عصام سحمراني : ..صيف عام 2000، حمّى الإنتخابات تغزو الوطن وتزيد من حرارة الأجواء الحارة أصلاً. إنتخابات، حملات إنتخابية، مرشحون، أحزاب، زعماء وزعامات، صور، أعلام، يافطات إعلانية، مآدب، آكلون، زجل، لقاءات، جرائد، مرئي، مسموع، وعود، وعيد، كذب، كثير من الكذب. لم اشغل بالا بكل هذا ذلك العام ، فقد كنت و"الحمد لله" في التاسعة عشر من العمر فقط ، وقد كان القرار الذي اتخذته السلطات بعدم تخفيض سنّ الإقتراع بمثابة عيد بالنسبة لي. عيد معاكس لإرادة "الجماهير"، "وطلعت منهم لم تطلع منّا!".
"ليش وين عايش ما عرفت شو صار!!؟" بهذه العبارة المستغربة قابلتني صديقتي حين التقيت بها وسألتها عن سرّ غيابها الطويل. مظهرها أثار لدي نوبة من الضحك. فنحن عادة ننتظر ارتكاب اي من الاصدقاء لهفوة بسيطة "لنركب " عليه خبريات و افلام تلازمه. ولا تظننّ انّ التبسّم وحده يشفي غليلنا. وكان اتّساع محجري عينيها وورمهما بشكل عجيب دليل على صحة نوبة الضحك التي أصابتني، لكنّ تلك الهالة السوداء التي ضربت تحت العينين بطبقة كثيفة هي ما طرحتني على ظهري من شدّة الضحك الهستيري الذي انتابني، ولم يعزّز هذا الشعور سوى شعرها الذي لم أستطع أن أتبيّن ما به تماماً فأنا لست خبيراً في موديلات شعر الفتيات لكنّه في كلّ الأحوال كان عجيباً.
أمّا الصديقة فقد وقفت جامدة في مكانها تنتظر انتهاء فيلم "عادل إمام" الذي تسبّبت به. ولم تتفاجأ بالهستيريا أمامها لكنّها كانت تنتظر منّي شيئاً آخر لم أدركه وقتها لانشغالي بضحكي وعدم اهتمامي بمشاعرها "بعض المعنويات على الأقل يا عاطل!" قالت لي.
حينها بادرتها بالسؤال عن أحوالها وعن هذا الأمر الذي جعلني بعيداً كلّ البعد عن الهموم التي كانت تعيشها وتحوّل شكلها نحو كلّ تلك الفظاعة. رمت بنفسها على كرسي أمامها وهي تضع وجهها الصغير بين كفّي يديها وأخبرتني أموراً غريبة فعلاً عجبت لصمودها أمامها.
قالت إنّ والدها تقدّم بطلب ترشيحه للإنتخابات النيابية. "هذا وحده يكفي" إندهشت وقلت ذلك في عقلي. وحاولت في ذات اللحظة أن أعود بذاكرتي إلى ذلك الأبّ الرزين الذي التقيته عدّة مرّات ولم أعرف عنه يوما تعاطيه الشؤون السياسية لا من قريب أو بعيد. حتّى انّه لم يترك فرصة واحدة لتنبيهنا من مغبّة الإشتراك في كلّ ما يتعلّق بالمنظمات والأحزاب السياسية ولو كانت طلابيّة. "ابتعدوا عن السياسة.. فهو لا تجلب سوى المتاعب ". هل كان يعني ذلك حقا حينها ام انه كان مجرد تمثيل . لا لا لم يكن تمثيلا ..وعدت بالذاكرة الى تلك الحادثة الغريبة التي حصلت معه .ففي ذلك اليوم قامت الوالدة بتغليف طعام غذائه بورقة من الجرائد ، فحمل الاب طعامه الى المنشرة حيث يعمل .وخلال الغذاء حاول تسلية نفسه بقراءة تلك الصفحات ..وما أدراك ما تلك الصفحات .. موازنة سنوية، والدين العام، والكوتا، والترويكا، وتصحيح العلاقة مع الشقيقة سوريا، والتهديدات الإسرائيلية، وغيرها من "الخبريّات" التي تجفّف الريق وتسبّب الغثيان وتردّ الطعام من حيث أتى.
لكن ما بال والدك يترشّح للإنتخابات!!؟سؤال ما لبثت اردده باستمرار . القصّة بدأت حين وصل إلى مسمعه منذ بعض الوقت خبراً من صديق له يُعرف عنه حشر أنفه في كلّ شاردة وواردة. الخبر مفاده انّ كلّ مرشّح من المرشّحين الكبار المتمكنين مالياً ينظر إلى مكامن الخطر في دائرته الإنتخابية كي يزيلها بأيّ طريقة في سبيل وصوله إلى مراكز إقتران المال بالسلطة. وأبرز طريقة لذلك هي حين يجد أولئك الكبار مرشّحاً صغيراً قد جمع حوله عدداً من الأنصار المؤيّدين لشعاراته وشخصيته، عندها يخافون على أنفسهم من ضياع هذه الأصوات –البشر يتحولون إلى أصوات لا غير في الإنتخابات كما يتحوّل الواحد منهم بالنسبة إلى سائق سيّارة الأجرة إلى ألف ليرة- وذهاب تلك الأصوات هباءً منثوراً في سبيلٍ سوف يقلّص حظوظهم في الفوز بمواجهة الكبار الآخرين في الدائرة الإنتخابية. عندها - قال صديق الوالد- يدعونه للإنسحاب من الإنتخابات لصالحهم ويضعون في جيبه "قرشين نضاف، ويا دار ما دخلك شرّ!".
وها قد وجد الوالد في ذلك الخبر فرصته الذهبية التي طال انتظارها، "أحسن من ورقة اللوتو واليانصيب". حينها قام "عمّ سمعة من قيامته وحبّ يعمل فيها فلّة.. وينك يا أحمد فؤاد نجم وينك!!!". توجّه منذ الصباح الباكر نحو صاحب المنشرة التي يعمل فيها منذ زمن بعيد فأبلغه بعزمه على ترك العمل وطلب منه تسوية الأوراق من أجل قبض تعويض نهاية الخدمة من الضمان الإجتماعي. إندهش صاحب العمل وحاول ثنيه عن أفعاله "التي ستجرّ عليك الهلاك".. لكنه كان مصمم على تحقيق ما يريد .
قبض تعويضه من الضمان ثلاثة عشر مليون ليرة. أعدّ ملفاً ترشيحياً كاملاً وانطلق إلى الدائرة المختصّة بتسجيل ترشيحه إلى الإنتخابات، حيث دفع هناك مبلغ عشرة ملايين ليرة لتسجيله في دائرة تضمّ عدداً من المرشحين الأبرز والأقوى على الساحة الإنتخابية .
بعد ذلك نظّم حملة إنتخابية صغيرة عبر الصور والشعارات و "إنتخبوا نصير الفقراء والمهمّشين"، و"لا لن تستطيعوا اغتيال صوت الشعب" وأمور من هذا القبيل. ثمّ عقد عدّة ندوات أمام باب البيت إستأجر لأجلها الكراسي و"حرق نفس" الوالدة والفتاة في إعداد القهوة كلّ لحظة. ولم يخلُ بعدها دارهم من البشر؛ "وكيف بدّك اقدر نام وكلّ هالبشر حولنا!!؟" صرخت بوجهي. وكلّ ذلك قام به من أجل إستمالة بعض الأنصار من الناخبين الذين ما أن تجمّع قسمهم الدنيء حول والدها حتّى انفضّوا عنه بعد اكتشافهم أمر عدم استفادتهم مادياً. أمّا قسمهم الشريف فقد ارتأى انّ "الشيطان الذي يعرفونه أفضل من الشيطان الذي سيتعرّفون عليه" وانفضّوا عنه كذلك.
أمّا المرشّحون الكبار أصحاب الجيوب المليئة فربّما لم يلحظوا وجوده بتاتاً أو انّهم ارتأوا انّه لا يشكّل أدنى خطر عليهم. لكنّه استمرّ في الحملة بعدما باع سيّارته دعماً لها عبثاً. ولم يقتنع بالإنسحاب وحفظ ماء الوجه والعودة بنصف المبلغ الذي وضعه رسماً لتسجيل ترشيحه. لم يقتنع بالإنسحاب حتّى ذلك اليوم الذي وجد فيه نفسه وحيداً بعدما دعا لندوة إنتخابية لم يحضرها أحد. حينها اقتنع بالتوقف عن المهزلة بعدما خسر عمله وتعويضه وسيّارته وكاد يخسر نفسه.
لا تزال صديقتي في كرسيها الذي رمت بنفسها وبهمومها عليه .. حاولت مواساتها ولكنني قد اوساي نفسي .. "الحمد لله فعلاً انّهم لم يخفّضوا سنّ الإقتراع".




التعليقات