عصام سحمراني: لا حيلة لها بتاتاً، فهي منذ ربع قرن كامل وهي في هذا المكان. تقبع هي وتصرّفاتها اللا مبالية وركوة القهوة على الطاولة أمامها و"سندويش" الجبنة البيضاء في كيسها. هي هكذا لا تهتمّ بأحد ولا تبالي بما يقوله الآخرون عنها؛ أولئك الذين يعبدون المظاهر والأتيكيت ويجلّونه أكثر من أيّ شيء آخر.
وزّعت الكراريس على الطلاّب الذين كلّفت بمراقبتهم هذا النهار بعناية كبيرة. وقرأت أسماءهم بعدها بعناية أكبر، لتجلس خلف طاولتها المزمنة تلتهم طعامها ولا تبالي بجفاف أصابها منه. جفاف جعل الطلاّب يهزأون منها على وقع نوبة السعال التي أصابتها. لكنّ هزأهم سرعان ما تحوّل إلى عطف لشدّة معاناتها.
باشر الطلاّب بامتحاناتهم وما عادوا يكترثون بما يدور من حولهم، سوى البعض منهم الذين كانوا ينتظرون همسة ما من زميلة أو زميل لتسهيل الإمتحان عليهم. أمّا هي فقد أقفلت على نفسها من الداخل وجلست بمواجهتهم كالصنم تماماً.
لا لا يمكن أن تخترق تلك الرائحة العطرة مشاعرها مجدّداً وهي تراقب الطلاّب. رائحة كرائحة قلب أكواز الصنوبر غير الناضجة في قريتها الجبلية الساحرة تغزو شرايينها فتردّها إلى أيّام كانت تجلس فيها مكانهم وهي تؤدّي امتحاناتها في الكلّية نفسها. الكلّية نفسها التي سلبتها عمراً مديداً لاحقاً حوّلها إلى مخلوق خانع قانع لا مبال بما يدور من حوله.
تلك اللا مبالاة التي كان يكرهها أشدّ ما يكرهها هو. كان يكرهها نعم ولا تعرف الآن كيف يشعر حيالها بعدما تحوّلت تحوّلها العجيب هذا نحو النقيض الذي كان قبل رحيله. رحيله هو ورائحة الصنوبر والضيعة البديعة المليئة بأكواز الصنوبر غير الناضجة التي رسماها في مخيلتهما وخيالهما الواسعين اللذين ما زالا يضيقان منذ ذلك اليوم حتّى اختطفته الحرب شهيداً حيّاً في تجسّده اليوميّ أمامها فآضمحلاّ لديها بعد رحيله وباتت مثله تتمنّى الرحيل.
رحل ولم تضمّ إلى صدرها سوى جثّة جفّت على وجه صاحبها الدماء. دماء فدى بها القرية التي كانت لهما من قبل أمام ما جاءها من ويلات الغزو الفوضوي المتسلّح بمئات من القضايا والأيديولوجيات المتعفّنة والمختبىء خلف عقد الإجرام والسادية والعنصرية في عروقه. خطفته رصاصة واحدة وضعت حدّاً نهائياً لأحلام كانت لها من قبل كانت تأمل أن تنقلها إلى جيل آخر لا تتمنّى له نفس الحياة. فلتفنى القرية عن بكرة أبيها! ماذا وهبتها غير سلب حبيبها الذي كانت لها معه أحلام خضراء كلون ثيابه العسكرية!؟
لحظة موته تلك كانت الأشدّ عليها. تلك اللحظة التي افتقدت فيها ذلك اللون الأخضر ولم يبق من ألوان سوى الأحمر الكاذب والأسود والكثير من الرمادي.الرمادي الذي تحوّل بديلاً لأحلامها الخضر يأتيها كلون الشاشة في تلفازها الصغير. كلون ثيابها وأيّامها وذكرياتها السحيقة التي اكتسبت اللون اكتساباً على مرّ السنين.
ذكريات تعيدها مجدّداً إليه في يقظتها. تراه متجسّداً أمامها بكامل ألوانه الخضراء للثياب والحمراء للقبعة العسكرية والوجه والورود في يده. تجسّد لا تستطيع خلاله سوى أن تتلمّسه وتعانق أكتافه العريضة وتشدّه إلى صدرها الذي يغرق إلى الأبد في حزنه. لحظة واحدة تكفيها يزورها خلالها في يقظتها فتمتدّ إلى ما لا نهاية أحلام يقظتها غير العابئة سوى بالنشوة التي تعيشها.
لو أنّه يتكلّم فقط! كلمة واحدة تكفيها؛ "حبيبتي". لو أنّه يقولها فقط لتحوّل الزمان والمكان من حولها إلى مهرجان كامل الإعداد من طبول وخيول وأغاني وراقصات و"دبّيكة" وزينة وشموع وأكواز صنوبر غير ناضجة. لو أنّه يتكلّم فقط لآنتشر رذاذ العطر الكوني في الأرجاء مزيلاً معه سنينها الخمسين التي لطالما أضنت كاهلها. لو أنّه يتكلّم!
تغلق عينيها على هذا الأمنية وتنسى كلّ ما يدور من حولها لتعود إلى لون واقعها الرمادي يتجسّد في أحلامها ويبعدها عن شهيدها الأخضر الذي ما زال فتيّا حاضراً في يقظتهاً.