عصام سحمراني: خمس وعشرون عاماً عمره وهي التظاهرة الأولى التي يشارك فيه! غريب ذلك فعلاً في أوطان تعيش على التظاهرات وتأكل خبزها اليوميّ منها وتسكنها وتعدّها بكيانها المستقلّ غاية نهائية. في أوطان تتخذ حرّية التعبير المشوّهة فيها قياسات لجلابيب أهل السياسة وطرابيشهم ومناسف لولائمهم وكروشهم. في أوطان باتت التظاهرات فيها أفيوناً للشعوب، وتسريباً بطيئاً لثورات ما أن تكاد تنفجر في وجه الجميع حتّى تولد إحدى التظاهرات بقدرة قادر كاملة بشعاراتها وأهدافها المفرغة وعدّتها البشرية والتجهيزية اللازمة. هو كان بعيداً عن كلّ ذلك فلم يسأل مرّة واحدة على الأقلّ؛ من أين تأتي أموال التظاهرات!؟
هو سوريّ! نعم هو سوريّ. إذن هو مندسّ! هكذا سيقولون بمقدماتهم الكبرى والصغرى ونتائجهم التي انقلبت على مؤخّراتها كلاماً متعفّناً لا يفقهه سواهم. كلّ سوريّ مندسّ، كبرى، هو سوريّ، صغرى، إذن هو مندسّ، نتيجة. هذا هو المنطق بنتيجته التي ترضي كثيراً من اللبنانيين الذين (متل المسك) في تعايشهم الطائفي الحضاري الذي ينقلب هشيماً كزجاج رشيد الضعيف في روايته quot;المستبدّquot;؛ quot;يبدو أنّ الزجاج من أكثر الكائنات هلعاًquot; هكذا يقول الروائي اللبناني عن الزجاج الذي ليس أكثر هلعاً من تعايشهم الكاذب. تعايشهم الذي تزعزعه حفنة من المندسّين، هو أحدهم. المندسّون الذين أتقنوا على ما يبدو اللهجة اللبنانية البيروتية والشمالية التي رأيناهم عبر الشاشات يتحدّثون بها في خضمّ رحلة البحث عن السفارة. يبدو أنّ هناك دورات تدريب على اللهجات اللبنانية لدى مؤسّسات المندسّين. فلا أحد يعرف ربّما يندسّون في تظاهرة من نوع آخر قد تتطلّب استخدام لهجة أخرى. طبعاً أفليسوا مندسّين!!؟
هو أحدهم لأنّه سوريّ. وبغضّ النظر عن عدم مشاركته في أيّ تظاهرة سابقة في بلاده أو في بلاد غيره. وبغضّ النظر عن كونه لم يؤدّ خدمته العسكرية هناك وتهرّب منها نحو أمان الفوضى في لبنان. والجميع يعلم ما معنى أن تتهرّب سبع سنوات من خدمتك العسكرية في سوريا. على الأقلّ فالسوريون يعلمون. بغضّ النظر عن كونه يعارض حكم البعث في سوريا (ولو بطريقة سرّية) وكذلك كان والده الذي انقطعت أخباره منذ زمن طويل بين اتهامات بالإنشقاق وquot;الأخونجيةquot; وquot;الأتاسيquot; وquot;حماهquot; وquot;قوّات الردع العربيةquot;. ذلك في زمن لم يظهر فيه بعد لا quot;جند الشامquot; ولا quot;تنظيم القاعدة في بلاد الرافدينquot; ولا quot;أبو عدسquot; وخدّام المتجدّد وغيرهم من أبناء السبيل.
هو سوريّ وهو أحد المندسّين على الرغم من دافعه الوحيد للمشاركة في التظاهرة. دافعه الذي أملاه عليه واجبه الديني الذي ما زالوا يسخرون منه في نشرات أخبارهم وصحافتهم وإعلاناتهم المتأمركة المليئة بجميع أنواع البقر دنماركية كانت أم هولندية، ودائماً بانتظار الغزو القادم والمرتقب للخنازير. واجبه الذي جعلوه في خطّ المواجهة الأوّل مع حقوق الإنسان. تلك التي تتبناها أنظمتنا العربية من المحيط إلى الخليج. أنظمتنا التي جمع مظفّر النوّاب مساحة بعض سجونها فتجاوز حاصل جمع البلاد. أنظمتنا التي وضعت إعلانات بتسهيلات كبيرة لتوظيف سجناء لديها في ظلّ النقص الخطير في أعدادهم. لأنّهم ببساطة يلفظون أنفاسهم الأخيرة في تلك السجون وهم في أحضان سوط حقوق الإنسان في يد السجّان. واجبه الذي يملي عليه في أضعف الإيمان أن يحتجّ لا أكثر. أفلا يقول الحديث؛ quot;إلاّ رسول الله!quot;؟ أهو مندسّ لنصرته للرسول أم لأنّه سوريّ ينصر الرسول؟ هل نصرة الرسول باتت تتوقّف على فئة من اللبنانيين تحتكر الساحات والمنابر والإعلام والدولة والقرارات وطرق الإحتجاج أيضاً!؟ تلك إذن ديكتاتورية الكلمة لا حرّيتها ولا تساوي الجميع أمام التعبير عنها.
هو لم يخرّب ولم يشارك في أيّ من أعمال الشغب والسرقات التي قيل عنها. هو لم يرم الكنيسة بالحجارة ولا انتبه حتّى لوجودها. لم يكن ملثماً ولا كان ملتحياً ولم يحمل علماً دنماركياً للحرق ولا عبوّة حليب فوقها حذاء. كلّ ما كان بيده لافتة كتب بخطّ يده عليها؛ quot;إلاّ رسول الله، إلاّ محمّدquot;. تسلّح باللافتة وبإيمانه المنقوص في نظر كثير ممّن شاهد التظاهرة عبر الشاشات، أولئك الذين يفصّلون الدين أيضاً على قياسهم؛ يتّسع حين يريدون ويضيق حين يريدون، وتفتح عروة فيه عند الطلب، ويبرزون فيه مواهبهم في جميع أنواع القطب والدرزات المخفيّة والظاهرة.
تسلّح بإيمانه ونصر الرسول، هو أحد المندسّين إذاً؛ هكذا قرّر اللبنانيون. هو لا يهمّه قرارهم ورأيهم فيه، ولا يبالي باتهامات ومداهمات قد تطاله كما طالت كثير غيره ممّن لم يشارك حتّى. كلّ ما يهمّه أن يكون قد أدّى واجبه في نصرة الرسول ولو بمقدار صغير ينسيه قليلاً أوطاناً وشعوباً منافقة.
قولوا معه؛ quot;إلاً رسول اللهquot;.
- آخر تحديث :




التعليقات