عصام سحمراني: قبل ولادتك بعشر سنوات فقط، كثيرة كانت الأوراق التي كنّا نعدّها كي نصل إلى قيمتك. ومن كان يحمل هذه الكمّية منها قيل عنه بحسد انّه يحمل "ألف ليرة". حتّى من حمل نصفها قيل عنه أيضاً، لكن بحسد أقل، انّه يحمل "نصّ الألف".
تلك الأوراق الكثيرة لم تكن حتماً في متناول الجميع بل إنّ الحدّ الأدنى يومها لم يتجاوز ربعك، وإيجار المنزل لم يتخطّ عتبة اثنين من فئة الورقة الأكبر في تلك الفترة، المائة ليرة . أمّا المحظوظ هو من استملكك واستطاع أن يمعن في تبذيرك حتّى النفس الأخير على مدار أسبوعين كاملين يبحر فيهما من "بيروت" إلى "الإسكندرية" أو إلى "ليماسول". ومن كان محظوظاً أكثر كان يستدين المبلغ من قريب له ويخسرك في ليلة ليلاء واحدة أمام إحدى عصّارات الكازينو. يكتئب ويندم وينشغل بالهمّ الجديد لكنّه لا يتوب فهو يعلم أنّ التعويض آت. فيتحيّن فرصاً أخرى لإصطيادك. كانت أيّام خير.
دعنا من هذه الخبريات التي حصلت قبل ولادتك فقد أخبروك كثيراً عنها. ولادتك التي عدّت قيصرية في لبنان الذي كان يشهد يومها تفجيرات وانفجارات بالمعنى الأصلي للكلمة، ومحاولات سلب عديدة لبيتك المصرف المركزي أعدّها كلّ من سيطر على محيطه، ولطالما تغيّر ودانت السيطرة لواحد غيره في اليوم الآخر. أمّا الإنفجارات الأهم من المعنى الأصلي للكلمة فقد كانت مالية، سياسية، واقتصادية تسبّب بها انتهاء ولاية رئيس، واستقالة آخر مع حكومته، وسيطرة ثالث عسكري على مقاليد الحكم. أيّام!
الزاروب بحدّ ذاته كان يشكّل دولة في تلك الأيّام التي كان "الكلاشينيكوف" و"الأم 16" وأقاربهما في لبنان والمهجر يحكمون لبنان. كلّ طرف حينها ارتضى بما يملك من كانتون- دولة وسعى دوماً للمزيد. فلو انّهم يومها أعدّوا خريطة للبنان- لبنان الجميع- لملأوها بالخطوط المتقطعة علامة تنازع الحدود. يومها حملتك للمرّة الأولى بجسدك المتطاول ولم أصدّق أنّني حصلت أخيراً عليك. لكنّ ما تفاجأت به أكثر وسررت به كان جسدك الأزرق البديع الذي ضمّ لبنان كلّه عبر الخريطة التي وحمك بها الخالق. لقد توحّمت أمّك المسكينة في فترة حملك على لبنان فوهبتها يدا الخالق تلك الوحمة على صدرك كبيرة. ولم يهتمّ أحد يومها إن كانت تلك الخريطة تضمّ "مزارع شبعا" أم لا، فحينها كان الحدّ الأدنى من الأراضي المفتّتة إن ردّ إلينا يشكّل عيداً وفرحاً متواصلين.
وانتهت تلك الفترة وانتهت الفرحة بك بعد سنوات ثلاث لا أكثر، ربطوك بالدولار فكنت كبش المحرقة الذي أرادوك أن تكون منذ اللحظة الأولى. جاءت حكومات ورحلت حكومات وتاجروا بك وادّعوا أنّهم يريدون الخير لك. خفّضوا قيمتك بموازاة الدولار لكنّهم لم يرفعوا يوما قيمتك الشرائية تلك التي كنت من قبل مكرّما أشدّ التكريم من خلالها حين كنت مقسّماً إلى فئات فما أرادوا لك ذلك في سنين وحدتك.
وانتشر الأزرق البديع في كلّ الأيدي الكادحة.. وبات المواطن يعدّ أوراقك الكثيرة للوصول إلى الحدّ الأدنى كما كان يعدّ من قبل أوراقاً أكثر للوصول إليك ولم يصل. ملمسك في البداية كان مختلفاً عمّا قبلك بنعومة التطور الذي شهدته صناعة العملة في "البنك المركزي". لكنّ هذا الملمس سرعان ما ازداد خشونة مع اهتراء أوراقك واستبدالك لأكثر من مرّة. إستبدلك أولئك المترفون المدللون الذين يخافون على أيديهم من أن ينالها بعضاً من "تعتيرك" فبتّ أروع وأحلى رغم ذلك. ففي اهترائك لذّة وفي عدم القدرة على رؤية علامتك المائية من شدّة الإهتراء لذّة أخرى. تلك العلامة التي تصوّر أرزة تقليدية مصنوعة من ظلّ ربّما لم يبق غيره كي يصوّر في أحشائك.
يا صاحب "الشوفيرية"، يا رفيق بائعي الخضار ينادون على بضائعهم: بندورة 2 بألف، بطاطا بألف، خيار كيلو ونص بألف... هم يظنّون أنّهم ينادون على بضائعهم لكنّ ذكرك موحّداً دائماً مهما كانت الكمّية المنادى عليها يدلّ دوماً أنّهم ينادوون عليك دون أن يدروا ودون أن تدري. أعذرهم.
تنتقل يومياً بين أيدي مئات الآلاف منهم. فمن "الشوفير" إلى "الخضرجي" والفرّان و"الدكانجي"، وماسح الأحذية، والبائع المتجوّل، ومعاون البوسطة إلى تلميذ المدرسة يكون عيداً له إن حصل عليك كاملاً حين يمضي إلى مدرسته. يا رفيق ذلك اليائس يلفّك ويسحب من خلال ثقبك الأعلى "زيح البودرة" الي أعدّه انتقاماً من كلّ أولئك الذين يقفون حائلاً بينه وبين الحصول عليك. يا صديقاً لأفواج وأفواج من العاطلين عن العمل. يا متلازمة أصحاب الدخل المحدود. أعذرهم ولا تؤاخذهم إن سمعتهم يشتمونك. هم من فقرهم وحالهم المزري يفعلون ذلك مرّة تلو الأخرى. لكنّهم يعلمون أنّهم يكرّمونك ويجسّدونك أسطورة لهم حتّى في شتائمهم. يمدّونك من خلالها بالقوّة والزخم لتتابع الطريق في مواجهة أبنائك الظالمين.
أبناؤك المتلونون بكلّ الألوان الزاهية الأنيقة؛ خمسة آلاف بثلاث تصاميم تصغر يوماً بعد يوم، عشرة آلاف بلونين كالحرباء، 20 ألفاً، 50 ألفاً، ومائة ألف خضراء. يبقى لك بعدها الإفتخار بما أنت عليه من ازرقاق لا يشبه الدولار ولا يشبه رأس العملة التي صمّموها شبيهة له بإخضرارها. الدولار الذي لطالما عاونوه عليك وانهالوا عليك بالضرب والتحقير من خلال توحّشهم المالي وبقيت عزيزاً لدينا، وعزيزاً علينا نحن الكادحين.
أيّها الأزرق البديع، لست فكّة بيد الفقراء بل ثروة. ثروة لا يحملها المترفون ويخافون على أيديهم الناعمة منك. لا تخجل بذلك لأنّك مميّز. جعلوك مميّزاً دون أن يدروا حين حقّروك وأنزلوا من قيمتك شيئاً فشيئاً حتّى بتّ بدلاً لتوصيلة سيارة أجرة لا أكثر. فأنت تسمو على جميع العملات بأنّك غير قابل للتزوير. فمن هو ذلك الغبي الذي سيزوّر مائة ورقة منك كي يحصل على مائة ألف بينما يستطيع أن يفعل ذلك بورقة واحدة لا غير!!؟ لا يوجد.
أيّها الأزرق البديع، في زرقتك متعة للعين لا تساويها سوى متعة النظر إلى السماء الصافية والبحر الهادئ. في رؤياك فرحة للفؤاد وبهجة للروح. ترفّع عن كيدهم.
- آخر تحديث :




التعليقات