عصام سحمراني: لم تأت الحملات الإنتخابية لهذا العام على قدر طموحات المرشحين. وفارق الشهر أو ما يزيد بين تثبيت مواعيد الإنتخابات وبين تاريخ إجرائها الفعلي أصاب من يتّخذون منها عملاً ونشاطاً تجارياً في كلّ موسم إنتخابي في الصميم. وهؤلاء هم موظفو المكاتب الإنتخابية، والمندوبون، وأصحاب المطابع واستديوهات التصوير، والخطاطون، وسائقو سيارات الأجرة، والسماسرة وغيرهم ممّن لا يقلّ اهتمامهم بالإنتخابات عن اهتمام المرشحين أنفسهم. ولم تعوّض التظاهرات الأخيرة سوى جزءاً من أعمالهم الدوريّة المزدهرة.
لكن وعلى الرغم من ذلك فقد بوشر بالحملات الإنتخابية بوقت قياسي وانتشرت الصور واليافطات الإنتخابية سريعاً في الشوارع وعلى عواميد الكهرباء وفي سيارات الإعلانات المتنقّلة. في بيروت وباقي المدن المكتظّة بالسيارات والشاحنات تحقّقت أماني المجالس البلدية المتلاحقة التي تبنت في مشاريعها الإنتخابية زيادة المساحات الخضراء وتوحيد ألوان الأبنية السكنية وصار بإمكان تلك المجالس التباهي بالجمال والرونق الذي صار لمدنهم وللعاصمة.
وليس خافياً على أحد انّ هذا الأمر يعود بالدرجة الأولى لموسم الإنتخابات النيابية حيث يبدع من يبدع في هذا الموسم. وتحقّقت هذه الإضافات الجمالية عبر تخصيص المرشحين لحيّز كبير من اهتماماتهم الإنتخابية ولميزانية كبيرة في حملاتهم للمساحات الخضراء. والصور الخاصة بالمرشّحين خير شاهد على ذلك فهي تظهرهم دائماً أمام خلفية خضراء. وقد راعى المرشحون عبر تلك الصور أذواق الجميع ولم يكتفوا بتلك الخلفية. فمنهم من أوجد حيزا للبحر الأزرق وصخرة الروشة في صوره ومنهم من كان تقليديا للغاية من خلال الخلفيات بيضاء كما في الصور الشمسية المعتمدة لبطاقات الهوية، لا أكثر.
أمّا عن الأشجار فلم يعد هنالك من مبرّر لوجود أوراقها فصور المرشّحين هي البديل الذي يتفوّق على الأصيل. فهذه الصور المنتشرة بسرعة تفوق نمو ورق الشجر لن تذبل جميعها فتسقط في فصل الخريف بل سيبقى بعضها ليخبر انّه ما من عاصفة تقوى عليه!
وبخصوص توحيد ألوان المباني السكنية فقد تمّ ذلك فعلاً عبر إلصاق الأحجام الكبيرة من صور المرشحين عليها وباتت الألوان مزركشة لكن موحدّة على البنايات التي اختلفت إنتماءاتها بقدر ما توحّدت ألوانها. أمّا الإتجاه الجديد فهو جعل كلّ بناء من الأبنية السكنية لتلك المدن بحدّ ذاته صورة لنائب لبناني نجح في الإنتخابات. عندها ستحسدنا دول كبرى على طريقتنا التنظيمية تلك. فيصير لدينا جرّاء ذلك: بناية الحريري،الجميّل، برّي، الحاج حسن، الجسر، فتفت، الأحدب، عيدو، مجدلاني، العريضي، فرعون، تويني وغيرها. هذا المشروع الهام سيعتبر ثورة في تنظيم الأبنية وإطلاق الأسماء عليها وسيحلّ مكان الترقيم الذي لم يشمل بعد كلّ هذه الأبنية.
عندها سوف يسهل على أيّ كان الإستدلال على العنوان الذي يقصده. فإذا ما سألنا مثلاً أحد معارفنا عن مكان سكننا نجيبه وبكلّ بساطة في بناية تويني في الحاجب الأيسر، أو في بناية الحريري أدنى "السكسوكة" وهكذا. وما من شكّ بأنّ بعض الشقق سرعان ما سينتقل منها اصحابها إذا ما صادف وقوعها في أماكن غير مستحبّة من الصورة العملاقة للمرشح. وما من شكّ بعد ذلك أن السكن في بنايتي عيدو والعريضي خصوصا في طوابقها العليا يصبح خطيرا جدا. ففي تلك الطوابق لن يستطيع أيّ كان السكن ما لم يجهّز نفسه "بسلاسل معدنية" تمنعه من الانزلاق على رأسيهما الذين هجرهما الشعر منذ وقت طويل.
هنيئاً لنا ولكم .. بكم..
- آخر تحديث :




التعليقات