رصاص في الضاحية الجنوبية:
نبيه برّي رئيساً!

عصام سحمراني:هي المرّة الرابعة على التوالي التي يفوز فيها نبيه برّي برئاسة المجلس النيابي اللبناني. وإذا مرّت الثانية والثالثة مرور الكرام وتحصيل الحاصل لدى مناصري حركة أمل- التي يرأسها نبيه برّي بالذات- فإنّ المرّة الرابعة التي تحققت نهار الثلاثاء الماضي عادت بنا إلى أجواء المرّة الأولى بالذات بما رافقها من رصاص غطّى سماء الضاحية الجنوبية لبيروت منذ إعلان انتخاب برّي ظهراً حتى ما بعد منتصف الليل.
المشهد إذاً.. سماء تتلقى بصدرها العاري رشقات كبيرة من رصاص لم تستطع أن تجد درعاً يقيها منه سوى الجاذبية التي أعادت الرصاص إلى شوارع الضاحية الجنوبية فتسبّب هذا الأمر بسقوط عدد من القتلى والجرحى. بعض من الرصاص مضيء والآخر عادي، بعضه من العيارات الخفيفة والآخر من المتوسطة. ولا مانع بعدها من تفجير بعض القنابل اليدوية الصغيرة من نوعية "الرمانة" و"المدقة" وبعض المفرقعات الثقيلة العيار بين الفينة والأخرى.

إذاً فالشوارع غطاها الرصاص بصوته والبارود برائحته وتعلّقت الأسلحة على أكتاف الشبّان وفي أيديهم وعلى خصورهم ومن مختلف الأنواع الأميركية والسوفياتية وذات الصنع المحلّي. "تتغيّر شخصية الشاب حين يحمل سلاحاً، ربّما هي تلك النظرة في عينيه!" تختصر رنا حالة أولئك الشبّان الذين احتلّوا الشارع تحت منزلها مباشرة وأفردوا مساحة كبيرة لكبتهم الجنوني هناك. تختبئ في الداخل وتشير إليهم في الشارع حيث كانوا يتوزّعون ويصرخون ويطلقون النار من أسلحتهم. وبطبيعة حال الضاحية الجنوبية فلا يكتمل المشهد فيها سوى مع أبواق السيارات والدراجات النارية الصغيرة تحمل أزواجاً أزواجاً منهم يتجاور في أيديهم علما "حركة أمل" الأخضر و"حزب الله" الأصفر وهم يصرخون بهستيريا للأستاذ نبيه برّي والسيّد حسن نصر الله ومن والاهما.

يحمل حسن "صينية البقلاوة" ويجبر كلّ من يمرّ على حاجزه المبتدع للإحتفال، أن يتذوق من قطع الحلوى التي ابتاعها من جيبه الخاص، "هذا أقل واجب إكراماً لفوز الأستاذ" يقول بفرحة كبيرة تجبرك على التذوّق والتهنئة. حسن يرى انّ من حقّ كلّ شخص الإحتفال بالطريقة التي تناسبه ولا يستغرب إطلاق الرصاص بتاتاً بما انّه نوع من الإبتهاج، "إزاء كلّ التحدّيات الأميركية والصهيونية التي كنّا نتعرض لها" يرددها لازمة حفظها غيباً من كثرة تكرارها ويعد أنّه سيلجأ للإحتفال بالذخيرة الحيّة حين تنفذ ذخيرته من الحلويات بعد قليل.
يتوقّف كامل وسليمان قليلاً ويعلقان علماً لحزب الله في مؤخّرة دراجتهما النارية يعانق علم حركة أمل الأخضر في يد كامل الذي يجلس في الخلف. يتعانق اللونان مراراً وتكراراً في هذه الليلة لكنّ الأغلبية الساحقة من المحتفلين هم من أنصار حركة أمل الذين حملوا اللون الأصفر كتعبير عن "وحدة الصفّ الشيعي تجاه كلّ من يريد لنا الذلّ والتحجيم" يقول سليمان. ينطلق الشابان مع تظاهرة صغيرة من الدراجات النارية الشبيهة لدراجتهما وهم يصرخون : "على حيّ السلّم يللاّ خربانة هونيك". إنطلق الجميع إلى هناك..


في أحد شوارع حيّ السلّم - وهو أقصى جنوب الضاحية الجنوبية- يرفع جعفر رشاشه ولا يكاد يرى سوى شرارات نارية تخرج من فوهته فلا يستطيع ملاحقتها بنظره حتى أعماق السماء المظلمة التي خطّتها الرصاصات بعشوائية رميه المرتبك. لم يتردّد صدى أزيز الرصاص في المكان بل تجاوب مع كثير من أصوات الإنفجارات داخل المكان وفي أماكن أخرى فلم يتسع الجوّ للصدى بين هذه الكمّية من الأصوات. إذاً هي المرّة الأولى التي يتسنّى لجعفر فيها إستخدام سلاحه. الوقت وقت احتفال والأمر مبهج في الوقت عينه بالنسبة له، "فلا مانع من الإحتفال بهذه الطريقة طالما يقوم الجميع بها!". جعفر يقلّد إذاً لكنّه يعتبر الإحتفال بانتخاب الرئيس برّي "أهمّ حدث بالنسبة لي بعد تحرير الجنوب!" يصرخ بفرحة عارمة وهو يخفض رشاشه بشكل مفاجئ كاد يقتل عدداً من الموجودين هناك.
يقف علي وسامر وحيدر على سطح إحدى بنايات المنطقة وهم يراقبون ألوان السماء تتحوّل كلّ لحظة وتضاء بالرصاص الخطّاط البرتقالي وبالقنابل المضيئة والمفرقعات ذات الأحجام الكبيرة والأصوات المدوّية. الأصوات هي ما يشغل هؤلاء الثلاثة فهم لا يمارسون الإحتفال الناريّ إلاّ من حيث الإستماع إلى الاصوات تلك وتمييز نوعية كلّ سلاح من خلال صوت رصاصه. "هيدي أم 16 مش سامعين صوتها رفيع!" يصرخ سامر بوجه رفيقيه اللذين أصرّا على أنّ الصوت لرصاصة "زيك عم تعلمّني!!؟" يعيد حيدر الصرخة إلى سامر. وهكذا فالشبّان الثلاثة يشعرون أنّ في تلك الأصوات، التي يعتبرها الكثيرون شؤماً "أجمل استعادة للذكريات الخاصة بالحرب حين كنّا أطفالاً نعتبرها لعبة من ألعابنا!" يقول علي ويهنئه رفيقاه على شاعريته. لكنّ تلك الوقفة بشاعريتها لم ترق لوالدة علي "ام علي" التي بحّت صوتها وهي تصرخ عليه وتدعوه للنزول خوفاً من "شي رصاصة طائشة" تصرخ ولا يردّ هو عليها. حينها تبدأ بشتمه وبشتم كلّ من يطلق الرصاص ولا يمنعها حبّها "للأستاذ" عن ذلك، "يروحو ينضبّو بلا مسخرة بقى، الحبّ بالقلب مش بالرصاص!" تنظّر "امّ علي" للشباب عبثاً.

لا تخيف الأصوات النارية أحداً في الضاحية الجنوبية إلاّ القليل منهم فحتى الأطفال يصفقون بأيديهم ويصرخون بالترافق مع الرصاص فيسعدون حين تغطّي أصواتهم عليه، هم يلهون من خلاله ويلتقطون بعد كلّ إطلاق للرصاص كمّيات كبيرة من الرصاص الفارغ يلهون بها ويبتكرون لها ألعاباً. يتكرّر إطلاق الرصاص في مناسبات عديدة هناك دون باقي المناطق اللبنانية، وأكثر الأوقات احتفالاً هي أعياد رأس السنة الميلادية. لا أحد يعرف كيف يتحوّل الشبّان هناك فجأة إلى مقاتلين كاملي الزيّ "الميليشياوي" برشاشاتهم وجعب الرصاص والمسدسات والقنابل اليدوية على خصورهم وفي أيديهم. ولا أحد يعرف كيف يختفي كلّ ذلك وأين حين ينتهون وتأتي في بعض الأحيان دوريات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.

يروي أحمد حادثة في الموضوع فيقول: "إشتبهنا مرّة بسيارة متوقفة إلى جانب الطريق فاستدعينا خبراء المتفجرات في قوى الأمن الذين فحصوها بأجهزتهم التي دلّت على وجود متفجرات فيها لكنّ صاحب السيارة سرعان ما قدم قبل نقل السيارة للتفكيك فاحتجزه رجال الأمن ونقلوه مع سيارته. المفاجأة كانت في استمرار الأجهزة الخاصة بالمتفجرات بالإهتزاز علامة وجود المئات من قطع السلاح في البيوت السكنية". يروي أحمد هذه الحادثة ولا ينسى تقليد صوت رئيس القوّة الأمنية الذي قال حين سألوه عن سبب إهتزاز أجهزة المتفجرات، "من البلاوي يللي بالبيوت".
إذاً هكذا هي الحال في الضاحية الجنوبية ..نموذج مميّز عن مناطق عديدة من لبنان. وعلى الرغم من انّهم يركّزون في لبنان وفي الإدارة الأميركية والأمم المتحدة على نقطة تجريد "حزب الله" من سلاحه فالواقع يواجههم بغير ذلك السلاح. وهذه الجهات على ما يبدو سوف تدرج تلك الأسلحة التي لم تكن بادية بهذا الوضوح في القرارات والمطالبات القادمة. ولا يبقى لنا سوى التكهّن بعدد ضحايا المعارك إذا كان عدد ضحايا الإحتفالات ثلاثة قتلى وبضع عشرات من الجرحى!
مبروك.. فعلاً مبروك.