| تصوير عصام سحمراني |
عصام سحمراني :
الضاحية الجنوبية لا تحتفل بإستقلال لبنان. ربّما نبدو في طرحنا للفكرة وكأنّنا نعزل تلك المنطقة النابضة بالحياة قبل أيّ شيء آخر عن باقي لبنان. ربّما يبدو كذلك في ظلّ التأييد الواسع هنا لحزب الله وحركة أمل- التنظيمين الشيعيين المؤيدين لسوريا واللذين لا يختلف اثنان في لبنان في أنّهما من أصحاب الهيبة والرهبة والمواقف المنفردة عن معظم باقي القوى في لبنان على مرّ العقدين الأخيرين.ربّما يكون كذلك لكنّ ما يدعونا للنظر مجدّداً في المسألة هو التهميش الذي يطال هذه المنطقة بالذات منذ تأسيسها المتواصل يوماً بعد يوم وعلى جميع المستويات العامة من سياسية وإقتصادية وإجتماعية وخدماتية. إهمال مزمن جعل الضاحية بؤرة واسعة لكثير من المشكلات الإجتماعية المحلّية التي تساهم بدورها في زيادة الإهمال. تلك الصورة التي تنعكس هنا في الضاحية فتصبح المشاكل نتيجة للإهمال والإهمال نتيجة للمشاكل في الوقت عينه. فتكون الضاحية إزاء ذلك فعلاً معزولة عن باقي المناطق دون أن نساهم فعلياً في الأمر.
إذاً وعلى الرغم من أنّ اللبنانيين قد أقفلوا محالهم التجارية تهيؤاً لصباح 22 تشرين الثاني العظيم. وبغضّ النظر عن المكان الذي ذهبوا إليه حيث توزّع بين ساحة العرض وضريح الرئيس الحريري فإنّ معظم أهل الضاحية لم يذهب إلى أيّ مكان بل ومؤكّد أنّ أحداً منهم لم يقفل "باب رزقه" ولو كانت مناسبة ذات شأن عظيم.علي الذي يملك معملاً للخياطة "على قد حاله" لا يذكر بتاتاً أنّه أقفل في هذا النهار أو أعطى للعمّال القلائل فرصة.لا بل أنّه لا يذكر أنّه نال بدوره فرصة حين كان ينتقل من عمل إلى آخر قبل افتتاح معمله في مثل هذا النهار أو في غيره من الأعياد الوطنية.
هو لا يعترف بهذا اليوم عيداً لا لعدم أهمّيته المفترضة بالنسبة إليه بل لعدم خسارة يوم عمل إضافي في "يوم هامشي كهذا لا يطعم خبزاً ولا يغني من جوع!". يبدو أنّ دروس التنشئة الوطنية قد فاتت علي أيّام الدراسة. ويختلف الأمر مع مازن الذي ينال عطلة في هذا النهار. لكنّ عيد الإستقلال لا يشكّل له أكثر من هذه العطلة التي تبعده قليلاً عن أجواء وظيفته الحكومية. وهو في ذلك كالألوف من تلاميذ المدارس وطلاّب الجامعات الذين يتمنون أن تمتدّ العطل؛ "إلى ما لا نهاية" يقول قاسم الطالب في السنة الثانوية الأخيرة. لكنّ تمنّيات قاسم على ما يبدو في طريقها إلى التقلّص في ظلّ إعادة جدولة الأعياد التي قامت بها الحكومة وأصدرت مذكّرة ألغت بموجبها بعضاً منها وقلّصت العطلة الخاصة بالبعض الآخر؛ "بسيطة نعوّضها على حسابنا!" يضيف قاسم المدمن على العطل.
آخرون غيرهم ينطلقون من مواقف سياسية معيّنة تتّخذ من الحالة السياسية الراهنة مرجعاً أساسياً لتفكيرهم خاصة أنّهم من أتباع ومؤيّدي الحزبين المتفرّدين في الضاحية الجنوبية: حركة أمل وحزب الله. حسين يعتبر في هذا الإطار أنّ الإستقلال الخاص بعام 1943 هو من صنيعة دول أخرى ضغطت على الإحتلال الفرنسي لتخرجه أمّا تحرير الجنوب والبقاع الغربي فهو جاء "على أيدي أبطال الأمّة جمعاء". ويعتب حسين في هذا الإطار على من يستخفّ بإنجازات المقاومة الإسلامية ويحاول محاربتها ونزع سلاحها رغم أنّ "أرضنا في مزارع شبعا لم تزل محتلّة" يقول حسين.
الأرض المحتلّة في مزارع شبعا هي ما يدعو كامل أيضاً إلى التشكيك في جدوى القيام بخطوة الإحتفال بالإستقلال؛ "بل وإلغاء عطلة عيد التحرير في 25 أيّار". فالعيد الحقيقي برأيه هو الذي يكون للبنانيين فيه "10452 كيلومتراً مربعاً لا تنقص شبراً واحداً عندها سيكون عيدنا الحقيقي بفضل المقاومة".
وعلى الرغم من أنّ أحمد لا يتكلّم من منطلق حزبي فإنّه لا يجد أيّ ضرورة للقيام بخطوة الإحتفال بعيد الإستقلال؛ "ومن قال لك أنّ استقلالاً قد حصل؟" يسأل علي بثورة. فهو يرى أنّ الفرنسيين قد غادروا لبنان فعلاً عام 1943 وتبعهم جيشهم بعدها بثلاث سنوات؛ "لكنّهم تركوا الإحتلال الأكبر وهم ملوك وأمراء الطوائف الذين يشكّلون خطراً علينا أكبر من خطر أيّ احتلال" يتأسّف أحمد.
وإذا كان أحمد قد عرض الأوضاع كما هي بعد رحيل الفرنسيين حتّى يومنا هذا فإنّ حسن يذهب في تطرّف أفكاره إلى أبعد من ذلك بكثير. فهو يأسف على أمر واحد لا غير هو "رحيل الفرنسيين!". ولا يعطي حسن كثير بال بمن يشكّك في وطنيته في هذا الأطار فهو فعلاً يستخفّ بالهوية اللبنانية "التي اخترعت لإرضاء حفنة من سكّان هذه المنطقة من العالم شوكة في عيون العرب والمسلمين لا أكثر!" يضيف حسن. ويفصّل شقيقه ربيع ما للهوية الفرنسية من فوائد لو بقي الإحتلال الفرنسي كما في "كاليدونيا والمارتينيك وغويانا الفرنسية حيث ينال المواطن في هذه الدول حقوقاً مساوية لحقوق المواطن الفرنسي في ظلّ اعتبارها محافظات فرنسية لا دولاً محتلة" يقول ربيع ويستطرد؛ "عندها على الأقلّ ستكون همومنا هي هموم المواطن الفرنسي التي تشكّل هموماً أرقى من المطالبة بتخفيض سعر صفيحة المازوت للتدفئة!". ربيع كأخيه ناكر لجميل أرزة العلم اللبناني عليه.
وما تكلّم عنه ربيع بخصوص المازوت يجد صدى ونقداً أوسع لدى نادر الذي يفتح نيران كلامه على الدولة التي احتفلت بالإستقلال "في هذه الظروف السيئة التي يمرّ بها لبنان". وليست الظروف السياسية المنتظرة لختام تقرير ميليس وتنفيذ القرارات الدولية هو ما يتحدّث عنه نادر بل الظروف الخاصة بسكّان البقاع الذين "سيموتون من البرد بسبب رفع سعر صفيحة المازوت وتخفيضها بشكل جزئي جداً لاحقاً". أمّا عتب نادر الأساسي فهو على المحروقات التي استنفذت من مازوت وغيره في العرض لتسيير آليات الجيش اللبناني والدفاع المدني؛ "وكأنّ عرض تلك الأسلحة الفتّاكة سوف يرهب دول العالم ويقضّ مضاجعها!" يهزأ نادر. ربّما تعكس هذه الآراء شريحة واسعة من اللبنانيين. لكنّ هذه الشريحة يسكن معظمها في الضاحية الجنوبية لبيروت المليونية الطابع. وللتذكير فقط فإنّ معظم المحال والمدارس في الضاحية أقفلت باكراً أبوابها في ذكرى يوم القدس التي يقيمها حزب الله. وعلى الرغم من أنّ نسبة معتبرة من سكّان الضاحية الجنوبية لا تنتمي أو تؤيّد حزب الله أو حركة أمل هناك فمن المؤكّد أنّها لا تحتفل أيضاً بالإستقلال. فالمسألة لم تكن يوماً سياسية فقط بل إنّها مسألة أجيال طويلة من الحرمان المتواصل.
تحيا أرزة الإستقلال "الرصاصية".




التعليقات