مكتبة إيلاف (7):
كلمة المؤلف
هذه مجموعة من بين العشرات من مقالاتي المنشورة في صحيفة إيلاف، التي احتلت موقعا خاصا في نفوس فريق كبير من المثقفين اللبراليين العراقيين والعرب. وقد اخترت هذه المجموعة القليلة لتظهر في واحد من سلسلة " مكتبة إيلاف".
لا بد من الإشارة أولا إلى أن هذه مقالات كتبت من عام 2002 وحتى اليوم، وهي تخص الوضع العراقي والقضية الديمقراطية. وبعض هذه المقالات نقلت أيضا في عدد من الصحف العراقية. وهكذا فهي كتابات عن العراق قبل سقوط نظام صدام وبعده. وقد تعمدت إبقاء التواريخ لفهم الظروف التي كتب فيها كل مقال.
لقد تحول الموقف الأمريكي من نظام صدام تحولا جذريا بعد الجرائم الإرهابية 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن. فانتقل من سياسة "احتواء صدام" إلى سياسة إسقاط نظامه الفاشي. وكانت المنطلقات والحسابات الأمريكية هي أولا للدفاع عن الأمن القومي الأمريكي، لا حبا بعيون الشعب العراقي ولأسباب خلقية وإنسانية. ولكن الموقف الأمريكي الجديد قد التقى مرحليا مع أهم طموح عراقي للتخلص من جحيم الفاشية الصدامي الذي استمر عقودا من السنين.
لقد قدم الشعب العراقي وقواه الوطنية تضحيات غالية للتخلص من نظام الدم والمقابر الجماعية، والتطهير العرقي، والتمييز الطائفي. وقد أدى نضال شعبنا إلى إضعاف ذلك النظام داخليا ولكن ليس للحد الذي يمكّن الشعب من إسقاط النظام بقواه الذاتية وحدها، خصوصا وكانت الدول والنخب العربية والإسلامية وعدد من الدول الكبرى مع بقاء ذلك النظام بدافع المصالح النفطية والتجارية، وبعضها خوفا من قيام الديمقراطية في منطقة تسودها سياسات القمع والاستبداد والفساد.
لقد كنت من بين المثقفين والساسة العراقيين الوطنيين الذين رحبوا بالتغيير الاستراتيجي للسياسة الأمريكية في العراق. وقد كنت متحمسا لكي تسرع أمريكا بحملتها العسكرية ليتحرر شعبنا المسحوق. وانتقدت بشدة مواقف عدد من دول مجلس الأمن ومظاهرات اليسار الأوروبي وأقصى اليمين تحت شعار " لا للحرب"، وهو شعار لم يكن يعني غير "نعم لبقاء صدام"، وذلك بغض النظر عن النوايا والمنطلقات المختلفة لكل طرف.
لقد بينت التجارب الدولية أن الانتقال من نظام دموي فاشي إلى حكم ديمقراطي ودولة القانون وحقوق الإنسان لا يمكن أن يتم كسلق البيض بمجرد سقوط النظام المعني، لا سيما في بلد متخلف حضاريا ومحاط بدول معادية، كالحالة العراقية. كما أن الديمقراطية لا تعني الفوضى وانتهاك سيادة القانون كما حدث في العراق بعد سقوط النظام الشمولي لصدام. ومن هنا أدنّا بشدة الانفلات الأمني بعد التاسع من نيسان 2003، وأرسلت مع العديد من المثقفين العراقيين مذكرات متتالية إلى بوش وبلير، ثم لمجلس الحكم بعد قيامه، محذرين من الفوضى السائدة، وانطلاق تيارات التطرف الدموية، وما كنا نلمسه من تساهل غير معقول لقوات التحالف مع المجرمين وميوعة مجلس الحكم. وأدنا بشدة جميع مظاهر وتيارات التطرف الديني والمذهبي والطائفية التي لا تزال من أكبر العراقيل أمام المسيرة نحو الديمقراطية في العراق. وإذ أكتب هذه الكلمة فإن العراق يواجه حالة شاذة وخطيرة بسبب تحدي مليشيا مقتدى الصدر وجرائم جيش المهدي المتحالف مع عصابات الزرقاوي وفلول صدام. إنه تحلف الأشرار لتجيير الوضع العراقي لصالح حساباتهم وأهدافهم، بالرغم من أن كل طرف من هذه القوى الشريرة يعادي الطرف الآخر ويتربص به الدوائر في المستقبل.
لا أعرف كيف ستعالج في النهاية الحكومة الانتقالية الفتنة الساخنة التي أشعلها الصدر بتوجيه ودعم إيرانيين صارخين. ولكننا طالبنا مرارا وتكرارا باستخدام الحزم والحسم لمواجهة حرب الإرهاب الصدرية ـ الزرقاوية ـ الصدامية على الشعب العراق، وهي حرب تسندها دول مجاورة وعلى الأخص النظامان الإيراني والسوري، وبعض الفضائيات الحاقدة كالجزيرة.
لقد عنونت هذه المجموعة ب: [ المخاض العسير للعراق الجديد]، قاصدا أن الانتقال لنظام ديمقراطي برلماني وفدرالي في العراق لن يتم بفترة شهور أخرى أو حتى بعام أو عامين آخرين، ولا بمجرد الانتخابات الانتقالية المفترض جريانها في بداية العام الجديد. فالعراقيل أمامنا كثيرة وكبيرة، داخلية وخارجية، ولا سيما ما أحدثه صدام من تشويه ومسخ للتكوين الثقافي والأخلاقي في المجتمع العراقي، والذي نجد أخطر مظاهره ونتائجه في مرض الطائفية وممارسات العنف وضعف الحس الوطني لدى شرائح واسعة من العراقيين في بغداد والوسط والجنوب وحتى بين الساسة والمثقفين. وقد فرضت الطائفية نفسها على المؤسسات السياسية العراقية منذ مؤتمر لندن قبل سقوط صدام، فجرى الأخذ بنظام الحصص الذي يضع الولاء الطائفي والديني والعرقي قبل الولاء للعراق. كما أن قوات الأمن والشرطة العراقية لا تزال ضعيفة إزاء الميليشيات الدموية، وفي بلد يكاد كل فرد فيه يمتلك قطعة سلاح. وعدا الآفات الداخلية، فهناك شراسة وتفاقم تدخل إيران وسوريا في الشأن العراقي الداخلي، ونجاح إيران في خلق جيش المهدي وتسليحه، وفي اختراقها لشرائح واسعة من قوات بدر، وكسب عدد من الساسة الشيعة وحتى بعض من كانوا يعلنون اللبرالية والحرص على قيام الديمقراطية. وزرعت إيران العشرات من مقرات ضباط مخابراتها في أنحاء العراق وخصوصا في البصرة والمدن الشيعية المقدسة، واخترقت النخب الدينية والسياسية الشيعية أيما اختراق.
أجل إن الطريق طويل والمخاض عسير. ولكن فلنؤمن بأن العراق الجديد سيولد قويا في آخر المطاف.
عزيز الحاج
ـ باريس ـ 26 آب ـ أغسطس ـ 2004
في مأزق الفكر العربي
يمكن الاتفاق مع الرأي القائل إن الفكر العربي، ومنذ العقود الأخيرة، في محنة كبرى وفي مأزق حقيقي.
فالفكر العرب، وبكل فروعه، من سياسي وديني واجتماعي وثقافي، ليس فقط متخلفا عن مسار العصر ومتطلبات حضارته، وإنما قد تراجع إلى وراء وتردى حتى بالمقارنة مع ما كان عليه في النصف الأول من القرن الماضي، حيث ظهر مفكرون ومصلحون وكتاب وعلماء متنورون بالعشرات، من أمثال علي عبد الرازق وقاسم أمين وطه حسين وسلامة موسى وإسماعيل مظهر وعبد الرحمن بدوي وشبلي شميل ومنصور فهمي وعلي الوردي و رئيف خوري و جبران، والمصلحين من علماء الدين كمحسن الأمين وكاشف الغطاء والسيد أبي الحسن، وشعراء التجديد، وآخرين وآخرين؛ بل حتى الطهطاوي في منتصف القرن التاسع عشر كان الأكثر تقدما فكريا واجتماعيا[ النظرة للمرأة والغرب]. وإذا كان موضوعنا هنا ليس تشخيص عوامل الظاهرة والظروف التي أفرزتها وطورتها، [كالفقر والجهل، وفشل مشاريع التنمية والمشاريع القومانية المفخمة، والإحباط الناجم عن العدوان الإسرائيلي المستمر، وغير ذلك ]،فإنني أتناول هنا ما أراه من بين أهم معالم هذه الظاهرة و تجلياتها: من سيادة ثقافة العنف بكل أشكاله،والتعصب الشديد لحد التطرف أحيانا كثيرة، ورفض التحليل العقلاني والمعاينة النقدية للأمور والأحداث والمواقف والتجارب السياسية مع إلقاء التبعات على "الآخر"، [سواء كانت أمريكا ـ والغرب عموما ـ أو إسرائيل، أو كان الآخر سياسيا عربيا مخالفا أو مثقفا منافسا]،و الانكفاء على النفس والماضي باسم الأصالة ومكافحة الغزو الثقافي، والازدواجية المغالطة في النظر للمشاكل وفي اتخاذ المواقف العملية. وهذه الازدواجية السائدة في الساحة قد تنجم عن دوافع إيديولوجية وسياسية او عن عقد ومواريث التخلف الاجتماعي والثقافي، وأحيانا بحسابات حزبية وشخصية.
ان ثقافة العنف بل والتمجيد الغوغائي للموت المجاني، ومنطق التخوين والتكفير والتفسيق، [وهذه الظاهرة تسود العالم الإسلامي كله مع صعود تيارات التطرف الديني والتطرف السياسي المتبرقع بالدين ]هي المهيمنة اليوم، وبكل أسف، بين النخبة والجمهور الواسع معا. صحيح أن هناك أقلاما وأصواتا عربية شجاعة حرة ومتنورة، تقف في وجه الغزو العنفي للفكر والممارسة السائدين. ولكن هذه هي أصوات وأقلام الأقلية المحاصرة، بل والمضطهدة والمهددة سواء، من الأنظمة القمعية الفاسدة أو من أدعياء الدين، أو من القيادات والنخب الثقافية المتشنجة التي تعتقد باحتكارها للحقيقة المطلقة، والتي ترفض الحوار والتسامح واحترام الآخر والإقرار بنسبية الحقيقة وجدليتها المتطورة والمرنة. ونعرف مثلا ما حل بفرج فودة، والاعتداء على نجيب محفوظ، وقرار المحكمة المصرية بالتفريق بين حامد أبي زيد وحرمه، ومطاردة رواية قديمة لحيدر حيدر.كما نعرف مجازر الجزائر " الإسلامية !؟" والاعتداء على الأقباط في مصر، والاعتداء على الكنيس اليهودي في تونس، وغيرها و غيرها من
وقائع وأحداث وممارسات دموية.أما المرأة فلا تزال في العالمين العربي والمسلم الضحية الاولى لعقلية التخلف وثقافة العنف التي تهين الكرامة وتحتقر حقوق الجنسين. وانه لمن المرعب أن يصبح نموذج البطل القدوة أمثال ابن لادن وأبي نضال وأبي سياف وطاغية بغداد ومن لف أمثالهم من حكام او قادة كتل وأحزاب وجماعات تنتهج العنف الدموي سبيلا لتحقيق غايات سياسية هي الوصول للسلطة والتشبث بها. وما شعار " الدولة الإسلامية الكبرى " إلا المثال الصارخ للشعارات البراقة التي تستعمل اليوم [ من بين شعارات أخرى ] لتحقيق المشاريع المذكورة.
لقد أشار عدد من الباحثين إلى دور الإيديولوجيات الحاسم في غلبة ثقافة العنف وعقلية "المؤامرة"، ورفض الآخر حد الرغبة في تحطيمه جسديا إن أمكن، وإلا فمعنويا واجتماعيا. ولعل هذا التفسير له مبرراته وشرعيته، فضلا عن مواريث الخلف الحضاري المزمن في مجتمعاتنا. وسواء كان " المؤدلج " المتعصب قوميا أو يساريا او إسلاميا، فإن جوهر العقلية مشترك. ولذلك نجد شيوعيين سابقين يتحولون من إيديولوجيا لأخرى دون أن يجدوا في الأمر غرابة، ذلك لان هذه الإيديولوجيات كليّانية ومغلقة ما لم يخرج أصحابها من الدائرة المغلقة ويعترفوا قولا وفعلا بنسبية الحقيقة وعدم عصمة القيادات والأفكار والأحزاب والنخب والأفراد. والعنف في أقصى مداه سكين وخنجر أو مسدس ورشاشة وتفجيرات، وهو في أشكاله الأخرى فرض الحجاب تحت وطأة الضغط الاجتماعي و العائلي بل وبالقوة، أو التشهير والاتهامات المجانية ومحاولة اغتيال المخالف معنويا.
إن الإيديولوجيات المغلقة لا تطيق الاعتدال والحلول الوسطى للمشاكل إذ لا ترى غير الأبيض أو الأسود،وتلجأ للمغالطة لتبرير شرعية مواقف حامليها السابقة منها والراهنة. وهكذا نجد من يرون إعادة النظر في التجربة الناصرية خيانة، أوأن انتقاد أخطاء الشيوعيين "مؤامرة إمبريالية لشق الصفوف"، أو أن فضح الفتاوى الدينية التافهة والدعوة للفكر العلمي والنقدي " كفرا " و"إلحادا"، والغزل الشعري والنثري والأفلام العاطفية والاستعراضية " فسقا " و" انحلالا"، الخ.. ومنذ سيادة النخب " المؤدلجة "على الميدان السياسي والثقافي والاجتماعي صار القتل المجاني للنفس " استشهادا"، وقتل الآخر فرضا مقدسا. وهكذا مثلا انتهت القضية الفلسطينية من مأزق لآخر، جراء انتشار عقلية رفض التفاوض والتسوية السلمية، تحت شعار "إنهاء دولة إسرائيل" و"إبادة اليهود ". وحتى القيادة الفلسطينية المعتدلة فضلت اللعب مع العواطف والمناورة الضارة بمجاراتها للمتطرفين العدميين. وهذا ما يريده شارون وزمرته من غلاة الصهاينة العنصريين التوسعيين. ويقتل شارون فلسطينيا فترفع فورا دعوات " الثأر " ولكن ليس من الجيش المعتدي والرموز المعتدية بل من الطفل والمرأة والشيخ ومن التلاميذ ورواد المطعم وركاب الحافلات! وبهذه العمليات الانتحارية التي صارت ثقافة وطقسا، ينتصر شارون ويبرر جرائمه المتكررة.إن الفلسطينيين ومعظم النخب السياسية العربية لم تفهم أن العالم انتقل من عهد لعهد بعد أحداث سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن، وان شارون يوظف العمليات الفلسطينية ضد المدنيين الإسرائيلين توظيفا مكيافيليا بربطها بالحرب الدولية على الإرهاب. وبذلك خسر الشعب الفلسطيني الكثير من العطف الدولي على قضيته. كما تهمش دور دعاة السلام وقواه في إسرائيل. إن القضية الفلسطينية هي دولية وفلسطينية معا، بل هي دولية أكثر من كونها عربية، وذلك بمعنى أن القيادة الفلسطينية الرسمية والدول العربية تطلب من واشنطن نفسها التدخل لإرغام شارون على التراجع عن سياسة العنف والعودة للمفاوضات السياسية. إن نبذ العمليات الانتحارية ضد المدنيين الإسرائيليين والتفجيرات العشوائية لا يعني أبدا وقف النضال الفلسطيني العادل من أجل قيام دولته المستقلة. فللنضال التحرري أشكاله المجدية ولم نعرف أن المقاومة الفيتنامية مثلا وضعت في تكتيكها قتل الأمريكي أيا كان وأينما كان. لقد دفعت الشعوب العربية و بلدانها أثمانا باهظة للقضية، واستثمر أكثر الحكام هذه القضية لتغييب الديمقراطية وهدر الحريات ولتبذير المال العام على التسلح العقيم، كما الحال مثلا مع عراق اليوم الذي يرفع حكامه المتسلطون صرخاتهم المخادعة باسم نصرة فلسطين لتغطية قمعهم الدموي الوحشي للشعب وقواه الوطنية، ولتبرير هدر المال واستنزاف الثرة الوطنية وبذخ النخبة الحاكمة وحاشيتها وأجهزتها القمعية، وللتغطية على مسئوليتها عن وصول العراق لما وصل إليه منذ كارثة غزو الكويت والعقوبات المترتبة عليه، والمناورات المستمرة مع مجلس الامن الدولي، مما يعطي مزيدا من الحجج لبقاء الحظر الاقتصادي. فالنهج الخاطئ والخطر للقيادات الفلسطينية المتطرفة يسئ لا للشعب الفلسطيني وحده بل ولشعوب المنطقة العربية أجمع. ولكن من لا تقل مسئوليتهم هم النافخون من بعيد في النار، الداعون لاستمرار العمليات الانتحارية وهم وراء مكاتبهم الفارهة في العواصم العربية او الغربية، ومن الفضائيات المتشنجة واعمدة الصحف والمنابر المختلفة. إن هؤلاء يشجعون المتطرف الفلسطيني على اعتبار الانتفاضة هدفا بحد ذاتها، وان الانتفاضة لا تعني غير عمليات تدمر الفلسطينيين أضعاف ما تؤذي إسرائيل وهي تديم الاحتلال وليس العكس. إنهم يغذون عقيدة أن الموت غاية الغايات وسبيل السعادة والمجد وليس ان كل نضالنا هو من أجل حياة سعيدة وكريمة وحرة على كوكبنا. وتقديس "الشهادة" بأي ثمن ليس حكرا على المتطرف الإسلامي بل هو عقيدة ومزاج أيديولوجيان نجده لدى الستاليني، والقوماني المندفع، وكل مؤدلج سياسي آخر.
ولننظر أيضا في المواقف العربية الراهنة من القضية العراقية، سواء عنينا الحكومات او النخب المثقفة والسياسية غير الحاكمة. فباستثناء أقلية محدودة العدد من المثقفين العرب، نرى، مع الأسف، دفاعا مستميتا عن نظام تعارضه النسبة الكبرى من الشعب وقواه الوطنية، التي تنشد الخلاص من الديكتاتورية الشمولية، وترميم السيادة الوطنية المتصدعة، وتعزيز وحدة العراق ووحدة شعبهن وقيام نظام ديمقراطي علماني فدرالي. غير أنه، ومع ازدياد الحديث عن التغيير الجذري القريب في العراق والتحركات النشيطة في هذا السبيل نجد، في الوقت نفسه، ازدياد تحامل المنابر الإعلامية العربية على الوطنيين العراقيين ولصق الاتهامات الباطلة بهم، والتخويف من التغيير العراقي المطلوب ـ سواء بالتخويف من انفصال كردي موهوم أومن قيام دولة شيعية غير موجودة إلا في مخيلة هؤلاء المدافعين الزائفين عن شعبنا و العراق، بينما لا يقصدون غير بقاء النظام العراقي. وأسباب هذه المواقف متعددة فمنها الإيديولوجي والسياسي المحلي، ومنها الحسابات التجارية والاعتبارات الشخصية، وخوف البعض من التحول الديمقراطي في العراق، الذي عند تحققه سيؤثر لا محالة على مسار الأحداث في كل المنطقة ـ وهذا مما سيحرج بعض الأنظمة والقيادات السياسية الأخرى.
وفيما تصدر الفتاوى التبريرية لبقاء النظام لا نجد غير أصوات قليلة تدافع عن الشعب وتدين الممارسات القمعية التي بلغت في العقد الأخير حدا لم يشهده تاريخ العراق الحديث، وإذ تحولت طبيعة الدكتاتورية نفسها لتنتقل إلى حكم الفرد والعائلة، ومن ورائهما قرية بعينها لم تعرف حضارة بغداد ولا تشعر بأي تعاطف حقيقي مع بقية سكان العراق المتعددي الألوان الدينية والمذهبية والعرقية. ومن الحكام العرب من يعبرون لواشنطن عن " القلق " على مواطنيهم المقيمين في العراق في حالة سقوط النظام من دون أن يعربوا يوما عن التعاطف مع محنة شعبنا بسبب القمع ونهج التعذيب، وحملات الاعتقال و الإعدام الجماعية، وقطع الأعناق، و صلم الآذان، ووشم الجباه، وتعريب المناطق الكردية والتركمانية، وتهجير مئات الآلاف، وغيرها وغيرها من الممارسات ذات الطابع الفاشي والطائفي والعنصري.
إن النخب العربية هي التي تضخ الدعايات المدافعة عن النظام العراقي وضد وطنييه، وإن الشارع العربي المصدوم بالعدوان الإسرائيلي وبأخطاء وخطايا السياسات الأمريكية، والذي يعاني معظم أفراده من الأمية، يصدق مندفعا وراء دعوات النخب ودعاياتها التي تتعكز على المغالطة، وتشويه الحقائق. وتستغل النخب هنا، [وكما في القضية الفلسطينية ]، مشاعر الكراهية السائدة [ عن حق وعن باطل] نحو الأمريكان لتبرير وشرعنة كل ما هو باطل وضار من مواقف.فهل كراهية سياسة أية دولة كبرى تبيح الدفاع عن مظالم هذا الحاكم العربي أو ذاك ؟! ولماذا تجريم الحوار مع سادة الورقة العراقية منذ حرب الكويت [الأمريكان]، وطلب العون الدولي لغرض إبدال النظام بنظام ديمقراطي برلماني فدرالي مسالم مع الجيران ومنكب على إعادة البناء وترفيه الشعب المسحوق؟! وكيف يجوز الطلب من واشنطن عونها في القضية الفلسطينية ولا يجوز ذلك لقوى شعب تعرض،كالفلسطينيين، للمظالم والدمار، إن لم يكن اكثر ؟!وهل عراق صدام موحد حقا لكي يعرب المزايدون عن خوف مصطنع من تمزيقه لو حصل التغيير الديمقراطي ؟!أم إن سياسة حكامنا ونهجهم العنصري والطائفي قد صدعا الوحدة الوطنية والسيادة الوطنية العراقية بعد ان صار العراق بعد حرب الكويت تحت الوصاية الدولية.
لقد وجدنا العجائب في هذه المواقف العربية المناصرة لنظام دموي والخاذلة لشعب ذي تاريخ مجيد ولبلد كان له ثقله ودوره الكبيران على الساحة الإقليمية.كما نعجب من غرائب ردود الفعل العربية على أحداث 11 سبتمبر، وهي ردود كشفت للعيان، وأكثر من أي وقت، أمراض الفكر والممارسة العربيين السائدين، تلجأ إليه أكثرية النخب من مغالطات ومداورات ولعب بالحقائق وتشويه للمعلومات. فمنذ اللحظات الاولى انطلقت الهلاهل على نطاق الشارع العربي كله تشفيا بما حل بأمريكا من خسائر كبرى، وانبرى دعاتنا ومتفلسفونا بأكثريتهم الساحقة للتفسير و التبرير قائلين إن تلك التفجيرات كانت نتاج السياسات الأمريكية الظالمة ولاسيما لمناصرتها لإسرائيل. ولم يخف الكثيرون انبهارهم بدقة العمليات و"حسن تنظيمها" وتوقيتها. غير انه في الوقت نفسه، وبموازاة ذلك، جرى الترويج لنظرية " مؤامرة أمريكية ـ صهيونية " من وراء الحدث!!! هؤلاء العباقرة لم يسائلوا انفسهم كيف يرقصون طربا لحدث هو من صنع" مؤامرة معادية محاربة العرب والإسلام " !! وبالرغم من اعترافات بن لادن وشركاه، الصريحة منها وغير المباشرة، بمسئوليتهم وتهديدهم بالمزيد من أعمال الإرهاب الوحشية، فإن أصحابنا الأفذاذ راحوا يغالطون ويحاولون عبثا تبرئته. ومنهم من إذا أحرج قال في المجالس إن بن لادن كان صنيعة أمريكية دوما وهو جزء من اللعبة. وقلت لبعضهم :" ولم لا تكتبون ذلك علنا؟" فأسقط في أيديهم.ولكن المغالط يخرج من مغالطة لأخرى دون أن يرق له جفن !ومؤخرا وجدوا ورقة قش في كتاب فرنسي [ تثار تساؤلات حول ظروف ودوافع صدوره !] يتلاعب ببعض الجوانب الفنية الدقيقة للتفجيرات، والتي لا يفهمها أكثرية القراء الساحقة أو ببعض النقاط التي لا تزال تفاصيلها غير واضحة للعلن، ليحاول هو الآخر البرهنة،[كما يتصور ]، على نظرية المؤامرة.فرأينا مثقفين من اتجاهات مختلفة يرددون مغالطات الكتاب كحقائق مسلمة متجاهلين عشرات الادلة الدامغة على مسئولية القاعدة، ومنها اعترافات زعمائها أنفسهم.
لقد دمغت "القاعدة " نفسها بالعمليات الإرهابية التي أساءت للعرب والمسلمين أكبر إساءة والأكثر فداحة وسوء عواقب. لم تكن دوافعهم فلسطينية أو لصالح الشعب العراقي، وإنما سعيا للسلطة في إمبراطورية إسلامية متخلفة وهمجية على نمط الطالبان، حيث المرأة مجرد رقيق، والناس محرومون من وسائل الثقافة والحضارة ومن الحريات الشخصية ومن كرمة الإنسان.وهذه الزمر المتطرفة تكفّر لا اليهود والمسيحيين والهندوس وغيرهم من غير المسلمين وحسب، بل وتعتبر جميع المسلمين الآخرين كفارا [ المسلمين غير المتّقين كما عبر سيد قطب ]، وهم يحاربون أمريكا لأنهم اعتبروها عائقا أمام قيام إمبراطوريتهم المنشودة.ودعا شركاء بن لادن علنا من الفضائية القطرية المعروفة إلى قتل كل أمريكي وأينما كان! ومؤخرا ينزلق رجل دين لبناني ليدين حوار المعارضة العراقية مع أمريكا " الكافرة " كما وصفها !!
إن أصوات الكثيرين من الكتاب والدعاة و"أمراء " الدين ترتفع بصخب ضد ما تعتبره حرب الغرب على الإسلام والمسلمي. ومنذ ان أصدر فوكوياما وهننغتون دراساتهما عن صراع الحضارات زادت هذه الأصوات الهائجة صخبا وهيجانا، علما بان مفكرين غربيين هم أول من تصدوا لنظرية هننغتون وأفكار فوكوياما. وإذا ليس مستطاعا إنكار وجود تيارات متعصبة وعنصرية في الغرب، فإن الصحيح أنها ليست بالتيارات السائدة في المجتمعات الغربية، في حين ان الدعاة الحقيقيين لحرب الأديان هم المتطرفون من الإسلاميين الذين يكفّرون غير المسلمين ومخالفيهم من العرب والمسلمين. وعندما يدعو مساعدو بن لادن علنا لقتل كل أمريكي فكيف لا يؤثر ذلك على مشاعر الأمريكي البسيط والمسالم ؟
إن ثمة ازدواجية مثيرة في منطق المؤدلجين من مختلف المدارس في الموقف من الغرب. فالملايين من العرب والمسلمين لاجئون في امريكا وبقية الدول الغربية، ويتلقون، مع عائلاتهم،مساعداتها الاجتماعية السخية، وهم يشتغلون ويتجنسون. وثمة آلاف جديدة في كل يوم تحاول الوصول بكل طريقة إلى لندن أو باريس أو السويد أو هولندا أو أمريكا وكندا، وغيرها. ومع ذلك فنحن
نشتم هذا الغرب نفسه الذي نتنفس فيه بحرية في حين تنقضّ اكثر الأنظمة العربية على حرية المواطن وكرامته. ويهاجم متطرفونا ومعظم مثقفينا العولمة بوصفها غزوا واستعمارا أمريكيين، بينما يتمتع الجميع ببركات هذه العولمة نفسها، ويستخدمها الإرهابيون للتدمير ولإبلاغ العالم رسالتهم الجاهلية الظلامية الدموية باسم الإسلام. إنهم يستخدمون الفضائيات والانترنيت والحاسوب، ويركبون الطائرات، بل ويدلون بتصريحاتهم من الشاشات الغربية نفسها؛ ومع ذلك يشتمون، ويبشعون، ويخوّفون، ويحذرون !!ولابد هنا من التمييز بين الشرائح المحتجة على العولمة في الغرب وبين دعاة الحرب عليها من أسرى الإيولوجيات المغلقة. ففي الغرب، ورغم نشاط فئات من الفوضويين والعنفيي وتشنج بعض اليسار بكراهية أمريكا، فإن أكثرية المحتجين يدعون للعدالة والى التوازن والعدل في توزيع ثمار التقدم التقني الهائل.
إن العولمة لا تقاوم لأننا نعيشها كل يوم وساعة ودقيقة، ونشربها، و نتنفسها. ولكن المطلوب هو العمل لنشر العدل الاجتماعي في هذه العولمة ومساعدة البلدان النامية الأكثر فقرا، ورفع مستويات معيشة الشغيلة في البلدان الغربية نفسها، والمطالبة بواجبات واحدة للدول الكبرى في مواجهة مشاكل البيئة والجريمة وديون العالم الثالث وأنظمة الإبادة العرقية والفاشية، وغيرها من كبريات مشاكل اليوم. إن هذه الازدواجية في التعامل مع الغرب مثال للازدواجية السائدة بين النخب العربية المهيمنة على وسائل الاتصال وعلى السلطة السياسية. ومثال صارخ آخر هو تباكي الدعاة والعديد من الحكومات على معتقلي الطالبان والقاعدة، بينما يتجاهلون المعتقلين والسجناء السياسيين الذين يعذبون في زنزانات الأنظمة العربية والمسلمة وهم بمئات الآلاف.وكان الأستاذ عبد الرحمن الراشد على كل الحق في التنبيه إلى هذه الازدواجية المرائية جدا.
ان النخب الفكرية في المنطقة العربية تضل الطريق وتتنكر لرسالتها إذا اعتبرت أن واجبها هو تشجيع الغوغائية وأنظمة الاستبداد ومجاراة غرائز الناس الطيبين المحبطين. بل إن المفكر والمثقف بوجه عام سيقعان أسرى تثقيفهم ودعايتهم عندما يستحوذان على مشاعر وأفكار الجمهور الواسع. فغالبا ما نجد مثقفين يزايدون على أنفسهم وعلى الشارع المتخلف والمتحمس والملتهب عاطفيا، فتصبح العلاقة بين النخبة الفكرية والجمهور في دوامة لا تنتهي من التأثير والتأثر. وحماس الجماهير لا يصلح دائما معيارا للصواب والخطأ. ونعرف جميعا أن الشارع الألماني الشعبي هو الذي حمل للسلطة هتلر. كما نذكر حماس الشارع العربي لهتلر وفتوحاته العدوانية وذلك نكاية بالسياسة البريطانية عهد ذاك. ولكن هل كان ذلك الحماس مبررا؟؟ وهل كراهية سياسة الدولة التي كانت تستعمرنا تبرر التصفيق والتهليل للوحش النازي الضاري الذي لم يكن يكنّ للعرب غير التظاهر المرائي بالعطف ؟ وهل فعلت قيادة الحاج أمين الحسيني خيرا بالتحالف مع النازية والفاشية الإيطالية ورفض المشروع البريطاني [ 1937 ـ 1939 ] بالموافقة على قيام دولة فلسطينية مستقلة مع منح اليهود حكما ذاتيا، على أن لا يزيد عددهم عن العشرين بالمائة من مجموع السكان ؟
إن من السهل للنخب الفكرية والسياسية تملق عواطف الجماهير جراء الإحباط المبرر وذلك بحثا عن شعبية مؤقتة ومهزوزة. غير ان واجب النخب، والفكرية منها بالذات، هو إرشاد الجماهير وتوجيهها الصحيح، والتفكير في مصالحها البعيدة الأمد لا في تغذية وتأجيج الحماس وحسب إلا إذا كان حماسا لقضية عادلة ولموقف عقلاني مناسب للمقتضيات ولموازين القوى ومجمل الأوضاع الوطنية والإقليمية والدولية.لقد أخطأ الكثيرون منا في تبني شعارات ومواقف سياسية متهورة ألحقت الضرر الكبير. كما عانت الحياتان السياسية والثقافية كثيرا جدا من سيادة ثقافة العنف ورفض الحوار والتسامح، والنقد الهادئ والمبرر،ومن عقلية " المؤامرة " إياها.
إن في مقدمة الظروف المخففة للأخطاء والخطايا والمفسرة لها هو حرمان البلدان العربية من الحياة الديمقراطية الصحيحة بسبب تسلط الأنظمة،خصوصا ذات الشعارات القومية المفخمة التي كانت سبيلا لقيام الشموليات العربية، وفرض نظام الحزب الواحد والقائد الواحد. وإذا كان وضع الفكر العربي الراهن، بفروعه [السياسي والديني والاجتماعي والثقافي ـ الفكري] بائسا ويبعث على الرثاء وعلى الكثير من الإحباط، فإن وجود شرائح من النخب الثقافية الشجاعة والمتنورة قد يكون بصيص الضوء في العتمة القاتمة.
ان شعوب المنطقة العربية ستظل هامشية وفي آخر الموكب العالمي في مختلف النواحي ما لم تمتلك نخبها المنقاة جرأة الدفاع عن الصحيح ورد موجة التجهيل الظلامي وثقافة العنف والتعصب والتقوقع، التي تغزو العالمين العربي والإسلامي. ولا تقدم ولا مكانة فاعلة لهذه الشعوب من دون إزاحة أنظمة القهر والفساد، و سيادة الديمقراطية، وروح الحوار والتسامح، والاحترام الصارم للمواطن وحقوقه وكرامته، وغرس ذلك في ثقافتنا وسلوكنا منذ الطفولة وفي برامج التعليم على مختلف
المستويات. وهذه في رأيي هي المعايير التي تحدد اليوم لدينا معاني ومصطلحات الوطنية، والأصالة، والتقدم، مقابل الموميائي الموروث من العصور الحجرية الأولى!
(أواخر آب 2002 )
الدولة الديموقراطية علمانية..
(إيلاف: الاثنين 13 يناير 2003 )
تعرض مفهوم العلمانية في العالم العربي إلى تحريف وتشويه كبيرين. ولا تزال مختلف مدارس الإسلام السياسي تعمل على عملية التحريف والتشويه هذه. إنها تعرض العلمانية كمبدأ وتطبيق في الحكم وكأنها طمس الدين ومحاربته. إنها تدعي أن مصطلح العلمانية، لكونه غربيا، يمثل" تآمرا "غربيا لطعن الإسلام وتحطيمه. ومن أجل البرهنة على صواب تفسيرهم يعرضون لإسلام بوصفه دينا ونظام حكم.
والحال، إنه إذا كان المفهوم غربيا[ شأنه شأن مفاهيم الديمقراطية البرلمانية وحقوق الإنسان]، فإن هذا بحد ذاته لا يعني لا "مؤامرة " ولا "غزوا "فكريا وسياسيا. إنه كشأن مفاهيم صالحة أخرى صالحة للبشرية على اختلاف البلدان والظروف والأديان والملل، دون نفي لتنوع سبل وصيغ التطبيق. وكما أن الإسلاميين لا يجدون غضاضة في استخدام آخر منجزات الغرب في الحقلين العلمي والتكنولوجي، دون أن يؤدي ذلك إلى التخلي عن الهوية الثقافية أو الانتماء الديني. ونجد الإرهابيين أنفسهم يرسلون شفراتهم وتعليماتهم السرية من خلال الأنترنيت الذي ليس اختراعا إسلاميا ! فالاستفادة المرنة من تجارب الديمقراطية الغربية وما قامت عليه من أسس فكرية، لا يساوي التبعية أو الذوبان في الآخرين.
إن العلمانية تعني ببساطة فصل السلطتين الدينية والسياسية، مع ضمان احترام جميع المعتقدات الدينية والهويّات الثقافية والروحية للشعوب والمجتمعات. إنها تعني أن الدولة هي دولة قانون واحد يسري على جميع المواطنين حقوقا وواجبات بصرف النظر عن الدين والطائفة والعرق. إنها دولة المواطنة والمواطن، لا دولة مواطنين بدرجات [مسلم وذمي وكافر!] إنها الدولة التي تكتب على بطاقة هوية مواطنها جنسيتها دون تخصيص دين من الأديان أو طائفة ما.
لقد كان الفرعون المصري، والإمبراطوران الساساني والروماني يضفون على أنفسهم وتسلطهم الاستبدادي صبغة دينية "إلهية" لضمان تثبيت التسلط وقمع الصوت الآخر وغزو الشعوب. وهكذا أيضا فعلت كنيسة القرون الوسطى في اوروبا حتى عشية الثورتين الإنجليزية والفرنسية. وباسم الدين نصبت محاكم التفتيش للمفكرين والعلماء بحجة محاربة الإلحاد، ونكلت بالنساء بتهمة السحر! وكانت الكنيسة تدعو إلى " تنصير" العلوم والآداب والفنون كما يفعل إسلاميو اليوم من خلال دعوة "الأسلمة ". وباسم الدين شُنت الحروب الصليبية التي كانت تبيد لا المسلمين وحدهم، بل وكذلك المسيحيين الشرقيين واليهود. كانت حروبا تمزج البعدين السياسي والديني من مواقع شهوة الفتح والتعصب الديني الأعمى. وقد سار الخلفاء الأمويون والعباسيون على نمط حكم مماثل، مستندين إلى فقهاء الدين من وعاظ الخلفاء، وإلى قصائد شعراء المديح من المرتزقة والملوثين بالتعصب، السياسي أو الديني أو المذهبي.
وقد تعرضت نزعات ومدارس الخلط الإسلامية بين السلطتين الدينية والسياسية إلى نقد المفكرين العرب التنويريين الشجعان، أكثر من ذلك فقد تصدى لها بالنقد الجريء رجل دين مصري هو المفكر والعالم علي عبد الرازق في كتابه الفريد " الإسلام وأصول الحكم " الصادر في أواسط العشرينات الماضية. فقد فتح الكتاب بوضوح علمي وشجاعة فكرية وأخلاقية ملف تخطئة الادعاء بان الإسلام دين ودولة، مؤكدا وبالأدلة على أن الخلافة كانت خيارا بشريا لا إلهيا، وعلى أن القرآن لم ينص على شكل معين من أشكال الحكم والسلطة السياسية. وقد تعرض الكتاب ومؤلفه إلى حملة ضارية من علماء الأزهر ومن الكتاب والساسة المحافظين، وعزلوا الشيخ المؤلف من كل وظائفه وشهروا به [وإن لم يقتلوه، ولله الحمد، كما قتل فرج فودة وغيره بعد عقود من السنين وفي مصر نفسها.] وكانت حيثيات قرارات الأزهر وأفكار رشيد رضا من أسس انطلاق الحركة الأصولية السياسية، أي الساعية لأخذ السلطة السياسية تحت شعار الدين. وتمثلت الحركة في تنظيم "الإخوان المسلمين" الذي تأسس في أواخر العشرينات من القرن الماضي. وتفرعت من حركة الإخوان مع سيد قطب والدعاة مثله مدارس التعصب الديني الجامح والعنفي الإرهابي، التي تكُفر جميع المجتمعات والدول غير المسلمة، بل وتكفر المجتمعات العربية نفسها داعية إلى تطهيرها من "المسلمين غير المؤمنين "!!
وثمة مدارس تشدد ديني أخرى قامت قبل الإخوان في جزيرة العرب. ومن بين مختلف هذه المدارس الإسلامية المتعصبة نشأت بعض الجماعات والتيارات الأكثر تطرفا، والتي تمارس العنف الدموي لتحقيق هدف "قيام الدولة الدينية الكبرى" أو "دولة الخلافة الإسلامية" بطرق القتل والذبح والتدمير. وما حركة بن لادن ـ الظواهري وشبكاتهما الإرهابية التي تزرع الموت في كل مكان إلا التجسيد الأعمى لما يمكن أن يؤدي إليه التطرف الديني النازع لأخذ السلطة السياسية. وقد ابتلى العرب و العالم الإسلامي وخارجه بهذه المدارس الدموية التي تقدس الموت في نفوس الشباب الضائع، مسيئة للدين نفسه ولسمعة المسلمين في العالم، و ناشرة راية الإرهاب والابتزاز، ومدعية أنها الناطقة باسم الله وأن من عداها كفار يجب اجتثاثهم اجتثاثا. وهم يستغلون لمآربهم السياسية المتسترة قضايا عربية عادلة كالقضية الفلسطينية التي يرون حلها بإبادة يهود العالم وفلسطين معهم !
صحيح أن مدارس الإسلام السياسي ليست واحدة في الممارسة السياسية والاجتماعية، وهو ما يجب عدم إغفاله، وأقصد أن هناك المعتدلين الذين يعلنون قبولهم بالبرلمانية وبخيار الاقتراع الشعبي. غير أن القاسم المشترك الأعظم بين مختلف مدارس الإسلام السياسي وتياراته هو الاعتقاد بوحدة الدين والسلطة السياسية، مع تباين التكتيك للوصول لذلك الهدف. وبهذا الصدد يقول المفكر المصري محمد أحمد خلف الله إن القرآن لم يستخدم كلمة "دولة" ولا كلمة حكم بمعنى السلطة السياسية التي تدار بها شؤون الحياة في المجتمع. ونفى القرآن أن يكون النبي ملكا وأصر دوما على كونه النبي الرسول. وقد انتهى ذلك الوضع مع وفاة الرسول الكريم "، وليس هناك من رجعة " كما يقول الكاتب. أما نظام الخلافة فقد " كان نظاما مدنيا أنتجه العقل البشري "ومن حق هذا العقل أن ينهيه، وأن يختار نظاما آخر يحل محله.... إن الوقائع والأحداث هي التي توحي بالنظام الذي يحل المشكلات ويرتفع بمستوى الحياة إلى ما هو أفضل.. " [محمد أحمد خلف الله ]. وقد جرى زج السياسة بالدين منذ زمن عثمان فالإمام علي وهو ما أدى للكوارث في التاريخ العربي ـ الإسلامي. أما الخلفاء الأمويون والعباسيون وغيرهم فقد اضطهدوا، مدعومين بفريق من رجال الدين] مفكرين أحرارا كانت لهم اعتراضات على أساليب الحكم. وقد سجنوا وأعدموا بتهمة "الزندقة ".
إن إقحام الدين بشؤون الدولة يؤدي إلى ضرب حق الشعب في خياراته لإدارة حياة مجتمعه ويشجع على التمييز الديني والطائفي والعرقي، ويخرس بالقوة المعارضين والمخالفين بحجة أنهم يشذون ومارقون عن الدين. إن الخلط بين السلطتين ومؤسساتهما يسيء لكلتيهما. فالمعتقدات الدينية أمور خاصة بالفرد المواطن الذي يجب أن يمارس معتقده الديني بحرية تامة كحق من حقوق المواطنة، ولابد من احترام المؤسسات الدينية لتقوم بوظائفها الدينية بين الناس، لا كما فعل الاتحاد السوفيتي وسائر الدول الاشتراكية السابقة بمطاردة ومنع رجال الدين والمؤسسات الدينية. فالدول الغربية التي تفصل السياسة عن الدين لا تلغي الدين ومؤسسات الكنيسة التي تمارس في بعضها نفوذا كبيرا بين المواطنين. ومن رجالات الدول الديمقراطية الغربية أناس مؤمنون ويحضرون القداس بانتظام. والحديث هنا هو عن علمانية حقيقة غير مبتورة أو ناقصة مشوهة كما يحدث في بعض الدول العربية والإسلامية، مثلما تُمارَس أحيانا ديمقراطية شكلية وصورية، وهو ما يستخدمه الإسلام السياسي للطعن في الديموقراطية والعلمانية. إنه لا يجب محاسبة
العلمانية على أخطاء التطبيق وتشوهاته. ففي تركيا توجد العلمانية ولكنها غير ديمقراطية، فالعلمانية الحقيقية يجب ان تكون ديمقراطية. وقدتقع أخطاء أو انتهاكات في الدول الديمقراطية العريقة نفسها، ولكنها تعالج لوجود الشفافية ولدور المجتمع المدني وحريات الصحافة والتعبير والنشر، ونظرا لما وصل إليه المواطنون من وعي بحقوقهم وإمكان محاسبة الحكومات أمام البرلمانات التي تنتخب بحرية، ولوجود السلطة القانونية المستقلة ـ وهذا وضع يختلف تماما عن أوضاع دول الدكتاتوريات العسكرية والشمولية وعن الدول ذات الحكم الإسلامي كما في السودان مثلا، وبالأمس في أفغانستان. بل حتى في دول عربية أخرى لا تعتبر نفسها دولا دينية بل مدنية، نجد أنه عندما يتدخل رجال الدين في شؤون الثقافة والتعليم والحياة الاجتماعية، يختنق التعليم، وتضطهد المرأة بقسوة، وتحارب الثقافة العلمية، ويداس على حرية المواطن. ولدينا من الأمثلة الحديثة حالات فرج فودة ونجيب محفوظ ونصر حامد أبي زيد، وسلسلة من الروايات الإبداعية والكتب الأدبية الحديثة والقديمة التي أدانتها فتاوى دينية متزمتة وظلامية بدلا من أن ينشر علماء الدين هؤلاء مفاهيم التسامح وقيم الحرية، وأن يأخذوا من التراث الإسلامي جملة من التعاليم النيرة [مثلا " لا إكراه في الدين"، "أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر "، و" جادلهم بالتي هي أحسن "، "أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين " وغيرها من آيات وأحاديث وحكم نيرة.] إن الفتاوى الدينية هي التي شجعت فئة من الشباب الجاهل الملغوم فكريا بالترهات على اغتيال فرج فوده ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ. كما أدت الفتاوى الظلامية إلى مظاهرات طلبة الأزهر احتجاجا على رواية سورية نشرت ووزعت قبل الضجة بعشرين سنة، رغم أن أيا من المتظاهرين، وكما نشرت الصحف في حينه، لم يقرا تلك الرواية. أما الحاكم التفتيشي المصري فقد قضى بالتفريق بين المفكر أبي زيد وزوجته بسبب آرائه الاجتهادية.
إن التطرف الديني السياسي يتطور إلى ممارسة اعتيادية للعنف تجاه الآخرين وإلى الإرهاب بمختف أشكاله. وفي العام الماضي صدر في مصر كتاب عنوانه "الدنيا أجمل من الجنة ـ سيرة أصولي مصري ـ" يتضمن اعترافات "أمير" ثانوي من "أمراء" الجماعات الإسلامية المتطرفة هو خالد البري المولود في أسيوط. وهذا الكتاب يلخص تجربة المؤلف منذ بداية شبابه، ويسرد كيفية تجنيده في الجماعات المتطرفة وصولا لمنصب "أمير" بين الطلبة. ففي البداية راح أفراد "الجماعة "من الطلبة يؤلبونه ضد السينما والتلفزيون وضد قراءة كتب غير دينية. ثم تطور وضعه الفكري والأخلاقي إلى ممارسة العنف في المدرسة والجامعة والحي ضد اختلاط أي طالب أو شاب بطالبة مثله، ولو كانت شقيقته هي التي تسير معه في الشارع. كما يسرد المؤلف كيف كانوا يكبتون حرمانهم الجنسي بممارسة العنف ضد المرأة إذا قرروا هم أنها لا تراعي الحشمة الإسلامية. كان ما يتلقونه هو ان الدين جلباب قصير وتحته السروال، وهو اللحية والتمسك بالجزئيات من الدين، مغلبين منطق "الحرام والحلال ". كانوا ينقضون على الناس بالجنازير والأسلحة البيضاء وهم يرددون "الله أكبر "! كانوا [وهم غير الفقهاء وغير المتبحرين في علوم الدين] هم الذين يقررون ما هو الحلال وما هو الحرام. إن سيرة خالد البري نموذج للتربية والتثقيف الدينيين المتزمتين اللذين يقودان إلى العنف الفردي فالجماعي. وهذا ما يتجسد بأبشع صوره في شبكات الإرهاب التي قامت وتقوم يوميا بقتل الأبرياء بالجملة : في الجزائر ومصر واليمن ونيويورك وواشنطن وبالي وموسكو، والعاملون على تسميم المدنيين وبلا تمييز بالسموم وقتلهم بالأسلحة الكيميائية. وفي كل يوم حدث وفي كل يوم اعتقالات لعرب جزائريين، ومصريين، وخليجيين، ولمسلمين باكستانيين، وسود، وغيرهم. ومع ذلك ترتفع صرخات النفاق الزاعمة أن العالم كله "يتآمر "على الإسلام والمسلمين ! وينهمك علماء الدين في توسيع دائرة الحرام و"البدع الضالة "لحد تحريم استعمال المرأة المسلمة لكريم الوجه في رمضان حتى ولو تزينت لزوجها. ثم اختلاف في الاجتهاد عن جواز أو عدم جواز الاحتفال بالعام الميلادي الجديد. وصار علماء الفتوى في الأزهر وغيرهم يصدرون الفتاوى بوجوب حيازة الدول العربية والإسلامية على القنبلة النووية في الوقت الذي تجري فيه حملة دولية ضد انتشار أسلحة الدمار الشامل. فهل عدم حيازة العرب على القنبلة النووية هو سبب الهزائم العربية والضعف العربي أمام إسرائيل والغرب ؟أم الأسباب هي الاستبداد السياسي للأنظمة، وفشل عمليات التنمية، وتهميش المرأة، والأمية العربية التي تبلغ اليوم سبعين مليونا من السكان، والتخلف الحضاري والإصرار عليه باسم "الأصالة "، والتشبث باعتبار الماضي كاملا ويجب العودة إليه باسم "الدولة الدينية "أو" دولة الخلافة الإسلامية "، وما تحويه مناهج التعليم الديني من روح التزمت والتعصب، ونشر ثقافة التكفير والعنف وعدم التسامح واحترام الرأي الآخر والمعتقد الآخر، ومحاربة الفكر العلمي النقدي ؟؟ وفي ما يخص دور الأنظمة العربية وخنق أكثرها لحقوق الشعب وحرياته، وتغييبها للمجتمع المدني فهو ليس بحاجة لمزيد من التوضيح لان هذه الأنظمة تشجع في بعض الأحيان رجال الدين على التدخل في شؤون الدولة لكسب غوغائية الشارع، وأحيانا قد تتعمد حكومات بعينها تصدير الجماعات المتطرفة لخارج بلدانها. وقد أدى فشل التجارب القومية والتيارات الماركسية في الوطن العربي، إضافة للاستبداد السياسي للحكام إلى نشوء مناخ ملائم لنمو وانتشار المدارس الإسلامية المتزمتة والمتطرفة في ظروف استمرار الصراع العربي ـالإسرائيلي. ونذكر كذلك دور السياسة الأمريكية في أواخر السبعينات وفي الثمانينات في تشجيع الإسلام السياسي في وجه قوى اليسار المحلية وفي خلق المصاعب للسوفيت في أفغانستان. وبينما يقوم علماء الغرب كل يوم بمنجزات علمية وتكنولوجية مذهلة يواصل علماء الدين المسلمون انصرافهم لأمور الحلال والحرام، ولمسائل اللبس والزينة والحيض و"الكريم "، وينشر الكثيرون منهم أفكارا عدائية لغير المسلمين باعتبارهم "كفارا"[الكافر عندهم هو غير المسلم]. اما المتطرفون الإسلاميون الفلسطينيون فاهم أولاء يواصلون تدمير القضية يدا بيد مع شارون، الذي يهلل لما يقومون به من عمليات ضد المدنيين تعطيه الحجج لمواصلة القتل والهدم وسلخ الأرض. وكلا الطرفين لا يريد حل القضية سلميا.
إن المزج بين السلطتين الدينية والسياسية يشجع على تعكير الأجواء والعلاقات بين المسلم وغيره، وبين الطوائف الإسلامية نفسها. وقد كان الشيخ عبد الرازق على حق في تأكيده على أن قوانين المجتمع ونظم الحكم هي من صنع الإنسان لا من تعاليم السماء.
إن الديمقراطية العلمانية هي الطريق السليم للحكم بما يسمح لجميع المواطنين على اختلاف الدين والمذهب والقومية والجنس والانتماء السياسي بممارسة حقوقهم كاملة دون تمييز وبلا تعسف، وبما يجنب المجتمعات التصادم والتناحر الداخليين، وبما يفتح أمام البلدان العربية سبل التقدم العلمي، والتقني، والإبداعي. ومن المقومات والخصائص الكبرى لهذا النظام تمتع المرأة بحقوق متساوية مع الرجل ونسف جميع الأفكار التي تقلل من شأن المرأة وتسيء إلى شخصيتها وكرامتها. فالمرأة هي الضحية الأولى للفكر الديني المتعصب وللإرهاب الإسلامي على النمطين الجزائري والطالبان ـ بن لادن. أما خيار تغييب الديمقراطية والتساهل مع أفكار التزمت الديني و تدخل المؤسسات الدينية في مسائل تشريع القوانين والدساتير، فإنه يعني بقاء الضعف والتخلف العربيين في عالم اليوم الذي لا يرحم من يرفضون العلم والتقدم والديمقراطية.
والخلاصة أن العلمانية تعني فصل الدين عن الدولة وتفاصيل حياة الناس، وأنها مقترنة لا محالة بالديمقراطية وإلا كانت علمانية مشوهة.
وأخيرا فأعتقد أن على الحركات والتنظيمات السياسية الإسلامية التي تعلن قبولها للديموقراطية أن تلغي من شعاراتها ومناهجها هدف إقامة " الدولة الدينية الإسلامية "وأن تدين يكل وضوح جرائم الجماعات الإسلامية المتطرفة بلا مجاملة وبكل حزم. ومن الجهة الأخرى، فمن واجب القوى السياسية العلمانية، التي تدخل لأسباب المصالح العليا للشعب، في تحالفات مع القوى الإسلامية [المعتدلة ]، أن تضمن بكل يقظة عدم تقديم تنازلات سياسية تؤدي في المستقبل إلى حدوث الثغرات في النظام السياسي الديموقراطي. ويصدق ذلك خصوصا على الحالة العراقية اليوم. وقد دلت التجارب في بلدان أخرى على أن أحزابا إسلامية كانت تدعي الإيمان بالديمقراطية ومساواة الجنسين قد تخلت عن هذه الشعارات عندما سنحت لها ظروف مناسبة!
من أجل ديمقراطية علمانية
( أغسطس 2003 )
لقد كتبت عدة مقالات عن هذا الموضوع، ولكنني أعتقد أن هناك حاجة ماسة للتكرار وللتذكير أمام تصاعد موجة التطرف الديني والمذهبي، ذي الغرض السياسي.
إن الدول العربية والإسلامية تواجه منذ حوالي ثلاثين سنة أو اكثر، مدا أصوليا تتفرع منه تيارات ومدارس للتطرف بجانب [المعتدلين]، وبعضها يتحول إلى إرهاب دموي يبشر بفقه الموت كما يصف بعض كتاب إيلاف التنويريين. وأما المدارس الإسلامية المعتدلة فتدعو، وكقاعدة عامة، لقيام أنظمة دينية، سواء باسم "الجمهورية الإسلامية، أو باسم " الخلافة الثانية"، أو "دولة ولاية الفقيه". وهذه الدعوات والنماذج تستند لفكرة أن الإسلام دين ودولة، وهي الفكرة التي فضح زيفها منذ العشرينات المفكر الإسلامي المتنور الشيخ علي عبد الرازق.
إن أكثر الدعاة الإسلاميين في أيامنا يدعون لإقحام الدين ومؤسساته، بشكل أو آخر في شؤون الدولة ومؤسساتها. ولذلك فإن مبدأ الفصل بين السلطتين، أي مبدأ العلمانية، هو أكثر ما تعمد الأصوليون تشويهه في فرضياتهم وكتاباتهم وفتاواهم، واعتبروه، ولا يزالون يعتبرونه، "تآمرا على الإسلام وحربا عليه". وفي الرقعة العربية تعرض مفهوم العلمانية إلى أبشع عمليات التحريف والتشويه، بدعوى أنها قضاء على الدين. ولا داعي لتبيان الكوارث التي جلبتها على شعوب بلدانها وخارجها تلك الدول التي تصف نفسها "إسلامية"، ومنها تجارب أفغانستان والسودان وإيران وغيرها. فإقحام الدين، وبأية درجة وشكل، في شؤون الدولة يؤدي لضرب حقوق الشعوب في إدارة المجتمع، ويشجع على التمييز الديني والطائفي والعرقي، ويخرس المخالف بالقوة تحت تهديد الاتهام بالإلحاد والزندقة وما شابه. والخلط بين السلطتين ومؤسساتهما يسيء لكلتيهما. فالمعتقدات الدينية أمور روحية خاصة بالمواطن الذي يجب أن يمارس حريته الدينية بلا تمييز وبلا قيود. وواجب رجال الدين ومؤسساتهم هو التوجيه الروحي والأخلاقي، والأخذ بقاعدة " من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" و"خلاف أمتي رحمة."
ولكن تشويه مبدأ العلمانية يتخذ صيغا أخرى في التطبيق عندما تستخدم دول غير ديمقراطية شعار العلمانية ولكنها في الوقت نفسه تمارس استبدادا سياسيا وقهرا للحريات وحقوق الإنسان، وتزيف الانتخابات وتعدل الدساتير على هوى الحاكم، مع أنها تفصل حقا بين السلطتين الدينية والسياسية ـ المدنية، كبعض الأنظمة العربية، وكان منها نظام صدام الفاشي الذي كان في بداية أمره يعلن أن الدولة غير الدين، بل وحارب واضطهد الكثيرين من رجال الدين. وفي التسعينات راح يزايد على الأنظمة والحركات الإسلامية تحت شعار"الحملة الإيمانية"، وأطلق العديد من المجرمين بحجة حفظهم للقرآن، وشجع الحجاب، وتغاضى عن نمو الفرع المتطرف من المذهب الوهابي في مناطق كالفلوجة والرمادي مثلا. ومع ذلك لم يكن نظامه إسلاميا، كما لم يكن لمجرد فصل المؤسستين نظاما ديمقراطيا. و الكمالية نفسها، و كما أورد الأستاذ شاكر النابلسي، التي جاءت بالنموذج الأول والأهم للعلمانية في العالم الإسلامي. وتأخذ بالكثير من مستلزمات الديمقراطية، لا تزال تقمع الشعب الكردي وتنكر حقوقه الثقافية والقومية. فالديمقراطية هنا ناقصة ومشوهة بفعل سيطرة العقلية والممارسة العنصريتين الشوفينيتين، وبواقع أن السلطة السياسية الحقيقية هي بيد العسكر.
إن الأستاذ شاكر النابلسي على حق عندما يكتب أن العلمانية لوحدها لا تعني الديمقراطية بالضرورة. والمعادلة الصحيحة في رأيي هي أن لا ديمقراطية حقيقية دون فصل الدولة عن الدين، أي العلمانية. فالعلمانية والديمقراطية [البرلمانية اللبرالية التعددية] يجب اعتبارهما جناحين لا ينبغي التفريق بينهما، وقد تحاول بعض القوى الإسلامية أن تراوغ وتحتوي العلمانية بطريقة أو أخرى، كوجوب جعل الإسلام أساس ثقافة المجتمع، أو إعطاء المؤسسات الدينية دورا رئيسيا في وضع الدساتير،الخ.. ومن هنا يجب الإصرار على شعار الدولة الديمقراطية العلمانية، أو العلمانية الديمقراطية.
الدين ونظام الحكم
(1/12/2003 )
إن هذا موضوع غير جديد، وما كتب عنه بالعربية كثير جدا. ونعرف مثلا كتاب الشيخ على عبد الرازق في منتصف العشرينات بعنوان" الإسلام ونظام الحكم" الذي أثار غضب الأزهر وثورته في وقت كان يمهد فيه الطريق الفقهي لتنصيب فاروق خليفة للعالم الإسلامي. ومنذ أواخر ذلك العقد عرفت ساحة السياسات العربية نشاطا متزايدا لاستخدام الدين لأغراض سياسية، سواء لدعم الأنظمة القائمة أسوة بما كان يفعله علماء الدين منذ العصر الأموي وخلال الدولة العثمانية، أو لتولي السلطة السياسية بأنفسهم، بدءا بحركة الإخوان في مصر أواخر العشرينات. ومع انحسار وعجز الشعارات والمشاريع والأيديولوجيات القومية واليسارية وفشل التنمية وتفاقم الاستبداد السياسي منذ الستينات، دخل الإسلام السياسي في البلدان العربية مرحلة جديدة من الخطورة والسعة ورفض الخلاف وتكبير دائرة المحرمات، ولجوء بعض جماعاته للعنف الدموي لتحقيق الأهداف السياسية المبرقعة بالرداء الديني. وقد شجع السادات هذا التيار في خطته لمواجهة اليسار والناصريين، ولكن السلاح نفسه ارتد عليه. وكانت الثورة الإيرانية الخمينية مثل الزلزال الذي هيج المشاعر الدينية في العالم الإسلامي كله، وشجع على المزيد من انتشار الظاهرة الأصولية المتشددة. ودعمت الولايات المتحدة في حربها الأفغانية الأولى جميع أصناف الإسلام السياسي المتشدد لتجنيد القوى البشرية المسلحة في الحرب على السوفيت تحت عنوان " الجهاد ضد الكفار". ومن شبكات القاعدة التي دعمتها السعودية وشجعتها واشنطن، انطلق إرهابيو 11 سبتمبر لضرب سادة الأمس في القلب. ولكن النتائج كانت عكسية لكونها سلطت الأضواء كلها على خطر الإرهاب الإسلاموي، وأصبحت الحرب عليه عالمية. ولولا تلك العمليات الإرهابية لظل صدام في السلطة، ولكن محاصرا مهزوزا وبرعاية غربية وشرقية وعربية كاملة.
إن هذه مجرد بضعة سطور للتذكير بما هو معروف للجميع، لنصل للمرحلة التالية منذ سقوط نظام صدام، وحيث نجد ظاهرتين من الاستخدام الديني للغرض السياسي في العراق: الأولى تحول البلاد إلى مسرح عملياتي للمئات من إرهابيي [القاعدة] و[أنصار الإسلام]، وتفاقم انتشار الأصولية الوهابية التي شجعها النظام الساقط باسم "الحملة الإيمانية". ومن جهة أخرى بروز تيار ديني شيعي متشدد، اقترف في الشهور التي أعقبت سقوط صدام عشرات من الانتهاكات لحقوق الإنسان والمرأة خاصة، ووصل الأمر برموز التيار لإعلان حكومة موازية لمجلس الحكم. واتخذ الإعلام العربي من تلك الممارسات، وخصوصا الاعتداء على مساجد للسنة، حجة للحديث عن "الطغيان الشيعي" في العراق. وانتهز بعض كتابهم الفرصة للتذكير بسلسلة مقالات لهم قبل الحرب تخوّف من انتصار الديمقراطية في العراق بذريعة أن "الأكراد والشيعة وهم أكثرية سوف يسيطرون ويطغون". وكتب أحدهم أنه التقى بمسؤولين أمريكان وحذرهم بالذريعة نفسها من سقوط صدام ومن شبح الديمقراطية العراقية!
أما التيار الديني الشيعي [المعتدل ]، ولا سيما المرجعية الدينية العليا، قد تصرف ممثلوه باعتدال وحكمة كبيرة وبواقعية، ورفضوا استخدام العنف في العمل السياسي والاجتماعي، ولكنهم لم يجرؤا على الإدانة الصريحة والعلنية للانتهاكات الكبيرة التي نفذها المتطرفون الشيعة في بغداد والبصرة والنجف حتى واقعة التصادم في كربلاء. والملاحظ أن مهادنة المعتدلين الإسلاميين للمتطرفين المتشددين لا يقتصر على مذهب واحد، وبلد واحد، فلم نسمع من شيوخ الدين الذين يرفضون العنف أية إدانة حقيقية لجرائم بن لادن ولا مجرد ذكره بالاسم، ولا سيما على نطاق الخليج كله. وبعد التفجيرات والجرائم الشريرة في الرياض ومكة المكرمة، وخروج قادة فقه الموت على شاشة التلفزيون السعودي ليتراجعوا عن مواقفهم السابقة الداعية للقتل والانتحار باسم " الجهاد"، انطلقت عبارات الثناء عليهم من بقية أعيان الدين، مع أن داعية الإرهاب والقتل والدمار مجرم كالذين ينفذون الجريمة، بل وأكثر، ولا بد من محاكمتهم. فالتحريض على القتل المجاني، ولا سيما بتطويع الدين للتبرير، جريمة كبرى تستحق عقوبات قاسية. فهم جبهة التبرير لجبهة التدمير والقتل.
ومع أن رموز التيار الديني الشيعي المعتدل ومرجعيته ذات المكانة الكبيرة في العراق قد لعبوا أدوارا إيجابية في الدعوة للحكمة ورفض التعصب الديني والمذهبي واستخدام العنف، وأعلنوا مرارا أن على رجال الدين عدم التدخل في شؤون الدولة والحكم، فإن الشهرين الماضيين يشهدان مواقف لا تنسجم مع تلك التأكيدات الحصيفة والمتكررة، سواء عند الجدل حول مبادئ الدستور القادم و طريقة صياغة مسودته، والهيئات التي يجب أن تقوم بذلك، أو اليوم حين ينفجر الجدل من الوسط الديني المعتدل حول الجدول الزمني لانتقال السلطة للعراقيين وكيفية تكوين الحكومة المؤقتة في حزيران، وإذ يجري إصرار متزايد على شعار الانتخابات العامة بالسرعة الممكنة. ونعرف أن جميع هذه القضايا سياسية بحتة ولا تدخل في اختصاص وواجبات رجال الدين، إلا إذا انتقلوا لاحتراف العمل السياسي في أحزاب سياسية تدخل اللعب والمناورات السياسية المختلفة. وللسياسة مشاكلها ومضاعفاتها ومطباتها واستحقاقاتها، وعلى السياسي أن يكون مستعدا للمحاسبة والنقد، والطعن وهذا ما لا يمكن زج الدين الحنيف فيه بأية حال.
أجل إن الوضع العراقي بالغ التعقيد وبالغ الخطر أيضا، ولكل من رجل الدين و رجل الحكم و السياسة دائرة واجباته المتميزة. ونعرف أن المشكلات الخاصة بانتقال السلطة وبالانتخابات ومدة
بقاء قوات التحالف قضايا خلافية مفتوحة للعديد من الاجتهادات والمواقف السياسية. أما الدين فمجاله روحي وواجب رجاله الدعوة لمبادئه السامية في المحبة والصفاء وإدانة العنف والجريمة، والحث على التسامح بين المذاهب والأديان والقوميات. ومع انه لا يمكن عزل الدين عن السياسة عزلا باترا كاملا، فإن رجل الدين له صفتان: كونه رجلا روحانيا لا يدخل في تفاصيل الحياة الدنيوية وتنظيم البشر، وصفة المواطن الذي له حقوق الكاملة في التعبير عن آرائه في الشؤون العامة، ومنها المشاركة في الانتخابات. وكل خلط بين الصفتين أو الواجبين يضر بالدين والمجتمع معا.
لقد تعرض شيعة العراق علماء دينهم لمظالم كبرى في عهد الطاغية الهارب، ومن الواجب تصحيح المعادلات القديمة المختلة، من مذهبية ودينية وقومية وسياسية. ولكن المطلوب تصرف الجميع بروح الوحدة الوطنية والحرص على قيام نظام ديمقراطي حقيقي لأنه وحده يضمن المساواة والحقوق للأفراد والمكونات القومية والدينية والمذهبية والثقافية، وتحت شعار "الدين لله والوطن للجميع". ومن الواجب أولا تعبئة الشعب لمواجهة الإرهابيين ونشر الاستقرار إذ بدون ذلك لا يكون واقعيا الحديث عن أية انتخابات عامة مستعجلة. ولم تكن الانتخابات معيارا أوحد للديمقراطية كما تبرهن تجارب العديد من الأنظمة العربية في انتخاباتها و"استفتاءاتها" و"مبايعاتها"، وصدام كان مثلا صارخا في هذه المسرحيات.
إن الأحزاب والتنظيمات والشخصيات السياسية والدينية العراقية والمثقفين العراقيين مدعوون جميعا للتحلي بروح المصلحة العامة، وليس الانسياق وراء إغراء المغانم الفئوية على حساب الآخرين، والتي لن تكون غير مغانم مؤقتة، وخصوصا مع تزايد وشراسة خطر الصداميين وحلفائهم المستوردين من وراء الحدود.
إننا في فترة حرجة سيقرر مسارها مستقبل العراق كله لأمد طويل، فلا يأخذن الهوس الفئوي والغرور بهذا الطرف أو ذاك، وإلا ندمنا جميعا ولكن بعد فوات الأوان!
إن تركات الماضي كبيرة جدا، والجراح العراقية لا تزال مفتوحة، ومستوى الجهل والأمية مروّع، والوعي الديمقراطي محاصر، والإعلام التنويري ضعيف. ومن هنا فلا بد من الصبر وتكاتف الجميع
لنصل شاطئ الأمان والديمقراطية والمساواة والتقدم والسلام الداخلي الراسخ.
"جناية" الشعب العراقي على العرب والمسلمين!
(27 نوفمبر 2002 )
صرت، مع غيري من المثقفين والساسة العراقيين خارج الوطن، أشعر بجرح عميق يزداد كل يوم عمقا وإيلاما من مواقف الدول العربية حكومات ومثقفين وجماهير من قضيتنا. فما بين السيد عمر موسى، وإلى وعاظ الجوامع، والأكثرية من علماء الدين و"الدعاة "والمثقفين العرب من مسلمين ومسيحيين، ناهيكم عن المواطن البسيط، أصبحوا يعتبرون أنفسهم أوصياء على شعبنا، واعظين مرشدين، ويحذرون، لا من مخاطر بقاء جحيم الاستبداد الدموي الذي يطحنه طحنا، بل من مخاطر مزعومة من زواله، وما سيصيب العراقيين والمنطقة العربية من كوارث كبرى عند ذاك. إن هذه "الرعاية "العربية ـ الإسلامية المفاجئة للشعب العراقي تستمد "الشرعية" عند أصحابها من المزاج العام الذي يكره الولايات المتحدة، وهي الدولة الكبرى التي تبدو عازمة على إزاحة النظام العراقي، بعد أن كانت تعتبر بقاءه في خدمة مصالحها, ساعدته على قهر انتفاضة الشعب في مارس 1991. ومهما كانت أبعاد التوجه الأمريكي هذا وأهدافه البعيدة، فإن عملية إزاحة النظام عسكريا وبمشاركة وطنية عراقية فعالة تلتقي مرحليا مع مصالح الشعب العراقي الذي تعجز قواه السياسية لوحدها عن إسقاط النظام. وقد تحولت الولايات المتحدة، ولاسيما منذ العمليات الإرهابية الإجرامية في نيويورك وواشنطن [11 سبتمبر ]إلى مشجب لتعليق مآسي العالمين العربي والإسلامي عليه، فهي أم الشرور وهي وحدها المسؤولة عن تدهور أحوال العرب والمسلمين وتداعي سمعتهم في العالم، وتخلفهم الذي فضحه تقرير تنموي مشهور تشر منذ شهور، بما في ذلك الانتشار المروع للأمية، فضلا عن تقزم الدور العربي على الساحة الدولية. وقد أصبح التخويف من أمريكا والتحذير من "تهديداتها للمنطقة "صيحة تجمع هذه الأوساط جميعا، وعلى اختلاف الغايات والاتجاهات الفكرية والسياسية. وكان آخر دعوة من هذه الدعوات ما أصدره فريق كبير من علماء الدين والمثقفات والمثقفين الخليجيين، الذين نشرت جريدة "الحياة اللندنية "بيانا لهم بتاريخ 21 نوفمبر 2002. ومع كل الاحترام للسيدات والسادة الموقعين على الوثيقة المذكورة فإنني، وكمثقف وطني عراقي، أسمح لنفسي بالملاحظات التالية على البيان :
إن البيان يركز على مخاطر "ضرب العراق "، والحال أن المستهدف هو نظامه وليس البلد او الشعب الذي ستشارك شرائح واسعة من قواه السياسية في أية حملة لإسقاط النظام. صحيح أن البيان ينتقد النظام ببضع عبارات وعلى استحياء شديد، ولكنه يتناسى ما يعانيه العراقيون من المحن بسبب ممارساته وأفعاله. ولا داعي لإعادة التذكير بما صار معروفا في العالم كله من حملات قتل وتشريد وتهجير وتفنن في أساليب القمع في العقد الماضي خصوصا. ويتناسى البيان ما عانته المنطقة والجيران من عدوانية النظام وما تشكله أسلحته المحرمة من أخطارعلى الجميع. فهل لا تهم سادتنا الأفاضل معاناة شعب الاثنين والعشرين مليونا، وبلده الذي هو أحد أكبر الأقطار العربية ذي الأهمية الخاصة، هذا البلد الذي تحول، وهو الغني بالموارد البشرية والطبيعية، إلى بلد هو اليوم في الدرجات الدنيا من سلم التنمية ومستوى معيشة الفرد في العالم. إن بقاء النظام يعني استمرار المعاناة العراقية، بما فيها مخاطر حروب خارجية وداخلية جديدة، كما يعني استمرار المخاطر على جيران العراق. وما أحسن ما يكتبه المفكر العربي مأمون فندي في جريدة"الشرق الأوسط" إذ يكتب أن موت النظام "يعني حياة الجسد العراقي، وبقاء هذا السرطان يعني القضاء على العراق. يخاف العرب من تفكك العراق إلى دويلات شيعية وكردية وسنية، ويفضلون بدلا من ذلك موت العراق الكامل ببقاء هذا السرطان الذي ينخر فيه. نعم أعرف تبعات هذا التغيير، وأعرف أيضا كيف نتحسب له. "[ عدد 19آب 2002 ]. وأستدرك لأقول إن ما يروجون له عن تفتيت العراق لدويلات ما هو غير خرافة مبتذلة تشاع لتبرير استمرار النظام. وكما يقول فندي نفسه أيضا فإذا كنا وحدنا عاجزين عن التخلص من السرطان، فلماذا نرفض الاستعانة بالمستشفيات الأمريكية إذا كانت جادة حقا على استئصال السرطان ؟! لقد كنت شخصيا من بين قلة من المثقفين العراقيين الذين دعوا قيادة النظام علنا بعد حرب الخليج الثانية للاتعاظ والانفتاح على الشعب وقواه الوطنية وإطلاق الحريات والسير نحو التعددية تدريجيا. وظللت أدعو للوفاق والمصالحة الوطنيين حتى عام 1994، فإذا بتمنياتي وتمنيات القلة سواي مجرد أوهام ومحض خيال. فقد برهن النظام على إصراره على المكابرة والخطأ، معتبرا غزو الكويت فرضا قوميا تاريخيا والهزيمة "أم المعارك "ومهددا من وقت لآخر بالتراجع عن الاعتراف بالحدود مع الكويت، ومراوغا في تنفيذ القرارات الدولية الخاصة بأسلحة الدمار الشامل، ورافضا القرار 688 عن حقوق الإنسان والحريات. وبدلا من ذلك ابتكر أساليب همجية جديدة في تعذيب وقتل الرجال والنساء وتشويههم [كالوشم على الجباه، وبتر الأذن، وقطع الرأس بسيف وزنه أربعون كيلوا في الشوارع وفي وضح النهار]. وعندما كنت أسمع من أصدقاء على اطلاع دقيق بان المواطن العراقي في الداخل صار يقبل بأي تغيير للنظام وأيا كانت الجهة القائمة بذلك كنت أعتبر الرواية مبالغا فيها، فإذا بها هي الحقيقة.. وكان النقد الصارم الرئيس من العراقيين نحو أمريكا قبل أحداث 11 سبتمبر هو استمرارها في سياسة الاحتواء ورفض العمل لتغيير النظام.
وأما عن التباكي على" سيادة العراق"، فمعلوم أن العراق هو تحت الوصاية الدولية منذ غزو الكويت، وإن لفرق التفتيش [ومنذ صدور القرار 687] الصلاحية في تفتيش أي موضع من العراق والتحقيق مع أية شخصية عراقية عسكرية او مدنية. وأما ما يقال عن كوارث "الحصار "، فالحقيقة انه لم يعد هناك حصار منذ سنوات، وإنما هناك عقوبات مالية وعسكرية، وقد زال الحظر الاقتصادي منذ 1996 ما عدا على المواد العسكرية وما يمكن استخدامه عسكريا. غير أن تصرفات النظام مع أموال "النفط مقابل الغذاء "[ فضلا عن عائدات النفط المهرب، ] تتميز بعدم المسؤولية نحو صحة العراقيين وطعامهم وتعليم أطفالهم. ومن ذلك بناء القصور المترفة، ومواصلة التسلح وشراء الحكومات والأبواق السياسية والإعلامية. وفي 19 كانون الثاني من العام المنصرم صرح بينون سيغان، مسؤول الأمم المتحدة عن برنامج "النفط مقابل الغذاء" :" رغم كل المخاوف التي أبديت في ما يتعلق بالوضع الغذائي والصحي للشعب العراقي "فإن قيمة الطلبات العراقية لقطاع الصحة بلغت 6، 83 فقط بينما أن المبلغ المسموح به يصل إلى 624 مليون دولار. وقال سيفان عن طلبات التعليم 58، 21 مليون من أصل 651 مليون دولارا ونصف المليون. وفي قطاع الصرف الصحي قدمت الحكومة طلبات بمبلغ 186 مليون دولار من أصل 551 مليون. وهكذا دواليك !
إن البيان السلفي يستشهد بحديث نبوي يدين المسلم الذي يخذل مسلما آخر تعرض لانتهاك واضطهاد. فهل الشعب العراقي، وأكثريته مسلمون، يستحق أن يُنصر أم أن يُخذل كما هو حال بقية العرب مع شعبنا ؟! أم أن المسلمين الحقيقيين في العراق هم حكامه وحدهم، ولذلك ينصره مشايخنا والأكاديميون الأفاضل ؟!
أكيد أن أصحاب البيان على علم بكل ما يجري للعراقيين :فإما أن شعبنا قد أجرم بحق الآخرين فحق خذلانه ونصرة حكامه، وإما أن القضية هي أبعد من العراق وما العراق غير عكازة وستارة !
إنني أرى أن البيان يريد صرف النظر عن حقيقة أسباب وعوامل تدهور أوضاع العرب اليوم وهم يكادون يعيشون خارج العصر وخارج التاريخ. إن البيان يتجنب عامدا تشخيص التهديدات الحقيقية للشعوب العربية والإسلامية، ومكانتها ومستقبلها في عالم سريع التطور ولا يرحم المتسكعين على أبواب الماضي وحده المنغلقين عن عالم اليوم. إن المآسي التي تعيشها هذه الشعوب هي نتيجة التخلف الحضاري والفساد الحكومي والاستبداد بأشكاله السياسية والفكرية والدينية، ولكل منها منظرون ودعاة يصرخون ويندبون. إننا نعيش خارج العصر وإلا لما أصبح طغاة السلطة وزعماء الإرهاب الإسلامي هم أبطال الشارع المحبط والعاجز عن كل رؤية. إننا لا نفتأ نردد ما فعله المستعمرون ببلداننا في الماضي، ونظل نربي الجيل الناشئ على الحقد والكراهية. ولكن ماذا فعل الحكام والنخب الفكرية والدينية بالاستقلال من بعد رحيل الاستعمار ؟ فمثلا، ماذا فعلت الجزائر المستقلة بنفسها إذ أصبحت حمامات دم على أيدي من يحملون القرآن بيد والخنجر باليد الأخرى ! وكيف يثير أصحاب البيان [وأمثالهم كثيرون ] ضجة مفتعلة عن "عداء "أمريكا والغرب للإسلام والتآمر عليه "مع أن الذين ألحقوا أفدح الأضرار بالمسلمين والعرب هم الجماعات الإسلامية المتشددة ولاسيما شبكات القاعدة والمرتبطين بها؟ ألم تلحق جرائم 11 سبتمبر أضرارا بليغة بسمعة العرب وأمنهم وبسمعة الإسلام ؟ولماذا توجيه الأنظار لأمريكا بدلا من جرائم الإرهاب المتتابعة والمستمرة على أيدي عرب ومسلمين، من حرق الكنائس المسيحية، وإلى مهاجمة المعابد الهندوسية، وذبح السياح، وقصف معابد اليهود في تونس، وقتل العشرات في مرقص بالي، ومسرح موسكو، وغيرها من جرائم يومية في كل القارات لم نجد حرف إدانة واضحة واحدة لها في البيان العتيد! وباستثناء دعوة باهتة جدا لعدم ممارسة الشباب للعنف، فثمة صمت يلفت النظر عن الموجة الظلامية العنفية التي أصبحت هي المترجم الأوحد لهوية العرب والمسلمين أمام بقية الشعوب. يقول الأستاذ الكويتي أحمد الربعي:
"عندما قام أسامة بن لادن بفعلته في نيويورك وواشنطن كان يتحدث عن إيذاء أمريكا، فكانت النتيجة عملية إيذاء منظمة للعرب والمسلمين ولسمعتهم. فبعد أن افتتح الرئيس السابق بيل كلينتون المصلى رقم 2000 في الولايات المتحدة، وأصبحت دعوة الإفطار الرمضاني تقليدا في البيت الأبيض، وبدأ الإسلام يشكل رقما مهما في المعادلة السياسية الأمريكية، جاءت جريمة 11 سبتمبر لتعيد كل شئ إلى نقطة الصفر، فتحول الإسلام في نظر الكثيرين إلى دين للإرهاب، وغابت كل صورة مشرقة وجميلة لتحل محلها صور الموت والقتل والتدمير. كل هذا العبث يتم بأيدي أبناء جلدتنا. ومع كل ذلك فإن الكثيرين منا يرفضون النظر إلى مرآة أنفسهم ليعالجوا عيوبهم، بل يستمرون في تعليق كل خيباتنا على مشجب الى آخرين. "[ الشرق الأوسط، عدد 4 نوفمبر 2002 ]. ترى من يحارب دين الآخر؟ أهو الغرب وخصوصا أمريكا، أم هؤلاء الدعاة الإسلاميون المتشددون الذين يعتبرون اليهود والنصارى والهندوس وغيرهم كفارا ثم يضيفون كل المجتمعات الإسلامية غير السائرة على فكر التعصب والتحجر والموت، استرشادا ب"معالم طريق" المرحوم سيد قطب. و إن مشايخ الجزائر يصدرون الفتاوى عن جواز قتل أطفال من يلجأ إليهم "الكفار " ـ و"الكفار"مسلمون مثلهم ! كيف أصبحت الثقافة السائدة ثقافة كراهية وحقد وعنف، ثقافة المغني شعبان وقناة "الجزيرة "، والانشغال بالشكليات والفروع الفرعية؟ هل أمريكا هي التي تلام إذا كان مشايخنا المبجلون يفرضون رقابة استبدادية على الأعمال الإبداعية في وقت تقفز فيه الثورة العلمية ـ التكنولوجية في الغرب وحيث تقدس حرية المعتقد والتعبير؟ وهل ليس من المهزلة حقا أن يتبارى هذا "الأمير" الإسلامي أو ذاك للمساجلة حول طراز اللبس، ومخاطر مصافحة المرأة، وما تثيره لعبة "باربي" من غرائز جنسية، وما يرمز له الخيار والطماطم جنسيا، وحول عدم جواز شغل مقعد كانت تجلس عليه امرأة إلا بعد مرور وقت كاف خوفا من انتقال حرارة المرأة لجسم الرجل فتثار غرائزه الجنسية؟ كم من كراريس وكتب تصدر وتنتشر عن الحيض والوضوء وأنواع الجن، بينما يجري تفسيق أو تكفير العديد من روائع الفكر والأدب العربيين الكلاسيكيين، الدعوة لإتلاف "ألف ليلة وليلة "! وقد قرأت مجلدا كاملا بأقلام العديد من الدعاة والكتاب السعوديين في التهجم على الشاعر السعودي الدكتور غازي القصيبي بتهمة التبشير بالإباحية والتشكيك في المقدسات، ولأنه دافع عن الشاعر نزار قباني. وأسأل لماذا هذا الهوس الجنسي المبرقع بالحرص على العفة والفضيلة؟! ولماذا النظرة الدونية للمرأة وهضم حقوقها ؟ وآخر قفزة تاريخية في تطور الفكر الإسلامي هذا الجدال الجديد بين علماء الأزهر حول دهان الوجه في رمضان: هل يحق للمرأة الصائمة أن تدهن وجهها حتى من أجل زوجها أم لا يجوز ذلك ! !
ومن المشروع أن نسأل من أصحاب البيان: يا ترى كم منهم قد أدانوا جرائم الطالبان تجاه النساء، أو نسفهم لتماثيل بوذا؟ كم منهم يدين بصراحة ووضوح دعوات "القاعدة " لقتل كل أمريكي؟ وهل نضع أنفسنا محل الأمريكي البسيط وهو يسمع من قناة "الجزيرة " دعوة زعماء "القاعدة " لقتل كل أمريكي، وما هو رد فعله التلقائي ؟ أجل في أمريكا وفي الغرب تيارات يمينية وعنصرية ودينية متعصبة، ولكنها تدان بقوة من جانب الرأي العام والحكومات الغربية، فهي لا تمثل سياسة أمريكا وأوروبا. كما أن لأمريكا أخطاءها السياسية الفادحة سابقا ولاحقا، وليس من أقلها سوءا وضررا تشجيع التطرف الإسلامي منذ أواخر تسعينات القرن الماضي لاستخدامه لمواجهة السوفيت والشيوعية. وإن إسرائيل تغاضت في الثمانينات عن نشاط "حماس " لإضعاف عرفات. وقد استغل مثقفونا ودعاتنا تعبير بوش "حرب صليبية " لإثارة زوبعة في الشارعين العربي والإسلامي بحجة أن العبارة تعني حربا أمريكية على المسلمين، والحال أن التعبير شائع في القاموس السياسي لمختلف التيارات بمعنى الحملة العنيفة والضارية. وكنا أيام العمل السري في العراق نقول مثلا :"إن الحكومة تحارب الشعب حربا صليبية "دون أن يخطر على البال أي مغزى ديني. وقد أجاد الباحث العراقي الدكتور علاء الدين الظاهر حين كتب في مقال له بتاريخ الثاني من أكتوبر 2001 انه كان على بوش أن لا يعتذر عن عبارته، بل أن يحيل الناقدين إلى قاموس "وبستر" الذي يعطي لكلمة "صليبي " معنى زيادة الحماس والتصميم. وقاموس "المورد " العربي يعطي الكلمة معنى حملة عنيفة ضد مبدأ أو في سبيله. غير أن المتصيدين المتشنجين من الدعاة العرب والمسلمين [ومن اتجاهات مختلفة ] اختاروا عن عمد المعنى التاريخي الديني لتبرير حملة الكراهية ضد الهجوم العنيف الذي شنته الإدارة الأمريكية على شبكات إرهابية هدمت وقتلت الآلاف في كبريات مدنها. ورغم كل محاولات بوش لإدانة المتعصبين تجاه الإسلام وتقربه من الجاليات الإسلامية فإن تلك العبارة لا تزال تستخدم في نشر أسطورة محاربة الولايات المتحدة للإسلام، وهو ما يرد أيضا في البيان. إنهم يدينون أمريكا ويعتبرونها العدو الأول. ولكن ألم يذهب "المجاهدون" العرب لأفغانستان لقتال الروس في الثمانينات باتفاق مع أمريكا ؟ ألم تدع دول الخليج ومصر وسورية وغيرها الجيوش الأمريكية والأطلسية لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي؟ ألم يشترك العرب في تلك الحملة، حتى عندما تجاوزت الحرب نطاق تحرير الكويت إلى هدم بنانا التحتية؟ لقد كان الوجود العسكري الأمريكي قائما في منطقة الخليج منذ عقود، ولكنه تكثف وتقوى بعد غزو الكويت. فلماذا تناسي مسؤولية الغزو ؟! والسؤال العادل والمشروع هو: لماذا يحرمون على القوى الوطنية العراقية طلب العون الدولي لإنقاذ الشعب والوطن من المذلة والتدهور وفقدان السيادة والقمع الدموي الشرس، بعد أن خذله العرب حكاما وشعوبا؟ وعلى صعيد آخر يجوز السؤال عن أسباب تفضيل النخب العربية إرسال أبنائهم [ قبل 11 سبتمبر ] إلى جامعات إنجلترا والولايات المتحدة ؟ ولماذا تفضيل السياحة في لندن وحيث هناك أحياء كاملة لا ترى في شوارعها غير المتحجبات وأصحاب اللحى "الإسلامية " دون أن يعكّر صفوهم أحد؟ ونسأل مع الدكتور الظاهر نفسه : ترى هل يفضل المعتقل السياسي في الدول العربية والإسلامية محاكمته في بلده أم في لندن أو نيويورك أو السويد، وهذا السؤال موجه ليس للإسلاميين السلفيين وحدهم بل وأيضا للشيوعيين والقوميين وجميع من يشنون اليوم حملات إعلامية "صليبية" ضد الموقف الأمريكي الحازم من النظام العراقي. بل، وبصرف النظر عن عدم جواز شرعية اعتقال البرغوثي في سجون إسرائيل، ألم يتطوع عنه محامون عرب وفرنسيون ؟ألا يصول ويجول في المحكمة أمام عدسات التلفزيون الإسرائيلي في حين أن المعتقلين في العديد من بلداننا يعتقلون سرا ولا يعرف مصير الكثيرين منهم. وفي العراق، فإن عشرات الآلاف قد أبيدوا في حملات "الأنفال" في كردستان وفي قمع انتفاضة 1991، وفي المعتقلات والسجون. ولا تزال آلاف أخرى مجهولة المصير رغم إطلاق سراح جميع القتلة واللصوص ومغتصبي النساء والأطفال في تظاهرة تضليلية هللت لها بعض الصحف والأقلام والفضائيات العربية.
إن البلدان العربية تعيش مناخا فكريا وسياسيا مريضا، وقد تخلت الأكثرية العظمى من النخب الفكرية عن رسالتها التنويرية ما بين مسايرين للمستبد الحاكم أو للمستبد باسم الدين القادر على التخويف بتحريك الشارع تحت راية مكافحة الكفر أو الإباحية، وما بين مثقفين مشاركين نشيطين في الترويج لثقافة العنف والكراهية وفي مباركة عمليات الإرهاب وتمجيدها.
عنما وقعت هزيمة 5 حزيران 1967 هب مشايخنا والدعاة السائرون معهم للقول بان أسباب الهزيمة هي البعد عن الدين. لقد تناسوا أن طبيعة الأنظمة التي دخلت الحرب وعقليتها وأساليب حكمها المخابراتي، وتضليل دعايته هي السبب الحقيقي، وأن البداية هي في تغيير السياسة والثقافة وتحرير الفكر من القوالب الاستبدادية. وأصحاب بياننا العتيد يدعون الشعوب العربية إلى "العودة الصادقة إلى الله ـ تبارك وتعالى ـ ولزوم شرعه والتوبة النصوح من جميع الذنوب المعاصي الفردية والجماعية.. "فهل قد تخلت الشعوب العربية عن الإسلام لتعلن "التوبة "؟ أم كان المفترض بأصحاب البيان دعوة الشعوب لمحاربة الفساد والطغيان وللعمل من أجل حياة ديمقراطية برلمانية وضمان حقوق الإنسان وكرامته ؟ ولماذا تكون الدعوة لتغيير المناهج التعليمية في العديد من البلدان العربية والإسلامية دعوة لمحاربة الإسلام، مع أن مربين ومفكرين عربا ومسلمين مرموقين دعوا لذلك منذ عقود من السنين، بل منذ زمن الأفغاني ومحمد عبده وقاسم أمين وعبد الله النديم وشميّل وأحمد لطفي السيد وطه حسين وغيرهم من رموز النهضة الحديثة ؟ لماذا لا يجب أن تحذف من الكتب المدرسية دعوات تكفير غير المسلمين، والمفاهيم الدونية تجاه المرأة ؟ لماذا لا ندين عدم تدريس العلوم الإنسانية في عدد من الدول الإسلامية واستبعاد تدريس ابن رشد وابن خلدون وفولتير ودارون وغيرهم من الأعلام ؟
وأخيرا، فلابد من ملاحظة الفارق الجوهري بين هذا البيان وبين البيان الناصع والشجاع لمجموعة كبيرة من المثقفين الكويتيين قبل أسابيع داعين لنصرة الشعب العراقي للخلاص من نظامه معلنين كل التضامن معه. وكان بيانا يبرهن على مسؤولية عالية برغم كل ما عاناه شعب الكويت من المحن تحت الاحتلال العراقي. فهل إن العراق هو الشاغل الحقيقي للبيان الجديد المنادي بالويل والثبور، والمطلق لصرخة التخويف من تبديل النظام العراقي، أم إن بعض الأوساط العربية، من سياسيين ومثقفين ومشايخ قلقون من تداعيات قيام الديمقراطية في العراق واحتمال حدوث تحولات سياسية، واجتماعية، وثقافية، وتعليمية، وعلمية في المنطقة لصالح شعوبها وتقدم أوطانها كي تخرج من أقفاص التحجر وتحاول الخلاص من هذا الانهيار العام، حضاريا، واقتصاديا، وسياسيا؟؟
إن في بلدان الخليج وبقية البلدان العربية مجموعة من المثقفين المتنورين الشجعان، الذين أتمنى أن يزدادوا همة ونشاطا للمساهمة في عملية تنوير عربية عميقة، وأن يواصلوا دعم الشعب العراقي في نضاله العادل لرفع الظلم ولبناء غد أفضل له وللمنطقة وللأمن الدولي.
ماذا لو تظاهر الضحايا؟
( 11 مارس 2003 )
يتساءل الكثيرون من كتابنا: هل ترى كتب لشعب من الشعوب في عالم اليوم حظ كحظ الشعب العراقي؟! هل ارتفع الضجيج والصراخ وسارت المظاهرات الحاشدة، والتقت هذه المجموعة من المتناقضات البشرية والسياسية والثقافية حول قضية شعب وبلد، كما يجري اليوم حول العراق؟ لقد قام الأطلسي بشن حروبه لإنقاذ شعوب كوسوفو والبوسنة وسيرا ليون ودون تفويض من مجلس الأمن وبغير ضجة تذكر. ثم اشتعلت الحرب على نظام الطالبان وحليفها بن لادن دون أن نرى غير احتجاجات يسارية محدودة سرعان ما خمدت. ومن قبل، وفي أيام الحرب الباردة، غزت فيتنام كمبوديا لنجدة شعبها ولقي ذلك ترحيب وحماس اليسار بكل جنسياته. وما عدا خطر الإرهاب الدولي في الحالة الأفغانية، فإن حروب التدخل الأخرى تمت لا من أجل درء مخاطر أسلحة دمار شامل بل من أجل إنقاذ الشعوب من الحروب الداخلية والأنظمة الدموية ـ أي باسم المبادئ الإنسانية التي نص عليها الإعلان الدولي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة، وباسم العدالة التي لا سلام حقيقيا من دون ضمانه. وهذه الحقيقة لا تعني أن الأطراف التي بادرت للحروب المذكورة تصرفت من موقع أخلاقي وإنساني وغير أناني، أو لم تكن لها أهداف استراتيجية خاصة بها، ولكنها استخدمت عناوين إنسانية وأخلاقية تمثل شرعية هي أكبر وأقوى من شرعية قرارات مجلس الأمن، أي شرعية الكرامة والحرية والعدل وسائر القيم والمبادئ الإنسانية الواجب سريانها في كل مكان من كوكبنا. فمأساة شعب ما تخص البشرية لا سيما ونحن في عصر القرية الكونية. والشرعية لا تعني بالضرورة عدم التدخل وبشكل مطلق في شؤون هذه الدولة أو تلك، والسيادة لا تعني إطلاق أيدي نظام ما لتدمير بلده وإبادة أبناء شعبه وتهديد جيرانه. ومن أدلة ذلك وجود الفصل السابع في ميثاق الأمم المتحدة الذي يبيح التدخل بالقوة في حالات بعينها.
أما ما يجري حول قضيتنا اليوم فأغرب الغرائب : فمن معظم الإسلاميين، وإلى اليسار و أقصى اليسار الأوربيين، وإلى اليمين العنصري الفاشي، ومن النخب السياسية الحكومية والمعارضة، والنخب الثقافية ذات الحنين لماض راح، فملايين من الجماهير غير الواعية بالحقيقة، ترتفع صرخات احتجاج و تنتظم طوابير المظاهرات، وحيث تختلط هتافات للجنس، و" أين الفيزة يا شيراك؟ " مع شعارات " السلم في العراق " و" لا للحرب الأمريكية على العراق " ـ في حين أن ما يجري الإعداد له، وبترقب شعبي عراقي على أحر من الجمر، هو تحرك عسكري للإطاحة بالنظام الفاشي في العراق. فإذا كان بوش وبلير والأسبان هم في المقدمة من التحرك المقبل، فالحقيقة أنها ستكون حرب حلفهم مع العراق ومع شعب العراق وضد نظام صدام. فهو تحالف المصلحة مع اختلاف الدوافع بين تلك الدول والشعب العراقي. وبالنسبة للعراقيين فإنه تحالف لهدف قيام الديمقراطية وإلغاء العقوبات الاقتصادية وإعادة البناء، ومن أجل استكمال السيادة التي ضربتها مغامرات النظام. ونعرف جيدا أن الولايات المتحدة مسؤولة مسؤولية كبرى عن مآسي شعبنا بدعمها للنظام حتى أحداث 11 سبتمبر، مثلما تتحمل مسؤولية تشجيع التطرف الإسلامي في الثمانينات وتقوية تياراتها التي ظهر من بينها تيار التطرف الدموي الإرهابي الذي ضرب أمريكا نفسها في 11 سبتمبر. كما أن مسؤولية الولايات المتحدة في القضية الفلسطينية معروفة هي الأخرى. ومع كل ذلك، فإذا غيرت الولايات المتحدة اليوم استراتيجيتها واستبدلتها بمحاربة الإرهاب والأنظمة الفاشية ذات الارتباط بالإرهاب الدولي، وإذا وجدت أن من مصلحتها اليوم مكافحة ثقافات العنف والممارسات الشمولية، فلماذا نعارض ونغضب ونسجل المواقف المسرحية ؟!
إنه لمن المثير حقا والداعي للاستنكار الشديد أن ترتفع شعارات في الشوارع الغربية احتجاجا على الموقف الأمريكي الجديد من النظام العراقي، وأن يتحول شعار السلم إلى أداة في يد النظام الفاشي لإبعاد شبح الإزاحة عنه. وكم غريب ان يعتبر ساسة ومثقفون غربيون أن إثارة موضوع جرائم النظام علنا أمر مشبوه كما كتب مفكر هولندي لعراقيين وقعوا على مذكرة تطالب بترحيل النظام. وقد كتب منذ أيام الشاعر العراقي المعروف صادق الصائغ كلمة بليغة المعاني ونافذة للصميم من القضية. فقد علق على " المظاهرات المليونية " في الشوارع باسم السلم سائلا : كيف يمكن وضع السلام هذا في وجه العدالة، وترى ماذا سيحدث لو استيقظ المليون قتيل عراقي في حروب النظام الخارجية والداخلية، وفي حلبجة، والأنفال، وانتفاضة آذار، وفي حملات " تنظيف" السجون، و من النساء المقطوعة رؤوسهن في الشوارع العامة، ومن الأساتذة والطلبة وعلماء الدين، وغيرهم، ثم ساروا جميعا في مظاهرات متجاورة للمظاهرات الأولى وعلى شكل سهمين متعاكسين؟! ولو أضيف إليهم ضحايا إيران والكويت، ومئات الآلاف من المعوقين العراقيين والمليون عراقي الذين جرى تهجيرهم بأكثر الأساليب همجية ووحشية، وقوافل الأرامل والأيتام ؟ ولو دفعنا هذه الفنتازيا المأساوية لأبعد، فيجب أن نضيف جذوع الملايين من نخيل البصرة، ونحيب طيور الأهوار وبقية حيواناتها وقصبها، وأنين عشرات الآلاف من القرى المهدمة في كردستان. ولو سارت أمام الجميع تلك العجوز المهجرة قسرا و الوحيدة المنهكة التي افترستها الذئاب الجائعة داخل الحدود الإيرانية بعد أن تركها وحوش النظام مجردة من أهلها وأوراق هويتها وعليها أطمار ممزقة. فلنتصور ذلك المنظر السوريالي ونسأل ؛ ترى فكيف سيشعر المتظاهرون الغربيون، ونقصد الطيبين من ذوي النوايا الحسنة. وبالطبع لن نسأل عن شعور المتطرفين في إندونيسيا والمزايدين علينا من العرب و المسلمين! كما لا نسأل عن مشاعر شركات النفط الفرنسية وشركات التسلح المحرم الألمانية والساسة والإعلاميين الذين هم في خدمتها، والذين يقول لسان حالهم : " فليذهب الشعب العراقي ومعاناته فداء لمصالحنا ولموروثات أمراضنا الفكرية!"
لقد صارت القضية العراقية مجمع متناقضات المصالح والمنطلقات ما بين جماهير بريئة حسنة النوايا، وكواسر الجشع البترولي من الأوروبيين، ومحترفي الارتزاق التجاري القوماني، والارتزاق الصحفي والسياسي و صاعدا نازلا، بعد أن راح النظام ينثر منذ شهور عشرات الملايين من الدولارات على شراء المواقف و الذمم، [ خصوصا في أوروبا ] ؛ ثم التقاء كل هذه المصالح وهذه الأطراف بإيديولوجيات الإرهابيين الدوليين واليمينيين الفاشيين واليسار الأوروبي ـ وهم جميعا يلتقون على كراهية أمريكا [ طبعا من منطلقات ولغايات مختلفة تماما ]. وشاء حظ بلدنا الغني بالبترول أن يصبح عامل لقاء الجميع تحت راية نبيلة شريفة غالية، هي راية السلام، السلام المظلوم والمجني عليه، مادامت الحصيلة العملية هي لصالح بقاء النظام الذي دمر بلده وفتك بشعبه وهاجم جيرانه. أي حظ هذا! هل لأن أمريكا هي الطرف الآخر؟ أم لأن العراق غني بالبترول؟ أم لهذين السببين ولاعتبارات وحسابات أخرى يراد من شعبنا دفع الحساب عنها لصالح الآخرين وعلى حسابه وما يعنيه ذلك من استمرار مأساته أمام عدم مبالاة دول كبرى وقيادات أحزاب وتنظيمات وحشد من المثقفين؟
وهنا فلابد من التأكيد من جديد على حقيقة تقصير المعارضة العراقية في التوجه منذ البداية نحو الرأي العام الغربي بخاصة في خطاب مقنع ومعزز بالأدلة والوقائع والوثائق عن جرائم النظام التي لم يقترف أي نظام دكتاتوري آخر قائم عشر عشرها، وعلى أساس خطة إعلامية رشيدة وبموارد كافية. أجل : كيف نفسر عجز المعارضة الداعية لإزاحة النظام والتي ترحب علنا بالعون العسكري الأجنبي لتحقيق الهدف عن إخراج مظاهرات مشتركة كبرى لفضح وكشف الجرائم والانتهاكات؟ انظروا لنشاطات المعارضة في أوروبا. إن أكثر الاهتمامات العراقية في بلد كبريطانيا هي في المآتم والفواتح والأعراس و الندوات بين العراقيين أنفسهم وأمثالها من اللقاءات الاجتماعية للعراقيين. صحيح أن ذلك جزء من الواجبات والالتزامات. ولكن كم نكرس من الوقت والطاقة والإمكانيات لتوعية الرأي العام الشعبي الغربي؟ ولماذا لم يخرج مؤتمر المعارضة في لندن بقرارات لهذا الغرض مع تخصيص الموارد المالية والطاقات الفنية الضرورية للمهمة؟ ألم يصرف وقتا كبيرا للحل الخلافات حول الحصص والنسب ونسي الواجب في المزيد من شرح معاناة القضية العراقية؟ وهل ليس صحيحا أن اكثر الأصوات اليوم إثارة للمعاناة العراقية هي صوتا بلير وبوش؟ إن الجانب البارز البوم في قضيتنا بأوروبا هو جانب الأسلحة. ولكن هل تحل القضية على فرض إتلافها؟ هل يجب بقاء المعاناة والقمع الدموي وسياسات التطهير والتمييز والقتل الجماعية لمجرد حل قضية الأسلحة؟ وهل ليس النظام نفسه، وكما نشر العديد من كتابنا هو السلاح الأكثر تدميرا والموجه ضد الشعب العراقي، إضافة للأسلحة المحرمة التي استخدمت أيضا ضد الشعب كما وضد الجيران؟
إن هذه التساؤلات النقدية المرة توجه أولا لتلك الأطراف المعارضة ذات العوائد المالية الأكثر والتي تتلقى مساعدات يفترض تخصيص نصيب كبير منها للإعلام الخارجي.
وثمة من الساسة الإسلاميين والقومانيين من ينظمون الشعر الهزلي للسخرية العبثية مستشهدين بكوريا الشمالية التي " مرغت اأف أمريكا وانفردت بالعراق. " كما يثرثرون. فهل لا يعرف هؤلاء أن النظام هناك لم يستعمل أسلحة الدمار الشامل لا ضد شعبه ولا ضد جيرانه؟
ولعل الختام المناسب لهذه الكلمة ما يكتبه الصحفي الإنجليزي " جاسون بيرك " في جريدة " الأوبزرفر " لعدد 9 مارس الحالي. وهو قد زار العراق مرارا ولديه شهادات ميدانية كثيرة من هناك. فقد كتب التالي : "إن نزع التسلح لن ينهي التعذيب، والاغتصاب، و عمليات إخفاء [ الناس] والاغتيالات. إن تدمير أسلحة صدام لن يفكك نظامه الوحشي. ولكن القادر على ذلك هو العمل العسكري الذي يبدو اليوم مؤكدا خلال أسابيع.
" إن هناك سببا إنسانيا قويا للتدخل في العراق، كما كانت الحال في كوسوفو وسيرا ليون. ومن المخجل أن هذه الحقيقة الأساسية قد ضاعت خلال الجدل عن نزع السلاح. " ويؤكد الكاتب أن أمريكا لا تخوض هذه الحرب لا من أجل النفط ولا بدوافع إنسانية، وإنما بدافع من اعتباراتها الأمنية هي نفسها من بعد 11 سبتمبر، وحيث تقتضي السياسة الأمريكية الجديدة التصدي الحازم لكل خطر محتمل على الأمن الأمريكي المباشر، وقد وجد الشعب العراقي بالصدفة " داخل هذه الحسابات! كما يقول الكاتب.
لقد عنون الكاتب مقالته كما يلي :
" لماذا أعتبر هذه الحرب عادلة؟ "
فأي منصف وصاحب ضمير ممن يلمون بالوضع العراقي لا يمكنه الاتفاق مع السيد بيرك؟
عار اضطهاد المسيحيين في العراق!
( 2/8/2004 )
من وراء ضرب الكنائس في بغداد والموصل؟ أية وحوش بشرية من أهل الكهوف المتعفنة تقدم على هذه الجرائم التي لم نشهد مثلها طوال التاريخ العراقي الحديث؟ كانت هناك مأساة الآشوريين الدموية لعام 1933والتي اقترف فيها الجيش العراقي انتهاكات مروعة. ولكن تلك المأساة حدث فريد وكانت له ظروفه السياسية الخاصة. وبهذا الاستثناء فإن مسيحيي العراق عاشوا مع بقية سكان العراق في أخوة وصفاء.
لقد كتب منذ أيام الدكتور المؤرخ سيار الجميل مقالا رائعا عن أصول المسيحيين العراقيين ودورهم عبر تاريخ العراق. وقد خصصت في كتابي [ بغداد ذلك الزمان] الصادر عام 1999 فصلا خاصا لدور المسيحيين بمختلف مذاهبهم عبر تاريخ العراق. وقد كانت أكثرية سكان العراق قبل الفتح الإسلامي مسيحيين يستخدمون اللغة السريانية. ولعب المترجمون السريان في العهدين الأموي والعباسي دورا حاسما في نقل التراث اليوناني للعربية مما كان له تأثير هائل في بناء وإغناء الحضارة العباسية الزاهرة. وكان للمسيحيين في العراق حضورهم المتميز في أواخر عهد الاحتلال العثماني، ولعبوا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر دورا مهما ورائدا في فتح المدارس العصرية، وجلب المطابع، وفي المسرح والأدب.
أما في عهد الدولة العراقية الحديثة فقد شارك المسيحيون في مختلف التشكيلات الحكومية والبرلمانية والحياة الحزبية وفي ميادين الصحافة والثقافة والتعليم والترجمة واللغة والطب، فظهر العالم اللغوي الشهير الأب الكرملي والاقتصادي الوزير يوسف غنيمة وعبد المسيح وزير ويوسف سلمان فهد وميخائيل عواد وبشير فرنسيس وروفائيل بطي وانطون شماس وفيكتور عيساوي وعشرات آخرون من الباحثين والمؤرخين والتربويين والساسة. وكانت القوانين العراقية تسمح بتشكيل المجالس الروحية الخاصة للمسيحيين واليهود، ولهم حصص في عضوية المجلس النيابي ومجلس الأعيان.
مرة أخرى، من وراء الهجمة الشرسة على المسيحيين وضرب الكنائس وما الهدف؟
الحقيقة إن الظاهرة بدأت بعد أيام من سقوط النظام الفاشي؛ بدأت في بغداد بضرب محلات الخمور ومطاردة الطالبات ومنهن المسيحيات لإجبارهن على لبس الحجاب. أما في البصرة فالظاهرة تستشري منذ شهور وشهور أمام أنظار قوات التحالف والمسؤولين العراقيين منذ تشكيل مجلس الحكم. والمسؤولون عن هذه الانتهاكات معروفون وهم يجاهرون: إنهم عصابات مقتدى الصدر وشرائح واسعة من قوات بدر بالبصرة حيث يعيث الإيرانيون لعبا بالمدينة حتى وكأنها مدينة إيرانية. ولم نسمع عن حكم واحد صدر ضد هذه الجماعات المسلحة التي تنتهك القانون علنا وتتحدى السلطة علنا بل تتصرف وكأنها هي الحكومة باسم "حكم الشريعة". والمندائيون الصابئة يعانون من الهجمة الشرسة نفسها جنوب العراق. وقد وقفت القوات البريطانية في الجنوب موقف التساهل تجاه مد الجريمة الدينية الإسلاموية بحجة كونها "أمرا داخليا"! وفي بغداد وقف المستشارون الأمريكان لما قبل تشكيل الحكومة الحالية موقفا مماثلا في الجامعات حيث يستبيح المتعصبون الإسلاميون ولا سيما من أنصار الصدر حرمة الجامعات ويتدخلون في شؤونها. وقد حدثنا بالأمس سيار الجميل عن وقائع كهذه.
ولكن المتطرفين المسيسين من الشيعة وخصوصا الصدريين ليسوا وحدهم في هذا الميدان الظلامي الدموي. فمنذ عشية الحرب كان المتطرفون الوهابيون في الموصل يهددون جيرانهم من المسيحيين بالويل والثبور لو جاءت الحرب وسقط صدام. وكانت التسعينات قد شهدت مدا وهابيا وافدا بتشجيع من صدام وأجهزته في حربه المتعددة الجوانب على الشيعة وباسم الحملة الإيمانية الزائفة. ثم جاءت "الزفة" الدموية الهوجاء للزرقاوي لتقترف أبشع الجرائم وأكثرها وحشية ضد العراقيين والأجانب لغرض نشر الرعب ولابتزاز بعض الدول التي لها قوات أو شركات أو أعمال في العراق. واتخذ الزرقاوي من الفلوجة ثم سامراء مقرات لعصاباته المتسللة عبر الحدود السورية والإيرانية خاصة. وعلى الأيدي الجبانة لهذه الوحوش يتم الخطف وقطع الرقاب بمنتهى الخسة والسفالة والجبن. وبرغم أن الزرقاوي وهو من أكثر الفرع الوهابي تطرفا يكفر المذهب الشيعي وأهله فإنه وجد في مقتدى الصدر حليفا بلا كتابة اتفاق وعهود. وقد أعلن السيد مقتدى مرارا عن تمجيده لعمليات الإرهاب البشعة في الفلوجة. وبينما كان النطاق يكاد يخنق الإرهابيين هناك تحت الضربات الأمريكية، تعمد الصدريون فتح معارك ضد قوات التحالف في المدن الشيعية في غرض واضح هو إنقاذ الزرقاويين رغم كونهم أعداء المذهب؛ ولكن الدين والمذهب لا يلعبان هنا دورا مهما بل هو الغرض السياسي المشترك الموجه ضد العراق الجديد. وقد اتحد الفريقان في العراق معا واتحدت معهما فلول صدام المسلحة جيدا ومحترفو الجريمة المطلق سراحهم في تحالف دموي لتخريب العراق، ولكل مآربه ومشاربه! كما اتحد في المواقف في العالم مختلف أصحاب اليمين والشمال وجميع الأنظمة الإسلامية والقاعدة في رفض سقوط صدام وفي التحرك ضد العملية السياسية الجديدة. طبعا المنطلقات والأهداف مختلفة ولكن اللقاء وقع على أرض مشتركة هي الكراهية العمياء لأمريكا وكل ما هو أمريكي.
إن الحرب على المسيحيين جزء من الحرب على الشعب العراقي كله وعلى هدف بناء الديمقراطية. إنها تحد صارخ للحكومة العراقية معلنة لها: "أين انتم؟ ومن أنتم؟! نحن هنا..نحن السلطة.. نحن القانون.."! إنها حرب إيرانية ـ زرقاوية ـ صدامية في تحالف رأينا نتائجه الدامية منذ سقوط صدام. فماذا فعل المسؤولون يا ترى لوقف جرائم استباحة غير المسلمين؟! بل ماذا فعلوا لمعاقبة كل خارج على القانون باسم الشريعة والدين؟ وأي حكم صدر على واحد من المئات من الإرهابيين القتلة الأجانب الذين اعتقلوا متلبسين بالجريمة؟ ترى هل تشعر الحكومة فعلا بحجم الخطر وهل تدرك حقا أن الهم الأول والثاني والثالث للمواطن هو صيانة أمنه وحياة عائلته؟! ومهما كانت أهمية الزيارات الرسمية للدول العربية وعلاقة بعضها بالمسألة الأمنية فقد كان على كبار المسؤولين البقاء في العراق لمواجهة حرب القتلة الإرهابيين على شعبنا مواجهة حازمة وليل نهار وبلا هوادة ولا رحمة ولا عفو وبلا مصالحات مع القتلة أيا كانوا. وكنا نامل من الأخ الكريم رئيس الوزراء، وهو الماسك بجميع المسؤوليات الامنية ان يبقى في العراق ويرسل وفدا وزاريا محدود العدد لهذه الدول إن كانت ضرورية وليس أن يغيب ومعه حوالي نصف الحكومة بينما الإرهاب يتصاعد برغم ان قوات الشرطة وحدها تبدى بسالة وروح فداء ولكنها لا تزال غير كافية أبدا.
إن بصمات إيران وجيش المهدي واضحة في انتهاكات البصرة وأصابع الزرقاوي المجرم المحترف صارخة من وراء ضرب كنائس الموصل وبغاد في اتفاق واقعي وغن لم يكن اتفاق وعود وعهود!
يا أخي العزيز الدكتور علاوي: "اضرب بيد القانون، وبعدالة القانون، فترك القتلة في حرية ليست ديمقراطية، والضرب بيد القانون والعدل ليس دكتاتورية، وإن ما بين دكتاتورية صدام الغاشمة ودكتاتورية الظلامية الإسلاموية وفوضى الحرية هناك خيار [الديمقراطية القانونية] إن صح التعبير. إن احترام سيادة القانون جزء لا يتجزأ من كل نهج ديمقراطي. وأعرف أن حفظ الأمن يحتاج لخطة متكاملة: اقتصادية وسياسية وثقافية وإعلامية، ولكننا في وضع يعتبر فيه الحزم الأمني مفتاح الحلول. كما ألفت نظركم يا سيادة الأخ الكريم
رئيس الوزراء إلى أنكم تركتم الوزير الشجاع الشعلان وحيدا في الميدان والسهام توجه له كل يوم لا من إيران وحدها بل ومن مسؤولين داخل الحكومة وبمستوى كبير. ولعمري إن هذه لعجيبة أخرى في وضع اليوم: حكومة بأصوات مختلفة في مسألة أمنية حادة تتطلب تغليب الانتماء الوطني على كل انتماء حزبي أو مذهبي. ومن كان في الحكومة من يبررون التدخل الإيراني بالمغالطات فعليهم التنحي من المسؤولية حالا لان الوضع لا يحتمل أمثال هذه المهزلة".
إنني أخيرا أحيي مسيحيي العراق داخل الوطن وخارجه، وليملموا أن الصدر لا يمثل ضمير الشعب العراقي، وأن الزرقاوي ليس عراقيا بل هو مجرم دولي مطلوب للعدالة الدولية، وهو يتوهم أن بإمكانه تحويل العراق إلى إمارة تابعة للقاعدة كما كانت أفغانستان الطالبان. كما أدعو سائر القوى الوطنية العراقية وممثلي المجتمع المدني لرفع الصوت عاليا ضد الانتهاكات التي يتعرض لها المسيحيون، ومواصلة وتشديد مطالبة الحكومة باتخاذ الإجراءات القانونية الحازمة ضد المجرمين القتلة.
قراءة استشفافية لمؤتمر المعارضة في لندن
( 26 ديسمبر 2002)
أتفق مع الذين يعتبرون مؤتمر المعارضة الأخير ناجحا من حيث نتائجه وهاما بالنسبة لمسيرة القوى الوطنية الساعية لاستبدال الاستبداد والطغيان الشموليين بالديمقراطية البرلمانية، وبنظام حقوق الإنسان والحقوق الكاملة لمختلف مكونات شعبنا العراقي وألوانه. وفي الوقت نفسه فهناك العديد من الملاحظات الانتقادية التي ينبغي الإمعان فيها ودراستها بهدوء وموضوعية وتجرد. وأرى أن من بين أهم النتائج الإيجابية:
1 ـ الاتفاق العام، بعد مناقشات طويلة وحوار غير متشنج، على خيار النظام البرلماني والديمقراطي و الفدرالي، ورفض صيغة الحكم العسكري أو"الدولة الدينية"، وأمثالهما من صيغ الاستبداد والتسلط.
2 ـ تبني العمل من أجل سياسة خارجية وطنية مستقلة الإرادة، ترعى مصالح جيران العراق والأمن الدولي.
3 ـ الإقرار بحقوق المرأة ودورها ومكانها في الحياة العامة.
4ـ رفض جميع أشكال التمييز سواء كان عرقيا أو طائفيا أو دينيا.
5 ـ التأكيد على روح التسامح ونبذ منطق الثأر والانتقام واحترام سيادة القانون في محاسبة من سيحاسبون من كبار المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم التي تعرضت لها فئات الشعب المختلفة وعن المغامرات العسكرية التي أدت لخسائر جسيمة في الأرواح والمجتمع والاقتصاد.
6 ـ المطالبة بإلغاء التعويضات وإعادة النظر في موضوع الديون المطلوبة من العراق.
7 ـ المشاركة الواسعة لأطراف هامة في المعارضة من أحزاب وتجمعات وشخصيات مع اعتراف المؤتمرين بأن المشاركة لم تكن إجماعية لغياب أحزاب كالشيوعي و"الدعوة "، والإعلان أن الحوار مع هذه الأطراف مستمر. فالمؤتمر لم يزعم أنه يمثل كل القوى المعارضة للنظام والساعية للعراق الديمقراطي. وكان تركيب المؤتمر يعكس لحد كبير ما يتميز به المجتمع العراقي من تعددية الألوان. وهذا ما لا يفهمه وما لا يريد فهمه المثقفون والنخب السياسية والدينية العربية، التي تعودت على سيادة الاستبداد الوحداني واعتبرت التعددية العراقية خطرا ومثلبة كبرى وخطرا على عروبة العراق كما يزعمون.
8 ـ الحضور الدولي القوي بمشاركة مندوبين عن أربع دول من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن ومندوبي دول أخرى، و كثافة الحضور الإعلامي التي جعلت من القضية العراقية أكثر وضوحا وتعريف الرأي العام الدول بوجود معارضة عراقية وطنية قوية وواسعة، وبالعزلة التامة للنظام العراقي بين العراقيين داخلا وخارجا.
إن مجرد عقد المؤتمر بمشاركة واسعة والخروج بوثيقة سياسية ممتازة اعتمدت بعد المناقشة والمداولات بالوفاق العام وليس بالتصويت يبعث على التفاؤل في إمكان المعارضة تخطي الكثير من خلافاتها الداخلية السياسية في قضايا أساسية.
ولابد من الإشارة أيضا إلى أهمية الوثيقة الثانية عن مشروع المرحلة الانتقالية [ لسنتين ]، وأولا التأكيد على "كون الشعب مصدر السلطات"، وعلى سيادة العراق، وعلى تركيبة المجتمع من قوميتين رئيسيتين وقوميات أخرى [التركمان والآشوريون والكلدان وغيرهم ]. لكن الذي يستوقفني هنا ويحيرني هو زج المذاهب والدين وفقهائهما في قوام لجنة وضع الدستور، فهذا باب إن فتح فربما يقودنا لمطبات وتعقيدات فوق كل المشاكل الكبرى المعلقة.
إنه من الخطأ اعتبار المؤتمر قد لبى كل الشروط والمواصفات لتكون نتائجه الإيجابية مستوفية، سواء من حيث أداء اللجنة التحضيرية، أو نصوص الوثيقة السياسية، أو معايير انتقاء المشاركين في المؤتمر وفي اللجنة المنبثقة عنه وقبله اللجنة التحضيرية نفسها. فثمة عدد من المسائل والإشكاليات الواجب التوقف عندها.
الوثيقة السياسية:
ـ القضية الطائفية:
كان البيان على كل الحق في التأكيد على ما لاقاه مختلف القوميات والمذاهب من اضطهاد وتمييز وبالأخص الشيعة والقوميات غير العربية. إن التمييز والاضطهاد لم تنج منهما أية فئة سكانية على اختلاف العروق والأديان والمذاهب. وورث العراق الحديث ميراثا من التمييز ضد الشيعة من العهود العثمانية كان يتمثل في قانون الجنسية والدستور وينعكس في دخول الكليات العسكرية وتبوأ المناصب والرتب الهامة في الجيش والشرطة وفي المراكز الحكومية الحساسة. وقد حاول فيصل الأول تقديم النخب الشيعية للمناصب الهامة ولكن العمر لم يسعفه لمواصلة تخفيف الظلم الواقع على أبناء الشيعة. ومع مرور الزمن تبوأ من الشيعة شخصيات مراكز مهمة منها منصب رئيس وزراء [ صالح جبر ومحمد الصدر ]. ولم تتعرض المؤسسات الدينية الشيعية لاضطهاد حسب ما أذكر. وتميز عهد عبد الكريم بالتسامح الديني والمذهبي رغم أنه لم يفلح في تغيير القانون التمييزي للجنسية العراقية. والحقيقة أن التمييز والاضطهاد الحقيقيين للشيعة واتخاذهما نهجا للحكام هو ما يتميز بهما النظام القائم، وخصوصا منذ مقتل الإمام الصدر وحملات تهجير الأكراد الفيليين. وتصاعد النهج الطائفي للنظام بعد انتفاضة 1991، من عمليات قمع دموي بالجملة إلى هدم وتدمير المساجد والمكتبات وقتل وسجن علماء الدين، وصدور مقالات تشهر بالشيعة وترميهم بأشنع قذف وشتيمة، ومنها ما كتبته جريدة بابل قبل شهور.
هذا وأكثر منه كله صحيح، ولكن صحيح أيضا أن بقية مكونات العراق ولاسيما الكرد تعرضت لاضطهاد شرس ولحملات إبادة مستمرة. وهذا ما تؤكده الوثيقة في أكثر من مكان. غير أن التوقف مطولا عند قضية اضطهاد الشيعة والتأكيد على كونهم "الأغلبية " من العراقيين وبالصيغ الواردة، ناهيكم عما قيل عن طبيعة التمثيل [ نسب دينية ] ليس مما لا يثير بعض المخاوف والحساسيات بين بقية العراقيين المسلمين وعند الجيران العرب. وعلى صعيد آخر، فلا يمكن لأي حزب سياسي أو مجلس شيعي ادعاء حق تمثيل جميع الشيعة العراقيين. فالشيعة الذين اشتغلوا في النشاط السياسي هم من ألوان سياسية مختلفة. فالحزب الشيوعي مثلا ضم المئات من الكوادر القيادية والأعضاء المنحدرين من عائلات شيعية. وكان الحزب الوطني لجعفر أبي التمن يضم زعماء سياسيين من السنة. وحزب الاستقلال القومي كان خليطا سنيا ـ شيعيا. وكذلك حزب الوطني الديمقراطي والحزب الجمهوري وغيرهما. وحزب البعث نفسه ضم في عهوده الأولى قيادات وكوادر من أبناء الشيعة.
إن ما قد تثيره جمل وصيغ معينة في الوثيقة، فضلا عن طبيعة تمثيل المؤتمرين واللجنة المنبثقة عنه، يجب أن يصار لرفع بعض الالتباس الذي قد تثيره. وهذا مطلوب أولا من الأطراف التي جرى تمثيلها كممثلين للشيعة في العراق. كما أن أفضل طرق التمثيل في التحالفات السياسية هي طريقة التمثيل بين أحزاب وتجمعات سياسية لا يدعي أي منها احتكار تمثيله للعرب الشيعة او السنة في العراق. أما الكرد، والتركمان، والآشوريون فإن قضيتهم تختلف لأنهم ممثلون في أحزاب تمثل القوميات العراقية من غير الأكثرية العربية.
لقد دقت طبول الدعايات الصحفية العربية منذ شهور تثير المخاوف مما بعد سقوط النظام مدعية أن العراق سيكون تحت "طغيان وهيمنة الأغلبية الشيعية"، وأن الأكراد سينفصلون. إن حملات التشويش المستمرة هذه تستدعى مرونة أكثر من الأحزاب الإسلامية الشيعية ونبذ جميع صيغ الاحتكار والوصاية.
2 ـ المسألة الدينية أو علاقة الدولة بالدين:
وردت في الوثيقة صيغ فضفاضة يمكن أن تفسر بطرق مختلفة. إن الأخذ بالطريق الديمقراطي والبرلماني الانتخابي، وفصل السلطات، يعنيان بالضرورة وجوب فصل المؤسسة السياسية الحاكمة عن المؤسسات الدينية بما في ذلك عدم فسح المجال لعلماء الدين في وضع الدستور مؤقتا كان أو دائما. إن فصل الدين عن الدولة لا يعني أبدا عدم احترام الدين والاهتمام به، ولكنه يعني تجنب مخاطر المحاولات لإقحام الدين بسياسات الدولة او فرض وصاية علماء الدين على الثقافة والتعليم والحياة الاجتماعية. إن تجارب "الدولة الدينية "في العالمين العربي والإسلامي تكشف وتدل على حلول الاستبداد الديني محل الاستبداد السياسي الذي يزاح. ولذلك فلابد من إيضاحات كافية من القوى المعارضة لهذه القضية، التي أقر بأنها شائكة ولكن ينبغي معالجتها بشجاعة، لتجنب الوقوع في مطبات الحلول الدينية للمجتمع. وقد كان حريا بالمؤتمرين التركيز على لائحة حقوق الإنسان عند وضع الدستور الجديد بدلا من صيغ قد يفسرها البعض بأن المؤسسات الدينية هي المخولة بوضع الدستور القادم. فلا للاستبداد السياسي ولا للاستبداد الديني أيا كانت صيغ وأشكال كليهما.
3 ـ المسألة الفدرالية:
إن هناك شبه اتفاق عام بين القوى الوطنية المشاركة في المؤتمر وغير المشاركة على كون الفدرالية حلا ديمقراطيا مناسبا للقضية الكردية، وانها لا تضعف كيان الدولة العراقية بل على العكس تعززه لانها ترسخ الاخوة العربية ـ الكردية على اسس رصينة من الاتحاد الاختياري. والأكراد يستقرون أساسا في كردستان العراق التي هي إقليم جغرافي واحد. وفي داخل الإقليم يمثل الأكراد أكثرية السكان. ويسكن معهم التركمان والآشوريون الذين لهم خصائصهم القومية واللغوية والثقافية المتميزة. وقبل حملات التعريب الحكومية كانت هاتان القوميتان تستقران في مختلف نواحي كردستان وتستقران بكثافة خاصة في مدن وقرى بعينها. وهذا مما يستدعي الاعتراف بحقوقهم القومية والإدارية، وهي ما اعترفت بها الوثيقة. أما الصيغ القانونية والعملية للفدرالية في العراق الديمقراطي فمسألة متروكة للحكم والبرلمان القادمين وللدستور الذي سوف يعتمد، علما بأن هناك جهدا إضافيا ينبغي على إخواننا القادة الأكراد بذله مع بعض القوى القومية العراقية غير المقتنعة بالحل الفدرالي. غير أن ما لفت نظري وليس واضحا في الوثيقة اعتبارها الفدرالية صالحة "لكل العراق "رغم أن تركيز الوثيقة جرى على التقييم الإيجابي للتجربة الكردستانية.
إن الفدرالية في كردستان حل صحيح لأن كردستان إقليم جغرافي واحد تسكنه قوميات غير عربية وبأغلبية كردية. فحالهم ليس كحال الكرد في الوسط والجنوب. ولو كان الكرد العراقيون مبعثرين مكانا بعثرة سكانية على نطاق العراق كله لما كانت الفدرالية هي الحل المطلوب. فهل يعني واضعو الوثيقة أن العراق كله يجب أن يتوزع إلى ولايات كما كانت الحال في العهد العثماني؟ ولكن على أية أسس يراد لبقية أجزاء العراق [غير كردستان] ممارسة الفدراليات يا ترى ؟ أم المقصود هو الأخذ باللامركزية الإدارية الواسعة لحل المشاكل الخاصة بسكان مختلف المناطق ؟ فإن كان هذا هو المقصود فإن اللامركزية الواسعة ستكون ضرورية لإدارة العراق ن ولتخفيف العبء على الحكم المركزي القادم وانصرافه للشؤون الكبرى للعراق كله. لابد ـ في رأيي ـ من توضيحات وتدقيق لهذه القضية الهامة. إن المركزية العراقية المفرطة والمبالغ فيها يجب البحث عن أفضل الصيغ لحلها بما يعزز الوحدة الوطنية والمشاركة السكانية في قرارات الدولة.
4 ـ الدعم الأمريكي:
يعرف كل المشاركين في المؤتمر والقوى الأخرى أن إسقاط النظام لا يتم من غير القوة العسكرية الأمريكية نظرا لعدم قدرة القوى الوطنية لوحدها على ذلك. وسبق لي ولكتاب آخرين بحث هذا الموضوع مرارا وتكرارا. وذكرنا كيفية انهيار النازية والفاشية الإيطالية واليابانية، وأمثلة البوسنة وكوسوفو وأفغانستان وغيرها. نعلم أن هناك من النخب العربية من يدينون التعاون مع الأمريكان الذين تتفق اليوم مصلحتنا معهم في قضية إزاحة النظام. فلماذا لا نستفيد من هذا العامل المواتي جدا والاستثنائي؟ وكل الدلائل تشير إلى ان العزم الأمريكي أكيد. فهل تنأى القوى المعارضة للنظام عن العملية فتصبح صفرا، أم تدخلها بقوة من خلال التنسيق مع الإدارة الأمريكية من مواقع وطنية مستقلة ولصالح البناء الديمقراطي لعراق الغد ؟ أجل ثمة من يرون أن بقاء ميلوسوفيتش العنصري الدموي كان أفضل من الأوضاع الديمقراطية بعد سقوطه، وأن الرئيس الأفغاني مجرد "'عميل " و"لعبة "، وكأن الطاغية الدموي الجاهل الملا عمر لم يكن سفاح شعبه، ولم يكن أداة في قبضة شبكات إرهابية أجنبية مستوردة تصدر القتل والدمار باسم الإسلام لكل العالم..
إن هؤلاء باستماتتهم لإدانة العمل لإسقاط النظام ولو بالدعم العسكري الأمريكي لا يخدمون غير استمرار نظام القهر الشمولي. ولكن الاتهامات والعقد السياسية السابقة لا ينبغي أن تجعل المعارضة مترددة او محرجة في الإعلان الصريح عن أن مصلحة شعبنا تقتضي في هذه المرحلة الحوار والاتفاق مع الإدارة الأمريكية على أسس سليمة: وطنيا لصالح السيادة العراقية ووحدة الأراضي العراقية، وديمقراطيا من أجل الديمقراطية البرلمانية التعددية. وقد أكد المؤتمرون على هذه الأسس. ولكن أطرافا من التي تحاور أمريكا فعلا لا تزال شبه خجولة [إن صح التعبير] في الإعلان بأن ما تقصده من "الوضع الدولي المناسب" هو الموقف الأمريكي أولا. وإنه لمن مجرد المزايدة والعبث كل حديث عن "الدعم العربي" غير الموجود بل إن الموجود هو دعم عربي للنظام بكل السبل، مع بعض الاستثناء.
يقول عبد الرحمن الراشد في مقالته ليوم 15 ديسمبر:"أما الذين يعيرون المعارضة العراقية بتحالفاتها الخارجية وركوبها ظهر دبابات أمريكية فعليهم أن يتذكروا أولا أن التاريخ ليس في صفهم، وثانيا أن الوضع الدولي اليوم أيضا لن يكون إلى جانبهم. وليس مؤتمر لندن الكبير الذي ضم معظم فصائل المعارضة إلا رسالة سياسية بهذا المعنى للجميع، ان التغيير قادم، وان المعارضة شريكة فيه، وان على المنطقة أن تستعد للآتي. أما المعارضة فإنها تكابر إذا كانت هي الأخرى تتصور أنها جاءت منتصرة لوحدها، لأنه، كما نعرف، جاءت سندا للتغيير المفروض من الأجنبي. وهذا لا يلغي وطنيتها ومشروعية مطالبها. إن ما يمكن أن يلغيها غدا هو انغماسها في صراعاتها، وإقصاء الآخرين، مما يعني مستقبلا نقل الصراع إلى داخل الأرض "المحررة ".. " [الشرق الأوسط]
إن الاعتماد على حرب أمريكية مرجحة جدا لإسقاط النظام هو أصعب خيار يمكن أن يقبل به وطنيون ناضلوا طويلا ضد المظالم والسياسات الامريكية في العراق وفلسطين وغيرهما. كما أن كل حرب شر مستطير له ضحاياه قد يكون بينهم أهل وأقرباء وأصدقاء وناس آخرون طيبون وأبرياء. ولكن ما العمل إن كانت الحرب واقعة وسبل التحول في العراق بالقوى الذاتية وحدها مستحيلة ؟ ولماذا لا نفكر في عدد ومآسي ضحايا النظام في حربي الخليج وفي حملات الأنفال وحلبجة والاهوار والبصرة والناصرية والنجف وبغداد وكل العراق ؟ولماذا يجب إغماض العين ان استمرار النظام يعني استمرار مخاطر حروب وحملات إبادة جديدة يكون ضحاياها أضعاف حرب مسنودة بحركة انتفاضية شعبية محتملة جدا ؟ إن خشية بعض الوطنيين من اتهامات أمس بالعمالة والخيانة تشلهم عن اتخاذ الموقف الواقعي الوحيد رغم أنني شخصيا أعرف من هؤلاء من يصارحونك بانه لا حل آخر وبأنهم سيهللون لسقوط النظام حتى ولو كان بالسلاح الأمريكي.
5 ـ المشاركة وإشكالية تمثيل المستقلين:
لعل من الأخطاء الكبيرة طريقة تشكيل اللجنة التحضيرية وأساليب عملها غير الديمقراطية في انتقاء المؤتمرين ورفض آخرين. ولعل المعضلة الكبرى هنا قضية المستقلين. ومعلوم أنه قد نشأت في العقد الأخير، و لأسباب ليس هنا مجال معالجتها، شريحة واسعة من السياسيين والمثقفين المشغولين بالقضايا السياسية من خارج نطاق الأحزاب والتجمعات السياسية القائمة حاليا، ويمكن تسميتهم بالمستقلين اللبراليين. إن عدد هؤلاء كبير ومنهم الأكفاء و النشيطين بامتياز. المعضلة أنه لا يوجد اليوم تجمع مشترك للمستقلين يضم النشيطين السياسيين من خارج الأحزاب والتجمعات القريبة منها فكرا. ولو كان مثل هذا التجمع اللبرالي المنظم موجودا لكان قد فرض نفسه في ساحة المعارضة كقوة معترف بها، ولكان بمقدوره أن يختار قائمة مصغرة من الأسماء يرشحها لعضوية كل من اللجنة التحضيرية و المؤتمر ولجنة المتابعة والتنسيق المنبثقة عنه. ونعرف أيضا أن مثقفينا، ولله الحمد، لا يقلون عن الأحزاب تنافسا وتدافعا، بل ربما كانت الحساسيات والمنافسات بينهم أكثر انتشارا وحدّة ! ومع ذلك كله فثمة أسماء كان يمكن أن يتم حولها شبه اتفاق لتمثيل المستقلين الذين قد يلعب بعضهم دورا لا يقل عن دور بعض التنظيمات والحركات الممثلة في اللجنتين أو خارج المؤتمر. وكان بمقدور هؤلاء إفادة [الستة] بخبرتهم وآرائهم حتى ولو بصفة مراقبين على الأقل. و المأمول أن يبحث [الستة ] واللجنة الجديدة هذا الموضوع بحثا جديا ومتعمقا لمعالجة الإشكال، وتوسيع لجنة الاتصال على هذه الأسس. والأخطر في الأخطاء توزيع المقاعد في لجنة المتابعة بموجب معايير كان الانتماء الديني يهيمن عليها، بدلا من اتخاذ المعايير السياسية قبل أي معيار آخر، دون إسقاط عوامل أخرى.
ومن جهة أخرى تردد أن بعض الأطراف القيادية أبدت تصلبا غريبا في قضية التمثيل والحصص بعكس أطراف أخرى[ الطرف الكردي الموحد خاصة ] أبدت مرونة وانفتاحا على الآخرين. ومادمنا نعرف أن لجنة المتابعة ليست حكومة الغد ولا البرلمان القادم المنتخب من الشعب، وأن المفترض في المستقبل إجراء الانتخابات النيابية، فلماذا التشبث الجامد بالنسب والحصص ؟ علما بان الانتخابات القادمة هي التي ستقرر نسب شعبية و تمثيل كل طرف وكل حزب من المشاركين وغير المشاركين في المؤتمر، كما أن مختلف مناطق العراق سوف تمثل في أي برلمان قادم. وهنا نقطة يثيرها أمير طاهري في مقالاته المتعمقة عن المؤتمر، وهي أي نظام انتخابي سوف يتم اختياره: النظام البريطاني أو الألماني مثلا. فنسب تمثيل المناطق ومكونات المجتمع ستختلف بين نظام ونظام [انظر مير طاهري في الشرق الأوسط، عدد 14 ديسمبر ]. إن تصلب اليوم من بعض الأحزاب لا يبعث على الاطمئنان بل ويثير بعض قلقي بالنسبة لآفاق المستقبل. وآمل أن لا نكون بعد تغيير النظام في حاجة للطرف الأمريكي مرة أخرى للمساعدة في حل بعض المشاكل الداخلية بين القوى الوطنية [إن وقعت ـ لا سمح الله ]!! وقد بلغني من أحد المشاركين أن مراقبا غربياً صارحه قائلا: "المدهش أنكم اتفقتم علي القضايا السياسية الكبرى بالاتفاق العام واختلفتم بشدة حول توزيع النسب !" فقد ترك ذلك الاختلاف انطباعات سلبية مؤلمة عن مدى تمسك بعض الأطراف الوطنية بروح الديمقراطية والتعددية.
وبعد هذه الملاحظات وغيرها مما قرأت وسمعت، فإنني آمل أن لا يندفع بعض المثقفين والساسة المستقلين والمحسوبين على المعارضة، من النقد البناء مهما كان صارما [وهو مطلوب وواجب] إلى التجريح والاستهانة بالمؤتمر ونتائجه لمجرد وقوع أخطاء غير قليلة في الانتقاء والتمثيل. والمفترض أنهم يقدرون مدى غيظ وحميا النخب السياسية والثقافية والدينية العربية في التهجم الوقح على المعارضة والتشنيع بالمؤتمر في ما يشبه الهستيريا الجماعية. وأفترض أن كلا منا سيضع المصلحة العامة قبل أية حساسية ومرارة شخصيتين دون أن يعني ذلك تجنب النقد وإبداء الملاحظة والاقتراح. والمؤسف أن أكثر مقالات وتصريحات النقد العراقية تخص المشاركة والتمثيل ولا تكاد تناقش القضايا السياسية الكبرى. أما بعض ما تنشره جريدة "المؤتمر " نفسها فلا يكاد يخرج عن إطار التسفيه والتشنيع وعرض الأمور وكأنما من قاطعوا المؤتمر هم وحدهم المعارضة الوطنية الحقيقية، علما، ومن حسن الحظ، فان قادة مؤتمر لندن لم يدعوا احتكارا لتمثيل المعارضة التي تضم أطرافا أخرى أيضا.
إنه، وبرغم كل التحفظات المبررة، من الموضوعية القول بأن مجرد عقد المؤتمر في الظروف الصعبة والتوصل بالاتفاق إلى نتائجه، يمكن اعتباره لوحده نجاحا نفرح له ونستبشر. ومن واجب المثقفين المستقلين المساهمة في تعزيز هذا النجاح بالتأييد والنقد الضروري معا. وإذا كان أحد العشائريين قد نشر في جريدة المؤتمر [ الغريب أن يجري نشر كل ما كان يشكك ويجرح !؟] مقال تهديد بالقوة للأطراف الستة لأن عشيرته وحلفاءها استبعدوا، فإنني متأكد من أي مثقف عراقي واع لن يقف موقفا مماثلا، أولا يلجأ لما فعله مؤخرا زعيم قبيلة أفغانية بقيامه بمحاولات انتحارية لعدم تمثيل قبيلته. إن الدنيا بخير ونحن لا نزال في البداية، وإن مراقبين منصفين من العرب وغير العرب يثمنون أهمية المؤتمر. فمثلا يقول الأستاذ عبد الرحمن الراشد: "ليس مستبعدا أن يفاجيء المعارضون العراقيون العالم بقدرتهم على نظام حكم يعملون من خلاله بانسجام وسلام، ومحتفظين في الوقت ذاته بالتناقض والاختلاف تحت قبة الحكم الواسعة ". ويكتب أمير طاهري: "إن النضال من أجل العراق لم ينته بعد، لكن بالتأكيد إن مؤتمر لندن جعل تمسك النظام العراقي الحالي بالسلطة مهمة صعبة للغاية."
إن مشاكل العراق المستقبلية ضخمة ومعقدة ومتشابكة، وإن مجرد إزاحة النظام ستكون البداية لعملية بناء المؤسسات الديمقراطية وإعادة بناء المجتمع المدني، وخصوصا لمعالجة الخلل الكبير جدا والتخلخل في العلاقات الاجتماعية واستفحال الولاءات الصغيرة من عائلية، وطائفية، وعرقية، وعشائرية، وحزبية، و مناطقية. ولعل العراق سيحتاج لسنوات عديدة لترميم اقتصاده وإعادة تكوين المجتمع. ستكون عملية طويلة وسيكون لكل مواطن مخلص ولكل وطني، حزبيا كان أو مستقلا او بعيدا عن السياسة، دوره في الحياة العامة بكل فروعها. فلنفكر في المستقبل القادم وواجبات كل منا وليكتم بعضنا ما يشعر به من مرارة شخصية مشروعة.
التاسع من نيسان يوم التحرير وعيد العراق
( 09 أبريل 2004 )
1 ـ الخلاص من الجحيم وشرعية الحرب :
كان اليوم تاريخيا بكل معاني الكلمة. كان "عرس العراق" وصبح الأصباح" كما يورد الباحث المتميز رشيد الخيون في إيلاف ناقلا عن التاريخ يوم موت الحجاج. ولكن حجاج العوجة اقترف من الآثام والجرائم مئات المرات أكثر من حجاج الأمويين، وانتهك كل الأعراف الاجتماعية والأخلاقية بينما كان لانتهاكات الحجاج حدود. "كبرت الاحزان، وعطل البلاء المخيلة وخصوبة الأرض، وأهل الرافدين بين منفيين ومقتولين وصامتين على الكراهة بين سنة وأخرى ألعن من سابقتها، طوال أربعمائة وعشرين شهرا، كل يوم منها مما يعدون؛ ألا يُترك العراقيون للاحتفال بنهاية سلطة رقطاء بعد الخلاص من أسوأ سيئات الدهور والدول؟" [رشيد الخيون في إيلاف تاريخ 7 أبريل].
كانت الحرب على نظام صدام شرعية وقانونية لكونها كانت عادلة وتنطبق على ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وتطبيقا متأخرا لسلسة قرارات مجلس الأمن بعد نهاية حرب الكويت. كانت حربا أنقذت شعبا بكامله من جحيم التعسف الدموي والموت الجماعي ومقابره. وليس عدم العثور على أسلحة الدمار الشامل دليلا على عدم الشرعية. إن هذه الأسلحة كانت موجودة واستعمل بعضها ضد الشعب العراقي نفسه، وعندما هرب حسين كامل للأردن اعترف بوجود أسلحة جرثومية فسارعت حكومة صدام لأخذ فرق التفتيش لمزرعة فيها براميل من تلك الأسلحة زاعمين عدم الاطلاع عليها وأن المسؤول هو حسين كامل وحده. وكانت الأسلحة وبرامجها موجودة بدليل القرارات المتتالية الصادرة عن مجلس الأمن حول تلك الأسلحة بالذات وإدانة حكم صدام على المراوغة والتلاعب والتهرب. ولكن أكثر أسلحة الإبادة فتكا استخدمت ضد العراقيين بملايينهم، وهي أسلحة القتل والتعذيب وثرم الأجساد وانتهاك الأعراض. وهل أسلحة الدمار الشامل بالعرق الدولي تفعل أكثر من أن تبيد حوالي المليونين من البشر كما فعل صدام مع العراقيين بأسلحة "تقليدية"؟!
من أراد الحرب من الوطنيين العراقيين والجماهير؟ ولكن الأكثرية رحبوا بها عندما تأكدوا أن صنم الطغيان سوف يسقط هذه المرة، وأن الأمريكان جادون وقد تخلوا بفعل 11 سبتمبر عن أوهام سياسة "احتواء صدام" التي كانت وبالا على الشعب العراقي وخطرا على أمنهم وأمن العالم كله. ومن يرضى بالاحتلال كما يقول بريمر، حين يؤكد أن كل شعب يرفض الاحتلال. ولكن دخول قوات أجنبية مؤقتا لتحطيم الطغيان الفاشي عندما تعجز قوى الشعب وحدها هو "الشر الذي لابد منه" مادام يمثل الخير نفسه للعراق وجيرانه والأمن الدولي. وهل تحرر الفرنسيون والألمان واليابانيون إلا بفضل القوات الأجنبية فاعتبرت قوات تحرير؟
يوم أسقط العراقيون والجنود الأمريكان معا الصنم الفاشي انزاح كابوس الخوف والرعب وهبت نسمات الحرية بعد حرمان ثلاثة عقود من السنين بكل قسوتها غير المعهودة، وحصل العراقيون على حريات لا يتمتع بعشرها بل وبعشر عشرها سائر دول جامعة عمرو موسى. انزاح كابوس الرعب الذي كان يجعل أبناء العائلة الواحدة يخاف وشاية بعضهم ببعض وإذ كان الأب يقتل ابنه طمعا في جائزة، وإذ يخطف البشر من منازلهم وأماكن عملهم دون أن يعرف عنهم خبر فيما تبتلعهم الزنزانات وسجون تحت الأرض وبعدئذ المقابر الجماعية. ويأثم أي عراقي يحاول التستر على ذلك الماضي الرهيب القريب، أو أن يتاجر سياسيا وفئويا بحجة أن عائلته أو طائفته او قوميته كانوا وحدهم ضحايا او الأكثر معاناة.
إن معارضي الحرب من بعض الدول الكبرى واليسار الأوربي المصابين بالعقدة الأمريكية ومن العرب لا يفسرون سر دعم الحرب في البوسنة وكوسوفو وسيراليون مع أن موضوع الأسلحة لم يكن واردا! ورغم أنه لم يكن هناك قرار دولي بالحرب في أفغانستان، فإن الدول الكبيرة المعترضة على حرب تحرير العراق ساندت أو شاركت في العملية العسكرية ولحد اليوم. ولكن العراق بالنسبة لهم مسألة أخرى حيث كان صدام يتخم الدول المعترضة بالعقود النفطية والتجارية، ويقيد العراق بالديون معها، ويرشو شركاتها والكثيرين من ساستها ورجال الإعلام فيها على حساب مأساة الشعب العراقي وفقره وترويعه.
2 ـ الخطر الأمني:
عام على ذلك "العرس" العراقي الذي تواصل دول إقليمية وأعوان صدام والقاعديون والمتطرفون الدينيون العراقيون محاولة تحويله لمآتم وجحيم جديد. أجل إن الأمن لا يزال مهددا، وخوف الناس يعود بصيغ أخرى ولأسباب أخرى: الخوف من التفجير وعمليات القتل والدمار المفاجئة؛ خوف النساء من قبضات الإسلاميين والغوغائيين التابعين لهم في الطرقات والجامعات والذين يفرضون الحجاب ويريدون جعل المرأة في حال أسوا من نساء أفغانستان في عهد الطالبان. ولا يزال حوالي 80 بالمائة من العراقيين ووفق الاستطلاعات الأمينة تعتبر المشكلة الأمنية هي قضيتهم الأولى، ومؤكد أن المصادمات التي افتعلها مقتدى الصدر وبرابرة الفلوجة قد زادت من الهم الأمني للمواطنين.
دخلت أمريكا الحرب من غير خطة أمنية متكاملة مما أفسح المجال منذ الأيام الأولى لأعمال النهب التي شارك فيها بنشاط شقاوات مدينة الثورة [ الصدر] والبعثيون. وكانت سياسة وإجراءات التحالف حتى الأحداث الأخيرة في منتهى الرقة واللطف مع المجرمين،[اعتقال فإطلاق سراح بحجة قلة الأدلة بدل المحاكمة]، وألغوا عقوبة الإعدام التي لا تزال قائمة في أمريكا نفسها.
أجل إن خطر الإرهابيين الزرقاويين والصدريين والصداميين كبير وهو مسلط على أمن العراقيين. كما أن التدخل المتزايد لرجال الدين في الشؤون السياسية وتفاصيلها وفي خصوصيات الناس يهدد حرية العراقي ويعرقل التقدم نحو الديمقراطية. ولكن "هناك ما هو أجمل في العراق" كما يقول مشاري الذايدي في مقاله بالشرق الأوسط عدد 7 نيسان الجاري.
إن صحيح الوضع العراقي ليس ما تورده فضائيات العربية والجزيرة والصحف المغرضة في أوروبا وبلاد العرب. فهناك أوسع الحريات الصحفية والحزبية التي تحتاج لضوابط قانونية محكمة؛ وهناك التحسن الملموس للمستوى المعيشي للموظفين، وارتفاع القوة الشرائية للعراقيين باستمرار مع ارتفاع المرتبات وتوفير السلع؛ وهناك تشكيل مجلس الحكم برغم كل تحفظاتي على معايير عضويته على أساس نظام الحصص؛ وهناك على الخصوص صدور الدستور المؤقت رغم تآمر بعض الموقعين عليه وبعض المرجعيات الدينية لإلغائه. وكان عبد الخالق حسين قد لخص في مقالته المعنونة" مراجعة بعد عام على حرب تحرير العراق" ما تم تحقيقه من منجزات في مختلف المجالات، فيرجى العودة لإيلاف عدد 7 الجاري. ويلخص لنا زهير المخ في عدد الشرق الأوسط تاريخ 8 نيسان أمس أوجه التقدم الاقتصادي الذي تم. فقد تراجع معدل البطالة من 60 بالمائة في الصيف الماضي إلى نحو 20 بالمائة في مطلع مارس الماضي؛ واستقر سعر صرف الدينار الجديد؛ وتم تخفيض نحو نصف الديون المستحقة على العراق؛ وقرر مؤتمر مدريد للدول المانحة التبرع بأكثر من 32 مليارا منها 18 مليارا من الولايات المتحدة. وبموجب التقارير الدولية فقد بلغ معدل الدخل الفردي نحو 450 دولارا لعام 2002، وهو أقل من ربع ما كان عليه في عام 1980. وكان صدام لا يصرف على الغذاء والدواء إلا ربع عائدات برنامج النفط مقابل الغذاء والبقية للسلاح وللقصور والمخابرات والسجون ولرشوة دول كبرى وعدد كبير من الساسة والصحفيين والبرلمانيين في دول وقارات شتى. وكان نظام التبعيث في الدوائر والجامعات قد ورط مئات الآلاف من العراقيين في المطبات الساخنة، وكان التعليم والثقافة يدوران في فلك تمجيد "القائد الضرورة" ونظامه الفاشي العائلي. وكانت ثقافة العنف وممارساته في القسوة السادية والتمييز الطائفي والعرقي العنصري هي التي تجثم على الأنفاس.
والآن فقد انزاح الكابوس ولكن!
إن كل ما تم اكتسابه خلال عام معرض للخطر على الإرهابيين والقتلة كجيش المهدي وفلول صدام وإرهابيي الفلوجة ومجندي ابن لادن والظواهري والزرقاوي و"أنصار الإسلام" ولا يمكن الحفاظ على مكاسبنا وتعزيزها وتطويرها والسير بالعملية الديمقراطية بنجاح ما لم يتم استئصال هذه الشرور المتفقة على تدمير العراقيين والعودة بهم لجحيم الاستبداد ومسيل الدماء.
أما وقد انتبه التحالف ولو متأخرا لوجوب اعتماد الحزم في معالجة الأشرار، وأولا سحق فتنة برابرة الفلوجة ومقتدى الصدر، وأما وقد اتخذ مجلس الحكم موقفا قانونيا حازما لضبط أمن العراق والعراقيين، فالمطلوب مواصلة هذا النهج وعدم التراجع لا أمام اشتداد الفتن ولا أمام دعوات المهادنة التي يطلقها علماء دين من السنة ورجالات دين وسياسة من الشيعة، ومنهم ويا للغرابة نائب رئيس المؤتمر الوطني العراقي الذي يدين الإجراءات الأمريكية في الفلوجة!
لا طريق لضمان سلامة الشعب والممتلكات العامة وأمن المسؤولين والأساتذة والأطباء والمهندسين من رجال ونساء وسلامة أفراد الشرطة العراقية الجديدة وقوات التحالف الصديقة، غير الحزم تجاه القتلة والمخربين؛ وغير ضبط الحدود؛ وغير وقف إيران عند حدها في تدخلها المستمر لتدمير العراق؛ وغير إفهام رجال الدين الأفاضل أن واجباتهم تختلف تماما عن واجبات رجال الدولة والسلطة؛ وغير المضي في عملية التوعية الحضارية الديمقراطية ودمقرطة مناهج التعليم ومنع أية جهة دينية من التسلل للجامعات والكليات لتحويلها إلى حسينيات وجوامع ومراسيم لطم وندب. ومما يعقد الخطر الأمني كون الخراب الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي سببه صدام وعززه وزاده المتطرفون الإسلاميون خرابا كبيرا وشاملا بدليل أنه لم تخرج أية مظاهرة عراقية كبرى تندد بسلسلة العمليات الإرهابية الكبرى والمتتالية على مدى عام، ولا إدانة لجريمة برابرة الفلوجة. إن على الأكثرية العراقية الصامتة أن تقول كلمتها وأن تساهم في وقف الصدريين وغيرهم عند حدهم نهائيا. إن الوقوف على التل والصمت يشجعان القتلة والأشرار.
3 ـ العملية السياسية ودور الأمم المتحدة :
من المقرر نقل السلطة للقوى العراقية مع نهاية 30 حزيران القادم. ولا أعرف شخصيا طبيعة المداولات والمناورات الجارية في الكواليس للتنبؤ بطبيعة وشكل الانتقال والقوى التي سوف تستلم السلطة. ويظهر أن الخيار الأكثر تداولا هو توسيع مجلس الحكم واختيار هيئة رئاسية ثلاثية له. والمشكلة أنه كلما زاد العدد ضعف الأداء والمركزية، والأكبر إشكالا هو استمرار نظام الحصص وطغيان المعايير الفئوية والحزبية والمذهبية التي وضع مؤتمر لندن عشية الحرب أساسها مع الأسف الشديد.
لقد ألح ولج البعض، ولا سيما الأحزاب والمراجع الإسلامية الشيعية، على انتخابات عامة في حزيران ينبثق عنها مجلس تشريعي انتقالي وسلطة حكومية. ولكن معظم القوى الوطنية العراقية رأت عن حق أن الظروف غير مناسبة لانتخابات عامة سريعا. صحيح أنه لا ديمقراطية دون انتخابات، ولكن صحيح أيضا أنه قد تكون الانتخابات بدون ديمقراطية كانتخابات صدام والانتخابات التي جاءت بهتلر للسلطة. وكما يقول الدكتور شاكر النابلسي، فإن الدكتاتورية تقوم بسرعة الصاروخ أما الديمقراطية فتنطلق بسرعة السلحفاة، والدكتاتورية "هي الوباء السريع الانتشار والديمقراطية هي السلاح البطيء للشفاء من هذا الوباء."
إن الاستعجال في الانتقال نحو الديمقراطية قد يخرب العمل كله. ولكن هذا لا يمنع تحقيق خطوات انتخابية متدرجة كما نص الدستور المؤقت، حيث المفترض إجراء الانتخابات الانتقالية مع مطلع العام المقبل والانتخابات التشريعية لقيام النظام الجديد والحكومة المستقرة مع نهاية ذلك العام بعد وضع مسودة دستور دائم يتم عرضه للاستفتاء. ويذكرنا أمير طاهري والنابلسي بان اليابان انتظرت بعد التحرير 7 سنوات حتى وضعت الدستور، وألمانيا 5 سنوات، وانتظرت كوريا الجنوبية 7 سنوات من نهاية الحرب الكورية حتى أجرت الانتخابات التي أتت بأول حكومة وطنية. أجل إن الظروف مختلفة، ومع ذلك فإن العراق يبدو لي يواجه مشاكل وعراقيل أصعب جراء تكالب الدول الإقليمية، ولا مبالاة دول كبرى كفرنسا وروسيا وألمانيا، والخراب الفكري الواسع الذي أنتجته الفاشية والتطرف الديني والوباء الطائفي وثقافة العنف وعدم التسامح. وأمام الضغوط الدولية والعربية والداخلية والعراقية، اضطرت إدارة بوش لطلب دور سياسي أكبر للأمم المتحدة في العملية السياسية العراقية. ومع ترحيبي بدور ما للأمم المتحدة في العملية السياسية فإنني أشك جدا في قدرتها على تقديم مساعدة دولية حاسمة في هذا الشأن وأكثر من إدارة التحالف. وقد نشرت في إيلاف وصحف عراقية عدة مقالات في الموضوع رحبت فيها بالدور الإنساني والتنسيقي للأمم المتحدة وبدور "تشجيع العراقيين والتحالف" في الخطوات السياسية وفي الإشراف على عمليات الانتخابات ومحاكمة صدام وزبانيته في محاكم عراقية. وكان طاهري قد نشر في السابع من أبريل العام الماضي مقالا هاما عنوانه" مستقبل العراق ودور الأمم المتحدة". وقال فيما قال:
"إن ما يحتاج إليه العراق،أكثر من إعادة البناء، هو الحرية والديمقراطية. وهذا بالضبط ما لا تستطيع الأمم المتحدة، التي تعتبر أغلبية دولها غير ديمقراطية، توفيره. إن سجل الأمم المتحدة في مضمار التدخل في الدول التي تخرج من نزاعات هو سلوك مضطرب، على أقل تقدير. وفي بعض الحالات مثل كمبوديا، اتجهت الأمم المتحدة لتأييد ودعم الأوضاع القائمة، وفي أكثرها كانت على شكل أنظمة أوتوقراطية. وفي حالات أخرى، كما في منطقة البلقان، ظلت المنظمة الدولية تحافظ على توازن هش للقوى يستثني تطورات ديمقراطية بالمعنى الكامل. وفي عدد من الدول الأفريقية، وعلى نحو خاص سيراليون، تم استخدام الأمم المتحدة كغطاء لإدارة الانقسامات القبلية والسيطرة الاستعمارية الجديدة. وفي تيمور الشرقية صارت الأمم المتحدة مرادفا للفساد واسع الانتشار والعروض المشبوهة والفرص الضائعة."[ أمير طاهري في الشرق الأوسط بتاريخ 7 نيسان عام 2003 ]. ولنتذكر أيضا فضائح الأمم المتحدة بالمليارات في تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء.
وعلى بعثة الأمم المتحدة في العراق أن تعلم أن طموح معظم العراقيين هو قيام نظام ديمقراطي فدرالي يفصل الدين عن الدولة ولا يسمح لرجال الدين أن يحكموا بالواسطة ويتدخلوا في الصغيرة والكبيرة. ودلت الانتخابات البلدية في الناصرية والشطرة والأهوار على انحسار تدريجي صامت لموجة الإسلام السياسي الساعي لقيام دولة دينية استبدادية. ولكن للمتطرفين الإسلاميين من دعاة السلطة صخب الشعارات، ومظاهرات الجهلة والغوغاء وسلاح المليشيات، مما يوتر الأجواء، لاجئين للتخويف وشاهرين سيوف التهديد والابتزاز على الأكثرية العراقية الصامتة.
وأخيرا!
إن الكثير اليوم يعتمد على القضاء على بؤر الإرهاب في العراق وعلى فلول صدام وحل مليشيا الصدر، ومحاكمة كل المتهمين بأعمال القتل والسحل والعدوان على المؤسسات العارمة. إن ضمان الاستقرار وفرض سيادة القانون شرط لصيانة المكاسب العراقية ولضمان الانتقال المتدرج والمأمون نحو العراق الديمقراطي الفدرالي العلماني.
إن الوضع العراقي الراهن دقيق. فهل سيرتفع صوت العقل والحكمة وروح الوطنية العراقية والديمقراطية فوق لعلعة الكلاشنكوف ودوي المتفجرات، وعربدة أمراء التطرف والكراهية، ويخرس كل أعداء الديمقراطية خارج العراق وداخله، وكل دعايات التحريض على العنف والجريمة من الفضائيات العربية والإيرانية؟!
الحرب الأكثر شرعية..
( 19 مارس 2004 )
بعد عام من حرب إزاحة نظام صدام، ومع استمرار عمليات الإرهاب القاعدي ـ البعثي ـ الصدري في بغداد وخارجها، لابد من التعبير عن الدهشة بل وحتى الاستنكار لتلك الأصوات التي تندد بالحرب وتعتبرها "غير شرعية"!
إنها أصوات تصرخ في لندن كما في باريس وبرلين وعواصم غربية أخرى، ومعها أصوات العرب من مسؤولين وإعلاميين وجماهير الشارع؛ ولكل طرف منطلقاته وتبريراته وأغراضه، بدا من عبقري العصر السيد بليكس [ رئيس خبراء الأسلحة بالأمس] الذي يواصل الصراخ بأنه كان على صواب عندما وقف ضد الحرب لأنه لم يثبت امتلاك صدام لأسلحة الدمار الشامل. ومثله معارضو بلير من النواب، ورئيس الوزراء الأسباني الجديد، الذي تجرأ على الحكم بأن الحرب بنيت على "كذبة كبرى"! أما أنظمة العرب وإعلامهم ومعظم نخبهم الثقافية ومجموع نخبهم الدينية، فلا من داع لتكرار "حججها" المتهافتة، واستمرار تنديدها ب"الاحتلال" في العراق، وبمجلس الحكم. إن الصلف العربي لا حد له. فعدا تجاهل ضحايا النظام الفاشي المنهار، ومقابره الجماعية، وسرقاته لثروات العراقيين، فإن الدول العربية تحتضن رموز صدام، وتطالب بتعويضات أسطورية من العراقيين، بينما أبدت الدول الغربية استعدادها لإعادة النظر في ديونها. وبينما لم تقدم غير تبرعات هزيلة من العرب، فإن أمريكا وحدها تبرعت مشكورة لتعمير العراق ب18 مليار دولارا. والإعلام العربي بأغلبه يمجد عمليات الإرهاب في العراق ويشجع عليها ويسميها ب"المقاومة الوطنية". والمثال الصارخ للموقف العربي المناهض لعراق ما بعد صدام هو [ وبعد سوريا ] الأردن، حكومة ونخبا وشارعا. فاحتضان رموز صدام ورعاية بنات صدام وأحفاده ملكيا، والمطالبة بتعويضات المليارات، تقترن بتحامل النقابات المهنية على العراقيين. وتصل الجرأة والكراهية لحد أن رئيس نقابة أطباء الأردن، [ أجل الأطباء لا غيرهم ]، قاطع أمس مؤتمرا طبيا عربيا بسبب وجود وفد طبي عرقي!! فأي إكليل غار على جبين النقيب ورفاقه الميامين!!
لم تكن أسلحة صدام خرافة وأكذوبة كما يدعي المسؤول الأسباني الجديد وعبقري الشاشة بليكس الموقر والمعارضة البريطانية لبلير. كانت حقيقة اعترفت بها سلسلة قرارات مجلس الأمن التي بلغت حوالي الثمانية عشرة ما بين 1991 و2002. ولو لم تكن الأسلحة وبرامجها موجودة لما أرسل مجلس الأمن بعثاته مرة بعد أخرى ولما طرد صدام بعثات المجلس عام 1998، ولما ألقيت الكيميائيات على حلبجة، ولما اضطرت حكومة صدام بعد فرار حسين كامل للكشف في مزرعة خارج بغداد عن كميات كبيرة من السلاح الجرثومي بعد أن فضح الهارب وجودها. وزعم صدام عهد ذاك بأن حسين كامل هو الذي أخفاها وبدون علمه بوجود تلك الأسلحة! وقد ورد في تقرير للمهد الفرنسي للبحوث الاستراتيجية [ إيزيس ] لعام 1999 أن العراق أنفق عام 1998 حوالي 8 مليارات دولار على مجموع النفقات العسكرية.
لنترك الأسلحة. فالحروب في كوسوفو والبوسنة وأفغانستان لم تكن بسبب أسلحة دمار شامل، ولكنها أنقذت شعوبا بأسرها من الإبادة العرقية والقتل الجماعي. وفي أفغانستان كانت حربا على نظام ظلامي دموي احتضن شبكات الإرهاب العالمي لنشر الموت والدمار في كل مكان. والحرب الأمريكية على العراق هي التي حررت الشعب العراقي من غزو جحافل الظلم والقهر والإبادة، ومن هنا شرعيتها الحقيقية، شرعية العدالة وحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة نفسه. صحيح أن أمريكا اتخذت قرار إسقاط صدام بعد 11 سبتمبر لحماية أمنها القومي من النظام الإرهابي في العراق، ولكنه صحيح أيضا التلاقي المرحلي للمصلحة الأمريكية مع مصالح الأغلبية العظمى من الشعب العراقي، الذي عجز لوحده عن التحرر من جحيم الطغيان والذي خذلته فرنسا وروسيا وألمانيا وكل الدول العربية والإسلامية ومجموع اليسار الأوروبي. كانت في نظري الحرب الأكثر شرعية من وجهة العدالة من جميع الحروب التي أعقبت الحرب العالمية الثانية.
بعد عام على حرب التحرير تنسى قطاعات سياسية ودينية وثقافية عراقية، ناهيكم عن جمهور مضلل، كيف كان العراق قبل عام، كيف كان الظلم وسيطرة الخوف ومخالب المخابرات ودفن الأموات والأحياء في مقابر جماعية، ومنع الشيعة من ممارسة طقوسهم الدينية، وحروب الأنفال، وتجفيف الأهوار، وسرقة عائدات النفط لبناء القصور وللتسلح ولشراء الذمم بالكوبونات العتيدة، ولتقوية أجهزة القمع والتعذيب، وحفر القبور الجماعية. ويتخبط فريق من مجلس الحكم والنخب الدينية والسياسية في متاهات طائفية وانتهازية بدلا من الانطلاق من المصلحة الوطنية العامة التي تعني العمل بفن الممكن والأخذ والعطاء والتنازل الضروري لحماية الوحدة الوطنية ولضمان العملية الديمقراطية. ومدهش أن يوافق البعض على الدستور المؤقت ثم يتوعدون في اليوم التالي ب"الإطاحة "ببعض بنوده، وكأنهم يقارعون نظاما عدوا لا دستورا وقّعوا جميعا عليه وكان الاتفاق يمثل نقاطا أساسية مشتركة مع تنازل كل طرف عن جزء من مطالبه.
بعد عام من حرب التحرير يعلن أغلب العراقيين في الاستفتاءات المتكررة أن هاجسهم الأول هو القضية الأمنية، وهذا رأي حوالي الثمانين في المائة من العراقيين. إنهم يقدمون هذا الهم حتى على قضية تحسين ظروفهم المعيشية والخدمات العامة. وموقفهم صحيح، لأنه بدون صيانة الأمن بحزم وتخطيط محكم، لا يمكن تيسير الخدمات، وتعزيز مؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون. إن الغزو الإرهابي القاعدي المجرم، مع فلول صدام، من رجال مخابرات وضباط في الحرس الجمهوري السابق وبقايا "فدائيي صدام، وغيرهم من الحاقدين على فقدان امتيازاتهم غير المشروعة، وميليشيا مقتدى الصدر، يواصلون بل ويصعدون جرائمهم
الدموية ضد المواطنين العراقيين وقوات التحالف، وهم مدعوم من عدد من دول الجوار، خصوصا إيران وسوريا، ومن أموال العراقيين التي نهبها صدام. هذا هو الخطر الحقيقي الذي يواجه العراقيين، وليس الاحتلال الذي أنقذ شعبنا من المحنة، وإن مطلب حماية أمن العراقي هو الذي يشغل معظم العراقيين وليس إقامة دولة دينية ترفضها الغالبية، ولا شعار "طرد المحتلين" حيث ترى النسبة الأكبر من العراقيين أن الحرب كانت ضرورية.
أجل كانت هي الحرب الأكثر مشروعية وعدالة، برغم مغالطات بليكس والاشتراكيين الأسبان وبن لادن وزبانيته، زبانية جهنم. وفي الوقت نفسه فإن على قوات التحالف أن تدرك أنها في العراق تواجه مجرمين محترفين للقتل وليسوا دعاة قضية عادلة كما كانت سابقا التنظيمات اليسارية المتطرفة في ألمانيا وغيرها. هذه الشراذم من القتلة يهددون الحضارة والديمقراطية، والواحد منهم قد غسل قادته دماغه فيعتبر القتل هو الغاية لمجرد القتل، سواء كان في بغداد والنجف وكربلاء والكاظمية والموصل وكركوك والفلوجة، أوفي نيويورك أو مدريد أو بالي، أو حتى في مكة نفسها. إن فلول صدام في العراق وحلفاءهم الجدد من القاعدة وأنصار الإسلام، وعصابات الصدر هم وحوش كاسرة لا يجدي [ بل يضر] التعامل معهم بتهذيب كبشر متحضرين. هؤلاء ليسوا مخلوقات سوية ليطلق الأمريكان سراحهم بعد وقت قصير من الاعتقال مقابل وعود وتعهدات ووساطة رؤساء العشائر أو مشايخ دين. كما أن مواصلة التباطؤ في محاكمة صدام وكبار المجرمين المعتقلين معه لا تساعد على تهدئة ما، بل هي على العكس تشجع الإرهاب والإرهابيين الذين كان آخر ضحاياهم في فندق جبل لبنان وسط بغداد.
لقد خرجت مدريد كلها ردا على الإرهاب الدموي الأعمى. وسار زعماء أسبانيا ومسؤولون غربيون كبار في المظاهرة الكبرى. لكنني لا أرى أعضاء مجلس الحكم والوزراء يحضرون أيا من أماكن التفجير لتشجيع الناس وتقوية المعنويات، ولم تخرج أية مظاهرة شعبية حقيقية ضد الإرهاب والقتل الجماعي، في حين يحرك قادة إسلاميون من ساسة ورجال دين الشارع والجامعات ضد دستور مؤقت وقع عليه مجموع أعضاء المجلس.
إن مصير العملية السياسية في العراق، وضمان تحقيق الديمقراطية في العراق، ونقل السلطة للعراقيين في أفضل ظرف، مشروط بوقفة عراقية جماعية وقوية ضد الإرهاب وعصاباته المختلفة وباعتبار القضية الأمنية هي المهمة رقم واحد. كما أن على الدول الأوروبية أن تدرك أن المستقبل السياسي للعراق أمر يخصها في الصميم، وبالتالي فيجب عليها مراجعة مواقفها السلبية والتعاون الفعال مع الولايات المتحدة ولندن ومع مجلس الحكم والمؤسسات العراقية القادمة ومع الأمم المتحدة في السعي لبناء العراق الديمقراطي الفدرالي العلماني الذي بمقدوره أن يشع على المنطقة كلها بقيم الحرية والتسامح والديمقراطية، وأن يسهم في تعزيز الأمن والسلام في العالم، وفي الحرب على الإرهاب الدولي.
المعركة السياسية والفكرية حول مصادر التشريع العراقي
( 20 فبراير 2004)
يتجلى أكثر فأكثر منذ المناقشات الأولية حول مبادئ الدستور المقبل، وخصوصا منذ الاتفاق مع بريمر على الجدول الزمني لنقل السلطة، أن التحدي الأكبر والأول الذي يواجه مستقبل العراق السياسي هو ضغوط وتحركات القوى الإسلامية من سياسية ودينية، شيعية وسنية، لفرض شكل من أشكال النظام الإسلامي في العراق. ومع أن القوى الإسلامية السياسية العراقية لم تخفِِِِِِ يوما ما إيديولوجياتها، غير أن أكثرها اتبع مسلكا سياسيا معتدلا ومرنا في فترة المعارضة، ولا سيما في كل اللقاءات والمؤتمرات التي عقدتها المعارضة الوطنية العراقية في تلك السنوات. فلم يطرحوا عهد ذاك مطالب تدعو لحكم الشريعة، ولم يشككوا في هدف الفدرالية بل أيدوه وتحالفوا بقوة مع الأحزاب الكردستانية، وساهموا في مؤتمرات صلاح الدين.
إننا نعرف أن جملة أوضاع وعوامل داخلية وتدخلات إقليمية قد شجعت ظهور موجة دينية كاسحة ومغالية في حميتها العاطفية في الشارع العراقي. وهذا هو الذي يدفع بقوى الإسلام السياسي في العراق، والشيعية منها خاصة، لخوض معارك سياسية حادة حول الانتخابات وحول الدستور وحول التشريع ومصادره. والجدال الراهن حول مسودة قانون الإدارة المؤقتة [ دستور انتقالي] يكشف عن اتفاق مجموع قوى الإسلام السياسي على جعل الدين الإسلامي هو المصدر الأساسي والأول للتشريع [إن لم يكن ممكنا جعله المصدر الوحيد !]. وأعتقد أن هذه القضية [ وبعد القضية الأمنية] ستكون الأكثر سخونة سياسيا وثقافيا ـ فكريا، وبها يرتبط أيضا موضوع الفدرالية. فالأحزاب والشخصيات الوطنية من غير الإسلام السياسي متفقون بغالبيتهم حول مبدأ تمتع كردستان العراق بالوضع الفدرالي، سواء منها المشاركة في مجلس الحكم أو غير المشاركة [ كالحركة الاشتراكية العربية]. أما معظم المشككين في حق كردستان في الفدرالية فهم الإسلاميون والسائرون معهم من رؤساء عشائر وغيرهم. إن مسودتي الباجه جي والحزب الشيوعي متفقتان على بقاء الوضع الفدرالي الكردستاني كما هو. أما موضوع كركوك وبعض المدن الأخرى التي تعتقد الأحزاب الكردية وجوب ضمها للإقليم فهي مسائل خلافية، وهي أمور غير مستعجلة بل يتطلب الوقت والظروف الديمقراطية المناسبة لبحثها ومناقشتها بهدوء وصبر بين مختلف الأطراف القومية المعنية ومع الحكومة المركزية المنتخبة بعد الانتخابات البرلمانية في نهاية 2005.
ونعلم أنه عندما يجري الأخذ بمبدأ "الإسلام هو المرجع الأساسي للتشريع"، فمعناه في التطبيق الأخذ بأحكام الشريعة في الأحوال الشخصية ووضع المرأة، وإلغاء قانون العقوبات المدني، وتديين التعليم شيعيا أو سنيا، وخلق عوامل الخلافات الحادة وحتى الفتن والانفجار في المجتمع بحرمان نسبة كبرى من العراقيين من حقوقهم. ففي إيران اليوم ليست القوميات غير الفارسية وحدها مضطهدة بل وحتى المسلمون السنة. وفي المسألة القومية يقول الإسلاميون في كل البلدان العربية وفي إيران أن "الخيمة الإسلامية" هي الحل للجميع. ومعنى ذلك إنكار الوضع المتميز للشعب الكردي ثاني قوميات العراق وكذلك تجاهل حقوق التركمان والآشوريين. فالخلافات حول كركوك يمكن ويجب بالضرورة تأجيلها ما دام هناك شبه اتفاق وطني عام على فدرالية كردستانية. أما معركة التشريع ومصادره فإنها هي التي سوف تكون من عوامل الحسم لمسيرة العراق ومستقبله، ومنه الإقليم الكردستاني.
إن العراق دفع أغلي الأثمان خلال تسلط الاحتلال البعثي وما جلبه من كوارث داخلية وحروب دموية وفقر وجهل ونهب. وما يحتاجه العراقيون ليس تبديل استبداد بآخر بل ديمقراطية حقيقية للجميع من أهل العراق من عرب وكرد وتركمان وآشوريين، ومن مسلمين شيعة ومسلمين سنة ومسيحيين وصابئة ويهود وأيزيديين وغيرهم. وفي كل دستور قادم مؤقت أو دائم لابد من النص صراحة على تسمية مختلف الأديان الموجودة في العراق ومختلف القوميات والأقليات. صحيح أن الإسلام هو دين الأكثرية من السكان. ولكن العدد وحده لا يمنح للأكثرية موقع الامتياز على حساب الآخرين. وإنه لمن العار أن نشهد اضطهادا للمسيحيين العراقيين هنا وهناك على أيدي طائفيين هائجين من غوغاء الشارع ودون أن يحتج مسؤول أو رجل دين.
إننا في القرن الواحد والعشرين وكفى البعض الاحتماء بما يسميه العفيف الأخضر بالنرجسية الدينية التي جلبت المصائب في أفغانستان والسودان وإيران وغيرها؛ هذه النرجسية التي عندما تقترن بمشروع سياسي دموي فإنها تنشر الرعب والدمار والموت في كل مكان كما هو حال شبكات القاعدة وأنصار الإسلام ومن كان من جنسهم.
لقد مارس صدام حربا دينية ومذهبية وقومية ضارية داخل العراق. لقد شمل اضطهاده مختلف التكوينات السياسية والدينية والمذهبية والقومية. ومع ذلك فقد كان حظ الأكراد وحظ الشيعة من التنكيل اكبر وأوسع. لقد جرى منع المتدينين الشيعة من ممارسة طقوسهم المتوارثة. ولا أزال أذكر طفولتي وصباي في أحياء الكرخ ومراسيم اللطم النسائي في دارنا في محرم ومواكب عاشوراء تطوف الأحياء بلا تدخل من الشرطة. فما الذي فعله النظام البعثي منذ منتصف السبعينات؟ هذا مقطع من كتاب [سنوات مع الخوف العراقي] للروائية اللبنانية ـ العراقية هاديا سعيد:
" ملايين الشيعة الذين يعيشون بعض العادات في تدفق نبضاتهم وعباراتهم وعلاقاتهم كالنذور لدى العباس والحسين، وربط عقدة حتى يتحقق المراد، وفك العقدة في زيارة للنجف أو كربلاء، يصبحون في موقع التهمة أو تحت الفحص خوفا من تآمر أو عمالة.." أصبحت الأم تزور ضريح الحسين أو العباس خلسة، حتى لا تتهم بالتواطؤ مع "الفرس"[ هذا ولم تكن الحرب العراقية الإيرانية قد وقعت]". والواقع أن تلك الطقوس، لا سيما للنساء الشيعيات، كانت مجال تنفيس عن المرارة والأمل والشكوى بكاءً ودعاءً لا رمزا للتمييز الديني او المذهبي. أما الاضطهاد الدموي والجماعي للشيعة فبدأ منذ أحداث طريق كربلاء ـ النجف عام 1977 ثم في مقتل الصدر وشقيقته، ولاسيما في انتفاضة 1991.
أجل لابد من الاعتراف بما أصاب الشيعة العراقيين، ومنهم ثلاثة أرباع المليون من الأكراد الفيليّين، من مآس ونكبات. ولكن نصيب كردستان كان لا يقل دموية. وكل الأحزاب الوطنية والمعارضة العراقية كانت مسحوقة بقسوة سادية. إنه لا النسب العددية ولا درجات وحجم المآسي السابقة هي مبررات مشروعة لانتهاز الفرصة لانتزاع السلطة واحتكارها وفرض النموذج السياسي والاجتماعي والديني الذي يريده هذا الحزب الديني أو القومي أو ذاك. وتخطئ الأحزاب والمرجعية الشيعية حين تصر مرة على انتخابات عاجلة لا تريدها في هذا الظرف نسبة هامة من القوى الوطنية وسكان العراق، واليوم الإصرار على الأخذ بنظام حكم الشريعة وهو بالضبط ما يعنيه النص على كون الإسلام هو " المصدر الأساسي للتشريع". إننا في العصر الحديث وفي القرن الحادي والعشرين. إننا في عالم الإعلان الدولي لحقوق الإنسان وميثاق الأمم المتحدة وميثاق اليونسكو، وجملة من الاتفاقات والإعلانات والتوصيات الدولية، التي سبق للعراق التوقيع عليها، وتخص حقوق المرأة والطفولة والقوميات والأقليات، والديمقراطية، والتسامح، والتفاعل بين الحضارات، والتبادل الحر للآراء والمعلومات. والدول التي لا تتمسك بهذه المبادئ والقيم لا تستحق عضوية الأمم المتحدة. ولكن ضعف الأمم المتحدة واللعب والحسابات السياسية للكبار تسمح بوجود العشرات من الدول المستبدة بالبقاء أعضاء لهم حقوق كالدول الديمقراطية. وهذا وضع هو لغير صالح الأمم المتحدة، التي أصبح لفيف من الساسة ورجال الدين العراقيين يطالبون بأن نربط بها مصير العراق خلاصا من "الاحتلال الأمريكي"، بينما برهنت إدارة التحالف المدنية في المواقف الأخيرة [ من القرار 137 ومن قرار إلغاء مؤسسات المجتمع المدني ومن قوائم وكلاء الوزارات]على كونها أكثر إدراكا لمتطلبات الديمقراطية في العراق من العديد من أعضاء مجلس الحكم والأحزاب والنخب الدينية.
إن العراق الجديد يجب أن يكون عراق التعايش الودي المتين بين سكانه، في ظل دستور ونظام شعارهما" الدين لله والوطن للجميع"؛ عراق الحق في الاختلاف الهادئ، والتداول السلمي للسلطة؛ عراق الحقوق القومية والدينية والمذهبية للجميع؛ العراق الديمقراطي الذي تبنيه المرأة والرجل معا؛ عراق الفدرالية في ظل البلد الواحد والحكم الديمقراطي المركزي؛ عراق التعامل الواقعي والإيجابي مع العالم ومع مختلف الحضارات والثقافات.
إن الإسلام واحد من مصادر التشريع، والإسلام هو دين الأكثرية من العراقيين ولكن معه الأديان الأخرى التي نشأت في العراق قبل الفتح الإسلامي. أما المناورات للولوج بالعراق نحو هذا الشكل أو ذاك من الأنظمة الإسلامية، شيعيا كان أو سنيا، فهي مناوئة للمبادئ الديمقراطية وخطأ عظيم.
الدستور الانتقالي انتصار للديمقراطية والوحدة الوطنية في العراق
( 09 مارس 2004 )
إن التوقيع يوم الثامن من آذار 2004 على الدستور الانتقالي العراقي هو نصر كبير لشعبنا ولوحدته الوطنية ولمستقبله الديمقراطي، وإن من المتوقع أن تكون له انعكاسات هامة على أوضاع المنطقة. والمثير والطريف معا أن اليوم كان هو عيد المرأة العالمي، ولعل بعض العراقيين كانوا سيعترضون على اختيار هذا اليوم بالذات لو عرفوا مسبقا!! ولكن جاء كما أعلم بمحض الصدفة السعيدة!
لقد ضمن القانون الانتقالي [ الدستور المؤقت] حقوق العراقيين وحرياتهم الأساسية، وأكد على حكم القانون، ومبدأ المواطنة المشتركة، مع منح الحقوق المشروعة للأكراد والتركمان والكلدوـ آشوريين وبقية السكان، وضمن احترام الإسلام دين الأكثرية واحترام بقية الأديان وحقوق أتباعها. وخلافا للادعاء الزاعم أن الحقوق الكردية المعتمدة تهدد الوحدة الوطنية، فإنها ستكون عامل تقوية لها وتعزيز لوحدة الأراضي العراقية. فالقول بأن الخيمة الإسلامية تحل مشاكل الأقليات تفنده تجارب الأنظمة الدينية في المنطقة، ومنها نظام ولاية الفقيه حيث تعاني الأكثرية غير الفارسية من تضييق على الحقوق الأولية مثلما تعاني الأقلية السنية من ثلم أبسط حقوقها.
لقد عدد الأستاذ شاكر النابلسي في مقالته قبل يومين عن استبشاره بمسودة القانون وأشار للعديد من نقاط قوتها. والوثيقة تتطلب دراسات وبحوثا أخرى، وقد أكرس شخصيا مقالة خاصة بذلك.
لقد كان تراجع الإخوان الخمسة "المضربين" عن موقفهم السلبي الخاطئ موقفا مشرفا لصالح الوحدة الوطنية والمبادئ الديمقراطية. إن الخطأ لم يكن في إبداء رأي أو اعتراض ما حول هذه المادة أو تلك بل لان ذلك صدر من أعضاء مسؤولين شاركوا في وضع المسودة وناقشوها خلال أسابيع وعبروا بحرية عن آرائهم، ثم شاركوا في الاتفاق العام عليها وفي تحديد يوم التوقيع، فإذا بهم يأتون في عشية التوقيع للامتناع عن التوقيع على نفس الوثيقة التي وضعوها هم. وكان ذلك غريبا وبمثابة ضغط غير مشروع ومخالف للديمقراطية. أما المواطنون العراقيون والأحزاب والشخصيات التي لم تشارك في وضع الوثيقة والاتفاق عليها بالإجماع، فإن لها كامل الحق بل والواجب الوطني في إبداء الرأي في بعض النقاط عبر الصحف والبيانات والمنابر الأخرى. ومثل هذا النقاش سوف يفيد عند وضع مسودة الدستور الدائم. وبالفعل فإن القانون الانتقالي ينص على طرح مسودة الدستور الدائم مسبقا للنقاش العام وقبل الاستفتاء العام.
إن من حق السيد الشريف على أن يرفض القانون بحجة وضعه تحت الاحتلال. ولكنني أسأل سيادته: أليس هو طالب عرش نصب في ظل الانتداب البريطاني عام 1921؟ وتم الاختيار له في مؤتمر القاهرة برئاسة شرشل؟ ومن حسن الحظ أن اختيار المرحوم فيصل الأول كان موفقا جدا لأنه برهن على حب العراق والعمل الصادق لصالحه برغم كثرة العراقيل والضغوط البريطانية عليه.
أما الجهة الثانية المعترضة فهي المرجعية الشيعية العليا التي نشرت أمس موقفها بصيغة الفتوى الدينية. فقد وجه السؤال عن القانون من سموا أنفسهم ب"جمع من المؤمنين" وكان الجواب إن القانون: " يضع العوائق أمام الوصول إلى دستور دائم للبلد ويحفظ وحدته وحقوق أبنائه من جميع الأعراق والطوائف."[ نصا]
لقد كررت في مقالاتي رأيي في عواقب وسلبيات الخلط بين شؤون الدين والمذهب الديني وبين شؤون السياسة والحكم. إن لرجال الدين في العراق صفتين: الأولى كونهم مواطنين يتمتعون بكل حقوق المواطنة ومن ذلك التصويت في الانتخابات. أما الصفة الثانية فهي كونهم رجال دين عليهم واجبات دينية وروحية محددة، وعليهم الإرشاد للتقوى والتسامح والحب بين البشر. ويجب احترام هذا التمييز بين الصفتين احتراما خاصا عندما يتعلق الأمر بمرجعية دينية عليا مرموقة لها مكانتها الكبيرة بين العراقيين. إن المرجع السيد السيستاني حفظه الله هو الذي حذر مرارا من أن يزج رجال الدين بأنفسهم في شؤون الحكم والسياسة، وهو الذي فضح تسلل البعثيين الصداميين لصفوف رجال الدين، وهي عملية واقعة فعلا، ولاسيما بين رجال السيد مقتدى الصدر وبعض الهيئات الدينية السنية. إن هناك فرقا جوهريا بين أن يعبر سماحة آية الله الكبير عن آرائه السياسية كمواطن في العراق في الصحف أو البرامج التلفزيونية وبين أن يصوغ آراءه واجتهاداته هذه على صيغة فتاوى دينية تكون ملزمة لأتباعه أو أن يضع الفيتو على قرارات مجلس الحكم.
لقد نشر القانون ومن حق رجال الدين والمواطنين كافة نقد هذا البند أو ذاك، ومن حق الباحثين والمثقفين نشر دراسات عن إيجابيات القانون الانتقالي ونقاط ضعفه. إن ذلك ليس فقط حقا ديمقراطيا ولكنه أيضا واجب وطني لتكون مجموعة الآراء المعلنة تحت تصرف الجمعية الوطنية المقبلة التي كلفها القانون بوضع مسودة الدستور الدائم في موعد أقصاه 15 آب 2005. كما ينص على وجوب عرض المسودة على الشعب للاستفتاء، وعلى أنه " في الفترة التي تسبق إجراء الاستفتاء تنشر مسودة الدستور وتوزع بصورة واسعة لتشجيع إجراء نقاش عام بين أبناء الشعب بشأنها."[ المادة الستون من القانون].
أجل إن صياغة الآراء السياسية للمراجع الدينية كفتاوى دينية هي مخالفة للديمقراطية وعملية خطرة جدا، ولا تعني غير العمل لقيام النظام الديني بصيغة أو بأخرى، وهذا هو ما قصدته من نقدي في كلمتي السابقة وفي مجمل مقالاتي قبلها.
لقد صدر القانون وجرى التوقيع الجماعي عليه، وهذا يوم كبير في حياة العراقيين كيوم التاسع من نيسان الماضي ويوم اعتقال رأس النظام المنهار. ولكن وضع الدستور المؤقت لا يعني نهاية المطاف إذ لا يزال العراق يواجه المشاكل الكبرى ولاسيما عمليات الإرهاب الإجرامية التي ينفذها القاعديون "الزرقاويون" وفلول صدام والمجرمون الذين أطلق صدام سراحهم عشية سقوط نظامه الفاشي الدموي ومعهم الصدريون. كما أن الحساسيات السياسية والمذهبية والعرقية لا تزال كامنة، وثمة قوى تتربص للتراجع عن التزامات وقعت عليها. والأنظمة المجاورة وخصوصا إيران تواصل التحرك لعرقلة تقدم العراق ولتشجيع الصدام بين العراقيين وقوات التحالف الصديقة. كما أن المواطنين يحتاجون لرفع مستوى معيشتهم وخصوصا أفقرهم والمتقاعدين المظلومين والعاطلين عن العمل.
لقد كان يوم المرأة العالمي لعام 2004 يوم انتصار هام لشعبنا بمجموعه بالتوقيع على الوثيقة التاريخية التي تضمن من الحقوق والحريات ما لا تتمتع بجزء صغير منا دول المنطقة التي صار كل منها تحاول لعب دور الوصي على العراق وشعبه. وإذ يفرح الوطنيون العراقيون بالنصر الجديد، فإن من واجبهم عدم نسيان العراقيل، وكثرة الأعداء داخلا وخارجا، وضرورة التحلي باليقظة، والعمل لتوعية الشارع العراقي الذي خربه صدام، وزاد المتطرفون والمتعصبون الإسلاميون من تخريب نسيجه الاجتماعي والأخلاقي.
ولنكن متفائلين على كل حال!
نصف قرن من العنف وثقافته ـ ألا يكفي شعبنا؟!
التسامح يعني سيادة القانون وليس التساهل مع المجرمين
(19 حزيران 2003)
شهد العراق منذ حوالي نصف القرن سلسلة متواصلة من أعمال العنف وسفك الدماء حتي وصوله للعهد الصدامي من قمع متصل وحروب متتالية داخلية وخارجية. وكما كتبت في مقالات سابقة لي، فإن القوي الوطنية قد ساهمت وبدرجات وأشكال مختلفة، في تلك المآسي. وبرغم عدم اعتراف معظمها بالأخطاء التي وقعت فيها، فإن النقد الذاتي الصريح ليس فقط غسلا للضمائر وإنما هو واجب للاستفادة والعبرة والاتعاظ، حيث أن دروس أمس تساعد علي تلمس الطريق وتجنب المزيد من الخطأ.
إن اعتراف السياسي بالخطأ واجب وطني وليس تشنيعا بالنفس أو ضعفا، بل العكس هو الصحيح. وقد حاولت في آخر كتبي ودراساتي ان أضرب المثل الشخصي بكشف ما وقعت فيه من أخطاء سياسية فادحة، خصوصا بالاستمرار في الوظيفة مع النظام وتأييد مواقفه حتي بداية التسعين. وقد ضربت الكثير من الأمثلة والوقائع. وقد علق بعض الباحثين قائلين إنني قسوت علي النفس. ولكنني حين أشاهد اليوم مناظر المقابر الجماعية، أري أنني كان يجب أن أكون أقسو مع النفس. إن العنف السياسي له ثقافته ومنابعه ودوافعه. ولعل في المقدمة منها شهوة التسلط وعقلية احتكار الحقيقة ورفض الآخر والخلاف في الرأي، مما يقود حتما إلي التعصب الأعمى وتبرير استخدام العنف لفرض هذا الرأي او ذاك وهذه المفاهيم أو غيرها. والتعصب الديني منبع كبير للعنف والفتنة وعدم قبل الآخر ما لم يتفق كليا مع المتعصب. وقد عانت اوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر من حروب دينية متلاحقة حتي هب المفكرون المتنورون لمكافحة التعصب وبلورة وترسيخ مقولة ومبدأ التسامح وجوهره هو القبول بالآخر واستخدام الحوار وعدم الإكراه. وهذه العقلية والممارسة الصادرة عنها هما جوهر الديمقراطية.
عنف واستبداد
إن التعصب الديني يقود حتما للعنف والاستبداد. وقد تقدم الغرب بطفرات جراء استئصاله للتعب الديني وترسيخ مبادئ:
1 ــ التمييز الدقيق بين مهمات الحكومة المدنية وبين مهمات المؤسسات الدينية ورجالها.
2 ــ إن العقائد الدينية متروكة للإنسان وحده وليس لأية سلطة مدنية او دينية، وغن لكل إنسان السلطة العليا المطلقة في الخيار.
3 ــ إن التجاء رجال الدين للاستحواذ علي السلطة المدنية إنما يكشف عن الطمع في السيطرة الدنيوية،
لقد وقعت الدول العربية جميعها علي ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص علي مبدأ التسامح. غير أن الواقع هو مأساوي بكل المعايير. ومع أن الإمام عليا قد حذر أتباعه من الاستشهاد بالقرآن في مواضيع الخلاف مع الخوارج لأن تفسيراته كثيرة ومتخالفة، فإن المتعصبين الدينيين الإسلاميين اليوم لا يستشهدون بغير ما يقارب العشر من الآيات تاركين جميع الآيات والأحاديث عن مبدأ عدم الإكراه في الدين، والحق المقدس في الخلاف. ورفضا لثقافة التمييز الديني قال الإمام علي: (الأنبياء إخوة، أمهاتهم شتي ودينهم واحد)، و(لو ثنيت لي الوسادة لحكمت علي أهل التوراة بتوراتهم وفي أهل الإنجيل بإنجيلهم وفي أهل القرآن بقرآنهم حتي تركت كل كتاب ينطق من نفسه). وهنا أريد ان أسأل شيخنا الجليل السيد الفرطوسي وآخرين عن المبادئ والتعاليم التي ينطقون باسمها حين يعتبرون النصارى كفارا، أو يريدون فرض الحجاب قسرا علي النساء وحتي المسيحيات؟! وباسم أي دين يفتي اليوم مولانا السيد الحائري، القابع في إيران، بتحليل قتل البعثيين المتهمين بالتجاوزات علي المواطنين بلا محاكمة ولكل من هب ودب من المواطنين؟ نعم لقد ارتكب المئات منهم جرائم تتفاوت خطورتها وفداحتها وتستحق المحاكمة الأصولية والقانونية والعقاب العادل. ولكن ماذا يحدث لو أباح كل عراقي أن ينصب من نفسه شرطيا وحاكما وجلادا؟ بل وقد يقحم بعضهم خصوماتهم الشخصية والعائلية في القضية لتصفية الحسابات دمويا بحجة مطاردة البعثيين. إنه حتي المجرمون الكبار يجب أن يحاكموا أصوليا. وقد انتهك نظام صدام كل الشرائع وسيادة القانون وجعل القانون مجرد ورقة في يدي الحاكم الفرد. ولكن لماذا قدم العراقيون أكثر من مليون ضحية علي أيدي النظام المهزوم؟ أليس لتأسيس الديموقراطية ومن أعمدتها القضاء المستقل وسيادة القانون؟ ولأية مصلحة عراقية يخالف السيد الحائري فتوى المرجع الشيعي الأعلى في العراق سماحة السيد السيستاني وهو الأمين علي تقاليد الحوزة العلمية والناطق بالحكمة وبروح المسؤولية العليا عن العراق والعراقيين وعن الدين؟ وهل تريد إيران تصريف أزمتها العميقة جدا والتنفيس عن خلافاتها مع أمريكا والمجتمع الدولي حول التسلح بالتشجيع علي الفوضى والمذابح الجديدة بينما تواصل عصابات صدام المسلحة عملياتها الإرهابية وتقوم قوات التحالف بواجبها في التصدي لها وقتل أبطالها المهووسين بالثار من الشعب العراقي؟ وكيف يقبل بعض رجال الدين أن يدعوا للصدام مع قوات التحالف التي لولاها لما تحرر الشعب من الطغيان الفاشي، والتي تواصل مطاردة فلول الفاشية اليائسة والمتعطشة لسفك دماء العراقيين الذين أشبعوا تماثيل الطاغية ضربا بالنعالن وسوف تغادر العراق غدا باتفاق مع الحكومة العراقية المنتخبة؟
إن الدعوة لثقافة الاعتراف بالآخر وترسيخ التسامح لا تعني أبدا التساهل من المتهمين بارتكاب الجرائم ضد شعبنا ومصالح بلادنا. كلا أبدا. ولكنها تعني الدعوة لإرساء مبادئ سيادة القانون ودولة المؤسسات، ورفض جميع أنواع التجاوزات علي حريات المواطنين وتحت أية لافتة كانت. لقد أنهكت العراقيين عهود الطغيان الدموي والمجازر والمقابر الجماعية، وقد حان لنا جميعا أن نتعلم ونمارس الأساليب الديمقراطية والقانونية في مجال العلاقات العامة في المجتمع. والدين الحنيف لا ينبغي اتخاذه جسرا للسلطة الدنيوية ولا لتصفية الحسابات، بل يجب ترك المساءلات عن الجرائم السياسية للقانون ومؤسساته التي هي قيد التكوين.
لقد فشلت فشلا ذريعا جميع الأنظمة الشمولية المنغلقة القائمة علي حق احتكار الحقيقة المطلقة، وسواء كانت أنظمة شيوعية أو قومية أو دينية. إن الساعين لقيام نظام ديني في العراق ينتهكون مبادئ الديمقراطية ويتجاهلون طبيعة مجتمعنا التعددي في تكويناته. كما يتجاهلون فشل ومآسي ما قام في العالم الإسلامي من هذه الأنظمة، سواء في السودان أو أفغانستان أو إيران. إن شعبنا ليس في حاجة لطبعة جديدة من الطالبانية المغرقة في التعصب وظلم المرأة والاستبداد السياسي، وإلا كانت طبعة جديدة من الصدامية الدموية، الطبعة القادمة من مغائر التخلف والجهل والاستبداد. وأود بالمناسبة سؤال الأحزاب والتنظيمات والشخصيات الوطنية ذات التوجه الديمقراطي واللبرالي والعلماني: (أين أنتم؟! لماذا تتركون الشارع العراقي لدعاة التخلف والتعصب العنفي؟! علما بأن هذه المظاهر والممارسات تخدم عصابات النظام المتعطشة للمزيد من سفك الدم العراقي والمقابر الجماعية. ألم يكن ممكنا مثلا الاتفاق علي تنظيم مظاهرات سلمية مشتركة تنادي بالديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وتعلن عن رفض جميع أشكال التعصب، وتدعو للتجمع الوطني للقضاء نهائيا علي عصابات صدام المسلحة والتي تقوم يوميا بالتخريب وتصديع أمن البلد والمواطنين.
إلغاء القرار 137 انتصار لشعبنا ومستقبلنا الديمقراطي..
( 28 شباط 2004)
كنت من بين أكثر المستاءين والقلقين من صدور القرار القرون ـ أوسطي المرقم 137 ضد حقوق المرأة العراقية وضد الديمقراطية التي يتطلبها عراق ما بعد صدام. ومن حسن الحظ أن بريمر باشا جمد القرار الظالم. وهذا هو مجلس الحكم نفسه وبأكثريته يصوت لصالح إلغاء القرار البائس الذي أثار غضب العراقيات الواعيات لحقوقهن المشروعة ولضرورة قيام النظام الديمقراطي في العراق وتجنب انزلاق العراق في الطريق نحو نظام يبدل استبداد أمس باستبداد ذي واجهة دينية. ويرافق إلغاء القرار مسعى الأحزاب والتجمعات الديمقراطية العراقية لبناء جبهة للديمقراطيين العراقيين للعمل من أجل نظام قائم على أساس المواطنة العراقية وشعار "الدين لله والوطن للجميع". وقد أدهشني، وأقولها بمرارة، أن بعض لبراليي أمس قد وقفوا مع صدور القرار سابقا ثم مع بقائه اليوم. وأقصد بالتحديد الدكتور الفاضل احمد الجلبي، الذي لا يجب نسيان دوره في تجميع القوى الوطنية المعارضة لنظام صدام طوال التسعينات. وعندما أعلمني قبل شهرين صديق أثق بمعلوماته أن الدكتور الكريم يصوت في مجلس الحكم كإسلامي فقد قلت له بصراحة إنني أشك في معلومته. ولكن ما ذكره ثبتت صحته لي بأمثلة عديدة وبالمعلومات من مصادر عراقية أخرى. وهذا في الحقيقة مؤلم. ورغم عدم معرفتي الشخصية بالدكتور الجلبي فقد كنت ممن دافعوا عنه ضد الهجمة الإعلامية والسياسية الأردنية طوال شهور ما بعد سقوط الفاشية العراقية.
لقد لعبت المرأة العراقية وبرغم كل الضغوط وأشكال التضييق دورا مجيدا في التعبئة ضد القرار المشؤوم رقم 137. وبذلك تبرهن من جديد على جدارتها بلعب دور أساسي في بناء الديمقراطية، التعددية، والعلمانية، والفدرالية في العراق الجديد. وصحيح أن ملايين من نسائنا اليوم لا يزلن جاهلات بحقوقهن ويضطررن للخضوع لضغوط المتزمتين الدينيين والمذهبيين، ولكنني اعتقد أن هذه حالة غير دائمة.
إن سقوط القرار رقم 137 هو في الحقيقة نصر لمجموع شعبنا ولا ينبغي للأحزاب الإسلامية أن تعتبر ذلك كارثة لها. ولو فكر قادتها الأبعد نظر والأكثر حكمة في الأمر فلا بد واجدون أن النظام الأمثل هو الذي يحترم حقوق المرأة كاملة والذي لا يميز في الدين والمذهب والجنس. فالمحك الحقيقي هو الخدمة العامة وليس خدمة فئات بعينها وحدها أيا كان دورها وتضحياتها.
إن الطريق نحو الديمقراطية في العراق لا يزال طويلا وشاقا، وبعض المسؤولين العراقيين يتصرفون كقادة فئات ومعارضين لا كمسؤولين عن مجموع الشعب. وثمة فئات غير قليلة تصمت عن جرائم صدام وتدافع عن الإرهابيين، والغريب أن بعضهم يتهم الموساد بتنظيم العمليات. فيا للتناقض ويا لبؤسه! أما عدد من الدول المجاورة، لا سيما إيران وسوريا، فتواصل التدخل لتعطيل مسيرة العراقيين. وعمرو موسى يواصل انتحال دور الوصي على العراقيين ويهاجم أمريكا باتهامها بتأخير الانتخابات العراقية، مع أن هذا التأجيل كان ولا يزال رغبة معظم القادة السياسيين العراقيين الذين هم بالتأكيد أدرى بمصلحة العراق الجديد من عمرو موسى وجامعته العتيدة. ويا ليت أمين الجامعة التفت لوضع الأنظمة العربية وغياب الديمقراطية عن معظمها، وانتشار الفساد في العديد منها.
أجل، إن الصعوبات كبرى. ومع ذلك يبدو لي أن المواطنات والمواطنين العراقيين الواعين قادرون على تحمل العبء بمساعدة الصديق الأمريكي والأصدقاء الآخرين في المجتمع الدولي، ممن يريدون حقا مساعدة العراقيين. وما إلغاء القرار رقم 137 غير خطوة هامة للتعبير عن إرادة العراقيات والعراقيين في السير نحو التغيير الديمقراطي الحقيقي.
فمرحى للمرأة العراقية، مرحى. وأقول مع البابا:
" شكرا لك يا امرأة، شكرا، لمجرد كونك امرأة!"
أوقفوا في مهدها الوافدة الطالبانية في العراق!!
أنباء تثير القلق الشديد والاستنكار قادمة من العراق. فبعد حادث اغتيال العلامة المصلح عبد المجيد الخوئي، ومع استمرار العنف في بغداد الذي تمارسه عصابات صدام والمجرمون المطلق سراحهم قبل أقل من عام، يفتي رجل الدين الشيعي الفرطوسي القادم توا من إيران، باجتياح دور السينما وقتل النساء المتهمات اعتباطا و تدمير مصانع الخمور وأماكن بيعها. وحدد الفرطوسي، الذي كانت قوات التحاف قد اعتقلته قادما من إيران ثم أطلقت سراحه، لتنفيذ هذا الإنذار مدة أسبوع لكي تغلق السينمات والمحلات المذكورة أبوابها. كما وجه تهمة الفسق للقوات الأمريكية وزعم أن عراقيات يضطجعن مع الجنود الأمريكان مهددا بقتلهن!! ولم يمض يوم على فتاوى مولانا الكبير حتى داهم الرعاع ثمانية مصانع تنتج الخمور ونهبوا أثاثها ودمروا تلك المصانع وأحرقوها. وفي مدينة على مقربة من بغداد قامت عناصر غوغائية أخرى متسترة بالدين بتدمير مصنع للخمور وحطموا الجدران ونقلوا الآجر والأثاث لبيوتهم! وكان صدام قد منع، ولأول مرة في تاريخ العراق الحديث، شرب الخمور في المحلات العامة كالمطاعم واكتفى بالسماح ببقاء مصانع الخمور التي يديرها المسيحيون. وتتكامل الحلقة اليوم بتخريب هذه العناصر الظلامية التي تذكرنا بانتهاكات الطالبان.
لقد أفسح التدهور الأمني بعد سقوط نظام صدام وتساهل القوات الأمريكية إلى أخذ رجال الدين في مدينة الثورة البغدادية كافة شؤون المدينة بأيديهم ووضع أنفسهم كقوات أمن وقضاة. ورغم الاعتراف بان بعضهم لعب دورا محمودا لوقف النهب وإعادة بعض المسروقات، فإن استمرارهم في هذا التسلط ووصول الحالة للتهديد بحرق السينمات ومحلات بيع التلفزيون و دور الإذاعة والتلفزيون التي لا يزال العمل لتصليحها غير منجز، وقرن كل هذه الانتهاكات للقانون وضد المجتمع العراقي بإصدار أحكام القتل على النساء وتنفيذها، ظواهر أعتبرها أخطر بكثير من حوادث النهب للأيام الأولى بعد سقوط النظام الفاشي.
إنه يجب أن توقف قوات التحالف والحكومة العراقية القادمة هذه الوافدة الطالبانية ذات الطبعة
شيعية، والتي يتزعمها بعض رجال الدين خلافا لمواقف وتصريحات كبار علماء الشيعة في النجف والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية. فهل ما يراد لعراق اليوم والغد التطبيق بالقوة والعنف لهذه الطبعة الفرطوسية من نظام الطالبان؟ وهل هذه الهدية التي جاء بها من إيران لشعبنا الجريح، الذي يخرج للتو من تحت أنقاض نظام صدام والذي عملت السياسات الصدامية على نشر التجهيل والأفكار المتطرفة بين صفوفه وقطعه عن العالم والحضارة.
إن الوافدة التي لا تزال في مهدها هي بالغة الخطورة والعواقب، ولو سمح لها بالتوسع ولم توقف عند حدها، فسوف يدخل العراق ومجتمعه في ظلام الجهل والتطرف وخنق الرأي والمعتقد وغلق الطريق أمام الديمقراطية، فضلا عما تشمله الوافدة حتما من اضطهاد الأديان الأخرى إن رفضت الخضوع "للشريعة "الإسلامية" بطبعتها الطالبانية المستنسخة.
إن قوات التحالف والحاكم المدني الأمريكي الجديد سيقترفون أفدح الأخطاء والخطايا بالتساهل مع هذه الممارسات التي تنشر العنف وتفرخ الإرهاب وتنهي إلى مشارف خراب الفكري والثقافي والأمني والاجتماعي. وإنه لمن المستهجن أن يجيب العسكريون الأمريكان الذين لجأ إليهم أصحاب المصانع المدمرة في بغداد بأنهم لا يستطيعون عمل شيء"إذا كانت هذه رغبة المسلمين" كما نقلت الديلي تلغراف قبل يوم. فهؤلاء المتطرفون إن واصلوا مهمتهم التدميرية فسوف يزيدون العنف في بغداد وينشرون الرعب في كل بيت يمتلك تلفزيونا وراديو، ثم يتوجهون ضد القوات الأمريكية نفسها كما فعل الطالبان وضيوفهم الإرهابيون من شبكات بن لادن. وعلى الأمريكان أن يفهموا جيدا تاريخ وتكوين المجتمع العراقي المعروف بالتسامح الديني مع أن أكثريته مسلمون مؤمنون ولا يحتاجون للفتاوى الطالبانية لاحترام الدين الحنيف وأيضا احترام الأديان الأخرى القائمة في العراق.
إنني أعتقد أن على القوى الوطنية العراقية في الساحة، ولا سيما على علماء الشيعة والمنظمات السياسية الإسلامية، التي ترفع شعار الديمقراطية وعدم العنف والتسامح [آخر ذلك تصريحات
المرجع الشيعي الكبير محمد سعيد الحكيم قبل يوم]، إدانة هذه الممارسات إدانة واضحة وصارمة، وأن يعملوا مع الحكومة العراقية المؤقتة على وقفها، ويضغطوا على القوات الأمريكية لاتخاذ التدابير الصارمة والفورية لوقف جميع الانتهاكات وأعمال العنف والنهب، ورسم وتنفيذ خطة عملية مدروسة لنزع السلاح من المدنيين، الذين تسلح الكثيرون منهم لغرض الدفاع عن عائلاتهم وبيوتهم وممتلكاتهم. وما دامت الفوضى الأمنية مستمرة فإن العائلات العراقية البريئة لا ترى مفرا غير حيازة السلاح. ولا بد من عمل تثقيفي كبير ومستمر من جانب القوى والأحزاب والشخصيات الوطنية الديمقراطية والمثقفين المؤمنين بأفكار الديمقراطية العلمانية اللبرالية وبحقوق المرأة وحقوق الإنسان.
العراق الجديد يولد رغم المزايدين والندابين
( 06 يونيو 2003 20:30 )
هناك من يندبون ما يصفونه ب"غياب العراق". والحقيقة أنه وإلى ما قبل شهرين لم يكن العراق عراق العراقيين. فالعراق الحقيقي كان مغيبا طوال سنوات طوال تحت كابوس القمع والعزلة والنهب والخراب. كان البلد حتى أسابيع مضت ملك الحاكم الفرد وعائلته وزبانية أجهزته القمعية المخابراتية، وكانت أرضه مباحة للفاسدين والنهابين ولمحترفي القتل والحفر الجماعية، ولحشرات من الطفيليين العرب والأجانب: من ساسة وإعلاميين مرتزقة يمصون ما يخلفه من دماء العراقيين دراكيولا ووحوشه السائبة العابثة بحياة المواطن وحريته وكرامته وأعراض العائلات. كان المزايدون العرب والأجانب، ومعهم بعض العراقيين، قد ملئوا الدنيا صراخا وضجيجا اكثر من عام، يحذرون وينذرون من التعاون مع الإدارة الأمريكية التي كانت قد قررت، [ منذ 11 سبتمبر] إزاحة نظام ساندته أمريكا والغرب وكل العرب والدول الإقليمية الأخرى، وكل منهم لاعتباراته ولمصالحه الخاصة. وخوفونا من نوايا نهب النفط العراقي وكأنه كان ملك الشعب لا لحفنة من الحكام الدمويين والفاسدين. وأرعدوا وأزبدوا في الفضائيات وفي المظاهرات وفي الصحافة، منذرين الأمريكان بالويل والثبور على أرض عراق صدام، وتحول معظم الصحفيين العرب إلى صحّافيين [ بتشديد الحاء كما يصف مأمون فندي]، وكانوا يقتنصون خلال الحرب واقعة هنا وهناك لعمليات يقوم بها وحوش الفدائيين والإرهابيون العرب المستوردون على جناح السرعة. ولا يزال هؤلاء المزايدون المتطيرون من سقوط نظام صدام يركزون في إعلامهم على عمليات فلول صدام والمتطرفين الهائجين في الفلوجة والحويجة وسامراء والجنوب وغيرها، وكأن الشعب العراقي صار كله يحمل السلاح لطرد "غزاة " التحالف الذين لولاهم لما سقط الطاغية. ويقدم غلاة الدين المسيسون من المذهبين من أ مثال العّبادي في مدينة الثورة ـ الصدر، حججا يومية لدعاة الويل والثبور، كما يعطون لفلول النظام المنهار فرصا للعبث بالأمن ونشر الفوضى.
لقد انهار النظام الذي كان يحكم العراق بقبضة حديدية، ما عدا كردستان. وانهارت معه الخدمات التي كانت متداعية و مريضة في عهده، ووجد اللصوص مجالا من غياب الأمن. ولم تبن بعد إدارة عراقية مؤقتة، لأسباب تعود أولا لتضارب وجهات نظر القوى الوطنية؛ وثانيا لجسامة حجم المشاكل الموروثة؛ وثالثا بسبب التضارب في الآراء بين أطراف الإدارة الأمريكية في واشنطن وعدم التفهم الأمريكي الكامل للوضع العراقي وتفاصيله.
هذه هي الجوانب السلبية التي يركز على إبرازها المزايدون العرب على الوطنيين العراقيين وكأنهم هم أصحاب العراق، وكأن العراقيين هم مجرد صبية " ويلاد" لا يفقهون شيئا من مصالحهم حتى يجئ لتعليمهم رهط من المزيفين والمنافقين العرب من شتى الاتجاهات. ويقع بعض المثقفين العراقيين في الفخ لكونهم منذ البداية كانوا ضد التدخل الأمريكي والبريطاني بدوافع إيديولوجية وسياسية ضيقة.
لقد وصف الكاتب العراقي عدنان حسين، الموجود في العراق منذ حوالي الشهر، حكايات قناة الجزيرة عن أوضاع العراق بقصص [ عباس بيزة وحسنة ملص] على لسان أحمد سعيد عام 1959، قاصدا الخبر الذي سربه بعض المثقفين العراقيين الساخرين لإذاعة صوت العرب أيام حملاتها الشعواء على قاسم والشيوعيين. وكان الخبر يقول "لقد اعتقل الدكتاتور فريقا جديدا من المناضلين القوميين الأحرار في العراق منهم عباس بيزة وحسنة ملص". وكان هذان عاهرة وقوادا معروفين بين أهل بغداد. وبلع أحمد سعيد الطعم وأذاع الخبر بصوته الحماسي المتهدج ليقهقه العراقيون طويلا. إنها لمقارنة جيدة حين يهول إعلاميو هذه الفضائيات في بعض سلبيات الوضع العراقي الراهن، ويعرضون العمليات الإرهابية لفلول النظام المنهار وكأنهم يمثلون الشعب العراقي الذين يحن لذلك العهد المشؤوم. إنهم يطمسون الوقائع الأخرى، وهي الغالبة والأساسية، ويعتمون على مشاعر أكثرية العراقيين غير الصاخبين في الشوارع وهي، كما كتبت تقارير عديدة لمندوبين عرب وأجانب منصفين، فضلا عن تقارير المراسلين العراقيين، ودية من قوات التحالف، الذين ينتشر جنودها في شوارع بغداد لحفظ الأمن واعتقال القتلة واللصوص، ولحراسة دور السينما والجامعات ومدارس البنات من هجمات المتطرفين المدفوعين بعمائم مستوردة من الجارة الشرقية، ومعهم المتسللون من قتلة صدام المسلحين، الذين راحوا بدورهم يلبسون العمائم والأزياء الدينية من مختلف الألوان ومن المذهبين! بل ومن الجنود الأمريكان من يشرفون حتى على عمليات تنظيف العاصمة من أكداس الزبالة.
إن سلبيات الوضع الراهن كثيرة، ولكننا فقط في فترة شهرين منذ سقوط الفاشية. وأمام الوطنيين العراقيين والإدارة المدنية الأمريكية مهمات كبرى ومعقدة تنتظر الحل بالتصميم والتعاون وحسن التقدير والصبر الطويل وعدم الاستعجال والارتجال. ومن العبث كل محاولة مغرضة لطمس أن مجرد إزاحة النظام كان نصرا كبيرا لشعبنا ولقضية مستقبله ودوره القادم، وإن كان مؤلما أن يتم ذلك النصر بفضل التدخل العسكري الخارجي الذي كان لوحده قادرا على تحطيم ماكنة ذلك الأخطبوط الفاشي. وإنها لاستحقاقات للحرية كثيرة تحققت في بضعة أسابيع برغم كل المشاكل الحياتية والأمنية الحادة. فبعد عهد القبور الجماعية وسجون ما تحت الأرض وانتشار حمى التجسس والوشاية، يتظاهر العراقيون بكل حرية ويرفعون من الشعارات حتى الأكثر عدوانية من الأمريكان. والصحافة تنطلق كالعباب في زخم هائل بفعل القمع والتعطش للحرية. اما عدد الأحزاب والتنظيمات السياسية فربما ضربنا في ذلك الرقم القياسي بين الدول! وهذا على كل حال أمر إيجابي وإلى مرور الوقت وانجلاء الأمور وتبين الصالح من العاطب الطارئ. وعوائد ا النفط المصدر سوف توضع في صندوق دولي شفاف الحسابات لمصلحة العراق وليس لخزائن حفنة من لصوص الحكم وجلادي الشعب. ولكن الندابين المغرضين يواصلون العويل متهمين الأمريكان بنية سرقة نفطنا واحتكاره، وهذه خزعبلات سبق للعديد من الباحثين الموضوعيين تفنيدها بالرقم والعلم الاقتصادي. ولكنها تتكرر رغم ذلك! والمهم هنا عودة عائدات النفط للعراقيين لتصرف على الإعمار ورفاه الشعب والتعليم، ولا يهمنا من سوف يشترون النفط العراقي ما دمنا نريده لا للاحتفاظ به تحت الأرض او لشربه!
إننا لا نزال في بداية الخلاص، والطريق طويل وشاق جدا، نظرا لكثرة المشاكل المتراكمة، ولحاجة الشعب لفترة نقاهة سياسية وثقافية وتربوية طويلة قبل الانتقال لعهد البرلمان والحكومة الديمقراطية المنتخبة. والذين يلحون على الانتخابات اليوم أو غدا، هم ما بين مزايدين يقصدون الإحراج، وعراقيين متعجلين سياسيا والتعجل يهلك، أو فريق من الإسلاميين الذين يريدون تسخير المشاعر الدينية الملتهبة بفعل القمع الطويل لاحتلال المواقع الرئيسة في السلطة القادمة وفي الحياة العامة على حساب بقية التيارات والمجتمع المدني.
إن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات عامة بالمطلق، والانتخابات هي أداة لا غاية وهي واحدة من أدوات الديمقراطية وعجلاتها. إن الديمقراطية في بلد كالعراق وفي وضع كوضعه لا يمكن بناؤها إلا بعملية طويلة الأمد، و يجب أن تعتمد أولا على حريات صحفية وحريات تعبير كاملة، وعلى حملة توعية تنويرية واسعة، وعلى حوار وطني وثقافي وتربوي واسع النطاق وعلى كل المستويات، وعلى إعادة بناء المجتمع المدني ومؤسساته المتنوعة والقضاء المستقل. ولو جرت الانتخابات بعد أسابيع أو شهور قليلة لما استطاعت الأغلبية من العراقيين حسن تقييم التيارات والأحزاب والقوى والشخصيات الوطنية التي تطرح اليوم في الساحة. فقد عاش العراقيون في الداخل ثلاثين عاما في ظلام من التجهيل والتضليل والمنع والقمع. إن العراقيين اليوم هم أشبه بالمريض الذي ظل عقودا من السنين على فراش المرض ثم أجريت له عملية خلاص؛ فهو في حاجة لفترة نقاهة طويلة قبل أن يستطيع القيام بالنشاط السليم. كما نضيف أن في المجتمع عادات وتقاليد سلبية زادتها سوءا فترة القمع الوحشي الخانق. وما هوس السلاح، وشهوة الانتقام الفردي والعائلي، وتصاعد الولاءات العشائرية والطائفية والأثنية والحزبية الضيقة غير نماذج للعقبات العراقية الكبيرة والخطيرة في طريق البناء الديمقراطي والتي يجب معالجتها بحكمة وطول نفس وواقعية مرنة، ولكن أيضا بفرض سيادة القانون وحفظ الأمن ومعاقبة المسيئين والمعتدين على الخدمات والمواطنين وجنود التحالف. ويشكك بعض المراقبين الغربيين في تحمل العراق لتجربة ديمقراطية حقيقية. وقد استشهد بعض الصحفيين منهم بمظاهر تحريم الخمور والسفور والدعوة لتطويل اللحى. وهي دعوات وممارسات يدينها أغلبية العراقيين وقد أدانها المرجع الشيعي الأكبر السيد السيستاني. وأبرز صحفيون فرنسيون منظر الدم المسفوح في كربلاء يوم عاشوراء [ الضرب بالقامات]. وهؤلاء يجهلون أن هذه طقوس مذهبية كانت تمارس طوال العهد العراقي الحديث حتى منعها نظام صدام، بل وكان بعض اليساريين والديمقراطيين الشيعة أيضا يمارسونها مع اللطم على الصدور. ولكل حرية ممارسته لما يعتقدها صحيحة من طقوس دينية ما دامت لا تتم على حساب الآخرين والمصالح العامة. وكان بعض كبار المراجع الدينيين في الثلاثينات قد حرموا هذه الطقوس، ومنهم السيد أبو الحسن ومحسن الأمين. ولكن علماء دين آخرين عارضوهم ومعهم أغلبية الناس. ومهما يكن فإنها لا تدل على دموية متأصلة ولا على كره للديمقراطية، ولا على نزعة طائفية، بل هي تعبير عن الإفراط في حب الحسين والتفجع العاطفي لمقتله المأساوي.
إن العراق اليوم هو في حاجة ماسة لإدارة وطنية مؤقتة من الخبراء والتكنوقراطيين الأكفاء القادرين على إعادة دورة الدولة العراقية بعيدا عن أجهزة نظام صدام وعقليته وممارساته، بالتعاون مع إدارة بليمر وذلك لمدة محددة. وخلال ذلك يستمر الحوار الوطني ـ الوطني والحوار العراقي ـالأمريكي للتوصل إلى الصيغة العملية للانتقال التدريجي والمضمون للانتخابات العامة وللبناء الديمقراطي بعد نضوج جميع الظروف والمستلزمات.
إنني شخصيا أعتقد، وخلافا للتقديرات المتشائمة من عربية ومن غربية، أن العراقيين أهل لإقامة نظام ديمقراطي حقيقي مهما كان الطريق طويلا والعقبات كبيرة، وعلى رأسها انتهاك الامن ووباء الطائفية والمحسوبية.
أما التواجد العسكري الأجنبي فلا يمكن إلا أن يكون مؤقتا وهو خاضع لرقابة دولية ولرقابة الشعب الأمريكي نفسه، فضلا عن الوطنيين العراقيين وسائر المواطنين. وعسى أن نتعلم من الإنجليز والأمريكان حسنات حضارتهم وتسامحهم الديمقراطي. ولكل ظاهرة سلبية إيجابيات يجب عدم تفويت الاستفادة منها بلا مكابرة ولا مزايدة على أحد!