لبنان بات مصدّراً للخرّيجين إلى الدول العربية
العلاج الإنشغالي: ما بين العلاج الفيزيائي والتحليل النفسي!
عصام سحمراني: quot;تأهيل وإعادة تأهيلquot; هي ثلاث كلمات عربية تبرز وحدها داخل بحر من اللغة الفرنسية في quot;البروشيهquot; الخاص بإختصاص العلاج الإنشغالي، والذي أعدّته إدارة الإختصاص التابع لكلّية الصحة في الجامعة اللبنانية. ربّما أريد لهذه الكلمات التي كتبت تحت صورة لأحد المقعدين وهو يجرّ كرسيه المدولب أن تكون خلاصة بسيطة لإختصاص كامل لم ينل فرصته الكاملة بعد في لبنان إن على صعيد الأعداد القليلة لطلاّبه وخرّيجيه أو على صعيد معرفة اللبنانيين الكاملة به.
وليس ذلك بغريب في ظلّ ندرة التوجيه إلى الإختصاص والدعاية له في الثانويات، والغياب التام للحملات الإعلامية والإعلانية المعرّفة به لدى مختلف شرائح المجتمع اللبناني. الأمر الذي برّر كذلك لمعظم الطلاّب هناك جهلهم شبه التام بكلّ ما يحيط به من مناهج وتوجّهات وسوق عمل كما سنرى في مقابلاتنا مع بعض منهم.
الطلاّب
أجواء طلاّب كلّية الصحة في الأونيسكو كانت عاصفة تماماً كالطقس في الخارج ذلك النهار. فطلاب الطبّ والمتحالفين معهم من باقي الإختصاصات بما فيها العلاج الإنشغالي كانوا يحضّرون لإعتصام يطالب بفتح أبواب مستشفى بيروت الحكومي الجامعي أمام طلاّب الكلّية.
المهمّ أنّنا قابلنا عدداً من الطلاّب الذين كانوا متحمّسين للحديث في البداية لكنّ أغلبهم تهرّب من الإجابة لدى السؤال عن سبب اختيارهم للإختصاص.
ميرفت مثلاً إختارت الإختصاص لأنّه quot;حلوquot; كما تقول وهي مرتاحة كثيراً بخصوص المواد والمنهاج. وعلى الرغم من أنّه لم يكن خيارها الأوّل فإنّها أحبّته لما يتميّز به من quot;طريقة معاملة مع الناسquot;.
زياد أيضاً لم يكن الإختصاص خياره الأوّل فقد انتقل من quot;نشاف إدارة الأعمال إلى هذا الإختصاص الحيويquot;. وقد تقدّم بادئ الأمر إلى إختبارات الدخول الخاصة بالتمريض لكنّه اختار في النهاية العلاج الإنشغالي رغم أنّه أيضاً لا يعرف الكثير عنه. وهو يأتي يومياً من إقليم الخرّوب ndash; ثلاثين كيلو متراً جنوب بيروت- إلى الكلّية.
مروى أيضاً تقدّمت إلى اختصاص العلاج الفيزيائي بادئ الأمر لكنّها سرعان ما اختارت هذا الإختصاص عندما قيل لها أنّه جديد وفريد من نوعه في كلّ الجامعات. وقد كانت تظنّه قريباً إلى درجة كبيرة من العلاج الفيزيائي دون أن تعرف عنه شيئاً أيضاً.
وعلى الرغم من أنّ رنا لم يكن لديها أيّ معلومات عن هذا الإختصاص فإنّ دافعها كان أفضل بكثير من دوافع الآخرين. فبالإضافة إلى أنّها تحبّ quot;التعرّف إلى هذا المجالquot; ، فإنّ عدداً من العارفين أسرّوا لها بأنّ quot;مجالات العمل مفتوحة لهذا الإختصاص عقب التخرّجquot; تضيف.
أمّا زينب فتختلف رؤيتها للموضوع وعلى ما يبدو فإنّها من القلائل الذين انتسبوا إلى الإختصاص عن سابق تصوّر وتصميم ومعرفة. فزينب اختارت الإختصاص quot;لأنّ موضوع الإعاقة يمسّني شخصياً عبر حالة لديّ في المنزلquot; ولم تفصح زينب عن تلك الحالة التي ساعدها الإختصاص كثيراً في التأقلم الفعّال معها. وتعدّ زينب منذ الآن وهي في السنة الثانية مشروعاً لفتح عيادة خاصة بالمشاركة مع معالج فيزيائي في صيدا. بالتوفيق..
وتبدو بترا التي حان موعد تخرّجها واثقة أكثر من طلاّب السنوات الأدنى وهي تدخل سوق العمل. فهي -كما تقول- كان هدفها التخصّص في مجال طبّي لكن على علاقة بالعلوم الإجتماعية؛ quot;دون أن أخبرك عن اهتمامي بأمور الإعاقة أيضاًquot;. وقد تلقّت بترا نصيحة من شقيقتها الممرّضة تفيد بأن quot;لا إختصاص يعمل على الأشخاص المعوّقين كما يعمل العلاج الإنشغاليquot; تضيف بترا التي باتت يحقّ لها إطلاق صفة quot;مشروع حياة للمعوّقquot; على الإختصاص وهي على مشارف التخرّج الآن.
وبما أنّ عرضنا للآراء جاء متدرّجاً فلا بدّ لنا من إلقاء الضوء على الكلام الذي أدلت به إلينا المدرّبة المسؤولة عن طلاّب السنة الثانية ناهدة حجازي. تبيّن ناهدة أنّها بدأت وحدها في هذه الوظيفة عام 2002 عقب تخرّجها وأنيطت بها مسؤوليات التوعية والتعريف بالإختصاص فقط بادئ الأمر. أمّا عملها الآن فإنّه يختلف عن التدريس بخصوص ممارسة العمل أيضاً في الإختصاص نفسه. وبخصوص العمل فتركّز على نقطة الإختلاف التام بين العلاج الإنشغالي وغيره من الإختصاصات كالعلاج الفيزيائي على وجه التحديد quot;والحرب الباردة القائمة بينهما هي حول فرص العمل لا أكثر!quot; تقول ناهدة. لكنّها تؤكّد في المقابل على أهمّية العمل كفريق متكامل بين أخصائيي quot;العلاج الإنشغالي، والنفسي- حركي، وتقويم النطقquot; تضيف.
المديرة
تتحدث الدكتورة باسمة المنلا مديرة كلية الصحة- الفرع الأوّل ورئيسة قسم العلاج الإنشغالي هناك بفخر عن أحد طلاّبها الذي صنع ضمن أحد المشاريع المطلوبة منه في القسم لوحة مفاتيح للكومبيوتر أضاف إلى أزرارها أحرف من الخرز لتمكين الكفيف من إستخدام الكومبيوتر فيما يشبه لغة quot;البرايلquot;. وينبع حديث المنلا من إيمانها بتوفير الأجهزة والتقنيات للمعوّق للمحافظة على كرامته بالدرجة الأولى ولئلاّ تكون مثل هذه التقنيات حكراً على طبقة دون سواها.
تشدّد المنلا في البدء على أنّ هذا الإختصاص غير موجود في أيّ من الجامعات الأخرى. مع العلم أيضاً أنّه يتواجد في الفرع الأوّل لكلّية الصحّة فقط لا غير. أمّا عن نشوء الفكرة وإستقدامها إلى لبنان فتردّها المنلا إلى الإعاقات التي نشأت بعد انتهاء الحرب اللبنانية. الإعاقات التي استدعت العميدة السابقة لكلّية الصحّة د. برناديت أبي صالح عام 1996 إلى إستقدام الإختصاص من فرنسا عبر الدكتورة المنلا بالذات التي أعدّت منهاج الدراسة هناك بالتعاون مع المنظمة العالمية للإعاقة handicap internationalquot;quot;. وقد فتح باب الإنتساب إلى الإختصاص إبتداءاً من عام 1997 وتخرّجت الدفعة الأولى عام 2000 . ومنذ ذلك العام لغاية الآن تكون الكلّية قد خرّجت ما بين سبعة إلى عشرة معالجين إنشغاليين سنوياً.
أمّا عن منهاج الدراسة فيتوزّع على أربع سنوات تشمل مواداً باللغة الفرنسية في علم التشريح، الفيزيولوجيا، علم النفس، أمراض الشيخوخة، أمراض الجهاز العصبي، والطبّ العقلي للطفل والراشد. ويحتوي المنهاج كما تفصّله المنلا على مواد تطبيقية وتدريبات تشمل عدداً من التقنيات الخاصة بالتعامل مع المعوّق والمشوّه وغيرهما من أصحاب الإحتياجات الخاصة والإضافية. وتحتوي تلك المواد أيضاً على تقنيات أخرى تهتم بتصنيع الأجهزة الخاصة بالمعوّق في المشاغل التابعة للإختصاص في كلّية الصحة. حيث يخضع الطالب خلال السنوات الأربع لألف وخمسمائة وثلاثين ساعة تدريب تغطيّ كافة المجالات الخاصة بالمعوّق من تأهيل للمجتمع المحلّي إلى ما يختص به نفسه من إعاقات حركية وعصبية ونفسية.
وتأمل المنلا مع الإنتقال المتوقّع إلى الحرم الجامعي في الحدث في أن يزيد الإهتمام بالإختصاص عبر القاعات الكبيرة والمراكز المشغلية المناسبة التي quot;نأمل أن توافق العمادة عليهاquot; تقول الدكتورة. وتأمل أيضاً أن يتمّ إقرار قانون تنظيم المهنة الذي يسعى الإختصاص إلى تحقيقه عبر إعداد المشروع اللازم بالتعاون الوطيد مع جمعية العلاج الإنشغالي.
الجمعية
أمّا بخصوص جمعية العلاج الإنشغالي فقد تمّ الترخيص لها عام 2003. وهي تضمّ الآن ثمانين عضواً من متخرّجي الإختصاص ومن الطلاّب فيه الذين تجاوزوا عامهم العشرين على سبيل التحديد. وقد بدأت الجمعية كوسيلة لجمع الطلاّب لكنّ التعاون سرعان ما تشكّل بين إدارة الإختصاص والعاملين فيه معها وخاصة على صعيد التوعية والتعريف بالإختصاص.
تؤكّد السيّدة فاطمة شحوري ناصر رئيسة الجمعية على التقصير الذي يطال هذا المجال بالتحديد لكنّها لا تعدّ الأمر بهذا السوء خاصةً أنّ quot;الإختصاص يأخذ صدىً واسعاً داخل المستشفيات والمؤسسات الإجتماعية والمدارسquot;. وتعيد ذلك إلى quot;ورشة العلاج الإنشغاليquot; التوجيهية السنوية في مختلف الأماكن العامة.
تبرز الحماسة الكبيرة لرئيسة الجمعية وهي تتحدّث عن الموضوع ربّما لأنّها من أوائل الأفراد في لبنان الذين درسوا هذا الإختصاص، وهي بالمناسبة خرّيجة الولايات المتّحدة. وقد أخذت على عاتقها منذ البدء هموم ممارسة الخرّيجين للمهنة التي لا يمكن لها أن تكون قائمة بذاتها؛ quot;بل بوصفة طبيبquot; تقول.
وتتحدّث شحوري إنطلاقاً من خبرتها الكبيرة بالإختصاص كدراسة وكمهنة عن العدد السنويّ للمتخرّجين الذي لا تعدّه قليلاً؛ quot;لكن يجب أن لا يقلّ عن ذلكquot;. وهي تعتبر أنّ النسبة ملائمة للمجتمع اللبناني الذي لم يتعرّف بعد إلى المهنة بالشكل المطلوب.
وتعرّف شحوري الإختصاص على أنّه نفسي وإجتماعي وفيزيائي في الوقت عينه حيث يهتمّ بكل ما يقوم به الفرد في حياته اليومية عبر تأهيله وإعادة تأهيله في مختلف المجالات. والأهمّ من ذلك في هذا المقام برأيها ليس النظر إلى الإعاقة بل الإرتباط بينها وبين الناحية النفسية. ولذلك وجدت فكرة التجهيز إن عبر الأجهزة الميكانيكية أو عبر التقنيات والتمارين والخطط الخاصة بالمعوّق. وبكلمة واحدة فإنّ العلاج الإنشغالي هو quot;المنظّمquot; لحياة المعوّق.
وتحضّر الجمعية حالياً لإستضافة مؤتمر للعلاج الإنشغالي في بيروت سيحضره أخصائيون عالميون في هذا المجال. وقد استبقت ذلك بالمشاركة في عدد من المعارض الدورية للتعريف بالإختصاص. وتعمل أيضاً على ترجمة عدد من المراجع الفرنسية التي تفتقر لها المكتبة العربية ولم يصدر أيّ منها لغاية تاريخه.
على الرغم من كلّ ما يعتري الجامعة اللبنانية من مشاكل تصيبها أكثر الأحيان في الصميم. وعلى الرغم من المؤامرات التي يكيدها الكثيرون لها فإنّها ما زالت سبّاقة على غيرها من الجامعات في استقدام الإختصاصات التي يعاني لبنان من نقص كبير فيها. وما اختصاص العلاج الإنشغالي إلاّ دليل على ذلك الأمر. وعلى الرغم من أنّ هذا الإختصاص لم يأخذ فرصته الكاملة بعد ولم يعرّف به بالشكل المطلوب في لبنان فإنّ الجامعة اللبنانية باتت المصدر الرئيسي لعدد كبير من المعالجين الإنشغاليين العاملين في دول الخليج العربي. فلنأمل أن يعودوا رغم أنّ العودة لا تبدو ملائمة في ظلّ غياب الأرضية اللازمة لممارسة المهنة في لبنان.




التعليقات