاب موصي عليه كما نص القانون علي عقاب الزوج بالحبس مدة لا تزيد علي ستة أشهر أو بغرامة 200 جنيه في حالة مخالفة هذا النص، و عقاب الموثق بالحبس لمدة لا تتجاوز ستة أشهر و بغرامة مقدارها خمسون جنيهاً، كما أجاز عزله أو وقفه عن العمل لمدة لا تتجاوز سنة في حالة مخالفته إلتزاماته.
و قد أعطي القانون الزوجة الأولي حق الطلاق دون إثبات الضرر، إذا طلبت الزوجة ذلك خلال سنة من تاريخ علمها بالزواج الجديد، و للزوجة الجديدة الحق نفسه إذا أخفي عنها الزوج زواجه بأخري، و بالطبع هذا النص كما ذكرت المحامية مني ذو الفقار كان يهدف إلي دفع الزوج الذي يرغب في الزواج ثانية إلي مواجهة الموقف بشجاعة، و تطليق الزوجة الأولي إذا طلبت لتضررها دون الحاجة لإثبات الضرر.
و المسألة الثانية و التي كانت محل إعتراض و سخرية كاسحة لدرجة ظهور أفلام كوميدية تسخر من هذه الفقرة في القانون، هي الفقرة المتعلقة بحق المطلقة الحاضنة في الإستقلال بمسكن الزوجية طوال مدة حضانتها للصغار إلا إذا كان من حقه أصلاً الاحتفاظ به أي إذا كان مملوكاً أو مستأجراً بإسمه، و برغم أن القانون لم يراع ظروف المرأة غير العاملة أو كبيرة السن بعد خروجها من المنزل بعد انتهاء حق الحضانة و النفقة إلا أنه كان قانوناً تقدمياً وأكثر إنصافاً برغم بعض عيوبه.
و في مايو 1985 صدر حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان قانون 1979 ولابد أن نعرف أنه رفض لسبب شكلي و ليس لسبب في مضمونه، فهو قد رفض لأنه صدر أثناء إجازة مجلس الشعب، و بعدها ظلت المرأة تخضع ثانية لقوانين العشرينات، و لمدة 6سنوات، حتي صدر القانون 100 لسنة 1985 و قبل أن ندخل في تعداد التنازلات التي قدمها القانون الجديد لابد أن نطلع علي بحث اجري علي موقف القضاه من قانون 1979 بعد إلغائه، و البحث أجرته الباحثة أمينة شميس، و هذا البحث له دلالته الخطيرة علي أن الموقف الثقافي للمجتمع و الخلفية الثقافية لأفراده هى التي تشكل الصيغ القانونية و ليس العكس، فقد أجاب عشرون قاضيا من سبعة و عشرين قاضيا أن هذا القانون مخالف للشريعة، و يفتح للمراة المجال لطلب الطلاق، و يحد من حق الزوج في الزواج بأخري، و أن المرأة قد خلقت بطبيعة نفسية تقبل التعدد، بل إن البعض أجاب بأن النص الذي يجيز التطليق بسببب الزواج الثاني يشجع علي الدعارة، فإذا طلقت الزوجة لهذا السبب و تزوجت بآخر فقد ارتكبت الزنا لأن طلاقها لاغى، و أن هذا القانون لا أخلاقي لأنه يحث الزوجة علي الطلاق و المدهش أنهم إعتبروا أنه من الطبيعي أن الزوجة ما دامت تحرص علي سعادة زوجها فلابد أن تكون سعيدة بزواجه من أخري لأن ذلك سيحميه من الفاحشة، ومع احترامنا الكامل لرأي القضاه موضوع البحث إلا أننا ننبه إلي أن هذا البحث له دلالات خطيرة جداً، فالمجتمع فكر في الأمر من ناحية الزوج و لكنهم لم يفكروا للحظة في موقف الزوجة التي إفترضوا افتراضاً عجيباً أنها ستكون سعيدة لأنها منعت زوجها من الوقوع في الفاحشة، و كأن المهم عند المجتمع هو عدم وقوع الرجل في الفاحشة و ليس من المهم وقوع المرأة في فخ الإهمال و الضياع و الدونية و العجز، و بالطبع كان سند مهاجمي القانون في كل ما قالوه هو نصف آية إقتبسوها و تناسوا النصف الثاني كما سنذكر فيما بعد.
[أدي الهجوم الشرس من التيار الرجعي علي مواد قانون 1979 إلي تراجع المشرع عن نظرته المستنيرة السابقة في صياغة بعض مواد قانون 1985، فقد كان أزيز العاصفة مازال يصم الآذان و يرعش الأبدان، و قد كان أهم تنازل في القانون الجديد هو أنه ألزم الزوجة المتضررة من قيام زوجها بالزواج من أخري دون رضاها و التي ترغب في الحصول علي الطلاق أن تثبت الضرر المادي أو المعنوى الذى لحقها، و الذي يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالها، و قد كان هذا الضرر مفترضاً في القانون السابق ولا يحتاج لإثبات، وكما نعرف فمفهوم الضرر مفهوم مطاط، من الممكن أن يتلون بالمناخ الثقافي و الاجتماعي الذي غالباً ما يناصر الرجل و يجعله طاووساً منتشياً، و يقهر المرأة و يجعلها فأراً مذعوراً لا يتضرر من المصايد و الفخاخ التي تنصب له، أما بالنسبة لحق الاستقلال بمسكن الزوجية فمازال البعض يقدم الطعون للمحكمة الدستورية العليا لإلغائها، و هذا يدلنا علي أن التربص بالحقوق المكتسبة للمرأة شئ من نسيج المجتمع ولا ينفع معه الترقيق و الترقيع ببعض النصوص القانونية المنصفة والتي ينتظر المهاجمون و المعترضون الفرصة المناسبة للانقضاض عليها وخنقها وقتلها و ذلك كله بإسم الشريعة التي هي منهم براء.
[ و لكي نفهم قصة الزوجة الثانية في الشريعة الإسلامية لابد أن ننظر إليها في سياق مجتمع ما قبل الإسلام و ما أراد الإسلام أن يحدثه من تغيير في المفاهيم المستقرة بشكل تدريجي و برفق و هوادة و علي مراحل، فقام الدين الجديد بتقييد الزواج اللامحدود، و جعل الأربعة هو العدد الأقصى و هو ما يعتبر انتصاراً في وقتها و زلزالاً خلخل مفاهيم هذا المجتمع الجاهلي الذي كان يعتبر النساء علي الهامش و مجرد أداة متعة لا يصح أن نقيدها بعدد معين، و لذلك نستطيع الآن بكل اطمئنان و كما فعل فقهاء تونس أن نقيد الزواج الثاني بعد تغير الزمن و الأفكار و انطلاقاً من مرونة الدين الإسلامي و سماحته و إستجابته لتغير الظروف، و الآية التي جاءت في سورة النساء والتي اعتمد عليها القانون في إباحة الزواج الثاني و الثالث و الرابع هي " و إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثني و ثلاث و رباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ماملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا "، و يجب أن نفهم أن هذه الآية قد جاءت معطوفة علي الآية التي قبلها، و لابد أن نقرأهما معاً حتي يستقيم الفهم، وتقول الآية "و آتوا اليتامى أموالهم و لا تتبدلوا الخبيث بالطيب و لا تأكلوا أموالهم إلي أموالكم إنه كان حوباً كبيراً"، و القراءة المبتسرة المتعسفة تعطي نتيجة عكسية غير المقصد الحقيقي، و تقود قارئها إلي نتيجة أن تعدد الزوجات مباح علي إطلاقه، و الحقيقة أن رخصة تعدد الزوجات كان لها دلالتها الاجتماعية و الإقتصادية، و أن هذه الرخصة إرتبطت مع زيادة عدد النساء الأرامل في المجتمع بهدف وضع حد لإضطهاد الأرامل اللواتي تحت الوصاية، و السماح لهن بالحصول علي زواج شريف في ظروف بعض التطورات الموضوعية المباغتة علي حد قول المفكر محمد شحرور، فمثلاً من ضمن تلك التطورات المباغتة التي خلقت عدداً كبيراً من الأرامل إستشهاد سبعين رجلاً في موقعة أحد علي سبيل المثال، إذن النص القرآني أجاز هذه الرخصة ووجه الرجال إلي أن تكون الزوجة الثانية و الثالثة و الرابعة من ضمن تلك الأرامل، و لا يجوز له أن يأخذ الأرملة مثلاً و يترك أولادها إن كان عندها أولاد، و هذا يدل علي أن المسألة لم تقنن و قتها للمتعة الحسية، و لكن كان لها غرض في منتهي السماحة و الرحمة حاول البعض أن يحوله إلي غرض في منتهي القسوة و المهانة، فالغرض كان كفالة اليتيم و إنتقال مسئوليته من الأم إلي الزوج الجديد، أي أنها كانت مسئولية جديدة ملقاة علي عاتقه، و ليست ترفاً حسياً يعب منه و يشرب بلا حساب، ويقول د. شحرور شارحاً ومؤكداً لهذا المعني في كتابه " الكتاب و القرآن " ما يلي" إن جملة جواب الشرط فإنكحوا ما طاب لكم من النساء، إرتبطت بالشرط و إن خفتم ألا تقسطوا في اليتامي هنا نري أنه أطلق الكم حتي الأربعة، و قيد الكيف بأن تكون الزوجة الثانية حتي الرابعة من الأرامل ذوات الأيتام "، و يضيف قائلا" آيات التنزيل كانت تحض و تشجع الرجال علي الزواج من الأرامل، و أنها كانت حريصة كل الحرص علي تأمين حياة أسرية مستقرة للأيامي و اليتامى حتي و لو كانت الأرملة بمرتبة الزوجة الثانية أو الرابعة، و أن أولادها يعيشون في كنف ورعاية زوج الأم، و هذا يؤكد علي أن الأصل في الإسلام هو الإكتفاء بزوجة واحدة، و أن التعدد هو الاستثناء المحكوم بشرط العدل، و الذي يقرر القرآن نفسه أنه أمر شبه مستحيل، و هو ما يؤكد عليه إمام الاستنارة الشيخ محمد عبده حين قال " إن تعدد الزوجات محرم قطعاً عند الخوف من عدم العدل، و هو ما يؤكد عليه غضب الرسول صلي الله عليه وسلم حين بلغه أن زوج إبنته فاطمة خطب جويرية بنت أبي جهل فلم يسمح له و قام في المسجد خطيباً و قال " إنما فاطمة بضعة مني يسوؤني ما ساءها"، و بالطبع و كما نعرف عن رسولنا الكريم أنه كان لا يفرق بين مسلم و آخر.
[كتب الشيخ محمد عبده مهاجماً تعدد الزوجات قائلاً " فمن تأمل الآيتين ( سورة النساء ) علم أن إباحة تعدد الزوجات في الإسلام أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها بشرط الثقة بإقامة العدل و الأمن من الجور، و إذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق ما يترتب علي التعدد في هذا الزمان من المفاسد جزم بأنه لا يمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات فإن البيت الذي فيه زوجتان لزوج واحد لا تستقيم له حال و لا يقوم فيه نظام، بل يتعاون الرجل مع زوجاته علي إفساد البيت كأن كل واحد منهم عدو الآخر ثم يجئ الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد إلي البيوت، و من البيوت إلي الأمة".
[و لننظر علي الشاطئ الآخر، و لنستمع إلي المؤيدين للتعدد و حججهم الواهية، و لنأخذ مثلاً لهم د. مصطفي السباعي، فهو يقول في كتابه (المرأة بين الفقه و القانون) إذا كان عند الرجل من القوة الجنسية ما لا يكتفي معه بزوجته إما لشيخوختها، و إما لكثرة الأيام التي لا تصلح فيها للمعاشرة الزوجية، و هي أيام الحيض و الحمل و النفاس و المرض وما أشبهها، و في هذه الحالة نجد الأولي و الأحسن أن يصبر علي ما هو فيه، و لكن إذا لم يكن له صبر فماذا يفعل؟، أنغمض أعيننا عن الواقع و ننكره كما تفعل النعامة أم نحاول علاجه؟!.
[و في الحقيقة أنا مندهش من أن يكون الدفاع بهذا الشكل، فالدفاع عن تعدد الزوجات يفترض أن الرجل ماكينة جنسية شرهة علي المرأة أن تدخل تروسها بكل الطاعة وبدون أدني تبرم، و تتحمل نقصها الناتج عن ظروفها الفسيولوجية التى لايستطيع الرجل أن يأخذ إجازة أثناءها، و هذا دفاع يحمل في طياته صورة حقيرة لنوعية من الرجال ممن يفكرون بنصفهم الأسفل فقط، و ينكر أن الزواج في البداية و قبل كل شئ مودة وسكن و رحمة، وأن الاتصال النفسي و الروحي يسبق الاتصال الجسدي و الجنسي الذي يشير إليه البعض بأنه سبب الزواج الثاني.

[الإخلاص قانون الزواج، ولا نريد إلباس الخيانة ثوب الفضيلة بإسم الشرع و القانون، و التعدد استثناء لا ينبغي أن نتحدث عنه بتفاخر، و الضرة ضرر حتى و لو قلنا أنها ضرورة و الحب ليس سلعة تايوانية مقلدة و لكنه صناعة " هاند ميد" عليها توقيع قلبين لرجل و إمرأة.
 

 جرائم الشرف
 شرف البنت وعود الكبريت

["شرف البنت زي عود الكبريت ما يولعش غير مرة واحدة بس، و شرف الولد زي الولاعة الأوتوماتيك ممكن يولع إلي مالا نهاية"!!، ليست هذه جملة مسرحية ليوسف وهبي، و لكنها حصيلة ما خرجت به من خلال قراءتي لعينة عشوائية من صفحات الحوادث في الجرائد المصرية، و التي لا يكاد يخلو عدد منها من أب يقتل ابنته أو أخ يمزق أخته أو زوج يخنق زوجته لشك في سلوكها، و هو ما يطلق عليه جرائم الشرف، و دائماً الشرف هو شرف الرجل، و دائما الضحية هي المرآة.

ولأن شرف المرأة عندنا له معني محدد وواضح و هو غشاء البكارة و الجنس، فهو ضيق كثقب الإبرة، و لأن شرف الرجل " أول سايز" يتسع لكل المعاني، و يختزن كل الاحتمالات، لذلك فهو واسع كالمحيط و غامض كالشبح، فالمرأة غير الشريفة هي التي تفرط في عرضها، أما الرجل غير الشريف فهو الرجل السارق أو النصاب وماعدا ذلك فهو شريف و لو مارس الجنس مع ثلاثة أرباع نساء الكرة الأرضية، فسيظل شريفاً عفيفاً لا تلوثه هذه العلاقات " الطياري"، و قد أجري الباحث الإجتماعي بحثاً ميدانياً عن معني الشرف عند المرأة، فإتفق 99% من نساء العينة علي أن الشرف هو غشاء البكارة السليم، و لم يذكر سوي 8% أن شرف المرأة مبادئ و قيم ومثل عليا، إذاً معني الشرف يختلف بإختلاف الجنس، و لذلك فطريقة الإنتقام له و المحافظة عليه وأيضاً عقاب من يفرط فيه أو يثأر من أجله، لابد أن تختلف هي الأخري، و بالتالي لابد أن يتسامح المجتمع ممثلاً في أعرافه و تقاليده و قوانينه مع هذا المفهوم، و لكي نطبق هذا الكلام بطريقة عملية علينا أن نقرأ صفحة الحوادث في أية جريدة، و هذه عينة عشوائية نقدمها لكم كبداية لتكوين وجهة نظر حول هذه الجريمة، و لإحصاء نسبة إنتشارها في المجتمع و طرق تنفيذها، و الأهم شعور مرتكبيها الذين يشعرون بالفخر غالباً و بالندم نادراً، و إليكم بعض العناوين:

 عاطل في بني سويف يقتل زوجته الشابة بمطواة قرن غزال لكثرة خروجها من المنزل و ملاحظة بسيطة: هذا العاطل كان متزوجا من اثنتين " الأهرام 30/6/1999"
 قتلها شقيقها لسوء سلوكها و دفنها في برج العرب 13/5/2001.
 أب يغتصب ابنته و عندما حملت منه قتلها ليمحو العار " الأحرار 4/6/2001
 خفير يهشم راس زوجته ببلطة و يذبحها أمام أطفالهما الأربعة بالخانكة لشكه في سلوكها " الأهرام 15/10/2001.
 إحالة منجد إلي الجنايات قتل إبنته التلميذة بمدرسة المحمدية الإعدادية بالسيدة زينب لسوء سلوكها" الأهرام 8/5/2001.
 في أبو المطامير بالبحيرة و مع إنطلاق مدفع الافطار يقتل شقيقته وزوجها لزواجهما بدون رغبة الأسرة " الأهرام 30/12/1998"
 يلقي بإبنته من الدور الخامس لعودتها متأخرة ليلا " الأهرام 9/12/1998
 في شبرامنت يقتل شقيقته بإيشارب لسوء سلوكها و يحاول استخراج شهادة بوفاتها " الأهرام 3/5/1998.
 اعترافات قاتل شقيقته.. شوهت سمعتنا فغسلت العار ضميري مرتاح و لست نادماً " الجمهورية 6/8/2000
 يقتل والدته بمعاونة خاله بقنا لسوء سلوكها " الأهرام 2/10/2000
 في المنوفية تقتل ابنتها لحملها سفاحاً " الوفد 19/4/2001
 يذبح زوجته بسكين المطبخ لوقوفها بملابس مثيرة في شرفة الشقة بالبلينا بسوهاج " الأهرام" 5/10/1999
 حداد بالمحلة يقتل زوجته لإصرارها علي الخروج بدون حجاب " الوفد 6/3/2000
 يجبر ابنته علي تناول السم لشكه في سلوكها " الوفد 6/8/2000
 في أبو النمرس بالجيزة يخنق شقيقته و يدعي انتحارها بالسم لارتباطها بعلاقة عاطفية مع جارها " الأهرام 6/8/2000
 بالإسكندرية مهندس ديكور يقتل زوجته أمام المارة لشكه في سلوكها " الأهرام 4/9/2000
  أب و أم يقتلان ابنتهما صعقاً بالكهرباء لزواجها عرفياً من شاب بالوراق " الوفد 14/8/2000
 مبيض محارة يمزق جسد زوجته بالسكين في الشارع لشكه في سلوكها " الأهرام 2/12/2001
 في العمرانية تاجر يقتل إبنته أثناء نومها لسوء سلوكها " الأهرام 5/7/2001
 في كفر شكر يذبح زوجته ثم ينتحر حزناً عليها.. الحياة 29/3/1998"
 تلميذ بسوهاج يهشم رأس شقيقته ببلطة لطلاقها بعد 7 اشهر من زواجها " الأهرام 7/6/2000
 إعترافات مثيرة لقاتل شقيقته بإمبابة.. أصدقائي عيروني بسوء سلوكها فذبحتها بلا ندم و لعبت البلياردو بعد الجريمة " الأحرار 4/8/2001"
 في الحدائق: زوجة الطباخ عيرته بضعفه شك في سلوكها فقطعها " طرنشات" و في الفيوم أشعل مواطن و ابن عمه النار في شقيقته و منعا أهل البلد من إنقاذها و في القليوبية أعمي يسدد طعنة قاتلة لقلب زوجته إثر مكالمة تليفونية كاذبة " المصور 7/7/2000
[هذه بعض المانشيتات التي تحكي قصة الدم الذي يراق علي جوانب الشرف حتي يسلم من الأذي كما أوصانا الشاعر العربي القديم، هذا الدم الذي يراق بنفس السهولة التي تراق بها دماء دجاجة، وبنفس الاطمئنان و الخشوع الذي يقدم به القربان، وكما سجلت الجرائد هذه الجرائم في صفحات الحوادث، قامت وزارة الداخلية بتسجيلها في محاضر أقسام البوليس، و قد بلغ عدد المجني عليهن في قضايا القتل العمد بدافع غسل العار، و المبلغ عنها في مصر علي سبيل المثال 52 حالة في عام 1995، و بالطبع لابد من وضع ألف خط تحت عبارة " المبلغ" لأنه في أحيان كثيرة لا يتم التبليغ خوفاً من إنتشار الفضيحة، أو لأن الجيران و الأهل يعتبرون الفاعل بطلاً مغواراً فيباركون فعلته بل يمجدونها، و بالطبع لا يتم التبليغ.
 وإذا كانت محاضر البوليس لا تنتقل إلي وجهات نظر المتهم و الشهود التي ما تكون غالباً آراء ذاتية، فإن تقارير الطب الشرعي لا تنقل إلا وجهة نظر العلم و التشريح و التحليل التي تكون غالباً موضوعية، و الحكايات و القصص التي يرويها الأطباء الشرعيون تثبت أن سيف الظلم عادة هو الذي يسبق حكمة العقل، و في أحد التصريحات الصحفية يفاجئنا مدير مشرحة زينهم برقم غاية في الظلم و البشاعة، فهو يقول إن 80% من القتيلات بدعوي الشرف بريئات تماماً و عذاري، و هو ما يثبت أن هذا الشك الذي يحتل معظم المانشيتات و يمثل الباعث الأساسي لمعظم الجرائم هو شك لا يوجد إلا في عقل القاتل الذي تحركه غريزته الهيسترية، فيذبح و يخنق و يحرق بدون أن ينصت و لو لثوان قليلة لصوت العقل و الضمير، و حكاية أخري يحكيها طبيب شرعي ممن لمس الظلم الواقع علي ضحايا جرائم الشرف و فيها أفضت الأم بالسر الرهيب إلي إبنها" إلحق أختك انقطعت عنها الدورة أكيد فيه إن "...و أمام هذه " الإنّ "لم يكن أمام الشقيق إلا أن يغرس السكين في صدرها ليريح و يستريح، و في المشرحة ظهرت الحقيقة، الأخت عذراء، و كل ما في الأمر أنها كانت تمارس ريجيماً قاسياً مما أثر علي مستوي الهرمونات فانقطعت الدورة و لكن ماذا يفعل العقل أمام غريزة التخلف؟
[و كما كشفت المشرحة عن ظلم الأم و الشقيق، كشفت أيضاً عن ظلم الأب، فالضحية كانت تعاني من تشوهات خلقية ولدت و غشاء بكارتها مسدود لا يسمح بمرور دم الحيض، و تجمعت الدورة الشهرية علي مدار شهور عديدة و البنت لا تشكو إلا من مغص وانتفاخ بالبطن وما أدراك ما انتفاخ البطن عندنا، فالبوصلة الجنسية المركبة في مخيخ أهالينا دائماً ماتشير إلى جبهة الجنس، وتأكد الإتهام أكثر مع وجود الدوخة و الإغماء، و لم يتحمل الأب نظرات أهل قريته في سوهاج، فحز رقبة ابنته بالفأس، وثبت بعد الكشف أن الفتاة بريئة، و أن كل القصة تشوه، حله في مشرط الطبيب و ليس في فأس الأب.
[و إذا كان غشاء البكارة المسدود قد تسبب في هذه الحالة، فغشاء البكارة المطاط قد تسبب في مئات الحالات، وكان سبباً رئيسياً في مئات الجرائم فنافورة الدم التي ينتظرها الزوج ليلة الدخلة و قبله ينتظرها الأهل، لم تظهر في الأفق، إذاً و علي بلاطه و بسرعة البرق توضع لائحة الاتهام، الزوجة فاجرة فقدت بكارتها، و بما أن الزوج هو الوكيل الوحيد لقطع غيار البكارة، فالمؤكد أن أحداً غير سموه و غير فخامته قد فض الغشاء و هتك العرض، و يتم قتل الفاجرة التي تدفع ثمن خطأ لم ترتكبه و غشاء لا يفض إلا بواسطة جراحة، و لكنه الرادار الجنسي المركب في عقل الرجل الشرقي، و الذي يتغافل عن كل الأهداف العسكرية الحيوية و يلتقط دبة النملة الجنسية‍.
و يعلق د.فخري صالح كبير الأطباء الشرعيين علي جرائم الشرف فيذكر في حواره بـ المصور 7/7/2000 عدة ملاحظات:
 الملاحظة الأولي: أن الأهالي لا يبحثون عن الفاعل فهم يكتفون بسفك دم الضحية لتبييض العرض دون تحقق و يساعد علي ذلك الجهل و الحمق و تحكم العادات القبلية.
 الملاحظة الثانية: أن الدايات لهن دور كبير في تلك الجريمة الشنعاء لأنهن تحت ضغط الأهل يجدن الخلاص في اتهام الابنة خصوصاً و أنه غير مقبول منهن غير ذلك و إلا إتهمن بأنهن يعرفن و يدلسن.
 الملاحظة الثالثة: 99% من أطباء النساء يستطيعون إثبات براءة الفتاة من عدمه مع توفر أجهزة الموجات الصوتية الحديثة التي تكشف الحمل ربما في الايام الأولي، لكن المشكلة خوف الأهل و البنت من أصله، و خوف الطبيب نفسه من نتيجة ربما لا ترضي الأسرة التي تأتي وقد جهزت الكفن و لم يتبق إلا تصريح القتل الذي يوقعه الطبيب.
 الملاحظة الرابعة: بالرغم من أن الذي غرر بالفتاة كثيراً ما يعترف بخطئه و يتزوج الضحية، فإن الأهل يصرون علي الجريمة و ربما يقتلون الفتاة أمام قسم الشرطة الذي تزوجت فيه لأن العار لا يمحوه عقد الزواج بل يغسله سفك الدماء
 الملاحظة الخامسة: من بين 1610 جرائم قتل عام 1999 في القاهرة الكبري و 1793 في باقي المحافظات فإن 10% من تلك الجرائم تدخل تحت بند جرائم الشرف.
[هذه الملاحظات من كبير الأطباء الشرعيين في غاية الاهتمام فهي تدق ناقوس الخطر لعلنا نستيقظ كما إستيقظت دولة مثل الأردن حين سارت مظاهرات الاحتجاج بقيادة الملكة شخصياً لرفض و تجريم هذه الظاهرة، و المطالبة بتعديل القوانين المخففة للعقوبة بدعوي إحترام الباعث النفسي، و لكن لنا تعليق علي ملاحظات د. فخري و هي ان الدايات لسن المتهم الوحيد بل يشاركهن الأطباء الشرعيين كان المجرم فيها و المحرض هو الطبيب نفسه وليس الداية، و فيها قتلت الضحية نتيجة تشخيص خاطئ لطبيب، و القصة بدأت مع ذهاب الشقيق لأحد الأطباء للإجابة عن السؤال الخالد لماذا انتفخ البطن؟، و أجاب الطبيب أنها ليست بكراً، إتهم الأهل الجار بمعاشرة الفتاة فاضطر الرجل المتهم زوراً إلي الزواج منها خوفاً من إنتقام الأسرة، و بعد الزواج إستمر كبر البطن، رغم أن الزوج لم يدخل بها و إعترف لأهلها بذلك، و أجرت الفتاة أشعة عند الطبيب، فكشفت عن ورم ليفي متضخم إضطر الطبيب معه إلي إجراء عملية جراحية ظنها الأهل عملية إجهاض فذبحوها علي باب المستشفي.
[ و من الذبح إلي الانتحار و الذي من خلاله تهرب الفتاة من مصير الموت ذبحاً إلي الموت انتحاراً و هناك حكاية بنت روض الفرج التي إستحمت في بانيو مكان شقيقها عدة مرات فحملت دون أن تدري، و عندما ظهرت علامات الفضيحة إنتحرت بجرعات كبيرة من الأسبرين، و بالكشف عليها إتضح أن غشاء البكارة سليم، و أنها لم تمارس الجنس، و أنها حملت من خلال تسلل الحيوانات المنوية الخاصة بشقيقها في البانيو.
حكايات و قصص واقعية لطخت ملفات التحقيقات البوليسية و أوراق التقارير الطبية، فيها حرارة و سخونة الدماء التي لا تجف أبداً، و التي تظل شاهدة علي الظلم و القسوة و البربرية التي مازلنا نتعامل بها مع المرأة، و لكن ماذا إذا انتقلت هذه الدماء من الملفات لتصرخ ما بين دفتي رواية و تبوح بسرها علي شفتي مغني موال الكل يمجد " متولي الجرجاوي قاتل شقيقته " شفيقة" و يرفعه علي الأعناق و يتمايل مع كلمات الموال و تأخذه النشوة حين يصرخ المغني مطالبا بالإنتقام من شفيقة، و اتذكر دهشتي و أنا مسافر إلى دمياط منذ عدة سنوات عندما وضع سائق البيجو شريط موال شفيقة و متولي، إندهشت و أنا أسمع تأوهات الإعجاب الهيستيرية من ركاب البيجو
و كأنهم يتابعون ماتش كورة، ولا أنسي تصفيقهم حين إنتهي الموال بقتل شفيقة، و غرقها في بركة الدم و مازالت كلمات هذا الموال الدموي ترن في أذني حتي الآن:
قالت له يا أخويا تبت علي إيديك
قال تتمحكي و تقولي حاتتوبي و تقولي وعد و مكتوبي
دي رقعة ما تطلع من توبي..... يا متولي
الساعة دي بنتظرها بالسكين ضيع منظرها وعزل الجتة من زورها.... يا متولي
و يصرخ المطرب " وقعد يقطع في شفيقة و يرمي في الشارع وجت الحكومة قالوا له انزل يا متولي...
 نزل يضحك ولا علي باله... و م السجاير طلع عباله...
و بوليس و أهالي في استقباله...يا متولي
 و ينتهي الموال بهذه الحكمة التي تجعل من متولي بطلاً فيقول: متولي شريف من دي الساعة
و خلص م العار بشجاعة.
و الحكم ست أشهر إشاعة و صعيدي عنده الشرف غالي
 أري النساء سبب البلاوي في مرضهم احنا بنداوي
و عاش بشرفه الجرجاوي و صعيدي عنده الشرف غالي...
[ و هكذا يلخص الموال الشعبي الخالد رأي ما يسمي الوعي الجمعي الذي يطفو علي السطح وقت الأزمات، فالمرأة هي سبب كل البلاوي وهن مريضات المفروض علينا أن نداويهن و نضعهن في المصحات، و المهم أن متولي الجرجاوي عندما فصل الرقبة أو كما يقول الموال " الزور" عن الجسد بذلك يكون قد إسترد شرفه الضائع.
[ومن شفيقة في الموال إلي " هنادي" في " دعاء الكروان"، هنادي بنت قرية بني وركان والتي جعلها طه حسين رمزاً لكل الغلابة المقهورات تحت مطرقة الأهل و سندان التقاليد الهاربة من مطاردة ذوي القربي بتخلفهم و نشوتهم للثأر، و الهاربة أيضاً من رغبة "فالنتينو" ابن المدينة و عشقه لإقتحام سدود التمنع وشهوته المتأججة، إلي "جميلة" بطلة البوسطجي و التي جعلها يحيي حقي ضحية إختلاف المذهب الديني و الشك الجاهز و فضول البوسطجي و تخاذل حبيبها خليل، إلي أن نصل إلي" فاطمة" بطلة حادثة شرف ليوسف إدريس و هي في رأيي أهم من تجسد هذه القضية ليس فقط لأن القصة تتضمن في عنوانها كلمة الشرف، و لكن لأنها تناقش بعبقرية مدي هشاشة و سطحية مفهوم الشرف الذي نتبناه و نحصره في مجرد غشاء، ففاطمة التي إتهموها بارتكاب الفاحشة مع غريب في غيط الذرة، و ظلت القرية تستحث أخاها " فرج " علي أن يتاكد من أنها لم تفقد شرفها أي غشاءها، و طلب فرج من جارتهم أم جورج أن تفحص أخته التي كانت مضرب المثل في الجمال و الخجل أيضا، و يصف يوسف إدريس مشهد الإطمئنان علي العفة فيقول:
 " تسمرت فاطمة في مكانها علي العتبة و لكن النسوة دفعتها دفعاً لا مجاملة فيه حتي سقط " الشاش " من فوق رأسها، و تولت أم جورج طرد جورج من البيت و إغلاق الباب الخارجي و باب الحجرة الداخلي و شيش النوافذ و زجاجها، و كانت مقاومة فاطمة مقاومة الخجل الفطري، و لكنهن تكاثرن عليها و أرقدنها علي السرير بالضغط و الجذب، و تولت إحداهن تقييد يديها و إمسكت امرأتان كلٌ بساق من ساقيها، و امتدت أيد كثيرة، أيد معروقة و جافة، حتي بقايا الملوخية التي عليها جافة، و إمتدت عشرات العيون الصادقة في بحثها عن الشرف و المحافظة عليه، إمتدت كلها إنغرست و قلبت و تفحصت حتي و هي لا تدري عم تبحث، أم جورج وقد تولاها ارتباك عظيم و كأنها المكشوف عليها لا الكاشفة تنهر النسوة بلا فائدة، و تطمئن فاطمة بلا فائدة أيضاً، و الشد و الجذب و الصرخات المكتومة تدور في صمت، و في همس مروع و سكون الترقب قد خيم علي الحجرة، و إمتد منها إلي البيت و إلي الخارج و إلي العزبة و إلي الكون كله، فصمت و فجأة انطلقت زغرودة من الحجرة الداخلية، ترددت علي إثرها الزغاريد في المنزل ثم في الخارج، و الألسنة تردد سليمة إن شاء الله والشرف منصان، و المدهش أن فاطمة ذات الشرف المنصان تغيرت 180 درجة، و أصبحت بعد هذه التجربة و في نهاية القصة إمرأة شبه داعرة لا تعرف الحياء بل تعرف المتهم غريب و تشتهيه.
[و من قصة يوسف إدريس إلي قصة غشاء البكارة نفسه و تاريخه، فتاريخه هو تاريخ الإنسانية و الخوف عليه هو المعيار و الدافع وأيضاً التسلية التي تمنحهم إياها الدمية التي يسمونها المرأة، فمن حزام العفة حتي الختان نستطيع ان نلخص تاريخ هذا العالم الذي كتبت حروفه علي جلد المرأة و روحها، و ليس كما يقال علي أوراق البردي أو جلود الغزلان!، فماذا يقول التاريخ عن هذا الغشاء؟ و ماذا يحكي عن العذرية؟.
[يحكي كتاب و يستر مارك " تاريخ الزواج" عن إختلاف نظرة المجتمعات قديماً و حديثاً، شمالاً و جنوباً بالنسبة للعذرية، و المدهش و الغريب أن بعض القبائل تفضل المرأة التي فضت بكارتها علي المرأة التي لم تفض، و البعض الاخر يقتل من أجل بل يحتفي بفضه ليلة الدخلة كما يحدث في بعض قرانا المصرية حين يلوح الزوج بالمنديل الغارق في الدم، و الذي سرعان ما ينتقل إلي ايدي أقارب العروس لكي يتفاخروا أمام البلد بأن بنتهم عذراء واتاخد وشها، و بين الطرفيين المتناقضين ألوان طيف كثيرة، ففي بعض الشعوب تمارس البنات الجنس قبل الزواج للحصول علي مهورهن، و عند بعض قبائل إفريقيا يفضون بكارة البنات وهن صغار، و تتولي الأم تلك المهمة أو يتولاها رجل مسن، وعند قبائل أخري يقوم الأب نفسه بفض بكارة إبنته قبل زفافها كما كان في بلاد السنغال حتي القرن السابع عشر لأنه من وجهة نظره من حقه أن يجني ثمرة النبتة التي غرسها، و يحكي الكاتب السوري عبد السلام الترومانيني في كتابه "الزواج عند العرب" عن أن بعض نصرانيات الشرق قديماً، كانت تفض بكارتهن بواسطة الرهبان المخصيين، و كان الزوج وقتها يرافق الزوجة إلي الدير ليتأكد بنفسه من أن الراهب هو الذي قام بهذه الفعلة، و قد كانت هذه العادة سارية أيضا في أوروبا حتي القرن السابع عشر، و من العادات التي كانت تتبعها بعض الشعوب في مسألة فض البكارة أن يتعهد رجل غريب بهذه المهمة قبل الزفاف، و يرجع ذلك إلي الإعتقاد بأن دم البكارة نجس كدم الحيض، و أن فيه خطراً علي الزوج، و قد كان في بابل قديماً تقليد روتيني و هو أن تذهب المرأة البكر إلي المعبد فإذا ألقي رجل غريب في حجرها قطعة نقود فعليها أن تتبعه ليفض بكارتها في مكان خارج المعبد، و من الشعوب من يعهد بهذه المهمة إلي السحرة لأنهم مقدسون و يحولون النجس إلي طاهر، و كان من سعادة النساء أن تحملن من هؤلاء البركة ضماناً للطهارة و المستقبل المشرق.
و لكن المشكلة أن رجال الدين و السحرة و الكهان لم يكونوا هم الوحيدون الذين نالوا هذا الشرف، و حصلوا علي هذه الحظوة، و إنما شاركهم فيها أصحاب السلطة السياسية من الملوك القدامي و الرؤساء فكان من حق هؤلاء أن يمضوا الليلة الأولي مع كل عروس تزف إلي زوجها، و يسمي هذا الحق حق الليلة الأولي أو حق التفخيذ
Droit de cuissage، و كان من الملوك الذين مارسوا هذا الحق الملك مالكوم الثالث ملك إيقوسيا الذي اصدر قانوناً ينص علي حقه و حق أخلافه بفض كل عروس قبل أن تزف إلي زوجها، و قد ظل هذا القانون سارياً حتي ألغاه الملك مالكوم الرابع بتأثير زوجته، وإستبدل بهذا الحق مبلغاً يدفعه الزوج إلي الملك، و قد إستغل أمراء الإقطاع هذا القرار أسوأ استغلال إذ أخذوا يتنازلون عن حقهم في الليلة الأولي مقابل هدية أو مبلغ يدفعه الزوج إليهم، وفي روسيا كان للسادة الإقطاعيين حق فض عرائس أتباعهم، و ظل هذا الحق قائماً حتي القرن التاسع عشر.
و عادة فض بكارة العذاري بواسطة الملوك و الرؤساء كانت معروفة عند العرب القدامي أيضا ومنهم طسم و جديس، و قد قيل إن ملك طسم المسمي عمليق في إحدي المرات إعتدي علي حق ملك جديس ففض بكارة أخته ليلة زفافها، ومن أجل ذلك قامت حروب بين القبيلتين أبادتهما فعرفوا بالعرب البائدة، و يؤكد ذلك ما روي عن أبرهة الأشرم حين اراد أن يكافئ جنديه أرنجدة علي إنقاذه لحياته حين إحتل اليمن و ترك له حرية إختيار نوع المكافأة، فقال أرنجدة أريد ألا تدخل إمرأة بكر علي زوجها قبل أن تبدأ بي فأفترعها، فقال أبرهة لك ذلك، فلولا أن عادة إفتراع الأبكار، أو فض بكارتهن من قبل الرؤساء والملوك كانت قائمة حينذاك ماكان لأبرهه أن يقر و يأذن لهذا الجندي بهذا الحق الموقوف علي الملوك و الرؤساء، و كذلك يروي في أخبار الزمان للمسعودي أن زعيم اليهود في يثرب و الذي كان يدعي " القيطون" فض بكارة أخت مالك قبل زفافها، و الغريب و المدهش كما ذكرنا أنه في بعض الشعوب تكون البكارة فضيحة كما في عشائر الواديجو و الباكونجو و في معظم مناطق إفريقيا الاستوائية، ولدي عشائر الأنجامي ناجاس تقليد حيث يعد تقصير الضفائر دليلا علي البكارة، و تخجل الفتيات هناك من أن تقصر ضفائرها، و هكذا نري انه حتي في مسألة البكارة الأمور نسبية و لا تتعلق بالشرف علي الدوام.
[ كان هذا هو التاريخ و الجغرافيا فماذا عن التشريح و الفسيولوجي؟، كتب الطب تقول إن غشاء البكارة هو غشاء رقيق توجد به فتحة لتسمح بنزول دم الدورة الشهرية، و هذه الفتحة تختلف في الشكل من إمرأة إلي أخري، فقد تكون هلالية أو مستديرة أو ذات فتحات متعددة و يسمي الغشاء الغربالي، و أحيانا لا توجد فتحة علي الاطلاق مما يستدعي تدخل الطبيب لعمل فتحة جراحياً و إعطاء شهادة تثبت ذلك، و أخيراً يوجد النوع الكارثة و أطلق أنا عليه هذا الإسم لما يجره علي فتياتنا الشرقيات من مصائب و اتهامات وأحيانا إغتيالات، و هذا النوع هو النوع المطاطي الذي أشرنا إليه من قبل، و الذي يتنتظر معه العريس تدفق الدم ولكن بلا جدوي، فيرمي باللوم علي المسكينة المظلومة و علي أهلها " اللي ماعرفوش يربوها"، وهي في الحقيقة تمتلك هذا النوع الي جاب لها الكلام الذي له حكايات و قصص كثيرة، يذكر منها سيدني سميث في مجلة الأمن العام عدد يناير عام 1972 حالة سيدة تعمل بالدعارة بعد الممارسة لمدة ثلاث شهور، و كذلك حالة إمرأة حامل وجد غشاء البكارة فيهما سليماً، كما يذكر تيلور في العدد نفسه ثلاث حالات لعاهرات زاولن مهنة البغاء لمدة سبع و ثماني سنوات، ووجد غشاء البكارة في كل حالة سليماً، و أكثر من ذلك فإن سهولة تمدد فتحة غشاء البكارة قد تسمح ليس فقط بالإيلاج الكلي بل أيضا بإخراج الأجنة في حالات الإجهاض دون أن يتمزق الغشاء، أما في حالة الحمل الكامل فقد إختلفت الآراء هل يسمح بمرور الجنين أم لا؟، ويري معظم العلماء أنه يتعذر مرور جنين كامل دون أن يتمزق الغشاء و يقولون جملة طريفة يصفون بها هذا الفض يقولون " يرجع الفضل في إزالة البكارة للإبن و ليس للأب"!، و هنا نتساءل مرة أخري عن كون الغشاء علامة فارقة و دالة و أمينة و متفردة علي الشرف حيث مارست المذكورات الرذيلة برغم وجود الغشاء الحارس الأمين!!
[ غشاء البكارة لم يختص به الإنسان بل شاركته فيه بعض إناث ذوات الأربع خصوصا القردة، و لكن المجتمع الإنساني هو الذي تفرد بالأساطير المنسوجة حول هذا الغشاء، و عن ربطه بالشرف، و أيضاً هو الذي إخترع عملية جراحية لتزييفه و هي عملية الترقيع، و التي إنتشرت انتشاراً كبيراً في الآونة الأخيرة لدرجة تخصص بعض اطباء النساء في هذه العملية فقط، و التي تدر عليهم أرباحاً كبيرة نتيجة للمتاجرة بفوبيا الشرف إنه باختصار أغلي مقلب يشربه الرجل الشرقي، وبالرغم من أنه هو الذى خلق وصنع هذه الأسطورة فإن هذه الخيوط الجراحية التى تلحم الغشاء تلحم معها كرامته حتي و لو كان متأكداً من أنها مزيفة.
[و حكايات الترقيع كثيرة و نلتقط من كتاب الإنفجار الجنسي للدكتور ياسر أيوب بعض أقوال العاهرات مثل " قال بيقولوا الشرف لو راح ما بيرجعش"، و حكاية القوادة أم شطة التي طلب منها توفير فتاة بكر لأحد الأثرياء فلم تنشغل أم شطة بالبحث عن بكر فذهبت إلي الطبيب بعاهرة محترفة فأعادها بنت بنوت، و هكذا ظهرت للغشاء فوائد اقتصادية جمة فهو قد حل مشكلة بطالة الأطباء و أيضا العاهرات، و في الآونة الأخيرة أثيرت قضية ترقيع الغشاء وهل هو حرام أم حلال؟، و هل هو من باب الستر أم من باب تزيين المعصية؟، وثار اللغط ما بين مؤيد ومعارض لدرجة تخصيص جلسات لمناقشة موضوع الرؤية الإسلامية للممارسات الطبية التي عقدت في الكويت منذ عدة سنوات، و أدلي فيها بالرأي هناك الشيخ محمد الشنقيطي الأستاذ بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والشيخ عز الدين الخطيب التميمى، والدكتور محمد نعيم ياسين و غيرهم، و خلصوا إلي رأيين:
• الأول لا يجوز ترقيع الغشاء مطلقاً، لأنه أولاً في رأيهم يخلط الأنساب، و ثانياً فيه إطلاع علي منكر، و ثالثاً رتق غشاء غشاء البكارة يسهل للفتيات إرتكاب جريمة الزنا لعلمهن بإمكان رتق الغشاء بعد الجماع، و رابعاً لأنه غش و من غشنا فليس منا، و كل هذا في رأي الرافضين اعتماد علي قاعدتين فقهيتين هما درء المفاسد مقدم علي جلب المصالح، و الضرر لا يزال بالضرر.
•  أما القول الثاني الموافق علي إجراء الترقيع فيعتمد علي السبب، فإن كان سبب التمزق حادثة أو فعلاً لا يعتبر في الشرع معصية، و إذا كانت الفتاة ستلاقي عنتاً و ظلماً بسبب الأعراف و التقاليد، كان إجراؤه واجباً، و إذا كان السبب أنها مطلقة أو زانية إشتهر زناها بين الناس فإنه يحرم إجراؤه، و إذا كان السبب زنا لم يشتهر بين الناس كان الطبيب مخيراً بين إجرائه و عدم إجرائه كما يقول د. نعيم ياسين، وقد اعتمد المبيحون للترقيع علي:
أولاً: النصوص الشرعية الدالة علي مشروعية الستر و رتق الغشاء معين علي هذا الستر
ثانياً: المرأة البريئة إذا أجزنا لها الترقيع أو الرتق قفلنا باب سوء الظن فيها فيكون دافعا للظلم عنها.
ثالثاً: رتق الغشاء يحقق المساواه بين الرجل و المرأة فكما أن الرجل مهما يفعل الفاحشة لا يترتب علي فعله أي اثر مادي في جسده ولا يثار حوله أي شك فكذلك ينبغي أن تكون المرأة و تحقيق العدل بينهما مقصد شرعي.
 و بالطبع أثيرت كل هذه الخلافات لموقع الفتاة البكر المفضل علي الثيب التي لا تملك هذا الغشاء، فالبكر في الثقافة الإسلامية جمالياً و جنسياً مفضلة عن الثيب التي سبق لها الزواج، و الحديث هنا يطول و الاستشهادات لا حصر لها ولا عد، و لكن يحضرني هنا سؤال غريب وصل للمفتي السابق نصر الدين واصل عن حكم بعض الرجال الأرستقراطيين المتزوجين الذين يجرون عمليات ترقيع لزوجاتهم لإستحضار طقوس الزفاف!! و هنا تظهر أهمية الغشاء الذي أضفنا إليه وظيفة الإمتاع، برغم أن فضه علمياً لا يحمل أاية متعة، بل يحمل علي العكس ألماً، و لكن المهم أن هذا الخلاف السابق ما بين مؤيدي الترقيع و رافضيه أثير في مصر بقوة و عنف حين صدرت فتوي جواز الترقيع للمغتصبة، و هاج وماج الكثيرون علي هذه الفتوي، و حكموا علي المغتصبة بأن تجرس و تنفضح برغم أنها الضحية، و ذلك كله حفاظاً علي سلامة البضاعة و التأكد من تاريخ الصلاحية.
[يقودنا موضوع ترقيع المغتصبات إلي نتيجة أخري، و هي أن الاغتصاب أثبت لنا أن شرف المرأة في مصر يخضع للتقسيم الطبقي، ففي دراسة مهمة للدكتور أحمد المجدوب أستاذ الاجتماع علي ثلاث حالات اغتصاب شهيرة شغلت الرأي العام المصري، كتب المجدوب عن كيفية تعامل و إستقبال هذا الرأي العام لتلك الحالات، القضية الأولي هي القضية الشهيرة بإسم فتاة المعادي، و هي الفتاة التي إغتصبها أربعة من عمال البناء الذين لمحوا أثناء سيرهم ليلاً بعد إنتهاء عملهم شاباً و فتاة يمارسان فعلاً فاضحاً، و هو الأمر الذي أثارهم جنسياً، فإندفعوا نحوهما لينحيا الشاب جانباً و يحلون محله الواحد تلو الآخر، و بحثت الشرطة علي الفور عن الجناه و تابعت الصحافة بإهتمام مذهل و حكم مسبق حشده له الرأي العام، فصدر الحكم علي وجه السرعة بالإعدام، أما القضية الثانية فهي قضية فتاة إمبابة التي إغتصبها سبعة رجال بعد بضعة شهور من حادث المعادي، و الحكاية أن المرأة و زوجها كانا لدي محاميهما في مكتبه بشأن قضية لهما و عند نزولهما مع المحامي ليلاً خرج عليهم سبعة رجال إختطفوا السيدة و أخذوها في عشة و تناوبوا إغتصابها حتي الصباح، و بعد القبض علي الجناة إنتظرنا أن تتحمس الصحف لفتاة إمبابة كما تحمست لفتاة المعادي، و لكن هيهات فقد لزمت الصحف الصمت، و من إهتم و نشر كتب بالبنط الصغير، و صدر الحكم بسبع سنوات لكل منهم برغم أن الحالة الثانية كانت أخطر و أقسي، فقد كانت سيدة إمبابة تمشي مع زوجها و محاميها و بكامل ملابسها، و عدد المغتصبين سبعة، و لكن الفرق بين الحكمين هو الفرق بين المعادي و إمبابة، أما القضية الثالثة فقد كانت قضية فتاة العتبة التي كانت تنتظر الأتوبيس في موقف العتبة و أثناء الهرج والمرج الذي يحدث عند قدوم الأوتوبيس، إمتدت يد أحد العابثين إلي ما تحت ثيابها فصرخت وسقطت علي الأرض و سقط فوقها بعض الركاب الذين اتهموا بإغتصابها، و أصبح جسد فتاة العتبة مباحاً للجميع، و سألتها بعض الصحف: هل فقدت بكارتك؟، بالطبع كانت مثل تلك الأسئلة حلالاً علي فتاة العتبة وحراماً علي فتاة المعادي لأن الثانية بنت ناس و الأولي بنت بيئة!!، و هكذا خضع الشرف في مصر للتقسيم الطبقي و التمييز العنصري و الظروف الاقتصادية.
[و تعد جرائم الشرف من الجرائم التي دار حولها الجدل بشدة في الآونة الأخيرة، فمرتكبها هنا يتعامل معه القانون بشئ من التمييز و الدلع بعض الشئ، فالقانون يحترم الباعث علي الجريمة في حالة قتل الأخ لأخته في جريمة شرف مثلا، و ذلك لأننا كما ذكرنا من قبل أن متولي الذى قتل شفيقة بطل في نظر الفولكلور المصري و مذنب نص نص في نظر القانون المصري، و هذه المسألة لم تقتصر علي مصر فقد شملت كل البلاد العربية، و كانت أعنف مظاهرها في الأردن كما ذكرنا من قبل، حيث تموت كل عام أكثر من عشرين فتاة نتيجة ما يطلق عليه جرائم الشرف، و قد قاد أمراء من العائلة الملكية الهاشمية في الأردن مظاهرة ضمت نحو خمسة ألاف شخص توجهت إلي مقر البرلمان الأردني للمطالبة بإلغاء المادة 340 من قانون العقوبات، و التي تتيح لمرتكبي جرائم القتل بحجة الدفاع عن الشرف الحصول علي أحكام مخففة، و بعدها تحدي عبد الطيف عريبات العضو الإسلامي البارز هناك في مؤتمر صحفي، و أعلن أن حزب الجبهة المعارض مستعد لعمل استفتاء و هو متأكد من أن النتيجة ستكون في صالح الإبقاء علي المادة، و أكد ابراهيم زايد الكيلاني رئيس لجنة العلماء بالحزب أن إلغاء المادة مخالف للشريعة الإسلامية و سيشجع علي الإنحلال.
و من الأردن إلي مصر التي مازال فيها حتي الآن تمييز قانوني بين الرجل و المرأة في جرائم الشرف خصوصاً في مواد عقوبات جريمة بالزنا، فالمفترض أن الجريمة أخلاقية يعاقب فيها الرجل مثله مثل المرأة و لكن الواقع غير ذلك و لنقرأ نصوص القانون:
 نص المادة 237 من قانون العقوبات كل من فاجأ زوجته حال تلبسها بالزنا و قتلها هي و من يزني معها في الحال، يعاقب بالحبس بدلاً من العقوبة المقررة للقتل العمد، أي أن الجناية نزلت إلي جنحة، و لكن إذا فاجأت زوجة زوجها في حالة زنا و قتلته تعاقب بعقوبة الجناية، ولا تستفيد من التخفيف الذي إستعمل مع الزوج، و قد برر رجال القانون ذلك بأنها طبيعة الرجل الشرقي الغيور، ولم يفترضوا أن المرأة هي الأخري كائن بشري غيور، بل هى أكثر غيرة من الرجل، و كأن الرجل مباح له الثورة علي عكس المرأة التي لابد أن ترضي ب "قضاها"، و بهذا من الممكن أن يحكم عليها بالإعدام علي الجريمة نفسها التي يعاقب عليها الزوج بثلاث سنين سجناً!.
 نص المادة 273 لا تجوز محاكمة الزانية إلا بناء علي دعوي زوجها، إلا أنه إذا زني الزوج في المسكن المقيم فيه مع زوجته لا تسمع دعواها عليه.
 نص المادة 274 المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد علي سنتين، لكن لزوجها أن يوقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت!!
[ مما سبق نري أن المشرع إشترط لقيام جريمة زنا الزوج أن تتم في منزل الزوجية، و لابد أن تثبت عليه التهمة، أما الزوجة فعقابها في جريمة الزنا يقع في أي مكان و تعاقب عليها في أي مكان وذلك بالرغم من أن الجريمة واحدة، و لكننا نري العقاب مختلفاً، فالمرأة تحبس لمدة سنتين و الرجل ستة شهور، و هنا التمييز واضح و جلي، و نتساءل هنا: هل تلك من بين إجراءات القوامة؟، و إذا كان المرأة ناقصة عقل، فلماذا لا يخففون عنها العقوبة انطلاقاً من مبدأ ليس علي المجنون حرج!!، أم أن المسألة اعتناق تفسيرات عندما تكون فى صالح الرجل، وإهمال تفسيرات أخري عندما تكون ضده؟!!.
[و ليست عقوبة جرائم الزنا هي التي يتم فيها التمييز بين الرجل و المرأة فقط، و لكن جريمة الدعارة أو تعود ممارسة الفحشاء هي الأخري فيها تمييز واضح و مجحف بين الرجل و المرأة، فالرجل الذي يمارس الدعارة و الفحشاء مع الأنثي يعتبر شاهداً، أما الأنثي التي كانت معه تعاقب بالحبس لمدة ثلاث سنوات، و هذا للأسف مثبت بحكم محكمة النقض بجلسة 3/6/1963 و الذي يقول " لما كان الحكم قد أقام الحجة بما أورده من أسباب سالفة علي مقارفة الطاعنة الفحشاء مع الرجل الذي كان معها وقت الضبط، ووجودهما معاً في حالة تنبئ بذاتها علي وقوع هذه الجريمة، و إستظهر ركن العادة بالنسبة إلي جريمتي إدارة المحل للدعارة و ممارستها بما استخلصه من شهادة شاهد من سابقة تردده عدة مرات لإرتكاب الفاحشة معها، فلا تثريب علي المحكمة إن هي عولت في إثبات هذا الركن علي شهادة الشهود، طالما أن القانون لا يستلزم لثبوته طريقة معينة في الاثبات".
 و ذلك يعني باختصار و بدون الدخول في مصطلحات قانونية أن الذي مارس معها الدعارة أخذ برأيه كشاهد علي تردده أكثر من مرة بغرض الممارسة فثبت ركن الاعتياد لممارسة الدعارة، أي أن الرجل أرضي مزاجه ثم ذهب إلي المحكمة معززاً مكرماً، كشاهد و يمكن يكون إتعزم علي شاي و سندوتشات، بينما المرأة التي شاركته الفعل نفسه، و الوقت نفسه تنظر إليه بحسرة من خلف القفص الحديدي، و لأننا نعشق الكسل فقد إسترحنا عندما إختصرنا شرف المرأة في مجرد غشاء، و هو أكبر و أعمق من ذلك بكثير، و برغم رقة هذا الغشاء و دقته، فإنه غليظ في مشاكله و معقد في الأساطير المنسوجة حوله، و لذلك سيظل عود الكبريت " مولعاً" لا نعرف هل هو يضئ لنا أم يحرق أيدينا؟ هل هو نور أم لهب؟.
و سنظل نحن أيضاً نردد طول العمر:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذي حتي يراق علي جوانبه الدم.


 

 العنف ضد العانس المنبوذة
[أعتقد أن لفظ العانس بما يحمله من دلالات في مصر والمنطقة العربية هو من أشد انوع العنف المعنوي الذي يمارسه المجتمع ضد المرأة، وأعتقد أن علم الأنثروبولوجي ( علم دراسة الانسان ) سيتوقف كثيراً أمام مجتمعنا ويقسم البشر هنا الى ثلاثة اجناس بدلاً من جنسين، وهم الرجل والمرأة والعانس!، فالعانس خصوصاً المصرية كائن لة خصائص مميزة يسبغها عليها المجتمع منذ أن تلتصق بها هذه الصفة المرعبة، فالمجتمع ينظر اليها نظرة هى مزيج من الشفقة والخوف والسخرية، الشفقة على حالها البائس الذى جعل القطار يفوتها، والخوف منها فهى في نظر الجميع شخصية سيكوباتية مريضة ذات عين حاسدة، وقلب حاقد، ورغبة مدمرة في ايذاء الأخرين الذين حازوا على وسام الزواج، وإنتصروا في معركة الإقتران الدائم، والسخرية من عبطها وغلبها وحيلتها القليلة وفشلها في الإيقاع بعريس لقطة او الحصول على جوازة سقع.
[وتصنع تلك النظرات قفصاً حديدياً تسجن فيه العانس مهما تتفوق في حياتها العلمية والمهنية، فالمكتوب عليها هو أن تتحرك في إطار القفص الضيق الذي تلونت قضبانه بالعيون المشفقة والخائفة والفضولية التى تتهمها على الدوام، بأنها تخاصم الجمال، وهذا ما طفش العرسان تطبيقاً للمثل القائل " لو كان فيها الخير ما كان رماها الطير "، ولا يسأل هؤلاء المشفقون والخائفون والساخرون، أنفسهم مجرد سؤال، لماذا لا نعتبر العانس ضحية لحظة صدق مع النفس خيرت فيها بين الاذعان لرغبات الزبون العريس وبين إحترامها لنفسها، ففضلت الإختيار الثاني، إن كثيراً من العانسات آنسات عوانس بإرادتهن، ولكنهن عندما إتخذن القرار إتخذنه في البداية عن إقتناع ولكن رويداً عندما زحفت عليهن تجاعيد الزمن والناس قررن الانسحاب لأن المجتمع أصابهن بفيروس الندم المزمن.
[ستة ملايين إمرأة وحيدة في مصر بدون زواج.. هذا هو ما ذكرته أحدث دراسة صدرت عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، من هؤلاء ثلاثة ملايين ونصف المليون عانس، ومليون مطلقة، ومليون معلقة تنظر المحكمة قضاياهن، ونصف مليون أرملة، وبالطبع كل التعريفات السابقة محددة ومعروفة إلا العانس فسن الزواج التى يحدد على أساسها التعريف مطاطة ومرنة، وتعريف العانس بداية لي عليه تحفظ، فالعنوسة ليست مسألة سن فقط ولكنها مسألة إحساس أيضاً أو بالأصح مسألة احساس في المقام الأول، يسيطر هذا الاحساس على الفتاة حتى ولو لم تتخط سن العشرين ربيعاً، فبمجرد تخرج الفتاة من الجامعة إذا كانت متعلمة، وقبل ذلك إذا لم تكن متعلمة تعليماً عالياً تبدأ الأسرة في ممارسة إستراتيجية الانزعاج والخضة، وينتابها الرعب على مستقبل البنت، فتبدأ الأم غالباً في رسم ملامح الخطة، خطة الهروب من سجن العنوسة الى شاطئ الزواج الميمون، أما عن ملامح وعناصر هذه الخطة فهى متشعبة وتختلف بإختلاف الظروف، فبالنسبة للملابس على سبيل المثال تجس الأم النبض لتمشي مع التيار السائد، وعلى أساسه تطيل الملابس أو تقصرها او تفرض الحجاب او تنصح بالاستريتش!.
بعد مرحلة الملابس يأتي الدور على المرحلة التى تثير القلق والرعب في قلوب وأوصال الأسرة، وهى مرحلة السؤال الخالد: كيف ستتعرف البنت على فتى احلامها؟، وهذه بالطبع مشكلة عويصة ولكن الأسرة عندنا وجدت الحل الجاهز في خطط منوعة ومهينه، فمنها ما يوضع بإحكام بحيث يقع العريس في المصيدة ولكن بدون ان تكون البنت مدلوقة علية او بالبلدى " رامية جتتها عليه "، وليس أنسب من الأفراح للقاء وسط جمع غفير من الناس يسمح باستعراض الجسم والزي وخفة الدم الى آخر العناصر الجاذبة، وبالطبع تكون " الشاطرة " من وجهه نظرهن هى التي تلقط رزقها وتكسب زبون أى عريس!، ثم تأتى بعد ذلك مرحلة الطناش والتى تتغافل فيها بعض الأسر عمداً عن لقاءات البنت مع العريس المنتظر وتأجيل تكشير الأنياب أملاً في الزاوج الآتي، وتأجيل الحمشنة حتى لا يفوت البنت قطار الزواج، وصدقونى أنا لا أصف هذه المراحل للإدانه ولكن فقط لإثبات حالة ولوصف واقع لا يقبل للمرأة إلا ان تكون أنثي فقط وليست إنسانة لها هويتها وكرامتهاونقاط تميزها وتفردها.
[من المؤكد عزيزي القارئ أن يقفز إلي ذهنك هذا السؤال، لماذا نتكلم عن العانس ولا نتكلم عن العازب؟،
الرد ببساطة هو لأن المجتمع يعاقب العانس و يتسامح مع العازب، فالعرف و التقاليد منحت الرجل حقاً في أن يكون هو الباحث الطالب و سلبت من المرأة المهلة الممنوحة له للإختياروهى طويلة وممتدة بامتداد العمر كله منذ سنوات النضج حتي الشيخوخة، يبحث فيها كيفما يشاء ووقت أن يأتي له مزاجه أو تطق في دماغه يرتبط، أما المرأة فلها تاريخ صلاحية محدد و معين فقد كتبه المجتمع و ختمه بختم الشركة المنتجة، وإذا تعدت المرأة السن القانونية أو إنتهت صلاحيتها تهاجم حياتها مباحث التموين العاطفية، و تقلب حياتها رأساً علي عقب بإسم التقاليد.
[أما أهم ما يجعلنا نتعرض لقضية العانس و ليس العازب، فهو إختلاف النظرة إلي الزواج نفسه و تغير فلسفته من الرجل إلي المرأة، فالرجل عندنا يقول "سأحقق ذاتي ثم أتزوج"، و نسمع منه هذه العبارة المأثورة " أنا بأكون نفسي"، أما الفتاة فتقول " سأتزوج لأحقق ذاتي " وهنا يكمن الفرق فتحقيق ذات الفتاة هو من وجهة نظرنا و نظرها في الزواج و في الزواج فقط، و ليس في العمل مثلاً أليس الزواج سترا و غطاء؟.
[الزواج في الغرب للمرأة هو لجوء للحب و التفاهم و الإحساس بالأمان، أما عندنا فهو للهروب من كلمة عانس و اعترافاً بسيادة الرجل المطلقة علي ساحة الحياة، و بنظرة سريعة علي الأمثال العربية نستطيع أن نلمس ذلك الخوف و تلك السيادة فمثلا نقول "ضل راجل و لا ضل حيطة"، " أقل الرجال يغني النساء"، "الرجال بالبيت نعمة و لو كان فحمة"، " زوج من عود خير من قعود"، " أبويا وطاني وجوزي علاني "، " هات العريس و خد نصه"، " اخطب لبنتك و ما تخطبش لأبنك "، "دور مع الأيام إذا دارت وخد بنت الأجاويد إذا بارت"، "بنتي في طبريا وهمها واصل ليا "، " اقعدي في عشك حتي ييجي اللي ينشك"...... إلخ.
كل هذا وغيره قد قيل في الفتاة التي تولد و تقذف من رحم الأم إلي الحياة و هي تحمل وشماً مزمناً، وهماً دائماً، هو هم تزويجها، و لكن للأسف المبادرة ليست في يدها، و هنا يتم اللجوء من أجل فك النحس لقراءة الفنجان وو شوشة الودع وفك الأعمال، فكلما زاد القهر تضخمت الخرافة، و بذلك تصبح المرأة كالسلعة، فهناك إمرأة علي الزيرو "، و امرأة " نصف عمر "، و امرأة روبابيكيا "، و هذه النظرة السلعية للمرأة هي التي تجعلها أسيرة المرآة تنظر إليها كل صباح حتي تطمئن هل زحفت التجاعيد؟، هل مازلت مطلوبة؟، هل سيحن علي العريس المنتظر، أم أنني سأكون مثل أبطال مسرحية " في انتظار جودو"، ينتظرون المستحيل الذي لا يأتي أبداً.
[ و تاريخ العنوسة طويل و ممتد بطول وامتداد الحياة البشرية نفسها، لدرجة أننا نلاحظ بداية توثيق تلك النظرية الدونية للعانس علي آثار بابل حيث تم العثور علي تلك الكلمات منذ أكثر من ثلاثة الآف عام " الفتاة التي تتزوج نملة أفضل من الفتاة التي تحيا وتموت وعلي قبرها كلمة عانس"، أما في بلاد فارس فلم تكن الدولة تشجع الفتيات علي البقاء عذاري، و لذلك سنت قانوناً عرف بقانون الزواج الاجباري، و الذي بموجبه أرغم كل عازب علي الاقتران لدي بلوغه سناً معينة شاء أو رفض عن طريق لجنة تقوم بجمع الفتيات البالغات في كل سنة، و تدعو الشباب لإختيار عرائسهم بعد تقسيم الفتيات إلي ثلاث أصناف: الجميلة و المتوسطة و القبيحة، ثم تقسم بالتالي كل فئة إلي متعلمة و جاهلة، ثم تقف الفتيات في صفوف و تعرض علي الشبان و فق الشروط و التصفيات، وكانت الأسعار وقتها متهاودة، فالجميلة المتعلمة ثمنها ألف دينار يدفعها طالبها إلي اللجنة، أما الجميلة الجاهلة فخمسمائة دينار، وهكذا حتى نصل إلي ذيل القائمة حيث القبيحة الجاهلة و التي يبلغ ثمنها ألف دينار مع مراعاة أن من يدفع هذه المرة هو اللجنة نفسها؟!، و أعتقد أن هذا التقسيم قد إنتقلت عدواه من فارس إلي مجتمعنا، و لكن الفرق أنهم قديما كانوا صرحاء في التصنيف، أما الآن فنحن نصنف و نسعر أيضا و كأننا في مزاد و لكنه مزاد سري، أما عشائر " الأزتك" وهم السكان الأصليون للمكسيك فكانت تقاليدهم تقضي بوجوب زواج الفتاة قبل سن الثامنة عشرة، و من تحيد أو تخرج عن هذا التقليد يتم حلاقة شعرها دلالة علي مهانتها، أما عند بعض طوائف الهنود فكان كبارهم يفرضون علي من لم يزوج ابنته بعد بلوغها الثانية عشرة من عمرها أن يشرب إفراز حيضها شهراً بعد شهر و يتوقف فقط عند زواجها، و بالطبع كان الرجال يسارعون بتزويج بناتهم بمنتهي السرعة، أما أغرب حكايات العنوسة فهي العنوسة الجماعية التي يحكيها لنا شعراء اليونان عن شعب كله من الإناث كان يعيش علي البحر الأسود و يسمي شعب الأمازون تحكمه ملكة و يحمي بلاده جيش من النساء، يركبن الخيل و يضربن بالسيف، و لا تنقطع غاراتهم عن الجيران، وهن لا يسمحن لرجل بأن يقيم في مملكتهن، و لكنهن و حفاظاً علي بقائهن كن يهاجرن أفواجاً في كل عام و يتصلن برجال الأمم الأخري ثم يلدن فيقتلن الذكور و يستبقين الإناث.
[كانت الخاطبة هي الحل السحري لما ذكرناه من هلع ورعب أسري نتيجة العنوسة، و لكن الآن تم ركنها علي الرف وتم إسناد الوظيفة للجرائد و أبواب إعلانات الزواج فيها، واعلانات الزواج هي الإسم المودرن لما كان يسمي قديما " التشبيب"، و هي ظاهرة كانت منتشرة في الجزيرة العربية قديماً، فكان إذا تأخر زواج البنت و خيف كسادها كان يطلب إلي شاعر مشهور أن يشبب بها للترغيب في خطبتها حتي لا يفوتها قطار الزواج أو باللغة القديمة جمل الزواج، و من أشهر هؤلاء الشعراء الأعشي، و بالطبع كان لا يتم إلا في نساء العامة أما نساء الخاصة ممن علي رأسهن " ريشة" فيمتنع التشبيب بهن، و قد تعرض شعراء كثيرون للقتل نتيجة هذا التشبيب مثل الشاعر وضاح اليمنى الذى قتل نتيجة تشبيبه بزوجة الوليد بن عبد الملك.
[قراءة ما جاء في الجلسة الخاصة بصحة المرأة في المؤتمر السكاني العالمي 1994 يؤكد صورة المرأة الإنسان و ليست المرأة الصيد أو السلعة، قالت رئيسة المؤتمر ليس من المعقول و نحن في نهاية القرن العشرين أن يظل هناك إختلاف في توزيع السلطة بين الرجل و المرأة، و أن يبقي المفهوم السائد بأن الرجال أشد، و أن النساء خاضعات ودورهن مقتصر علي الإنجاب فقط، صحيح أن أحد أدوار المرأة هو التكاثر لكن المشكلة أننا نغرس مفهوماً اساسياً في أذهان النساء بأن الطريق الوحيد لتكامل المرأة هو أمومتها، وهذا خطأ فالمرأة تعد نفسها للزواج و الاعتماد علي ذاتها خارج اطار الزواج عن طريق سلاحي العلم و العمل فلقد انتهي زمن الزواج كسلعة.
إذاً الزواج مشاركة ما بين كيانين متساويين، و ليس بيزنس ما بين سمسار ودادة، و لأن المجتمع هو الذي أحدث الجرح ووضع الملح فيه، كان لابد أن يفرز حلولاً مزيفة لمشاكل العانس، و أولها نداء الغريزة فكان حل الزواج العرفي الذي يمنح بورقته التي لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به اطمئناناً كاذباً، و المأساة أن هذه الورقة يكتبها نحو عشرين ألف حالة سنوياً، و تظلم فيها المرأة التي لا تجد فيها أمناً ولا أماناً بل تلاعباً بمشاعرها و حاضرها، ولهواً بمستقبلها و تكريساً لدونيتها، يدفعها إلي ذلك خوفها المرعب من بعبع كلمة آنسة أو عانسة، إنها تدفع ثمن شئ لم تكن في أية لحظة مسئولة عنه، و تذهب ضحية عرف اجتماعي لم تكن هي صانعته، و لأنها تعيش في مجتمع يؤمن بأن الزواج قسمة و نصيب، فكان عليها أن تظل واضعة يدها علي خدها إنتظاراً لتلك القسمة، و تمنياً لذلك النصيب، و لكنها لم تكن تعرف أن القسمة هي قسمة يأخذ فيها الرجل كل الكعكة، و نصيب لا يصيب برذاذه الطائش و شظاياه الحارقة سوي جسد وروح إمرأة.