عصام سحمراني : تتسلّل إلى تفكيره فتغزوه بخفّة ورشاقة مدمّرة بالغة الأناقة. تتسلّل إلى مخيّلته كالموت يتعلّق في عقدة وجدائل حبل مشنقة عتيق. كحفنة من الطيور المهاجرة وهي تستعيد حلاوة العودة مجدّداً إلى الدفء والإرتباط الدائم بمصير مجهول. كحقنة في طراوة الجلد تغرز لتمدّ خطوط المخدّر الورديّة في الشرايين ثقلاً وخفّة، نوماً ويقظة، موتاً وحياةً مع توحّد خطوط الوقت في كلّ مكان إزاءها.
تحتلّ كيانه وتحلّ في تجسّده وروحيته الروحية الأثيرية تجسيداً لها وسلخاً لعدم رؤياها ولمسها. تمعن في إشباع لذّاته حتّى التخمة ألماً قاتلاً، ثقيلاً..لذيذاً. تسلخ كلّ وجوهه مرّة واحدة وتعيدها مرّة واحدة بلذّة فائقة كجزّار محترف. تضع الوجوه بين يديها الشيطانيتين وتستمتع مراراً وتكراراً بخلعها عليها وعنه. تخلعها جميعاً لتبقي وجهاً واحداً دون كلّ الوجوه أدمنه في حضورها الشيطاني المتحالف مع أعداد لا تحصى من الملائكة؛ هو وجه مازوشيته الأخير.

هي ليست إلاّ صرخة الحياة الأولى ورعشة الإحتضار الأخير. هي الرحم الأوحد والملاذ النهائي. هي الجراح الغائرة في تمجيد ألمها والبلسم الناعم التماسّ بالجلد الغضّ في حبور شفائها. هي ثمار الصنوبر صيفاً وأغصان التوت البرّي خريفاً. هي حوّاء التي لم تظهر للعلن بعد بل استبدلت بأخرى سواها. هي حوّاء التي لم تولد يوماً. هي الحياة قبل أن يكون للحياة حياة. هي المخلوق الأسمى في عدم ولادته بعد. هي التمام والكمال في كلّ دروب النقص الفاحش المخيّم على كلّ الظواهر والمظاهر والمجتمعات بأحيائها وأمواتها. هي ازديادها لا اكتمالها بالتصاقها به فهي لم تكن يوماً نصفاً آخر لأيّ مخلوق آخر. التصاق يحملها على تقبّل نصف جديد إلى كمالها السامي يمثّله هو بكلّ ما فيه من حمّى ذكوريّة تاريخية وراثيّة مأسوف على حقيقتها الكاذبة.

هي التهاب الأحاسيس والأشواق، والظهور الأوّل لجوائح المشاعر المحترقة بعبق الأحلام الجليديّ في نوافيرها البركانية الحمراء. هي اكتمال الحواسّ وازديادها المزعوم سادسة وسابعة وعاشرة. هي ابتكار الحواسّ التي لم يدركها عقل بعد وإبداعها قبل كلّ إبداع لها أو اكتشاف. هي اشتياق الهجرة الدائم للموت الساكن في صحراء أوطانها القاحلة. هي القناع الملائكيّ للملائكة المقنّعة بأقنعة الشياطين الأنسيّة. هي شلاّلات الماء المقدّس المعطّر برياحين الجبال الحرجية المتمرّدة في تدفّقها الدائم كإله لم تتوقّف يوماً أعطياته.

هي التناقض في كلّ معانيه. هي الثورة في تناقضها على كلّ قوانين المنطق السخيفة والتمرّد عليها. هي الوجود بلا سبب، هي كلّ الأسباب والنتائج، هي الإنتقال اليوميّ بين آلاف الحالات والوجوه والأرقام والألحان والمخلوقات والكائنات والعدم والكون والرغبة واللذّة والتيه والضياع والإدراك والتباهي والغلوّ والإبداع والدلال والشكّ والثقة والخوف والرهبة والقداسة. هي الوجود في موته وحياته. هي التساؤل عن وجود الموت في توازيه مع الحياة وتقاطعه الدائم معها. هي الموت والحياة معاً. هي التعقّل والجنون دون أيّ فاصل بينهما. هي كلّ اللغات والمذاهب والحروف والعبارات والأصوات والأرقام والأفكار والنوتات والألحان والعبادات والمعتقدات والشرائع والعادات والأعراف والتقاليد والظواهر الطبيعية والإجتماعية. هي كلّ ما هو حيّ وميّت فينا.
هي نعمة النقمات حلّت في شرايينه وأقفلت بوّابات العبور على كلّ ما ترامى تحت كعبيها السماويين. حلّت فيها وتنقّلت كيف تشاء في ثنايا كرياته الدمويّة البيضاء المبهمة الغريقة في بحر من اللون الأحمر الثائر. تنقّل أحلّها في تلعثم كلماته وارتباك عباراته، وسهاد بصره، ونوبات صرعه، وإدمان أعصابه كلّ ما يربكها ويزيد من تشنّجها المصاب بحمّى الثورات. أحلّها في ابتلاعه للّعاب غذاءً وحيداً حلواً واجتراره للمشاعر والذكريات دون أن تثير أيّاً من مشاعر أخرى، أو تضيف أيّاً من ذكريات جديدة. هي نعمة النسيان في غلاظة وقسوة وكآبة الذكريات. هي المولد الجديد لكلّ حيّ والموت الأكيد لكلّ ميّت دون مبالاة بالبعث يوماً. هي الإدمان وحدها ولا شيء سواها.

هي اكتمال الخليقة وتوقّفها إجلالاً لعظمتها الدائمة كآلهة الأرقام والمعادلات الحسابية الراسخة في فضاءات المجرّات الكونية السابحة في العدم الساكن فيها. هي الكلّ وسط غبار الأجزاء.
هي الغياب ساعة الحضور، والحضور من غير ميعاد. هي الأنثى.

[email protected]