عصام سحمراني: كعادته التي لا يغيّرها فقد رماني الباص بعيداً عن مقصدي. وأنا في العادة لا أهتمّ لبعض المئات من الكيلومترات حتّى ولو كنت أتأبّط كما اليوم كومبيوتري وشاشته معاً وأنا أرافقهما للمرّة الرابعة إلى محل التصليح عبثاً. في العادة أنا لا أهتمّ لكنّ سماء بيروت هذا النهار قرّرت عن سابق تصميم بثّته نشرات الطقس المتنوّعة أن تصحو من جفاف عينيها الآني وأن تدفق خيراتها المائية وهي تصبّها لعنة فوق رأسي، على الرغم من أنّ "أبا سعيد" صاحب الدكّان الذي في زاوية زقاقنا يتزلّف السماء في مثل هذه الحالات وهو يكاد يبكي؛ "الله يبعت الخير.. وينعاد عليكم!" .
لست من متابعي نشرة الطقس -وبالمناسبة ندمت على ذلك لاحقاً- وملابسي الخفيفة كانت متناسبة مع الأجواء المشمسة في الضاحية الجنوبية. لكن من يستطيع منع السماء من الهطول!؟ إذاً فالبلل الذي إتّخذ من ثيابي مرتعاً له كان تحصيل حاصل فكلّ همّي كان موجّهاً صوب ثروتي التي أنقلها في وضح النهار بين يديّ. وذلك ما قاد خطواتي سريعاً نحو أوّل ملجأ صادفته وكان محلاً للنجارة.
"تفضّل" أتى الصوت من خلفي وكأنّه ينتظرني منذ زمن طويل. بطبيعة الحال فقد أنزلت حمولتي أرضاً وأنا أتحسّس مواضع البلل وأحاول جاهداً إزالتها عبر وسائلي البدائية من يدين ومناديل "كلينكس" ورقية. التفتّ فإذ بي أمام رجل سبعيني على أقلّ تقدير يبتسم في وجهي وهو على كرسيّه يشدّ خشبتين محاولاً إلصاق زواياهما بيد سليمة وأخرى مبتورة. رؤية هذا الشخص أصابت مكاناً ما في ذاكرتي لكنّها لم تستطع خرقها كلّياً. وقفت قليلاً وأنا أحاول تذكّره وكنت أسأل نفسي باللبنانية طبعاً فأنا كما يفترض بي أفكّر بهذه اللهجة دون ترجمة إلى الفصحى؛ "يلعن إختا وين شايفو!!؟".
كلّ ما كان يلمع في رأسي هو الصوت واليد المبتورة والأوتوبيس وقد كانت عناصر أكثر من كافية لتذكّر شخص واحد خاصة أنّني لا أدخّن. بل وأصاب بإنزعاج من تنشّق الدخان على جميع أنواعه ولو كان دخان الإشارات الخاصة بالهنود الحمر. أجل لقد تذكّرته فهو نفس الشخص الذي رأيته مرّة يتيمة منذ سنتين ونصف تحديداً وسيأتي لاحقاً كيف لذاكرتي أن تذكر التاريخ بهذه الدقّة.
"إضحكوا قدر ما تريدون! كل الأنبياء هزئت بهم شعوبهم"؛ يومها قال هذا في خضم خطابه الناري. وكان الأوتوبيس يخترق "فردان" وهو يتجه من "الحمرا" نحو "الكولا".
معظم الذين مرّوا في منطقة "الحمراء" يومها شاهدوا عن بعد، أو اقترب منهم شخص ذو مظهر معين أثار فيهم انطباعاً ما أنّه مختل. هذا الشخص هو نفسه؛ "الشيخ أحمد" كما أعلن يومها. أمّا الأمر الذي جعل أولئك الأشخاص يقتنعون بجنون "الشيخ أحمد" فهو ادعاؤه أنه المخلّص ؛" المسيح، المهدي ، كائناً من كان الذي تؤمنون به". واحسب نفسك مكانهم فأنت طبعاً ستتهمه بما اتهموه لأنّ كمّيات متفاوتة بين شخص وآخر من المواعظ والممارسات والشعائر والتقاليد الدينية الموجودة في اللا شعور الخاص بك تكاد لا تدع مجالاً للشكّ في جنونه.
المهمّ أنّه ذلك النهار استقلّ الأوتوبيس للمرة السابعة وهو ينشر دعوته على الملأ. كنت أظنّ أنّه من الأولياء الذين يستفيدون من وسائل العصر الحديث لكنّ السائق كان لديه تصوّره الخاص أيضاً ؛ "لا شرطة ولا درك هنا لحلّ التجمعات" علّق بسخرية وقد أخذ منه "الشيخ" الإذن بالكلام.
وقف بثياب العمل العادية؛ القميص والسروال الزرقاوين ، وبشعره الأشيب وشاربيه الصفراوين الكثيفين، ويده المقطوعة في مواجهة الركاب، وكان يحمل باليد الأخرى كومة من الأوراق والدفاتر. وبالرغم من اكتظاظ الأوتوبيس فقد تجاهله الجميع بادئ الأمر. لكنه تسرب شيئاً فشيئاً إلى آذان الركاب ، وشدّ انتباههم عبر صوته المرتفع - حد الإزعاج- وإلحاحه المتواصل، وحركاته المضحكة بعض الأحيان.
بدأ بالكلام عن الحالة التي يعيشها العرب ؛"وأنتم منهم". هذه الحالة التي جعلته يكشف عن شخصيته التي أخفاها طويلاً ؛"من سنة 54ظهرت ليلة القدر وانكشفت عليّ" . وجعل يتخذ من سورة الفجر في القرآن الكريم إثباتاً على ما أعلنه من غزو أمريكي للعراق؛ "القصف عالعراق بدأ عند الفجر وعشر ليالي استمرّ، ومن بعدهم أربعة شهور، ويأتي بعدهم (الليل إذا حشر) هذا الليل الذي نحن نعيشه الآن". وباقتباسات من أشعار "جبران"، و"الأخطل الصغير"، و"شحرور الوادي" تابع خطابه الحماسي الذي ازداد حماسةً حين جادله أحد الركاب الذي اتهمه بالكذب؛ "كفى دجلاً". ارتفع صوته أكثر وأكثر وجاوب المشكك بنبرة أرادها أن تكون مقنعة وتهديدية في الوقت عينه؛"الشيخ الفلاني قال كما تقول منذ زمن بعيد ،إي طارت لفّته!". ولمّا وجد يومها أنّ جميع الركاب ينظرون إليه أعلن لهم أنّ الثورة سوف تبدأ "هذه الليلة" في الليلة نفسها التي كان يتكلّم في نهارها الطويل ذلك. وأعلن أنّ ثورته المزعومة ستنطلق من قلب السعودية ،والعراق،وفلسطين؛"ولا تظنّوا أنّ أمريكا وإسرائيل لا تعرفان بهذا العبد الفقير، والله يعرفون بي منذ زمن طويل!" ختم بذلك يومها.
بعدها ترجّل من الأوتوبيس تحت جسر "الكولا" ولم أعرف إن كان ينوي استقلال غيره أم إنّ رائحة المشاوي التي تسرّبت إلى المكان من المطاعم الواقعة في قلب تلك الساحة قد شدّته إليها. وكنت أبرّر لنفسي هذا التفكير مخافة الإساءة إلى نبوّته أو ولايته المزعومة قائلاً في سرّي؛ "وإذا نبي شو ما بياكل!!؟".
عادت الحادثة بكامل تفاصيلها إلى ذاكرتي وأنا أقف قبالته والماء يهطل من كلّ ملابسي في ذلك المحلّ الضيّق. لكنّني سرعان ما تناولت حمولتي وقبل أن يضيف إلى كلمته اليتيمة محاضرة كاملة تسبّب مصيبة أخرى غادرت المكان. فأنا لم أخبركم بعد كيف أعرف التاريخ بكلّ هذا التحديد.
ففي تلك الليلة الشهيرة بالذات والتي وعد فيها بقيام الثورة المجيدة تسمّر معظم من كان حاضراً في الأوتوبيس ليلاً أمام شاشته على المحطات الإخبارية ليشبع فضولاً،ربما، عن الثورة التي تحدث عنها "الشيخ". ولكم أن تخمنوا وقع المفاجأة التي أصابت كلّ منهم حين شاهد خبر إغتيال الدكتور "عبد العزيز الرنتيسي".
- آخر تحديث :




التعليقات