خارج نطاق الدول العربية والإسلامية التي باتت منذ انتهاء الحرب الباردة وجهة الولايات المتحدة الأميركية في ميزان العداوات، لم يستطع أي رئيس دولة أو زعيم كبير لها أن يأخذ حيزا من الإهتمام في الخطابات الرئاسية والجهود الدبلوماسية والحملات الإنتخابية الأميركية كما فعل اثنان هما فيديل كاسترو وهوغو تشافيز.

وإذا سلمنا بأن كاسترو مستمر على نفس الوتيرة منذ انتصار ثورته وتصاعدها عام 1959 حتى اليوم رغم غيابه الأخير بسبب المرض، فإنّ تشافيز هو الوحيد الذي ظهر في الفترة الأخيرة واستطاع أن يشد إليه مختلف وسائل الإعلام إليه عبر الإنتصار على حلفاء الولايات المتحدة في فنزويلا لأكثر من مرة منذ عام 1998، وعبر تحالفاته الأميركية اللاتينية، ومساندته لكل من يخالف الولايات المتحدة، وعبر خطاباته النارية التي تعيد إلى الأذهان طريقة كاسترو بالذات.

إذاً فقد استطاع تشافيز بقميصه الأحمر أن يكون هدف الثور الأميركي الجديد خارج ابتكار quot;حرب أميركا على الإرهابquot;. فتشافيز يظهر متحديا للولايات المتحدة عبر السياسة والإقتصاد والثقافة ليعلن عن هوية مميزة تربط اللاتينيين، فيسعى إلى أطر جامعة لهم في كوبا والسلفادور وغواتيمالا والمكسيك وفي جنوب القارة أيضا في البرازيل والإكوادور والبيرو والأرجنتين.

ومع عودة تشافيز القوية إلى الحكم عبر الشعب الذي أفشل الإنقلاب ضده كان أقوى وأكثر تحديا للولايات المتحدة ومصالحها فوطد علاقته بكاسترو وبوتين وانفتح على العالم الإسلامي والعربي فبات حليفا لأحمدي نجاد في مواجهة الضغوطات النووية المتزايدة واعتبر في لبنان مع العدوان الإسرائيلي عليه في تموز 2006 quot;الزعيم العربي الكبيرquot; لمواقفه المناوئة لإسرائيل والمساندة للشعب والمقاومة. وصولا إلى مشاركته الأخيرة في المملكة العربية السعودية في اجتماع دول أوبك والصور التي وزعتها وسائل الإعلام عن الأجواء الطيبة التي رافقت المؤتمر.

وفي فنزويلا بالذات ومع الخطط الإقتصادية والإجتماعية quot;البوليفاريةquot; وعبر الخطابات والمواقف الثابتة التي اتخذها تشافيز كان له ما أراد من جماهيرية كاسحة تجاه المتحالفين مع الولايات المتحدة الأميركية إن عبر الإنتخابات وإفشال الإنقلاب ضده أو عبر الإستفتاء السابق على بقائه كرئيس.

وجاء الإستفتاء الأخير ليضع الفنزويليين في موالاتهم التي لم تخذل يوما تشافيز وفي معارضتهم التي استمدت زخما أكبر عبر الإعلام الغربي والأميركي خصوصا عبر وضع طلاب الجامعات بشكل متعمد في مقدمتهم. وكان هذا الإستفتاء الهزيمة الأولى لتشافيز الذي استبقه بتحدي الولايات المتحدة ومهاجمة وسائل إعلامها والإعلان عن نفسه رئيسا لفنزويلا quot;حتى عام 2050 إذا أعطاني الله عمراquot; بحسب قوله.

لكن تشافيز فشل ولم يكن له ما أراد ما يطرح عدة إحتمالات:

الإحتمال الأول هو الأبسط والأكثر اقترابا إلى الحس الإعلامي العام وهو عدم قبول الفنزويليين برئيس مطلق الصلاحيات يحكمهم فترة طويلة تحول بلادهم إلى ديكتاتورية، فاختاروا فعلا الأنسب لهم من خلال هذا الإستفتاء.

الإحتمال الثاني من الممكن والمحتمل جدا أن يعود إلى توقيت الإستفتاء والفترة القصيرة بين اتخاذ القرار بإجرائه وإجرائه الفعلي. فقد كانت فترة قياسية لم تسمح للجماهير بالفهم الكافي للمسألة ولم تسمح كذلك لتشافيز بتسويق أفكاره كاملة في هذا الإطار. فأدى هذا إلى مقاطعة جزء من الجماهير ومناوئة بعضها الآخر للإستفتاء.

والإحتمال الثالث وهو الأخطر والأبعد عن تحليلات وسائل الإعلام وترحيب جورج بوش بالنتيجة هو أن تشافيز قد نظم إستفتاءا ليخسر بشكل مقصود!! وفارق الـ2 % بين الفريقين يدل على ذلك بشكل أو بآخر. فما الـ2 % بطبيعة الحال سوى خمسة صناديق من هنا أو خمسة صناديق من هناك إذا كان النظام متهما لأكثر من مرة بعدم النزاهة.

كل ما هنالك أن تشافيز يريد أن يثبت للعالم وعلى رأسه الولايات المتحدة أن فنزويلا تتمتع بالديمقراطية أكثر منهم جميعا وتبتسم حين تخسر وتعترف بهزيمتها أيضا.

عصام سحمراني
[email protected]
http://essam.maktoobblog.com/