تصوير عصام سحمراني

عصام سحمراني : quot;والله لا اعرف ماذا اجيبه حين يسألنيquot; يهبّ نايف الفلسطيني ثائراً دون مراعاة للعرض الذي كانت كارول تقوم به فيما خصّ ملفّ حصار المخيّمات. نايف الذي لا يعرف ماذا يجيب إبنه ذا الأربع سنوات حين يسأله يومياً عن الجيش الذي يحاصر مخيّم عين الحلوة في صيدا جنوب لبنان. الطفل الذي سأل والده إذا ما كان المسلّحون هم الجيش الإسرائيلي الذي يشاهده يومياً مع أهله عبر الشاشات في فلسطين المحتلة .

فلا جيش يحاصر فلسطينيين على حدّ ذاكرته القصيرة الأمد سوى الجيش الإسرائيلي.
عوداً على بدء، فقد نظّم مسار السياسات الشبابية الحلقة الأخيرة من مرحلة تحضير الفرقاء اللبنانيين والفلسطينيين لإعداد خطط العمل التنفيذية بشأن الحقوق المدنية للشباب الفلسطيني في لبنان.

وبما أنّ الجميع بات يتّفق على هذه الحقوق فقد مثلت ورشة العمل هذه النقطة الأهمّ بين كلّ ما سبقها. ولم يؤثّر كثيراً عدم تلبية الدعوة من معظم الأحزاب المسيحية من تيّار عوني، وقوّات لبنانية، وكتائب، وكتلة وطنية. وحضر بالمقابل حزب الوطنيين الأحرار.

وبدا المشهد العام وكأنّ الشباب الفلسطينيّ حمل همومه اليومية إلى الفئة الأقرب إليه وهي الشباب اللبناني، ولو أنّ هذا الشباب مرتبط بشكل كبير بأحزابه وجمعياته، التي ما زال لديها بعض الهواجس والشكوك تجاه الجانب الفلسطيني وكذلك الأمر بالنسبة للشباب الفلسطيني تجاه اللبنانيين.


ذكريات أليمة

خاص إيلاف
وطالما تحدّثنا عن نايف في الأعلى فلا بدّ من أن نذكر روي الشاب اللبناني المسيحي ذو العشرين عاماً. روي هذا ولد طائفياً -كحالة معظم اللبنانيين- في كنف عائلته القوّاتية وشبّ على تلك الطائفية في زمن لم تعد فيه رائجة ممارسات الطائفية العتيقة من قتل على الهوية وخطف وحرق واغتصاب وغيره. إذن كان من المفترض أن يستكمل روي طريق أخواله المقاتلين الصناديد لكنّه فضّل بعد كثير من التردّد أن يتّخذ خطّ الإعتدال اليساري العلماني في إحدى مؤسسات المجتمع المدني التي تملك تاريخاً نضالياً كبيراً.

يعترف روي قبل كلّ شيء بالهواجس الكبيرة التي كان يملكها تجاه الفلسطينيين في لبنان، لا بل إنّه في فترة من الفترات كان مؤيّداً لأيّ إجراء يتّخذ بحقّهم؛ quot; كنت اعنقد انهم هم اللذين قاموا بتخريب البلد !quot;. أمّا الآن فهو جاهز بكلّيته للنضال من أجل quot;رفع التعتير عن هؤلاء المساكينquot; يقول روي الذي اختار مجموعة حصار المخيّمات التي انبثقت عن ورشة العمل للنضال من خلالها.
على الرغم من بدانة محمّد المفضوحة فقد كان أنشط المشاركين على الإطلاق. ولم يتوقّف نشاط محمّد عند حدّ المشاركة في الحوار التي حمل فيها قضيّة الفلسطينيين الذين يعيشون مثله في التجمّعات خارج المخيّمات، لا بل إنّه تعدّى ذلك إلى المساعدة في كلّ شيء من تعليق الأوراق إلى تأمين الطاولات للصحفيين، إلى حلّ بعض المناوشات الصغيرة إلى غيرها العديد من الأمور.

محمّد فلسطينيّ يعيش خارج المخيّم، أي إنّ احتكاكاً يومياً يتمّ بينه وبين اللبنانيين هناك. الأمر الذي يعتبره محمّد مفيداً في مختلف الأمور. ويعطي محمّد مثالاً على ذلك من خلال الإنتخابات البلدية التي يعمد المرشّحون إلى نيل دعمه فيها- على حدّ قوله- بسبب المعارف والروابط التي يتمتع بها في صفوف اللبنانيين في تلك المنطقة. هو أيضاً كان لديه هواجس كثيرة تجاه اللبنانيين. تلك الهواجس ترجع إلى ذكريات أليمة ماضية معهم. لكنّه الآن جاء إلى الحوار بإملاء إحتكاكه اليوميّ معهم ومن قناعته بعدم جدوى الإختلافات والخلافات بعد الآن؛ quot;خاصة بأمور مصيرية، حياتية يوميةquot; يقول محمّد.

ناديا الآتية من مخيّم الرشيديّة في صور تتمنى زوال المخاوف والشكوك بخصوص ملفّ الفلسطينيين في لبنان؛ quot;كي يعيشوا ويتابعوا حياتهم اليومية لا أكثرquot;. وتتمنى ناديا في هذا الإطار أن يتمّ معاملة الفلسطينيّ في لبنان كما يتمّ معاملته في سوريا حيث ينال جميع الحقوق كالمواطن السوريّ؛ quot;رغم حلمنا ومطالبتنا بالعودة بشكل دائمquot;.

تصوير عصام السحمراني _خاص إيلاف

المنطلقات نفسها ينطلق منها أحمد لكنّه في المقابل يتّهم الوسائل الإعلامية المختلفة بتأجيج المخاوف وزيادتها لدى الرأي العام اللبناني؛ quot;السياسي والشعبيquot;. فهو يرى أنّ التركيز على جوانب معيّنة مسيئة لسمعة المخيّمات دون سواها من الكوارث التي تحصل جرّاء الحياة الصعبة هناك هو قمّة العنصرية والتحريض؛ quot;إذا حدثت جريمة شرف في المخيّم تقوم كل وسائل الاعلام بتغطيتها ، لكن حين تنجرف البيوت من السيول خلال فصل الشناء لا يذكر احد هذا الموضوع quot; .
سلاح
كالعادة فقد اصطدم الحديث عن الحقوق المدنية للشباب الفلسطيني بموضوع سلاح المخيّمات الذي يشكّل مادة يوميّة خصبة لنشرات الأخبار اللبنانية. تلك التي تفرد مساحة لهذا الموضوع تتناسب مع الحدث الذي يرتبط به. وفي هذا الإطار جرت مناوشات عديدة كان أبرزها لكارول التي جاءت إلى الورشة متغاضية عن تاريخ أليم لها مع الفلسطينيين الذين قتل عمّها على أيدي أحد أطرافهم. كارول ترفض أن يعفي الله عمّا مضى؛ quot;دون أن نعرف ماذا مضى تحديداً!!quot;. وعلى الرغم من ذلك تعتبر أنّ العفو العام يجب أيضاً أن يشمل الفلسطينيين؛ quot;بشرط دخولهم في اتفاق الطائف الذي يجرّدهم من سلاحهم الذي لا يحظى بدوره بإجماع وطنيّquot; تقول كارول.


أمّا ظافر من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فإنّه يربط موضوع السلاح بالقضية الفلسطينية؛ quot;وهو ما زال مفيداً لإحقاق حقّ العودةquot;. ويرفض ظافر وسيلة أخرى غير الحوار لحلّ هذا الموضوع؛ quot;ودون تعبئة وشحن من أيّ طرف تجاه الفلسطينيينquot; .


أمّا محمود وهو ممثّل التعبئة التربوية في حزب الله فينطلق من التباين بين مواقف اللبنانيين تجاه السلاح في الوقت الحاضر حيث يقف معظمهم ضدّه وبين السلاح في الماضي حين اعتبر quot;سلاح شرفquot;. ويخوض محمود أكثر في الشأن الفلسطيني حين يعتبر أنّ السلاح الفلسطينيّ كسلاح قضية قد عانى ما عاناه من التجاذبات القيادية في quot;الأردن، وتونس، وسورياquot;. ليخلص بعدها إلى تصنيف سلاح الفلسطينيين في لبنان بين quot;مخلص وغير مخلصquot;. تصنيف ربّما لم يرق لأحد قياديي quot;فتحquot; المشاركين في الورشة، والذي انبرى مهاجماً quot;هذا المنطق التضليليquot; ومدافعاً في الوقت نفسه عن السلاح الذي يعتبره quot;موحّداً وشريفاً وفي مكانه الصحيحquot;.

خاص إيلاف
انيا السبع أعين منسّقة المسار التي تعبت أكثر من الجميع ndash;بإستثناء كمال شيّا المنسّق الآخر- تجد أنّ تعبها قد زال مع زوال الحاجز الوهمي الأخير من الشكوك والهواجس بين اللبنانيين والفلسطينيين من خلال هذه الورشة. ولا تبدي كثير بال تجاه الأحزاب اليمينيّة التي لم تلبّ الدعوة فهي تعتبر أنّ quot;الحوار سيتمّ أتوا أم لم يأتواquot;.

وتقيّم رانيا في هذا الإطار مشاركة حزب الوطنيين الأحرار quot;الذي كان له مع الفلسطينيين تاريخ من سوء الفهم المتبادلquot;. وتنتقل رانيا من خلال مشاركة هذا الحزب للحديث عن التغيّرات الكبيرة التي طرأت على الذهنية اللبنانية تجاه الفلسطينيين quot;وزوال الكثير من الهواجس والشكوك والحواجز بين الطرفينquot;.يبقى أن نذكر أنّ اللقاء شهد جواً كبيراً من الإيجابية في الحوار ولو أنّه أخفى في بواطنه بعض الحساسيات والشكوك بدبلوماسية معروفة عن الأطراف اللبنانية ومن عاشرهم أكثر من أربعين سنة وما زالت هنالك موانع عديدة لأن يكون جزءاً منهم.

أمّا نايف الذي هوجم على مداخلته التي قدّمنا بها فلم يقتنع بعد بالجواب الذي اقترحه المشاركون لطفله في أنّ هذا الجيش الذي يحاصر منازلهم هو الجيش اللبناني. فهذا الجواب سيفتح عليه أبواب أسئلة جديدة بات مطلوباً من السياسيين دون سواهم الإجابة عنها ودون دبلوماسيّة هذه المرّة.