قادة للعبادة ..والتبعية ..والموت لاجلهم
عن الزعماء اللبنانيين في عيون أنصارهم الشباب
آه لو تشتّتت كلّ القبائل في الصحراء الواسعة لآندثرت
الخلافات حول المشيخة ولما تقاتل الأشقّاء للفوز بالزعامات.
إبراهيم الكوني - التّبر
عصام سحمراني من بيروت : quot;ما تفكّر إنّو عم هنّي إلاّ إنّو غصبٍ عنّي، ما شعبي كلّو مجدّدلك لازم على راسو يهنّيكquot;، هكذا يختم زياد الرحباني أغنية quot;الزعيم الوطنيquot; الطالعة من زمن المدافع والحواجز والزواريب والموت المتنقّل بين اللبنانيين. زمن كان فيه الزعيم كما هو اليوم يتربّع على أكتاف الجماهير الشعبية على اختلاف انتماءاتها الطائفية والمناطقية، والعلمانية أيضاً.
زياد يصنّف في إهداء الأغنية بين نوعين من الزعماء؛ الوطني والتقليديّ. ربّما كان هذا التصنيف صحيحاً ويرضي الجميع في ذلك الزمن. لكنّ الأمور اختلفت الآن مع زعمائنا الذين لا يمكن لأيّ كان أن يشكّك في وطنيّتهم المتجدّدة يوماً بعد يوم والمتلوّنة بحسب الظروف المحلّية والإقليميّة والدولية (الأمريكيّة منها تحديداً). ومن يشكّك في وطنية أولئك القادة العظماء فعليه جزاء الإتّهام بالعمالة أيّاً كان مصدرها.
وبطبيعة الحال فإنّ مناصري الزعماء لن يشكّكوا بتلك الوطنية أو بالشخصية التي يتّسم بها زعيمهم لا بل إنّ بعضهم يبرّر له كلّ ما يقوم به على قاعدة quot;من يحكمك صفق لهquot;.
فلنتعرّف على جزء منهم..
وراثة، ميليشيا، مصاري
بطبيعة الحال فإنّ معظم اللبنانيين كما غيرهم من العرب يناصرون أحد الزعماء ويؤيّدونه ويعدّونه في بعض الحالات وليّاً لأمرهم يفتدونه بمالهم وأرواحهم. ذلك أمر منتشر ومعروف لدى علماء النفس الإجتماعي الذين يطلقون على هذه الحالة quot;عقدة التبعيّةquot; التي تقابلها quot;عقدة الدونيّةquot; المنتشرة لدى الأوروبيين على وجه التحديد.وبما أنّ اللبنانيين عرب -على حدّ اعتبارنا على الأقلّ- وبما أنّ الطائفية ضاربة في أعماق نفوسهم فإنّ التبعية متواجدة لدى معظمهم، عن طريق النصرة حيناً لأحد الزعماء مباشرة أو عن طريق تأييد خطّه الحزبيّ حيناً آخر. ذلك الخطّ الذي يختصر معظم الأحيان بشخص الزعيم وحده وبديمقراطية لبنانية كوميديّة الطابع.
حسن واحد من أنصار الزعماء؛ quot;زعيم واحد وبسّ!quot; يقول حسن وهو ينفخ دخان سيجارته. حسن يعتبر أنّ الرئيس نبيه برّي (رئيس مجلس النوّاب وحركة أمل الشيعيّة) هو الزعيم الأوحد لديه الذي يناصره ويقتدي بخطّه الحزبيّ، quot;لقد ترعرعنا والرئيس برّي رئيسنا ..هل تريدنا ان نغير ذلك الان !!؟quot;. ولا يعتبر حسن إختياره للرئيس برّي قد تمّ من منطلقات طائفية، quot;على العكس، منطلقات وطنيّة والدليل إنّ الرئيس برّي هو رئيس مجلس النوّاب اللبنانيquot; يبتسم الشاب بدهاء.
ربيع أيضاً يؤيّد الرئيس برّي لكنّه على عكس المنطلقات الوطنيّة الخاصة بحسن ينطلق في تأييده هذا من الطائفيّة لا بل من الحزبية الطائفيّة أيضاً. ربيع يعتبر أنّ هذا الأمر quot;ربّما يكون خاطئاً في بلد غير لبنان لكن هنا عليك ان تسند ضهرك بمن يشبهك quot;. ولا يجد ربيع سوى الرئيس برّي سنداً له. ربيع الذي لم ينتقد زعيمه بتاتاً لا بل على العكس من ذلك فقد أيّده في خطوة التحالف مع حزب الله (الحزب الآخر في الثنائية الشيعيّة) التي لم تكن واردة لأعوام خلت، quot;بهذا التحالف بتنا اقوى وولينطق احد بحرف عكس ذلك سأضع اصبعي في عينه (او كما يقال بالعامية لحط اصبعي في عينه)والله العظيم!!quot; يقسم ربيع.
وطالما نحن في أجواء الشيعة فمناصرو الطرف الآخر أشدّ نصرة لزعيمهم الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله. ولا شكّ في أنّ مؤيّدي حزب الله أشدّ إنضباطاً بكثير من مناصري باقي الأحزاب اللبنانية والدليل على ذلك الإعتصام الذي نفّذه الحزب إحتجاجاً على زيارة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية للبنان. يومها تجاوز عدد المعتصمين المئتي ألفاً رغم إنّ الدعوة إلى الإعتصام تمّت بوقت قياسي.
quot;هذا لنثبت إننا نستطيع تجميع مليون متى شئنا quot; يتحدّى أشرف باقي الأطراف اللبنانية التي بات رقم المليون يشكّل هاجساً مقلقاً لها ربّما لن تعود إلى الشارع لإثباته على أساس الأرقام مجدداً. quot;باتت واضحة الشارع لمن quot; يؤكّد أشرف. ويخلط أشرف في تأييده للسيّد حسن بين quot;التكليف الشرعي الخاص بالعقيدةquot; وبين quot;الطموحات التي يجسّدها السيّد من خلال السعي إلى إنشاء مجتمع لبناني مدنيّ ومتساوي الحقوقquot;. يبتسم أشرف لعفويّة زميلته زينب حين تقاطعه، quot;لو كان السيّد حسن مسيحي لعُبِد!!quot; تقول الفتاة. هذا عن أشرف الذي لم ينتقد السيّد يوماً في أيّ من مواقفه.
لكنّ آخرون غيره وعلى الرغم من إنضوائهم تحت راية السيّد حسن نصر الله فإنّهم يلومونه على شأن إنتخابيّ يرون أنّ الطائفة ككلّ تعاني بسببه ولو أنّ هذا اللوم يندرج ضمن إطار quot;العتب على قدّ المحبّةquot; يقول نمر. هو يرى أنّ السيّد quot;أكثر من زعيم.. هو لكلّ اللبنانيين بشرط أن يريد المتعصّبون المتحجّرون ذلك!quot;. أمّا الأمر الذي يلوم نمر فيه زعيمه فهو الإنتخابات النيابية في دائرة بعبدا- عالية التي تحالف فيها الحزب مع اللائحة التي تضمّ تيّار الحريري وجنبلاط والقوّات اللبنانية؛ quot; لو لم يقم بذلك لكنا نحن وعون الأكثريةquot; يقول نمر الذي ينتظر الإنتخابات القادمة على أحرّ من الجمر.
نبقى مع تلك اللائحة حيث الحزب التقدّمي الإشتراكي ذو الهوية الدرزية بزعيمه الذي ورث الحزب والزعامة عن والده شهيد الحركة الوطنيّة كمال جنبلاط. نتحدّث عن وليد جنبلاط الذي تعتبره رشا quot;الزعيم والقائد والوالد لنا جميعاًquot; تقول رشا الفتاة الشقراء الجميلة المنغمسة في السياسة منذ أيّام الضفائر. ولا تبالي رشا بتاتاًَ بالإنتقادات التي توجّه إلى جنبلاط على أنّه متقلّب في مواقفه السياسيّة فهي على العكس من ذلك تعتبر هذا الأمر رصيداً إضافياً للبيك الذي quot;يستطيع أن يتعامل مع كلّ الأمور بحنكة وخبرة سياسية لا مثيل لهاquot; تقول رشا وتضيف؛ quot;عجبهم أم لا المهمّ نحنا نعبده!!quot;.
وريث آخر للزعامة على قلّة خبرته هو سعد الحريري نجل الراحل الكبير رفيق الحريري الذي أدّى اغتياله إلى بعث الشارع السنّي تأييداً لخطّه السياسي المرتبط إلى حدّ كبير بالرصيد الكبير من المال والعلاقات الدوليّة والمشاريع الخاصة بآل الحريري. فالتفّ الشارع يومها حول سعد الحريري الوريث السياسي لوالده الراحل.
أحمد يسير في هذا الإتجاه. فهو لم يكن قبل اغتيال الحريري مناصراً فعلياً له أو لغيره من الزعماء السنّة الذين خلت بيروت منهم تدريجياً مع رحيل رياض الصلح وصائب سلام وشفيق الوزّان الذين استلموا رئاسة الحكومة وكانت لهم زعامات معروفة في بيروت.
أحمد شعر بعد الإغتيال أنّ quot;الجريمة موجّهة إلينا كأبناء بيروتquot;. فسارع حينها إلى الإنخراط الكامل في التظاهرات من أجل quot;كشف الحقيقة ومعاقبة المجرمينquot; يقول أحمد الذي بات من المؤيّدين الناشطين لسعد الحريري بعدما انخرط في إحدى الجمعيات التابعة لتيّار المستقبل (الحريري)، ويعترف أنّ تأييده للحريري quot;طائفي بكلّ صراحةquot; يضيف الشاب الذي يخالف الحريري في بعض الأمور الصغيرة الناجمة عن قلّة خبرته؛ quot;مش مشكلة الإيّام قدّاموquot;.
فهد المارونيّ يعتبر أنّ قائد القوّات اللبنانية quot;المحرّرquot; سمير جعجع هو زعيمه المطلق الذي quot;دافع عن كرامة المسيحيين وحياتهم من كثر كانوا يريدون إلغاءناquot;! يعدّد الشاب صفات زعيمه الذي يعتبر نفسه مستعدّاً للتضحية بحياته من أجله؛ quot;رأينا كيف فضّل السجن 11 سنة على أن يسير في الطريق الخاطئquot;. ولا ينتقد فهد زعيمه بتاتاً فهو منذ صغره يعتبره quot;القائد والرمز والسياسي؛ حدا بينتقد الحكيم!!؟quot; يستغرب الشاب.
مختلفون
يختلف بعض الشباب في رؤيتهم لمسألة الزعامة. فمنهم من يرى أنّها قائمة على التعصّب الطائفي لا غير ومنهم من يعتبرها ذات فوائد للزعيم فحسب دون مراعاة لإحتياجات الجماهير المؤيّدة.عبّاس الشيوعيّ أحد أصحاب الرؤى المختلفة. عبّاس لا يتّخذ أحداً من السياسيين اللبنانيين زعيماً له. وينطلق من العقلية الخاصة بالحزب الشيوعيّ اللبناني، quot;حيث لا نعبد الفرد بتاتاًquot; ليؤكّد إنتقاده في بعض الأحيان لأمين عام حزبه بالذات خالد حدادة، quot;فيما خصّ موضوع الحسم في الأمورquot;. لكنّ عبّاس يعترف أنّ الحزب يحتاج إلى quot;ستالين لبنانيquot; من أجل نهوضه واستعادة دوره المركزيّ على الساحة اللبنانية.
بلال أيضاً مختلف عن الآخرين. هو يعتبر أنّ الدجل السياسي منتشر في لبنان. بلال مختلف لأنّه شيعيّ ومؤيّد في الوقت نفسه للجنرال ميشال عون قائد التيّار الوطني الحرّ. فهو يحترم الجنرال لشخصيته القيادية الكبيرة ولا يخالفه رأياً بتاتاً. لكنّه ينتقد جماهير التيّار التي quot;ما زالت تنظر إليّ كشيعيّ لا كعونيّquot; يأسف بلال.
علي هو المختلف الأكبر لا بل هو أحد الفريدين من نوعهم في لبنان. علي وعلى الرغم من تأييده لنهج سياسيّ فهو لم يتّخذ زعيماً أبداً. هو يعتبر أنّ quot;القضية والخطّ السياسي هما الهدف لا شخص الزعيم مهما علا شأنهquot;. ويستغرب علي تنافس المناصرين من أجل هذا الزعيم أو ذاك ويؤكّد في هذا الإطار على عدم مصداقية هؤلاء المتدافعين؛ quot;والدليل صدّام حسين الذي لم يفده أحد ممّن كان يناصرهquot;. لكنّ علي مع ذلك يترك أملاً ضئيلاً لإحتمال أن يتبع زعيماً ما؛ quot;على أن يكون ديكتاتوراً عادلاً وغير طائفي أو عنصريّ!!!!quot;. إحتمال علي يبدو غير منطقيّ بتاتاً.
عرضنا عليكم جزءاً من تفكير الشباب اللبنانيّ تجاه زعمائه المتعدّدين. وعلى الرغم من أنّ عرضنا لم يغطّ مساحة الوطن كاملة فإنّ آراء معظم اللبنانيين في زعمائهم لن تبتعد كثيراً عن الأطر التي رسمها الشباب في حوارنا. فاللبنانيون متشابهون في كلّ شيء على اختلاف طوائفهم وأحزابهم. ولا دليل على ذلك أكبر من طاولة الحوار المستديرة -ولو أنّها على وشك التحطّم- حيث اختصروا جميعاً بشخوص زعمائهم.
على أمل..
![]()




التعليقات