(بمناسبة الذكرى الثامنة والثمانون للثورة)


ثمة حقائق في غاية الأهمية من ثورة أكتوبر البلشفية 1917 قد تم تجاهلها من قبل أعداء الثورة كما من قبل الشيوعيين على غير وعي منهم وكل ذلك من أجل وضع الثورة في غير مكانها الصحيح من قبل الطرفين، الشيوعيين وأعداء الشيوعيين. فانتفاضة البلاشفة في 6/7 نوفمبر تشرين الثاني 1917 لم تكن ثورة إشتراكية كما جرى وصفها من جانب الطرفين. وما يسمح لنا بتقرير هذه الحقيقة التاريخية هو أن الإنتفاضة البلشفية لم ترجع إلى الإشتراكية الماركسية بل إلى برنامج ثورة فبراير شباط 1917 البورجوازية. قامت ثورة فبراير شباط بقيادة البورجوازية التي تمثلت قيادتها بحزب الإشتراكيين الثوريين بزعامة أليكساندر كيرانسكي ببرنامج يقوم على ثلاثة محاور أولها وقف الحرب والإنسحاب منها بكل ثمن، وثانيها تحقيق الإصلاح الزراعي لمصلحة فقراء الفلاحين والمحور الثالث كان دعوة الجمعية التأسيسية لصياغة دستور الجمهورية الجديدة.
حكومة الجمهورية المؤقتة التي رئسها كيرانسكي في يوليو تموز تجاهلت كلياً برنامج ثورة فبراير بل بالغت في تعظيم المجهود الحربي ووقفت ضد الإضراب العام للفلاحين في كل الروسيا والذي حدث آنذاك لأول مرة في التاريخ. في سبتمبر إيلول تقدم لينين بمذكرة لمجلس الدوما يطالب حكومة كيرانسكي بتطبيق برنامج فبراير وإلا سيصار إلى إسقاط الحكومة المؤقتة. كافة الصحف المسكوبية على إختلاف ألوانها أشارت إلى الفراغ الكبير في السلطة وإلى أن البلاشفة هم الحزب الوحيد القادر على ملئ الفراغ. عند هذا المفصل من تاريخ العالم تتوجب الإشارة إلى قرار إتخذته الأممية الثانية في إجتماعها العام 1912 والذي طالب الإشتراكيين الروس (الماركسيين) بمساعدة البورجوازية الروسية الضعيفة وقيادتها نحو إنجاز ثورتها.
كان على البلاشفة أن يسقطوا الحكومة المؤقتة البورجوازية ويستلموا السلطة من أجل التنفيذ الكامل لبرنامج ثورة فبراير شباط البورجوازية. كان أول مرسومين وقعهما لينين كرئيس لمجلس الدولة الجديدة هما مرسوم السلام ومرسوم الأرض ـ أعلن مرسوم السلام إنسحاب روسيا من الخرب وطلب من جيوش روسيا وقف كل العمليات الحربية والعودة حالاً إلى أرض الوطن. وقضى مرسوم الأرض بوضع يد الدولة على كل الأراضي الروسية بما فيها من ثروات توطئة لتنفيذ الإصلاح الزراعي المنشود وتمليك فقراء الفلاحين قطعاً مناسبة من الأرض الزراعية. كما أن لينين توجه صبيحة الثورة إلى كل الأحزاب الروسية بما فيها حزب الكاديت الرجعي، وهو حزب أغنياء الفلاحين، طالباً إليها الإشتراك في السلطة الجديدة. رفضت كل الأحزاب الإشتراك في الحكومة الجديدة باستثناء الإشتراكيين الثوريين الذين هم حزب كيرانسكي المعزول، وقد تولوا ثلاث حقائب وزارية إستقالوا منها بعد بضعة أشهر (مارس آذار 1918) إحتجاجاً على توقيع معاهدة صلح بريست لتوفسك مع الألمان. طيلة تلك الفترة ظلت الصحف تصدر معبرة عن مختلف التجمعات والأحزاب السياسية التي ظلت هي أيضاً تمارس نشاطاتها بحرية تامة.

وكما تنبأت مختلف الصحف المسكوبية قبل الثورة تشكلت جبهة عريضة ضمت جميع الأحزاب الروسية وأعلنت الحرب على السلطة البلشفية ليس لأجل إسقاطها فقط بل من أجل إبادة البلاشفة عن بكرة أبيهم. هذا ما أعلنوه ولأجل هذا جيشوا جيوش دنكين في الجنوب وكولتشاك في الشمال للإطباق على دولة البلاشفة في موسكو. إلا أن جماهير الفلاحين وقد لمست وقوف البلاشفة إلى جانبهم بالإضافة إلى الطبقة العاملة الروسية وقفوا بكل تضحية وبمنتهى الشجاعة دفاعاً عن دولة البلاشفة واستطاعوا بعد أن خاضوا معارك دموية طاحنة أن يحققوا النصر الحاسم في العام 1921 فقط. لقد راهنت كل الأحزاب اليمينية والبورجوازية وحتى اليسارية مثل المناشفة والإشتراكيين الثوريين الذين جندوا إحدى نسائهم لإغتيال لينين، راهنت كل هذه الأحزاب بمصيرها لإسقاط البلاشفة ومحوهم من الخارطة الساسية الروسية لكنها باءت بالفشل الذريع ولم تمحِ إلا نفسها.

في المؤتمر العاشر للحزب الشيوعي البولشفي وبعد أن أستطاعت جماهير العمال والفلاحين السوفييت من سحق أعداء الثورة من مختلف الألوان وجد البلاشفة في المؤتمر أن جميع الأبواب قد سُدّت أمامهم ولم يبق لهم من خيار سوى الشروع ببناء الإشتراكية. هذا هو الباب الذي عبر منه لينين وكتلته وهي أكبر وأقوى كتلة في الحزب بالرغم من معارضة ذوي الميول الفوضوية الذين دعموا معارضة تروتسكي. الثورة البورجوازية التي طالبت الأممية الثانية الشيوعيين بإنجازها لم تعد خياراً ممكناً بعد أن حكمت مختلف القوى البورجوازية المنظمة على نفسها بالإعدام. الشيوعيون لا يعرفون أن يبنوا نظاماً بورجوازياً رأسمالياً حتى لو أرادوا.

إنتفاضة البلاشفة في 6/7 نوفمبر 1917 تحولت بفعل الأطماع التي تغشي عيون البورجوازية الكبيرة والوضيعة سواء بسواء إلى ثورة إشتراكية عالمية أراد لها لينين بذلك أن تفكك النظام الرأسمالي العالمي وهو ما فعلته بالرغم من أنها لم تستطع عبور مرحلة الإشتراكية التي رآها ماركس تتم فقط في ظل دولة دكتاتورية البروليتاريا تلك الدولة التي عمل خروتشوف منذ أن تولى السلطة عام 1954 على إسقاطها. وفي المؤتمر الإستثنائي الحادي والعشرين للحزب الشيوعي السوفياتي في فبراير شباط 1959 أعلن خروتشوف سقوط دولة دكتاتورية البروليتاريا في الإتحاد السوفياتي نهائياً وإلى الأبد.

فؤاد النمري
www.geocities.com/fuadnimri01