في ظلّ ضعف التنمية الثقافية للضاحية الجنوبية
شباب يتحدّث عن دور المكتبات العامّة
عصام سحمراني: الضاحية الجنوبية لبيروت حيث الحلقة الأكثر بؤساً من الحزام الملتفّ حول العاصمة ما زالت تعاني منذ أوجدت تسميتها تلك من عشرات المشاكل. بعض تلك المشاكل يتعلّق بالإكتظاظ السكّاني الرهيب الذي يصل في بعض التقديرات إلى مليون ونصف مليون إنسان تتنوّع مشاربهم بين سكّان أصليين لبلدات المنطقة كحارة حريك وبرج البراجنة والمريجة والغبيري، وسكّان طارئين تدفّقوا إلى المنطقة على فترات متلاحقة من جنوب لبنان والبقاع وبلاد جبيل، خاصة في خمسينات القرن العشرين حين تعزّز وضع بيروت كعاصمة مركزية للبنان، وفي السبعينات والثمانينات؛ الفترات التي شهدت تهجيراً قسرياً للجنوبيين من قراهم في اجتياحي 1978 و1982 الإسرائيليين. ويضاف إلى هاتين الفئتين عشرات الجنسيات العربية والأفريقية والآسيوية الأخرى ليتحدّ الجميع فيما بينهم ويشكّلون موطناً يتّسع لكلّ شيء.
أمّا المشاكل الأخرى فربّما تكون نتيجة لذلك الإختناق البشري الكبير لكنّها تتنوّع ما بين مشاكل إجتماعية تختصّ بكلّ جوانب الحياة وتتأثّر بالأوضاع الإقتصادية الصعبة، خاصة في ظلّ غياب الخطط التنموية ذات المردود. وعلى الرغم من أنّ الأوضاع على سبيل التنمية قد شهدت تحسناً ملحوظاً إبتداءاً من عام 1992 مع انتخاب نوّاب لحركة أمل وحزب الله- التنظيمين الشيعيين الأكبر في الضاحية الجنوبية وعلى صعيد لبنان- ومع تسلّم هذين التنظيمين لحقائب وزارية حيوية في الحكومات المتلاحقة بعد اتفاق الطائف فإنّ الأوضاع تحسنت (نسبياً) على مستوى الخدمات دون أن يطال هذا التحسّن أموراً أساسية كالتنمية الثقافية التي ما زالت تعاني ما تعانيه في بيئة لا تقدّم مدارسها أكثر من تعليم مشوّه للتلامذة.
على الرغم من تلك الأوضاع فإنّ بصيصاً من حياة ثقافية لم يتفاعل بشكل مطلوب بعد مع أهالي المنطقة قد برز في الأفق في السنوات القليلة الماضية. ويمثّل هذا البصيص عدد من مراكز التنشيط الثقافي أو المكتبات العامة أهمّها مركزي كلاك (clac)، ومكتبة آية الله العظمى محمّد حسين فضل الله.
كلاك
علي الذي يبلغ من العمر 18 عاماً ويتابع الصف الثانوي الأخير يأتي إلى مركز كلاك يومياً للمطالعة والدرس وقراءة الصحف التي يوفّرها المركز. علي وعلى الرغم من أنّه لا يعتبر المطالعة من ضمن أولوياته فإنّه يهتمّ بمؤلفات نزار قبّاني وجبران خليل جبران التي يجد بعضاً منها داخل المركز. وهو يعتبر المركز نموذجاً جيّداً quot;كافٍ لمنطقة حارة حريك لكن يجب تعميمه على باقي مناطق الضاحيةquot;.
أمّا عن مركز التنشيط الثقافي في حارة حريك (كلاك) فهو يقع داخل المبنى الرئيسي للبلدية، وهو جزء من مشروع قامت به الوكالة الدولية للفرنكوفونيّة التي نفّذت المشروع في محاولة جدّية منها لنشر الثقافة في الدول الفرنكوفونيّة التي تقلّ إن لم نقل تنعدم فيها مثل هذه المراكز. وقد وزّعت الوكالة نشاطها هذا بين دول أفريقيّة وأميركيّة جنوبيّة وآسيويّة كان لبنان من بينها.
التجربة الخاصة بالوكالة أجريت على هذه المراكز في عدد من الدول قبل وصولها إلى لبنان الذي ينقصه مثل هذه المراكز. وجاء الإنجاز عن طريق وزارة الثقافة ممثّلة بوزيرها غسّان سلامة في الوقت الذي استضاف فيه لبنان قمّة الدول الفرنكوفونيّة. وجرى الإتّفاق على أن يتمّ تأسيس ثلاثة عشر مركزاً في لبنان كان مركز حارة حريك واحداً منها وقد افتتح عام 2002. ويشكّل المركز ثمرة لشراكة ناجحة بين بلدية حارة حريك ووزارة الثقافة اللبنانية والوكالة الدولية للفرنكوفونيّة. وعلى هذه الأطراف الثلاثة تقع مسؤولية إستمرار المركز وتفعيله.
جوي أيضاً يدخل يومياً إلى المركز؛ quot;مرتين باليومquot; يؤكّد جوي. هو يبلغ من العمر 15 عامً ويدرس في الصف التاسع، ويهتمّ كثيراً بمطالعة كتب علم الأحياء التي يوفّرها المركز ويشارك في عدد من نشاطاته؛ quot;مسرحيات، معلارض، أفلام وثائقيةquot;. ويرى جوي أنّ دور مثل هذه المراكز يتخطّى دور مدارس الضاحية الجنوبية بأشواط لأنّها تقدّم الثقافة لا التعليم المنهجي quot;الجافquot;. يبدو أنّ جوي سئم مدرسته.
أهمّية المراكز الثقافية التي أبداها جوي يؤيّدها أيضاً نادر الذي يأتي إلى المراكز كلّما تسنّت له الفرصة. نادر يفرّق كلّياً بين المثقّف والمتعلّم ويعطي دليلاً مباشراً على ذلك من خلال أحد الأشخاص الجالسين في مقهى الإنترنت المقابل لمركز كلاك؛ quot;أنظر إلى هذا الشخص ترك الدراسة عندما كان صغيراً ومع ذلك فهو ذو ثقافة عالية في كلّ شيءquot; يؤكّد نادر.
ويتجاوز معدّل الدخول السنوي في مركز التنشيط الثقافي في حارة حريك (clac) 32 ألف شخص، أمّا عدد المشتركين فهو ألف مشترك دائم. ويستفيد هؤلاء من خدمات المركز المجّانية من قراءة داخلية واستعارة كتب وتصوير واستخدام لأجهزة الكومبيوتر والإنترنت. علماً أنّ قدرة إستيعاب المركز هي 60 شخصاً في الوقت نفسه.
مكتبة السيّد فضل الله
سامر الطالب الجامعي يركّز على المساحة الكبيرة نسبياً لمكتبة السيّد فضل الله والمليئة بشتّى أنواع الكتب ليؤكّد على quot;ضعف الإمكانات التثقيفية لدى معظم المؤسسات التعليمية في الضاحيةquot;. ويقارن سامر بين المؤسسات التعليمية ومشاريع المكتبات العامة ليخلص بنتيجة مفادها؛ quot;تحويل المناهج المدرسية تجاه التثقيف لا التعليم غير المجديquot;. إقتراح ربّما يكون جيداً لكنّه ليس في مكانه الصحيح حيث تواجه المناهج الدراسية مئات العقبات البيروقراطية والسياسية.
وقد بدأت مكتبة آية الله العظمى محمّد حسين فضل الله نشاطها منذ عامين بحدود حوالي 15 ألف عنوان زادت حالياً إلى ما يقرب من 35 ألف عنوان أدخلت إلى برنامج الفهرسة فيها أي ما يعادل 42 ألف كتاب. وقد وصل عدد المستفيدين من المكتبة لغاية الشهر الأخير من العام 2005 إلى السبعين ألف شخص. وشهد الشهر الماضي الإفتتاح الرسمي لها. وتتنوّع موضوعات الكتب بين مختلف أنواع المعرفة ومنها كتب سياسية، ثقافية، تربوية، إقتصادية، إجتماعية، طبّية، هندسية، فيزيائية، كيميائية، دينية (مختلف الأديان)، وفنّية بالإضافة إلى عدد كبير من المراجع والمعاجم والقواميس الخاصة بالأبحاث. إلى ذلك تقدّم المكتبة عدداً كبيراً من الجرائد والمجلات اليومية والدورية لزوّارها.
وتتميّز المكتبة بتنوّع لغاتها من عربية وإنكليزية وفرنسية رغم المشكلة التي تواجهها في هذا المضمار حيث تشهد نقصاً في الكتب الأجنبية. وتسعى المكتبة لتجاوز هذه المشكلة عبر الإتصال ببعض الجهات الأجنبية لإمكانية إمدادها بالمصادر.
ولا ترى ناديا مانعاً أمام سكّان الضاحية للتفاعل مع هذه المراكز بالصورة الأفضل في ظلّ؛ quot;شحّ الموارد الثقافية لديهمquot;. وهي تجد أنّ خطوة تأسيس المكتبة العامة يجب أن تأتي من خلال الدولة؛ quot;لكن يبدو أنّ الدولة لا تهتمّ بتثقيفنا قدر اهتمامها بقمعناquot;. ولا تجد ناديا مانعاً أمام أصحاب رؤوس الأموال للسعي إلى إفتتاح مثل هذه المراكز quot;ولو كانت خدماتها غير مجانية فالمنطقة تحتاج إلى أقلّ لفتة ممكنةquot;.
محمّد يرى أنّ المكتبة تقدّم النشاطات التي يفتقدها السكّان من quot;مكتبة ضخمة تحتوي على جميع أنواع الكتب ومحاضرات وندوات ومسابقات ثقافية ونشاطات متنوّعةquot;. لكنّ بعض المشاكل يعيق عملها. مشاكل من نوعية quot;عدم وصولها إلى كلّ السكّان خارج حدودها المرسومة وضعف الدعاية لهاquot; .
تزداد أهمية المكتبتين العامتين في منطقة حارة حريك مع الأيّام وربّما باتا يشكّلان جزءاً من الأساس الثقافي لضاحية بيروت الجنوبية الذي لم يرتفع بناؤه بعد في ظلّ إحاطة الظروف الإجتماعية والإقتصادية والتربوية والسياسية السيّئة به ومنعه من الإرتفاع. وربّما تشهد الأيّام لهذين المركزين ولغيرهما من المراكز الناشئة على أنّها كانت حجارة الأساس لبناء ثقافي مميّز ينبع من فوّهة بركان البؤس الذي تعانيه تلك المنطقة الواقعة على تخوم العاصمة.




التعليقات