الأوحال كانت تغطيني بالكامل وتحيل بذلتي العسكرية المرقطة لونا واحدا موحدا يتماهى بين الأسود والبني. لم أكد أنهي يومها تكليف غرس الشتول الذي ولد بقدرة قادر حين وصلت شحنة من إحدى الدول الأوروبية إلى ثكنتنا حتى جاءني محمد بخبر مفاجأة يحضرها لسامر.
إستمعت إليه رغم كل ما بي من وحول التكليف غير المعهود والذي أدى بي تقديري الخاطئ دوما إليه بعدما تطوعت هربا من ذلك التكليف المطبخي المليء بكل ما يدفع إلى الغثيان. فطعام الجيش نفسه كان مثيرا للقرف فما بالك بفضلاته وأواني طبخه التي ترمى على عاتق المحظوظ المختار لها.. فتكون المعادلة الجاهزة دوما؛ تنظيف تام لها يقابله اتساخ كامل وقذارة لا تزول أبدا في هندامه وجسمه.
لم أعهد حفرا ولا غرسا قبل ذلك النهار الممطر الموحل اللهم إلاّ ما قمت به من اعتداءات بالمفرقعات النارية ضد قرى النمل حين كنت صغيرا ساديا. استمعت إليه ووافقت دون تردد على كلامه رغم كلّ ما بي من تعب وما بملابسي بل أسمالي من أوساخ.
quot;الليلة عيد الميلادquot; قالها محمد ولم يترك لي الفرصة كي أكمل؛ quot;إي وشو يعني!!!quot; بل تابع بحماس كبير؛ quot;وقررنا القيام بمفاجأة خاصة لسامر بما أنه لم ينل إجازة للذهاب إلى منزله للإحتفالquot;.
كنا نحن الخمسة؛ محمد وهادي وأنور وياسر وأنا نشكل مجموعة متماسكة بشكل كبير في تلك quot;السريةquot; العسكرية. يعاون واحدنا الآخر في كلّ شيء ويحاول التغطية على حماقاته وتجاوزاته منعا للعقوبات عنه.
الإجتماعات العسكرية كانت تشهد على ذلك تماما خاصة حين تأتي فجائية تحمل معها عقوبات ساخنة للمخالفين الغائبين عنها. أولئك الغائبون كانوا دوما واحدا أو أكثر من مجموعتنا؛ فقد كنا نجد في الهرب المستمر من الثكنة أسلوبا وحيدا للتخفيف من وطأة الخدمة العسكرية، فالمنازل قريبة وكذلك أماكن التسكع وquot;الصياعةquot; الأخرى التي يسمح بها الجيب. وعند التحضير للإجتماع يبلغ الهاربون سريعا عبر هاتف أحد المطاعم عند مدخل الثكنة كي يأتوا في التوّ واللحظة والتذرع بأيّ حجة غياب إلاّ الضبط في حالة الفرار.
يومها كان قد مرّ أسبوع على انتهاء شهر رمضان الذي شهد أكبر معدّل هروب لنا للإفطار في المنازل، قابله أكبر معدل كذلك في عمليات الضبط وتوقيع مذكرات العقوبة بحقنا. وفعلا فقد كانت حصيلة كل منا مذكرتين مع انتهاء الشهر ثالثتهما تودي إلى السجن مباشرة.
أما سامر فعلى الرغم من أنه مجند إجباريا لعام واحد في ما يسمى quot;خدمة العلمquot; كحالنا فقد كان أعلى منا رتبة. فسامر حائز على شهادة تقنية عالية تؤهله أن يكون من الرتباء المجندين لا كحالنا العلمي الذي يلمس أعلاه العام الجامعي الثاني ويتدنى نحو الإبتدائي الثاني نزولا.
تتسرب الفكرة بيننا بسرية يملأها الحماس، فنتاثر بها نحن الخمسة دون سوانا كما لطالما تأثرنا وعملنا على حل كثير من أمور الرفاق ماديا ومعنويا. فقد كنا نأخذ على عاتقنا قضية نصرتهم في ما يشبه الوحدة تجاه الرتب الأعلى من شرائط ونجوم.
quot;آمر السرية رفض منح الإجازة لسامر رغم مرض والده ورغم ان الليلة عيد الميلادquot;.. قطعا فقد استغربنا تماما حين همس أنور بهذه الكلمات ذلك الصباح، لا لأن والد سامر مريض بل لأن الليلة عيد الميلاد بالدرجة الأولى. quot;حتى جوزيف ونعمة الله ذهبا ولم يمض على وجودهما في الثكنة 3 أيام!!quot;.. الجميع كان يعلم كذلك مغزى كلام ياسر، فجوزف ونعمة الله ليسا أكثر من مجندين عاديين كحالنا وقد جاءا في تشكيلات الدفعة الأخيرة إلى الثكنة.
استغربنا جميعا الوضع بشكل تام لم يمنع سامر من الإستماع دون التعليق بأي حرف، لكن علامات المرارة كانت بادية تماما على محياه.
نمضي إلى الإجتماع الصباحي ويكلف كل منا بمهامه وأنال حظوة البلاء مع هادي في كلفة الغرس والحفر لينتهي النهار مع خبر محمد للمفاجأة. أوافق مع هادي على طلبه ونتفق جميعا على الهروب هذه الليلة على دراجاتنا النارية لتحضير العدة الملائمة بعد انقضاء الإجتماع النظامي الأخير.
لم يفكر أي منا بالعقوبة الثالثة التي ستودي به حتما إلى السجن هذه المرة لمدة تتجاوز العشرة أيام إذا ما تم الضبط. لم يفكر أي منا بذلك فحسنا بالمسؤولية والوحدة الوطنية واللاطائفية كان يطغى علينا نحن الشيعة الثلاثة والسنّة الإثنين تجاه زميلنا المسيحي في واحد من أهم أعياد ديانته.
السكون العابق بالروائح المختلفة كان يلفّ الغرفة حين دخلناها قافزين وصارخين بما يشبه أغاني الميلاد كل بحسب طريقته التي لم تقترب أبدا من الأصل. لم نهتم بالرتيب العتيق الذي أبدى انزعاجه التام وظن أن الحرب قد قامت على وقع دخولنا المفاجئ. ولم نأبه بشعوره أننا نتعمد إزعاجه كما لطالما أزعجنا ليلا حين ينير الغرفة ويحدث جلبة لا نهاية لها فقط لأنه يكون ذاهبا في مهمة ما يشعر حيالها أن من واجبنا التعاطف معه والتخفيف عليه فيها.
يرفع محمد قالب الحلوى ويحمل الآخرون باقي الأغراض من عصير وبزورات وشوكولا بينما أذهب إلى سامر وأحمله على احتلال مشهد الإحتفال. سامر الذي وقف فوق سريره العالي مشدوها تماما بمفاجأتنا.
لم تتسرب الفكرة بسرية وبطء هذه المرة بل قذفت في وجوهنا قذفا كما تكليف الغرس، فصبت فوقنا ماء كانونيا حين كنا نوقع مذكرات العقوبة الثالثة ونهم بعدها بحزم عدة النوم للنزول إلى السجن فورا.
مضينا إلى السجن بصمت يخفي وراءه كلاما وصراخا وشتائم لا تنتهي تترافق مع الذكرى الأخيرة المطبوعة في رؤوسنا لكلام سامر المتفاجئ بالإحتفال؛ quot;بغض النظر عن مفاجأتكم الرائعة التي أقدرها كما أقدركم جميعا يا شباب.... لست مسيحيا أنا بل درزياquot;....











التعليقات