عصام سحمراني: هو موعد سنويّ عاشر مع الدموع المرّة بديلة لقبلة يتيمة ووردة حمراء ودمعة كبيرة تلخّص أمنية حلوة ذوت قبل توهجها. هو موعد عاشر مع الدموع تفيض من تلك الدائرتين الغارقتين في مأساة تلخّص آلام أجيال وأجيال من الأمّهات المفجوعات بزحام القبور الموحشة، والبحار العميقة، والأودية الغائرة، والأوطان السجون.
تلك الدموع المتمدّدة في خطوط وجهها كخيوط من نور شمس ربيعيّة في قلب غابة الصنوبر الجبلية حيث استلقى في حجرها للحظات ثمّ طبع على خدّها الأيسر قبلته الأخيرة وغاب. قبلة يتيمة كعادته تسلّق بعدها واحد من تلك الخيوط الجنوبية المشعّة نحو قدر أراده محتوماً وأرادت دوماً التشكيك في حتميّته الخانقة.
أخضر القلب كان، كقلب هذا الربيع في نهاره الأوّل. أخضرَ كان فابتلعته الصحراء وما زالت تستلذ بمضغه كلبان سحريّ لا تنضب حلاوته الرطبة. كان أخضر كالربيع فأصابها بعدوى الربيع منذ نهاره الأوّل. ذلك النهار الذي خصّص لها ولغيرها من الأمّهات عيداً يستعدن فيه أحلاماً وذكريات ومشاعر ونوبات وثورات وقداسة وألوهيّة لم يعرفها يوماً سواهن أو يفهمها. أصابها بعدوى الربيع فانتصبت كصنوبرة دائمة الإخضرار مدّت شرايينها في التراب الرطب البخوري الرائحة. وأرخت أفنانها ونشرتها فريدة عمّا سواها في سماء المكان العابق بنسيمها المتعلّق بذرّات الهواء العليل. عدوى أفاضت دموعها دوماً كنبع متفجّر من إحدى تلك الصخور التي عشقها كما عشق تلك السمراء اللمياء النابضة من قلب ذلك البيت المتسلّق بعيداً في الفضاء الرحب. كالندى المتجمّع في أكؤس زهور السقوقع البيضاء الزعرية ذات السيقان البنّية البديعة. تلك الزهور البديعة في انقلابها على مقاييس الكون جميعاً.
بحبّك؛ غبيّة هذه العبارة كانت حين أسرّ بها إليها وهي تحتضنه بدمعتها الكبيرة وأمنيتها الحلوة. بحبّك! لم تتلفّظ شفتاه يوماً بها كما تلفّظت تلك الليلة الربيعية. تلفظّت شفتاه بها فارتفعت الألحان الكونية في المكان. واغرورقت آلاف الشموع بدموع أطفأت أنوارها. فانفردت الظلمة تكتسح الغابة بضيائها الدامس يقتلع بتلات النور وينفيها مع النسيم الذي استحال أسراباً من خيول أسطورية مجنّحة حجبت العتمة للحظات بأجسادها المتلألئة ووزّعت رياحاً عاصفة في كلّ الإتجاهات حملت جسده معها نحو الجهة الخامسة من الكون حيث يعمّ الصمت النهائي في الأرواح جميعاً.
حملته الرياح إلى الجهة الخامسة وتركت الأمّ وحدها في ذلك الكون الموحش تنتظر منذ عشر سنوات بدموع لطالما أغرقتها كعرائس المياه الحوريّات بعينيها الخضراوين وقلبها العقيقي الدافئ. حملته الرياح نحو الجهة الخامسة فانفصلت شرايين الجهات الباقية وأوردتها وأعصابه وتمزّق شمل الخريطة. واندثر النهار الأوّل من الربيع واختفت الأطلال الباقية من ذلك العيد.
حملته الرياح نحو تلك الجهة الخامسة وتركت الأمّ عارية إلاّ من ملابس ودموع منطفئة.




التعليقات