"مع خط المقاومة".. "في مواجهة المحادل" .."ولماذا الإقتراع!!"
جنوبيو الضاحية الجنوبية يتحدثون عن الإنتخابات
عصام سحمراني: العاصمة بيروت كانت الأحد الماضي على موعد مع الجولة الإفتتاحية للإنتخابات النيابية. وبطبيعة الحال فقد كانت الشوارع مكتظة بالآلاف من الناخبين والمناصرين بغضّ النظر عن النسبة الضئيلة (28%) التي نتجت عن الإقتراع في تلك الجولة. ومن تصادف وجوده ذلك اليوم على شاطئ "الرملة البيضاء" الشعبي في بيروت وهو لا يعرف الطبيعة السكانية للعاصمة وضواحيها قد يستغرب حتماً. قد يستغرب ولا يستطيع التصديق انّ في هذه المنطقة تجري الإنتخابات، وقد يعيد سحب الرجل الواحدة التي تمكّن من وضعها بجهد كبير في المكان. المكان الذي مثّل إحدى بروفات يوم الحشر الذي اكتمل مشهده بالطقس لا الحار فحسب بل المحرق أيضاً.
هذا الأحد سيكون موعداً للجولة الثانية من الإنتخابات التي ستنظّم جنوباً في المحافظتين الكبيرتين؛ الجنوب والنبطية وبدائرتيهما المبتكرتين بعد ضمّ جزّين إلى النبطية. إذاً فإنّ "الرملة البيضاء" سوف تبرّر اكتظاظها الأحد الماضي بغياب أكثر من نصف الروّاد هذا الأحد. فهم بكلّ بساطة من سكّان الضاحية الجنوبية لبيروت التي يغلب عليها طابع الجنوبيين والبقاعيين السكّاني، عدا عن انّ هذه المنطقة لا تتبع لبيروت بل لمحافظة جبل لبنان. والجنوب غني عن التعريف انّه يشهد منذ الإنطلاقة الأولى للإنتخابات النيابية بعد الحرب وعلى مدار الدورات الإنتخابية الثلاث السابقة واحداً من أعلى نسب الإقتراع في لبنان حيث يشكّل ساحة كبرى للقوّتين الشيعيتين الأبرز؛ حزب الله، وحركة أمل اللذين عادة ما يتآلفان في هذا الموسم ويؤلّفان لائحة متكاملة فيما بينهما دائمة الفوز بالمقاعد كافة.
حمّى الإنتخابات تحطّ رحالها إذاً في الضاحية وتجتاح أحياءها وزواريبها على هيئة مكاتب إنتخابية، وصور لمرشحين، ويافطات تحمل أقوالاً ووعوداً وتذكّر بأمور لا يجوز أن تغيب عن بال أحد من سكّان المكان فالمعركة هي في مواجهة الإقطاعيين والرجعيين الذين "شتّان فيما بينهم وبين محدلة أمل وحزب الله" يقول علي بسخرية واضحة. علي هو أحد الشباب "الضاحيوزي" الذي استطلعنا رأيه تجاه الإنتخابات بأسئلة ثلاث: هل ستنتخب؟ من؟ ولماذا؟ لنقرأ آراءهم..
تقليديون
جدران صفراء بالكامل يتوسطها شعار كبير مرسوم على واحد منها، رايات صفراء وأخرى سوداء مرميّة في زاوية من زوايا المكان وعجقة كبيرة من البشر الملتحين ذكورياً والمتلفحات بالسواد أنثوياً؛ هذا واحد من المكاتب الإنتخابية لحزب الله في الضاحية الجنوبية. وفي هذا المكان قابلنا ربيع أحد العاملين في المكتب. يبتسم ربيع حين تسأله عن المرشح الذي سينتخبه ولسان حاله يقول : ما هذا السؤال السخيف! ألا تنظر من حولك!!؟؛ "طبعاً سننتخب خيار المقاومة والعزّة والكرامة في مواجهة المتعاملين والمستسلمين" يقول ربيع بشيء من الإلتفاف حول الجواب الذي لا يتعدّى حدود الكلمتين.
ويقوم المسؤولون الحزبيون في هذا المكتب بتسهيل إجراءات الحصول على البطاقة الإنتخابية اللازمة للإقتراع، ويقومون أيضاً بتوجيه الناخبين إلى الإلتزام بالإنتخاب بحسب اللوائح التي توزّعها عليهم المكاتب، لا تلك التي يحصلون عليها من مكان آخر خوفاً من ضياع عدد من الأصوات في حال كانت اللوائح ملغومة بأسماء من خارجها. لمياء كانت خارجة لتوّها من المكان تقول انّ الإنتخابات باتت لديها أمراً مقدّساً رغم انّها تنتخب للمرّة الثانية فقط بعد إنتخابات العام الماضي البلدية والتي فاز بها حزب الله في قريتها. ولا تتوقّف لمياء عند حدّ في سبيل إعلان التزامها الكامل بما تقرّره القيادة السياسية للحزب؛ "كما يقرّر السيّد نفعل" تقول لمياء في إشارة إلى أمين عام حزب الله حسن نصر الله.
أطلق على اللائحة المتكاملة الخاصة بحزب الله وحركة أمل إسم "المقاومة والتنمية". وبما انّ حزب الله هو الشقّ المعني بالمقاومة فلا ريب انّ حركة أمل ورئيسها نبيه برّي هما الشقّ المعنيّ بالتنمية. تختلف طريقة الأحاديث والعبارات والإشارات الكلامية بين شباب طرفي اللائحة تماماً كما يختلف الخطاب السياسي بين قادة التنظيمين. على هذا الأساس التقينا بعدد من مناصري حركة أمل وهم يسهرون في أحد أزقّة الضاحية الجنوبية بصحبة "نراجيلهم" وموديلات ذقونهم من "البزقة" إلى "السكسوكة" مروراً ب"اللحسة" عدا عن موديلات شعرهم؛ الطويلة المغطاة بالمستحضرات لدى البعض والمحلوقة "على الموسى" لدى البعض الآخر. الخلاصة انّ مناصري حركة أمل لا يمكن الحديث معهم كما تتحدّث مع مناصري حزب الله. تختلف الطريقة..
يسحب كريم نفساً طويلاً من نارجيلته وينفخ الدخان إلى الأعلى ببطء شديد؛ "شو مين بدّي إنتخب يعني.. طبعاً الحركة بدها حكي يعني" يستفزّه السؤال. إذاً فإنّ كريم سينتخب "الحركة" لكنّه أيضاً سينتخب اللائحة كاملة لأنّ هذا الأمر هو الصحيح برأيه كي تبقى الساحة الجنوبية محصورة بين طرفين فقط؛ "هيدا الجنوب هيك، أسعد من هون وأسعد من هون ما في! حركة وحزب بس!" يحسم كريم الموضوع في إشارة منه إلى المرشّحين رياض الأسعد في الدائرة الأولى وأحمد الأسعد في الدائرة الثانية واللذين يحظيان بنوع من الشعبية النسبية التي لا يمكن لها أن تضاهي شعبية الفريقين المتحالفين.
جعفر شريك "النارجيلة" مع كريم يتكلّم بمنطق مماثل له يتلخّص بكون حركة أمل وحزب الله هما صاحبا الفضل الوحيدين على كلّ الجنوب وأهله إن من خلال المقاومة التي قادا لواءها منذ أكثر من ربع قرن أو من خلال المشاريع الإنمائية الكبيرة في الجنوب والتي يعود الفضل فيها "للإستاذ" يشير جعفر إلى الرئيس نبيه برّي بنبرة تحدّ لم تضع يوماً حدّاً لبطالته المزمنة مع رفاق كثيرين له.
وفي مكان أكثر ضوءاً وبعداً عن مكان تجمع المناصرين الساهرين التقينا بلارا في إحدى كلّيات الجامعة اللبنانية - الفرع الأوّل حتماً. لارا لا تهتمّ كثيراً بالشأن السياسي؛ إنتخابياً كان أم غير ذلك، لا بل إنّ معرفتها لا تتعدّى حدود "السماع من الأهل في جلساتهم". وهي على هذا الأساس سوف تنتخب اللائحة التي قرّر الأهل انتخابها أي "الحركة والحزب" تقول لارا ولا تبالي بطرح حرّية الإختيار التي يجب أن تتمتع بها في الشؤون التي تمسّ حياتها؛ "هيك أشياء هم أدرى بها".
غير تقليديين
اللائحة الإئتلافية الخاصة بأمل وحزب الله تبدو كعادتها الأقرب إلى الفوز من حيث الشعبية الكبيرة التي يحظى بها كلّ طرف منهما في الجنوب فكيف إذا ما اجتمعا معاً ودعيا جماهيرهما الشيعية إلى عدم تشطيب أيّ من أسماء اللائحة تلك!! رغم ذلك فإنّ هذا الأمر لا يعني أبداً انّ المعركة الإنتخابية اقتصرت على هذين الفريقين؛ "وعلى عكس ممّا يعتقده البعض فإنّ الشيعة ليسوا كلّهم في خانة أحد الحزبين" يقول بلال أحد مؤيّدي الحزب الشيوعي اللبناني الجنوبيين.
ويخوض الحزب الشيوعي الإنتخابات هذا العام وقد قام بتحالف إنتخابي في كلّ دائرة لكنّه تحالف من الدرجة الثانية. ففي الدائرة الأولى قام الحزب بالتحالف مع مرشّح الجنرال العائد ميشال عون العميد فوزي أبو فرحات ومع رياض الأسعد صاحب الشعبية المقبولة. وقد رشّح الحزب عن هذه الدائرة الأسير المحرّر أنور ياسين والمرشّح الآخر حسين صفي الدين. وفي الدائرة الثانية برز تحالف الحزب الشيوعي بمرشحيه سعد الله مزرعاني وعلي الحاج علي مع بعض المستقلّين الذين يأتي على رأسهم رئيس الإتحاد العمّالي العام السابق ورئيس الحزب العمّالي حالياً الياس أبو رزق.
"لا يجب أن نيأس من إمكانية التغيير" يستهلّ بلال حديثه بهذا الرأي. ويؤكّد في هذا الإطار على الأهمّية الكبيرة لنتائج الإنتخابات البيروتية في المرحلة الأولى من الإنتخابات خاصة لجهة حصول النائب السابق نجاح واكيم على نسبة كبيرة من الأصوات تعدّت الخمسة عشر ألف صوت رغم مقاطعة فئة كبيرة من الناخبين مقاطعة نهائية له. وفي موازاة ذلك يجد حيدر وهو أيضاً من مؤيّدي الحزب الشيوعي أن "لا بأس بالمحاولة ولو لم ننجح هذه المرّة، المهم أن نستمرّ في المحاولة لنبيّن وجودنا الحقيقي في مواجهة المحادل التي تريد حصر الفئات كافة في إطارها مهما كان واسعاً أو ضيّقاً" يقول حيدر بعد تفكير عميق.
اللائحتان المذكورتان تجد أيضاً مؤيّدين مغايرين. واحد من هؤلاء هو حسام الذي قرّر منذ فترة طويلة مقاطعة الإنتخابات إلى أن سمع بخبر ترشيح الأسير الشيوعي المحرّر من السجون الإسرائيلية أنور ياسين. عندها فقط قرّر خوض معركته الخاصة في سبيل "نجاح هذا البطل الكبير". لكنّ هذا الرأي في أنور يجده حسن صديق حسام خاطئاً فهو يرى انّ الحزب الشيوعي "أخطأ حين أشرك أنور في أوحالّ السياسة اللبنانية وقذاراتها وبالإجمال فإنّ لقب الأسير المحرّر هو أشرف وأجلّ بكثير من لقب النائب وما ينطوي خلفه من دلالات غير مستحبّة" يقول حسن.
سميرة أيضاً لا تنتمي إلى أيّ من الأحزاب لكنّها وجدت في التحالف الشيوعي مع باقي القوى "البديل الأفضل عن الإحتكار والإستبداد والديكتاتورية التي يمارسها أمل وحزب الله على أهل الجنوب" تقول سميرة بكره كامن في صدرها.
وبالحديث عن مقاطعة الإنتخابات فإنّ الكثيرين توقّعوا انخفاض نسبة المشاركة في الجنوب لكنّ توقعاتهم لم تصل إلى حدّ تمثيلها بالمقاطعة التي حصلت في بيروت. زاهر أحد المقاطعين الذين لم يجدوا بديلاً بعد عن مقاطعتهم؛ "من سيفوز سيفوز قلنا إي أو لا!!" يقول زاهر بإستسلام من اكتشف أمراً لا يدركه سواه. أمّا عن "الكذبة التي يسمّونها الديمقراطية وحقّ الشعب في اختيار ممثّليه فلا أريد الإشتراك فيها بتاتاً" يضيف زاهر. هذا الرأي يردّه زاهر مباشرة إلى عدم وجود أحد يمثّله أو يستطيع هو الإنتماء إلى توجّهاته "ربّما المشكلة فيّ لكنّني لا أريد أن أكون مع أمل أو مع حزب الله ولست أسعدياً ولا شيوعياً ولا أيّ شيء آخر هل هنالك من حلّ!!؟ يستغرب زاهر الذي لا يدرك انّ توجّهاته سوف تشهد فعلاً استغراباً كبيراً لدى كلّ منتم ٍأو مؤيّد لأحد الأحزاب؛ "هذه عقدة الدونيّة" سيقولون ذلك عنه.
وإذا كنّا نتحدّث في إطار التقليديّ وغير التقليديّ فإنّنا نجد صعوبة في إيجاد خانة ما لعبّاس. عبّاس هذا لا يهتمّ بأيّ من المرشّحين أو الناخبين. كلّ ما يهمّه هو "الجيب المليء هذا ما يطعم خبزاً" يقول عباس. على حدّ قوله استطاع أن يتدبّر بيع صوته وأصوات أخوته وزوجاتهم التي يصل عددها إلى عشر أصوات مقابل مائتي دولار للصوت الواحد؛ "ومع ملء روزفوار البنزين حتى آخره" يقول عبّاس وهو يصفع كف يدي بكفه الضخم؛ "كيف يا شريك!!؟". ولا يجد عباس حرجاً بتاتاً من فعله هذا لا بل هو يتمنّى أن يتمّ اعتماد نظام الدائرة الإنتخابية الواحدة على مستوى لبنان ككلّ؛ "ساعتها بنقبض على مستوى كبير!" يمنّي عبّاس نفسه. فلنصنّف عبّاس إذاً ضمن إطار من يلعب على كلّ الحبال.. مستفيدوس باليوناني.
ربّما يشكّل لبنان واحداً من أكثر الدول العربية التي تشهد انتخابات وتغييرات دورية بصورة مستمرّة في كافة مراكز السلطة في البلاد. لكن يجب ألاّ يغيب عن بالنا انّ الطبقة التي تحكمنا منذ ما قبل الإستقلال عن الفرنسيين هي نفسها التي تحكمنا في مرحلة ما بعد الإستقلال عن السوريين. والفارق البسيط هو حكم الأبناء والأحفاد عوضاً عن الآباء والأجداد. عاشت الجمهورية وكلّنا للوطن على امتداد دوائره الإنتخابية المفرغة.




التعليقات