عصام سحمراني: الضاحيوزيّة.. تمثلاً بالمافيوزيّة، اتفاقٌ أو حالة فكرية تربط بين شريحة واسعة من شبان "الضاحية الجنوبية" لبيروت. وهذه الحالة واسعة الانتشار إلى حد يمكن معها تجييش تلك الشريحة في اتجاهات تتفق وآراءها.
وهذه النسبة اللفظية "للضاحية" بشكل عام ، إنما أعتمدت لأن سكان "الضاحية الجنوبية " فقط هم الذين ينسبون لأنفسهم ومنطقتهم اسم "الضاحية" بشكل عام، بالرغم من وجود ضواحٍ شمالية وشرقية لبيروت. لكن سكان هذه المناطق لا ينسبون لها هذا الاسم مع أنها تشكل جزءاً من حزام البؤس الملتف حول العاصمة؛ كالأشرفية، وبرج حمود، وعين الرمانة، والحدث.
والضاحيوزية التي نشأت عن طريق الصدفة المحضة المرتبطة بالوضع العام هناك- السياسي في مجمل الأحوال، تحتم على حَمَلَة أفكارها عدم الانتساب إلى أيّ من الأحزاب أو التنظيمات المتواجدة هناك، والمنتشرة في كل أرجاء "الضاحية الجنوبية"، وهي بالترتيب بحسب شعبيها:
-حزب الله وكل ما يتصل به من مؤسسات سياسية، إنمائية، أو تربوية.
- حركة أمل.
- الحزب الشيوعي اللبناني.
- الحزب السوري القومي الاجتماعي.
- حزب البعث العربي الاشتراكي.
-الفصائل الفلسطينية كافةً.
- الناصريون بكل فئاتهم.
دون أن نغفل عن ذكر النتف المتناحرة هناك ، والتي لا تجد أرضاً صلبة تستند إليها ؛ كالأحباش، والجماعة الإسلامية، والأكراد سياسياً.
ويحتم القانون – غير المعلن – الخاص بهذه الفئة عدم الانتماء إلى أي من تلك الأحزاب والجماعات، ولو ظاهرياً فقط؛ في سبيل مصلحة ما(منحة تعليمية، أو توصية).
هذه الشريحة من شبان الضاحية لا تلتقي ضمن اجتماعات، ولقاءات، ومؤتمرات دورية شأن الأحزاب والقوى السياسية على اختلافها. بل هم يلتقون بتلاقي أفكارهم في الأحاديث الشخصية التي تدور فيما بينهم في الأسواق العامة ، وعند أصحاب الحرف؛ كاللحامين ، والحلاقين.
وتنتشر هذه الحالة ـ في أقصى انتشار لهاـ في صفوف الشبان العاطلين عن العمل. يلتقون مجموعات صغيرة في زوايا الأحياء الأكثر شعبية . ويمضون لياليهم وهم ينفخون دخان الأراكيل، ويلاحقون الفتيات. ويتطور البعض منهم نحو التحشيش، والدلسنة، وابتلاع حبوب الهلوسة: ماغادون، بينزيكسول، أل أس دي وقد يدمنون ذلك.
قلما يتفقون على رأي واحد . بل إن اختلاف الآراء، وتضارب الأفكار هو ما يميزهم عن الآخرين. لكنهم يتفقون على عدد من الأمور أهمها: كره الأحزاب برمّتها. وقد إنخرط بعضهم ضمن عدد من الأحزاب ولكنه سرعان ما خرج ؛ من تلقاء نفسه حيناً، وطرداً حيناً آخر ارتأى فيه القيمون على أحد هذه الأحزاب أنه فاسد بشكل ما.
وهكذا والحال كذلك ، يغلب على اجتماعاتهم طابع كراهية الآراء الأخرى. وتؤثر بطالتهم بشكل كبير في ذلك، حيث يتعصبون تعصباً أعمى لأفكارهم دون أي اعتبار لرأي الآخر. وهذا الأمر يحول بينهم وبين التواصل الفعال بذلك الآخر.
يعتقد اللبنانيون أن سكان "الضاحية الجنوبية" مسيسون . لكن هذه النظرة سطحية بعض الشيء. فالذي يعيش هناك فترة وافية، يدرك تمام الإدراك أن الضاحيوزيين هم الفئة الأكبر دون أدنى مجال للشك. وبالرغم من مشاركتهم في المناسبات الدينية- بعض الأحيان- لدى حزب من الأحزاب؛ ذكرى عاشوراء مثلاً، فإنهم يشاركون من أجل المشاركة وإحياء الذكرى فقط. وهذا ما ينطبق على تشجيع جمهور النجمة- الضاحيوزي بمعظمه- "لحسن نصر الله" أمين عام حزب الله، في مواجهة تشجيع جمهور الأنصار للرئيس الراحل"رفيق الحريري" ونجله النائب المنتخب "سعد الحريري" والطريق الجديدة- إحدى المناطق البيروتية ذات الأغلبية السنّية. حيث يعتمدون في هذه الحالة مقولة: " أنا وخيّي ع ابن عمي..".
ولا بدّ من الإشارة إلى المضايقات المستمرة، والاضطهاد الواسع الذي يتعرض له الضاحيوزيون، من قبل جميع القوى السياسية هناك. وبغض النظر عن كونهم أصحاب حق أم عكس ذلك، فإنّ هذه المضايقات تزيدهم تمسكاً بمبادئهم التي لم تتفق بعد على مبدأ واحد سوى كره الأحزاب والفئات السياسية كافةً.
ربّما هو نوع يساري جديد - وقد كثرت هذه الأنواع في الفترة الأخيرة. لكنه دون شك لا يتفق مع اليسار المعروف من أحزاب أيديولوجية النزعة والأهداف. فالضاحيوزيون يتسلحون باليسار في مواجهة يمين الضاحية الجنوبية المتمثل بالأحزاب الدينية. ويتمسكون بالدين في مواجهة العلمانيين. وبالفوضى في مواجهة الدولة. وبالدولة في مواجهة الفوضى. فلا يفيدون من أحد سوى المزيد، والمزيد من التهميش.