تظاهرة إسقاط الورقة الإصلاحية الحكومية:
شباب الأحزاب يساند النقابيين والموظفين

القوى الامنية المرافقة للتظاهرة

عصام سحمراني: quot;شيء كلّما ذبحته بكيت عليه؟quot; تصل الرسالة إلى هاتفي الخلوي وكأنّها تتعمّدني وأنا أقف في قلب التظاهرة وحولي آلاف من البشر. شبّان وصبايا ورجال ونسوة وأطفال يهتفون جميعاً بأصوات متفرّقة حيناً وبصوت جماعيّ حيناً آخر لإسقاط ورقة إصلاحية إقتصادية تبغي ذبحهم أكثر ممّا هم مذبوحون بكلّ ما يطال حياتهم من جوانب، فقط لأنّهم لبنانيون.

ورقة إصلاح تذبحهم ولا تبكي عليهم. الخلاصة لم أكتشف ما هو هذا الشيء ولم أرسل أيّ إجابة عن هذا السؤال إلى رقم رباعي يشعر القيّمون عليه أنّ من واجبهم أن يساهموا هم أيضاً في سحب وحداتي الهاتفية، على أمل ألاّ يسحبوا وحداتي الدموية. لم أفعل ذلك فقد كان المشهد المطلبي الكادح واضحاً أمامي كوضوح شمس العاشر من أيّار.

نقابيون، أساتذة وموظّفون

quot;سياسات الحكومة التي تسلب العمّال ما يملكون هي الدافع الأوّل لديّquot; يتحدّث أحد المنتسبين إلى نقابة العمّال الزراعيين وهو يرفع علم النقابة في يده. ويؤكّد المزارع أنّ مطالبه تنبع من صلب الحالة المعيشية الصعبة التي يعيشها؛ quot;خبز وحماية إنتاج ودفاع عن الطبقة العاملة المسروقةquot; يلخّص.أمّا نقيب العمال الزراعيين حسن عباس فقد تحدث بتفصيل أكبر حين وضع نقاطاً مطلبية ثابتة أهمّها رفض الوثيقة الإصلاحية، وحماية الإنتاج الوطني، ورفض الخصخصة، وحماية الضمان الإجتماعي وتسجيل العمال جميعاً فيه. ويتحدث عباس عن مشاركة الأحزاب في التظاهرة المطلبية مؤيداً هذه الخطوة؛ quot;فمطالبنا تحتاج إلى الإجماع النابع من الشرائح الحزبية الكبيرة العددquot;.

quot;كلّ من في المظاهرة له مطالبه الخاصةquot; ينطلق أحد الأساتذة الرسميين من هذا الكلام ليتحدث عن قضيته المطلبية التي دفعته للتظاهر اليوم. فالأستاذ يتحدث عن quot;تخفيض تعويض نهاية الخدمة ومساواة الأستاذ الجديد بالقديم وإلغاء حق الورثة في نيل الراتب التقاعدي للأستاذ المتوفيquot; يشرح الأستاذ.أستاذ رسمي آخر ينطلق من راتبه الذي يصل إلى التسعمئة ألف ليرة لا غير أي ما يعادل ستمئة دولار أمريكي؛ quot;وعندي 9 ولاد وأنا ومرتي 11quot; ينتحب.أستاذ ثالث يؤكد أنّ التظاهرة تنبع من المعاناة الخاصة بالشعب اللبناني. والحلّ برأيه يكون عبر اعتماد الحكومة للإصلاحات المصحوبة ببرنامج ومشاريع توفر الحدّ الأدنى لإستمرار المواطن.ويرى أنّ مشاركة الأحزاب quot;بنّاءة لا هدّامة للخروج من المأزق الإقتصادي، فهي تضع الأصبع على الجرحquot;.

جانب من التظاهرة
علّمة زميلة تثور مباشرة ضدّ الحكومة التي quot;تريد نزع الإمتيازات التي ناضلنا من أجلهاquot;. وترى أنّ البديل عن الورقة الإصلاحية quot;الفاسدة هو تخفيف الهدر وإعادة أموال الدولة التي سرقوها وما زالوا يسرقونهاquot;.ويتحدث أحد موظفي الدولة عن التظاهرة بوصفها تعبير عن quot;المشاعر المخنوقة عند الناسquot;. ويضع اللوم على الطاقم السياسي القديم الذي quot;لا تخلعه سوى إنتخابات جديدةquot;. ويؤكد أنّ همّ الأحزاب المشاركة هي هموم المواطنين أنفسهم؛ quot;فهم مواطنون أيضاً في النهايةquot;.

أحزاب

الحزب الشيوعي اللبناني هو أمّ الصبي في هذه التظاهرة على الرغم من أعداد مناصريه الأقل من أعداد مناصري أمل وحزب الله. فالحزب اتخذ قراره بالمشاركة منذ البداية ومهّد لذلك عبر تظاهرة الأوّل من أيار الأمر الذي يؤكده أحد المنتسبين للحزب؛ quot;نحن منذ الأساس همّنا الموضوع الإقتصادي والإجتماعيquot;. ويرى أنّ مشاركة حزبه مع باقي الأحزاب والنقابات quot;ستوحّد الجميع تجاه الورقة الإصلاحية وستؤدّي إلى إعادة حسابات كثيرةquot;.فتاة شيوعية أيضاً تنطلق من واقع وظيفتها الذي يعاني ما يعانيه من quot;معاناة المتعاقدين والضمان الإجتماعي والراتب القليلquot;. وترى أيضاً أنّ مشاركة جميع الأحزاب تقوّي المطالب quot;وتؤكّد أنّهم يتعرضون لنفس الحرمان والذلّ.

شاب شيوعي يبسّط أمر مشاركته لدرجة كبيرة تتعلّق بالصمود اليوميّ الخاص بالمواطنين اللبنانيين؛ quot;أتظاهر ضدّ رفع سعر ربطة الخبز إلى 3000 ليرة وتنكة البنزين إلى 30 ألف ليرة عدا عن رفع أسعار الكهرباء وغيرها من الموارد الحيويةquot;. ولا يطالب الشاب بإصلاح الحكومة بل quot;إستقالتها والإتيان بحكومة جديدة ذات كفّ نظيفquot;.

حزب الله كان لهم الوجود الأكبر في التظاهرة التي غلب عليها طابع الضاحية الجنوبية إن من خلال الأعلام الصفراء أو الأعلام الخضراء الخاصة بالحزبين الأكثر شعبية هناك. والحقّ يقال أنّ مشاركة حزب الله في التظاهرة أعطت الكثرة العددية التي وجدناها هناك فقد شدّ بالإضافة إلى مناصريه مناصري حلفائه من التيار الوطني الحرّ وأصدقائه من المردة والحزب الديمقراطي وغيرهم.
شاب من حزب الله يؤكّد أنّ مشاركته في التظاهرة بقدر ما هي نابعة من دعوة القيادة فهي نابعة أيضاً من quot;منطلق رؤية شخصية معارضة لورقة إصلاحية تحرم الجميع من مطالبهمquot; يقول الشاب. ويؤكد على أمر في هذا الإطار هو تأييده للحلول السلمية وعلى quot;السعي لإنسجام المجتمع اللبناني كاملاً مع مطالب الشعب الأكثر فقراًquot;.

الالاف في تظاهرة نقابية حاشدة
حركة أمل الطرف الثاني الأكبر في التظاهرة وفي الضاحية الجنوبية؛ المكان الذي خرج معظم المتظاهرين منه جاءت مشاركتها في التظاهرة قويّة وفعّالة. لكنّ مشاركة الحركة لم تأت إلاّ بعد فشل المسعى الذي قام به الرئيس نبيه برّي رئيس المجلس النيابي وحركة أمل في اتصاله الهاتفي ليلة التظاهرة برئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة في بريطانيا من أجل إلغاء الضرائب من الورقة الإصلاحية مقابل إلغاء التظاهرة المطلبية.

مجموعة من شبّان حركة أمل يتجمّعون ويتحدّثون بصفتهم شخصاً واحداً لا غير؛ quot;في تربيتنا وثقافتنا يجب أن نحارب أيّ احتلال يتعرّض له المواطنquot; يؤكّد الشبّان. يتابعون أنّهم حاربوا الإحتلال الخاص بالأراضي وسيحاربون quot;كلّ من يحارب لقمة عيش المواطنquot;. ويرون أنّ مشاركة الأحزاب الأخرى في التظاهرة لا تضايقهم بتاتاً. ويجدون بديلاً للورقة الإصلاحية الحالية عبر quot;ورقة إصلاحية مليئة بالضرائب شرط أن تؤخذ من الذين يملكون المال لا من الشعب الفقير والجوعانquot; ورقة الشبّان لا نجرؤ حتى على الحلم بها.
التيار الوطني الحر أو البرتقاليون مناصرو الجنرال ميشال عون كانوا هناك أيضاً وبأعداد كبيرة ومفاجئة فضحها اللون البرتقالي الذي يلازم جلدهم في أيّ نشاط لهم. بعضهم كان يهتف ردّيات خاصة بشبّان الضاحية الجنوبية من مناصري حزب الله، ردّيات على شاكلة؛ quot;الله ونصر الله والضاحية كِلاّquot; وقد بدوا سعيدين للغاية بمشاركتهم الأولى تلك جنباً إلى جنب مع حليفهم الشيعي العملاق.
مجموعة من البرتقاليين شبّاناً وفتيات كانت تتخذ جانباً قبل الإنطلاق عند جسر البربير. يتخذ الشباب العوني وضع الهجوم تجاه الحكومة مباشرة، فهي quot;حكومة مسخرة تأكل الشعب والسنيورة لا يشبعquot;. ويؤكّد الشباب على أنّ مشاركتهم تنبع من قرار الجنرال الذي يثقون بقراراته quot;المنطقية كشخصيته المنطقيةquot;. أمّا البديل للورقة الإصلاحية الفاشلة برأيهم فهو quot;ورقة التيّار الإصلاحية التي تنفع للظروف الإقتصادية السيّئة التي يعيشها لبنانquot; تؤكّد المجموعة.

حزب المردة شارك بعدما دعا قائده الوزير السابق سليمان فرنجية أنصاره للنزول من زغرتا الشمالية وغيرها من مناطق الشمال إلى بيروت لإسقاط الورقة الإصلاحية الحكومية. أحد هؤلاء شاب قادم من منطقة البترون يؤكّد قبل أيّ كلام أنّه قادم إلى هنا quot;كرمال أبو طونيquot; يقصد الوزير السابق سليمان فرنجية. ويعود للتأكيد على أمور مطلبية تتخطى انتماءه الحزبي لتصبّ في خانة quot;دعم النقابات تجاه الحكومةquot;. ولا يرى في هذا الإطار مانعاً أمام مشاركة الجميع في المطالب. ومع ذلك فهو يرى أنّ الحلّ لن يكون إلاّ عبر quot;إنتخابات جديدة فالإنتخابات الماضية فتّوا فيها مصاري كتير!quot;.

نحو ساحة رياض الصلح
سوريّ قومي يشارك مع رفاق له في التظاهرة quot;لإثبات الوجود أولاً وثانياً للمطالبة بحقوق العمّال والنقاباتquot;. هذه المطالبة التي لا يحصرها الشاب بفئة معيّنة quot;فنحن حزب لا طائفي ولا تفرقة لدينا بين جميع المذاهبquot;. ويرى رغم اعتراضه الكبير على الورقة الإصلاحية ضرورة عدم إتمام إجراءات الطلاق بين المشاركين والحكومة؛ quot;فالمطلوب المحاولة في الإصلاح حتى آخر أمل مع الحكومة نفسهاquot;.
أحد المنتمين إلى الحزب الديمقراطي الذي يترأسه الوزير الدرزي السابق طلال أرسلان يوجّه رشّاشه الكلامي مباشرة صوب الجسم الكامل للحكومة التي quot;نطالب بإسقاطها بالدرجة الأولىquot;. ويخفّف الشاب من حدّة لهجته قليلاً حين يشير إلى مطالب النقابات والموظفين وينطلق من إنعدام فرص العمل أمامه عن إتمام دراسته الجامعية. ليعود بعدها ويردّ باستهزاء على احتمال مشاركة تيار المستقبل (تيار الحريري الذي ينتمي إليه رئيس الحكومة)؛ quot;معقول مستقبل سيتظاهر ضدّ ورقة من صنعه!!quot; يضحك الشاب.

عرضنا للآراء غطّى الأكثرية الساحقة من الأحزاب والقوى المشاركة في التظاهرة رغم أنّ عرضنا جاء خال تماماً من آراء لأشخاص من القوّة الثالثة وأنصار الرئيس عمر كرامي الذين شاركوا أيضاً ولم نعثر على أيّ منهم في خضمّ ذلك الجوّ الممتلئ بالأعلام التي تدلّ على أصحابها ولا أعلام تدلّ عليهم.عموماً فقد كانت التظاهرة في مكانها الصحيح الذي يأمل النقابيون والعمّال والموظفون أن تكون مشاركة الأحزاب فيها خطوة نحو الأمام في العمل المطلبي، لا أن تكون مشاركة quot;لأغراض سياسيةquot; يتخوّف أحد الموظّفين.

(تصوير عصام سحمراني )