يرفضون الإعتزال رغم تخطّيهم الخامسة والثلاثين:
عن ثلاثة من مدمني الرياضة في لبنان


العصافير تغرّد ولا تعرف لماذا تفعل ذلك.
خوسيه ساراماڠو- كلّ الأسماء


عصام سحمراني : هنالك بعض الأشخاص الذين يرفضون فكرة التقدّم في العمر. أولئك لا يواجهون عادة مشاكل كبيرة بل تسير أمورهم بشكل طبيعي جداً حين لا يرتبط عملهم بالعمر إلى حدّ معيّن. لكنّ بعض الأعمال يرتبط بالعمر ارتباطاً شديداً يستحيل مع تقدّمه تأديته على المستوى المطلوب والمرغوب من قبل الشخص نفسه ومن قبل القيّمين على العمل أو أصحابه ولهذا الأمر - وغيره الكثير طبعاً- وجدت فكرة التقاعد. أعمال على شاكلة الجيش والشرطة والإطفاء والإسعاف والإنقاذ بكلّ وجوهه.
إزاء ذلك الواقع لا يملك المتقاعد سوى مغادرة عمله مرتاح الضمير ليهيّئ نفسه للدخول في نمط حياتي آخر قد يجد صعوبة في الإعتياد عليه بادئ الأمر، لكنّه وفي معظم الأحيان ينجح في النهاية. هذا عن الأعمال أمّا حين يتعلّق الأمر بهواية معيّنة، لعبة رياضية على وجه الخصوص فإنّ الأمر يختلف تماماً لا بل إنّ فكرة التقاعد ، أو الإعتزال كمصطلح رياضي، تواجه أكثر الأحيان بالرفض الكامل ولا تتمّ إلاّ بالإرغام والطرد في أحيان أخرى. هذه المشكلة تخطّاها نظام الإحتراف الرياضي الذي ماثل ما بين الرياضة وأيّ عمل أو مهنة أخرى قد يؤدّيها الفرد إلى أمد معيّن لكنّه في هذه الحالة لا يعتمد على سنّ قانوني محدّد بل على قدرة اللاعب البدنية والذهنية في الإستمرار والإحتفاظ بمستوى ثابت من الدينامية والتفاعل، والمشاركة في حال الألعاب الجماعية.
هذا عن الدول المتطورة رياضياً تلك التي يتربّع فيها نظام الإحتراف ملكاً في ساحاتها وملاعبها وميادينها الرياضية. أمّا في لبنان "فالعين بصيرة واليد.. مقطوعة!!" حيث ما زال "لا نظام" الهواية هو الطاغي في "كلّ مجالات الحياة فما بالك بالرياضة" يقول خضر أحد ثلاثة رياضيين متقاعدين يرفضون فكرة التقاعد ولا يؤمنون بها.
حسين
الفترة التي شبّ فيها حسين على كرة القدم في أحد أحياء بيروت الأكثر بؤساً كانت المدينة خلالها ذات لونين اثنين؛ "برتقالي الحرائق وأسود الدخان" بفضل عدد من الحروب التي حطّت أوزارها فيها وتوّجت بالإجتياح الإسرائيلي عام 1982. هذا الأمر أدّى إلى شلّ كافة مجالات الحياة بشكل شبه كامل بما فيها كرة القدم التي الغيت بطولاتها الرسمية منذ عام 1975 واقتصرت نشاطاتها على عدد قليل من المناسبات والدورات الكروية الصغيرة والإستضافات الدورية لبعض النوادي العربية والأجنبية. وغني عن الذكر أنّ تلك المناسبات قد أقيمت بين جولة رصاص وأخرى ؛"ولطالما تعطّلت مباريات بسبب الرصاص" يستعيد حسين الذاكرة إلى تلك الأيّام التي توقّع له الجميع فيها أن يصبح لاعباً كبيراً.
تدرّج حسين في الفئات العمرية كافة لنادي الأنصار الذي كان قد بدأ اسمه يسطع في بيروت مقابل "النجمة" القطب البيروتي "الغربي" الأكبر وصاحب أكبر قاعدة جماهيرية. حين يتحدّث حسين عن تمارينه مع الفريق تلك الفترة تقفز إلى ذاكرته أسماء لكبار لاعبي الكرة اللبنانية الذين عاصرهم مع ناشئي النادي يومها. أسماء كفادي علّوش، جمال طه، محمد الشمعة، نور الجمل وغيرهم الكثير. وصل حسين إلى الفريق الأوّل وانتهى كلّ شيء. استغنى النادي عن خدماته ؛"ومع وقف التنفيذ" حيث لم يمنح ورقة الإستغناء التي تخوّله للعب مع فريق آخر يومها عقوبة له على إكالة اللكمات لأحد مدرّبيه في النادي.
استمرّ حسين بلعب المباريات في الدورات الشعبية وبرز فيها بشكل يفوق الوصف. وهذا ما لفت إليه أنظار مسؤولي نادي النجمة عام 1992 حين أشركه صديقه "الحاج حمود" في تدريبات الفريق لكنّ عقبة الإستغناء التي قضت على أحلامه في مهدها لم تحد خطوة واحدة يومها.
كبر حسين منذ ذلك التاريخ وتخطّى منتصف الثلاثينات وصار لديه زوجة وأولاد، ومسؤوليات كبيرة يخلعها كلّ يوم مع ثياب عمله المتعب لتبرز تحتها عدّة عشقه الحقيقي؛ الشورت والتيشيرت والكلسات والحذاء. قد يستغرب المرء وهو يراقب تلك الحماسة التي لحسين في كلّ ما يختصّ بكرة القدم. حتى إنّ مشاهدته وهو يلعب حين تكون مدركاً أنّه في مثل هذا العمر تبعث فيك - إذا كنت ممارساً للعبة- شعوراً بالضعف أمام سرعته وقوّة تسديداته ورؤيته الشاملة للملعب. هذا عن حسين الذي لا يقبل بالإنسحاب؛ "الأفضل أن تقول لي ..انتحر!".
طارق
لن نتكلّم كثيراً عن طارق ففي النهاية هو يملك قصّة شبيهة للغاية بقصة نشأة صديقه ورفيق خيباته حسين. لكنّ الفارق الكبير و"الضخم" بين الإثنين هو إنّ طارق حين طرد من نادي الحكمة آخر الأمر إثر سلسلة طويلة من المشاكل؛ "مع أيّ كان" وهو في العشرين من عمره، كان شاباً عادي القوام لا بل كان جسمه "جسم لاعب فوتبول أوروبي أو برازيلي!" يقول طارق. ومع بلوغه الثلاثين أصبح موضع دهشة لدى كلّ من يراه وهو يلعب كرة القدم على الملاعب الترابية؛ "بعمرك شفت 120 كيلو غرام عم يركضوا ساعتين!!!؟" يسألني طارق وهو يطري على نفسه للدهشة التي اعترتني. ويضيف إلى ذلك قصة إختبار الإنضمام إلى أحد النوادي الذي وافق مدرّبه رغم الجسم الضخم الذي يفضح طارق منذ النظرة الأولى على انضمامه إلى الفريق بشرط أن يضع له برنامجاً تدريبياً قاسياً يساعده على تخفيف الوزن لكنّ كلّ الإجراءات توقّفت حين علموا أنّه في الخامسة والثلاثين "أي أكبر بعشر سنوات من العمر الذي ادّعيته بادئ الأمر".
والآن لا ترى طارق - الأعزب بالمناسبة- سوى في ملاعب الكرة الشعبية. يلعب مرّات ويقوم بالتحكيم مرّات أخرى فيتلذّذ بإغاظة اللاعبين. وفي أكثر الأحيان تجده وهو يعرج أو يتّكأ غلى عكّاز بسبب تمزّق ما سبّبته بدانته. ولن يفكّر بتاتاً "بالتوبة" عن الكرة فهي الشيء "الوحيد غير القابل للكذب في حياتي" لا نخوض مع طارق في التفاصيل فربّما تحتاج لموضوع مغاير يؤدّي بنا إلى محلّل نفسي ونتركه مع أفكاره.
خضر
لا يلعب خضر كرة القدم ولم يلعبها في حياته. الأمر الذي يعتبر غريباً للغاية في البيئة التي ترعرع فيها والتي انعدمت فيها الخيارات وتوحّدت بشكل شبه كامل في كرة القدم. هو اختار رياضة الركض والمسافات الطويلة تحديداً وبرع فيها منذ الصغر ففاز ببطولات رسمية عديدة للناشئين والشباب. وعلى الرغم من الأجواء التي عاشها أيّام الحرب حين فارق والداه الحياة وسلّماه دفّة المسؤولية في العائلة ولم يكن قد تجاوز السابعة عشر بعد. على الرغم من ذلك استطاع أن يقوم بالمسؤوليتين معاً؛ الكبيرة الخاصة "برعاية العائلة من خلال العمل في أحد محلات توزيع مياه الشرب والصغيرة الخاصة بي وحدي أي الرياضة!".
"كنت أقوم بكلّ التمارين وحيداً وأحقّق نتائج جيدة جداً وممتازة في بعض الأحيان في المسابقات التي أشترك فيها" يقول خضر عن تلك الفترة. وحين تخطّى العشرين انضم إلى أحد نوادي ألعاب القوى وركّز على سباقي "الماراثون" و"نصف الماراثون" اللذين حقّق فيهما نتائجه المبهرة على الصعيد المحليّ حين نال فضيّة بطولة لبنان العامة مرتين في السباق الأوّل وذهبية السباق الثاني مرّة واحدة عدا عن خزانة مليئة بالكؤوس والميداليات والشهادات التي تتصدّر صالون بيته وترفض الثبات على نفس العدد.
وها هو خضر اليوم لا يتوقّف عن التمارين رغم تخطيه السابعة والثلاثين ولا يتوقف عن المشاركة في السباقات الرسمية والماراثون السنوي رغم المنافسة الشديدة من الأبطال الصغار. فليس همّه منصباً الآن سوى على المشاركة وإثبات الذات التي أثبتها مراراً في صغره. يحمل أكثر من مائة "غالون" مياه وأكثر من ثلاثين قارورة غاز يومياً إلى المساكن العالية ولا يقتنع إنّ هذا العمل وحده يشكّل تمريناً بحدّ ذاته. "يا أخي الماراثون بدّو 150 كيلومتر بالأسبوع" يفسّر خضر للدلالة على تقصيره. ويبتسم بعدها متجاهلاً أحد جيرانه الذي ضرب على ما يبدو على وتر جرحه الداخلي؛ "شو مفكّر حالك أثيوبي" قال له الجار فاشتعل كلّ ماضيه الرياضي غيظاً لكنّه كتم فورة غضبه للتمارين؛ "وما المانع أن أكون أفضل من الأثيوبيين!!؟ يسأل نفسه ويتناول في نفس اللحظة الإجابة بيديه الإثنين ويحملها إلى الطابق السادس. هذا عن خضر صاحب الماضي المجيد وعدم القدرة على الإعتزال.
"نحن في بلاد الشمس، والرطوبة تنخر عظامنا.." كلام قاله الروائي السوريّ الكبير "حنّا مينه" في روايته "المرصد". ربّما يعكس هذا الكلام كثيراً من مجالات حياتنا لكنّه وللمناسبة ينطبق بشكل كبير على الرياضة في بلادنا التي تنال ما تناله من دفن للمواهب التي لو سنحت لها فرص الصقل والإهتمام والرعاية الجيّدة لقفزت إلى مصاف العالمية. أمّا عن أصدقائنا الثلاثة فلنتركهم لإدمانهم ولنفكّر في طريقة تجعلهم لا يعتزلون الحياة بأكملها قبل أن أن نفكّر في إحالتهم على "اللا معاش" الرياضي.