31 عاما على الحرب الاهلية اللبنانية
ذكريات لمحاربين سابقين :حنين لسنوات القتال
إن جملة الجهود التي تقوم عليها حياة مناضل،
غير قابلة للفهم إذا لم نجد فيها سوى جملة
تضحيات وتجاهلنا واقعة أنّها تسدّ من جوانب عديدة حاجة شخصية
ل. سيف
| من ذاكرة الحرب اللبنانية _أرشيف |
عصام سحمراني: اللبنانيون كغيرهم من شعوب العالم يهتمون بشكل كبير بالتواريخ التي مرّت بها بلادهم. بعض من تلك التواريخ ما يحتفلون به بفرح والبعض الآخر يشوبه حزن وذكريات مرّة ومشاعر متضاربة. الحرب اللبنانية، التي بدأت رسمياً مع حادثة بوسطة عين الرمانة في مثل هذا اليوم من العام 1975، واحدة من تلك التواريخ الهامة لدى اللبنانيين والمستعادة ذكراها كلّما لاح في الأفق عمل تخريبي أو اختراق أمني يتّخذ من لبنان ممرّاً أو حتى مرتعاً دائماً.
لكنّ الإختلاف هنا هو في كيفية مرور الذكرى حيث يتّفق اللبنانيون ظاهرياً على عدد من المشاعر التي باتت ديكوراً لا أكثر بينما تخفي نفوس القسم الأكبر منهم وعلى اختلاف طوائفهم حنيناً ما إلى سنوات الفوضى والفلتان الأمني والقتل والعمالة والصفقات المشبوهة والعبوات الناسفة والإجرام المتنقل من حيّ إلى آخر. فهي ليست سوى ثقافة طائفية تربّوا عليها ولم تنفع معها جميع مهدّئات التقريب والتهدئة التي تطلّ عليهم بين الحين والآخر بشكل علماني أحياناً وبشكل شراكة بين الطوائف والأحزاب واقتسام لكعكة الوطن أحياناً أخرى.
دعونا من التنظير ولنستعد بعضاً من سنوات الحرب بشكل مباشر عبر ثلاثة من المقاتلين الذين عايشوا سنواتها الأخيرة وكانت لهم فيها بصمات دامغة تثبت ما لا يريد اللبنانيون أن يستعيدوه لمرض نفسي لديهم وانفصام في شخصيتهم يستدعيهم كالعادة للتلطّي خلف الأصابع رغم هشاشة الأصابع وضخامة الأجسام. ثلاثة من المقاتلين سنذكر أسماءهم العسكرية ولن نذكر انتماءاتهم لأنّهم يشكّلون نموذجاً للبنان الحرب على تنوّع فصائله وزواريبه وجيوشه. سيذكرون الحرب وليسوا بمصدّقين أنّ مجرّد ذكرها وتذكّرها سوف يمنعها من العودة، فالأمر يحتاج لأكثر من مواطنين مستضعفين يبثّون ذكرياتهم.
أبو الريح
| إقتتال شرس استمر 25 عاما _أرشيف |
السماء تشتعل والحرب في أوجها ولا يدري أبو الريح كيف بدأ كلّ ذلك؛ quot;على أساس الجماعة معنا! ربّك يعلم كيف إنقلبوا ضدنا وفتحوا أبواب جهنّمquot;. فجأة يهدأ كلّ شيء دون أن يستوعب أحد ما جرى سوى أنّ ثلاثة من الشبّان قد أصيبوا وقتل شاب آخر. حمل أبو الريح أحد المصابين إلى المستوصف داخل المركز وابتلّت فانلته البيضاء وسرواله العسكري بدماء الجريح وكان كلّ شيء عادياً للغاية بعد نهار أو اثنين حيث quot;رجعنا حبايب وكأنّ شيئا لم يكن quot;.
عام 1986 جرّب أبو الريح لأوّل مرّة استعمال السلاح وهو لم يزل في سنّ الخامسة عشر؛ quot;طفل بمقاييس هذا الوقتquot;. يومها حمل السلاح كغيره من شبّان الحيّ حين دانت السيطرة لحزب طائفته الذي خسر الكثير من الشبّان على عدد من المحاور الداخلية، والخارجية تجاه العدوّ الإسرائلي لكنّه عوّض بشكل سريع عبر تجنيد المزيد صغاراً وكباراً تحت راية الطائفة وحماية الدين. وكان أبو الريح واحداً من هؤلاء.
وعلى الرغم من صغر سنّه فإنّه سرعان ما استلم مسؤولية أحد الشوارع التي تضمّ المركز الأكبر للحزب في المنطقة الخاضعة لسيطرته، الأمر الذي علّمه الإنضباط منذ تلك الفترة؛ quot;الإنضباط بالمفهوم العسكري يعني الشراسة بالدفاع والإستماتة وإصدار الكلمة الأخيرةquot;. أمور جعلت من quot;أبو الريحquot; شخصاً مرهوب الجانب صاحب أمر مطاع لا سيّما حين تشتدّ المعارك وتنقطع المؤن عن الحزب حيث كان يعمد إلى فتح المخازن الغذائية في الشارع لتوزيع المواد على أفراد فرقته وعلى بعض سكان الحيّ المؤيدين؛ quot;بس كلّ شيء كنّا نسجلوا على ورق لنعطي كلّ واحد حقّهquot;.
لكنّ هذا الورق ما زال أبو الريح يحتفظ به لغاية الآن فالحقّ الذي كان ينوي إرجاعه إلى أصحاب المحال ضاع كما ضاع مستقبله بعد ذلك حيث لا quot;وظيفة توظفنا ولا عرفنا أصلاً ليش عم نقاتلquot;. هذا عن quot;أبو الريحquot; المسؤول الصغير الذي بات كبيراً ولم يعرف لغاية الآن عن سبب الحرب لكنّه لم يندم يوماً ولم تقلقه ذكراها.
بينغو
| بيروت مدينة الموت _أرشيف |
الصاروخ فعلاً هو ما اصطدم بسقف الطابق الثاني لمنزل بينغو-قبل أن يسمى بهذا الإسم- وأهله وهم يتمترسون في إحدى زوايا الغرفة الوحيدة الداخلية التي اكتظت بنصف سكان الحيّ وأولادهم؛ quot;يعني مجزرة لو انفجرquot;. الصاروخ لم ينفجر رغم أنّه أحدث فجوة في السقف خنقت الكلمات والأنفاس وجمّدت الوجوه لدقائق متعدّدة في الغرفة.
مرّ القطوع على خير وانتهى القتال وتسلّل بينغو كعادته دون أن ينتبه أحد إلى غرفة مجاورة ومنها إلى الخارج مع توقّف الإنفجارات وابتعاد أصوات الرصاص. كلّ ما كان يشغل تفكيره هو الرصاص الفارغ يجمعه من زوايا الشارع ومن خلف الجدران المكسوّة بما لا يحصى من التجاويف المختلفة الأحجام والأشكال.
وقد كان بينغو يجمعها إمّا ليبيعها إلى بائع النحاس المتجوّل أو ليستخدمها في لعب quot;الكللquot; مع أصحابه حيث يراهن عليها. إذاً هكذا شبّ بينغو فكانت الطريق مهيّأة أمامه للعب بالرصاص الحقيقي هذه المرّة والتحوّل إلى واحد من أشرس المقاتلين وأكثرهم إجراماً في المنطقة دون أن يمنعه ذلك من مساعدة أهالي الحيّ وتسهيل أمورهم وأداء بعض الخدمات لهم. وكان لإصابته في الساق في إحدى المعارك أثراً لا ينسى لديه أدّى به إلى الإتجاه نحو الشراسة تلك مذهباً قتالياً. وقد تجلّى ذلك في روايات عديدة عنه تقول إحداها أنّه اصطاد أكثر من إثني عشر رجلاً وامرأة وطفلاً من الطرف الآخر حين كان حزبه يحاصر إحدى البؤر المعادية الواقعة ضمن مناطق نفوذه؛ quot;كلّهم ستّة..وما ماتوا.. تصاوبوا بس!!quot;. أمّا المكافأة التي تلقّاها بينغو بعيد انتهاء الحرب التي تمنى لو أنّها لم تنته فقد كانت انخراطه في صفوف الجيش اللبناني بعد ما سمّي يومها بإستيعاب الميليشيات. مكافأة جعلت من بينغو صاحب ذاكرتين رصاصيتين؛ الأولى حاضرة تتميّز بالإنضباط والإلتزام والثانية ماضية تميّزت بالفوضى والرصاص والكثير من الحنين والإشتياق.
الحجّ
| حرب شوارع وميليشيات _أرشيف |
يشير الحجّ نحو منزل رئيس البلدية ويستعيد ذكريات سيطرته على هذا المنزل الذي سكن فيه طيلة ثماني سنوات وباع ما باع من أثاثه ومحتوياته الثمينة وتقاضى بعد انتهاء الحرب تعويضاً من رئيس البلدية نفسه ومن صندوق المهجرين التابع للحكومة ما يقرب من ثلاثين ألف دولار. quot;رأيته بعينيّ كيف أمر أحد المسلّحين بقتل أحد الشبّان رغم أنّ الشاب لا يحمل بيده أيّ سلاحquot; يقول الحجّ وهو يتذكّر ما جرى بعدها من أحداث حيث أقدم مع فرقة غير منضبطة من الحزب تتنازعها الإنتماءات الطائفية والعشائرية إلى السيطرة على المنطقة بعدما استطاعوا قتل وتشريد أهلها الأصليين ومن يحميهم من مقاتلين، ولم يسلم رجال الدين حتى من الطرد؛ quot;أرأيت كيف كنّا أوادم! لو هم كانوا سيقتلونهمquot;. يومها تلقّى الحجّ المكافأة الأكبر على قيادته لتلك المجموعة عبر احتلاله لمنزل رئيس البلدية والسيطرة على محيطه.
ولم يزل الحجّ لغاية الآن مرهوب الجانب رغم ابتعاده منذ زمن طويل عن الأحزاب والمسؤوليات الحربية والعسكرية. وما زال من عاد من السكّان الأصليين يكنّ له عدداً من المشاعر المتراوحة بين الخوف والكره. لكنّ الحجّ لم يندم بتاتاً على تلك الفترة ففي يقينه أنّه كان صاحب قضية ربّما تختلف عن القضايا الكبرى لكنّها كانت على تماس مباشر بحياته اليوميّة المليئة بمصطلحات الرجولة العربية من نخوة وشرف وكرامة ومروءة وquot;عفو عند المقدرةquot; إلى حدّ ما.
يطلق كثير من اللبنانيين صفات عديدة على الحرب أقلّها إهانة وصفها بأنّها حرب قذرة. والمفارقة هي أنّ من شارك في تلك الحرب quot;القذرةquot; هو من يطلق هذه الأسماء ويمسك في الوقت نفسه بزمام الحكم في البلاد بمرحلتيه السورية وما بعد السورية. وفي نفس الوقت يدعو هو نفسه الناس للتعلّم من أخطاء الماضي رغم أنّ القرار كان بيده وما زال وسيبقى والناس كعادتهم أيضاً رهن إشارته حرباً أو سلماً أو لبنان الذين بات مصطلحاً مختلفاً عن الحرب والسلم.
وإلى مزيد من التواريخ لنأمل خيراً.




التعليقات