GMT 6:30 2005 الثلائاء 6 سبتمبر GMT 6:35 2005 الثلائاء 6 سبتمبر  :آخر تحديث

مختارات من الشعر الإسرائيلي المعاصر

رؤوبين سنير
 
أختار القصائد وترجمها عن العبرية وقدم لها
بروفسور رؤوبين سنير
 

رؤوبين سنير (من ابوين عراقيين، ولد في حيفا 1953) رئيس قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة حيفا. اصدر عدة كتب في النقد الأدبي منها: "ركعتان في العشق" دراسة في شعر البياتي صدرت عن "دار الساقي" (2002) كان البياتي يحلم ان يراها كتابا بعد ان قرأها مقالات متفرقة. لرؤوبين سنير عشرات المقالات النقدية في كبريات المجلات الأدبية العالمية، من بينها   دراسة قيمة لقصيدة أدونيس "الحلاج" الح أدونيس ان تترجم من الانجليزية إلى الفرنسية وأن تنشر في الكتالوغ الخاص بمناسبة معرض عنه في معهد العالم العربي عام 2000. كما قام بترجمة عشرات القصائد من العربية الى العبرية.
 
 
دخل الشعر العبري في العقود الأخيرة من القرن العشرين مرحلة من الركود من حيث مكانته على خريطة الأدب العبري بل تحول، حسب بعض النقاد، إلى بضاعة كاسدة لها منتجون وعارضون ولكن ليس لها إلا القليل من الطالبين والمستهلكين. ولا تقتصر ظاهرة ابتعاد الجمهور عن النصوص الشعرية على الساحة العبرية فحسب بل تمتد لتشمل الأدب العالمي بوجة عام، بما في ذلك الأدب العربي. لقد كان متذوقو الشعر دائما قليلي العدد بيد أنهم أثبتوا في فترات معيّنة وجودهم في الحلبة الثقافية من خلال شراء الدواوين وحضور الأمسيات الشعرية والالتفاف حول الشعراء الذين اعتُبروا جياد هذه الحلبة وأبطالها. أما الآن فأبطال الثقافة ليسوا إلا نجوم البرامج الترفيهية في التلفزيون على مختلف قنواته، أولائك النجوم الذين باتوا معبودي الجماهير في حين أصبح الشعراء جماعة من المنسيين الذين لا لزوم لهم. وتكتسب هذه الظاهرة خطورتها القصوى في الشعر العبري بالذات نظرا لقلّة جمهور قراء اللغة العبرية في العالم مما أسفر في الآونة الأخيرة عن تلكؤ دور النشر عن إصدار دواوين جديدة ولو لشعراء أثبتوا قدراتهم إلا إذا كانوا مستعدّين أن يتحمّلوا بأنفسهم التكاليف برمّتها، أو على الأقلّ الجزء الأكبر منها. وتبرز قلّة الاهتمام بالشعر العبري الحديث على خلفية الدور الاجتماعي والوطني والثقافي الملحوظ الذي لعبه هذا الشعر منذ أواخر القرن التاسع عشر في بلورة الفكرة الصهيونية والمساهمة في تهيئة المناخ المناسب لإنشاء دولة إسرائيل. كذلك تبرز هذه الظاهرة في ضوء النجاح النسبي الذي تحرزه في الفترة الأخيرة الروايات العبرية مما حدا ببعض الشعراء إلى محاولة "استغلال" هذا النجاح وخوض الميدان الروائي. ومن أبرز أسباب قلة الإقبال على الشعر العبري الحديث انغلاقه على ذاته بحيث باتت النصوص الشعرية شبيهة بالألغاز بالنسبة لأغلبية جمهور القراء. ويبدو أنه على الرغم من أن هذا الشعر أكمل مهامه الوطنية "الكبيرة" في بداية الخمسينيات واتجه للانشغال فيما يعانيه الإنسان المقهور في المجتمع الحديث، بدأت الهوّة بين الشعر وبين القراء تتّسع إلى أن بات عدد مستهلكيه لا يزيد بكثير عن عدد منتجيه. ومن الغريب بمكان أن معظم الشعراء المعاصرين لا يهتمّون باتّساع هذه الهوّة خلافا للروائيين الذين أدركوا أنه لا بدّ للأدب أن يحرص على البحث عن معان جديدة لم تطرق بعد وإيجاد قنوات توصيل حديثة بالإضافة إلى نزول الكاتب من برجه العاجي ومشاركته أبناء الشعب في همومهم وأفراحهم وتصرّفاتهم عمليّا ولغويّا.
وفي هذا المناخ الثقافي الذي لا يشجع على كتابة الشعر، وعلى خلفية انخفاض عدد فرص النشر، يبرز بعض الشعراء العبريين الشبان الذين وضعوا نصب أعينهم مهمة إعادة جذب الجمهور إلى تذوق الشعر. لقد تتلمذ جميعهم على يد شعراء جيل الخمسينات وفي مقدّمتهم يهودا عميحاي (٢٠٠٠-١٩٢٤)، نتان زاخ (ولد ‮٠٣٩١‬) ودافيد أفيدان (‮٤٣٩١‬-‮٥٩٩١‬) الذين ثاروا على قوالب الشعر العبري في النصف الأول من القرن العشرين. وفي نفس الوقت يصرّ هؤلاء الشعراء الشبان على أن يحتفظوا بصوتهم المتميّز الذي لا يطمس ملامحه تأثير أقطاب الشعر من الجيل السابق ساعين إلى أن يستعيد الشعر مكانته المرموقة في أوساط القراء. ويعبر هؤلاء الشعراء عن تجربة جماعية لجيل كامل هو ذلك الجيل المفقود الذي ترعرع في الخمسينيات حين تبلور المجتمع الإسرائيلي وسط موجات الهجرة إلى الدولة الجديدة، وشارك في الحروب مع الجيوش العربية ثمّ اكتشف نفسه في الثمانينيات وهو في طريق مسدود داخل متاهات وجودية لا حصر لها. ولكي يستطيع الشعراء الشبان أن يكونوا ناطقين بلسان هذا الجيل تخلوا عن تلك الصورة التقليدية للشاعر المنغلق على نفسه ويبتعد عن المجتمع حاملا على كتفيه عبء الإنسانية جمعاء. وبدلا من ذلك يقدم كل منهم صورة جديدة لشاعر يختلط بالشباب ويستمتع بما يستمتعون ويعاني ما يعانون. وقد أدت هذه الاهتمامات الجديدة للشعراء الشبان إلى لومهم على عدم انشغالهم بالمسائل الوطنية التي تواجه الشعب اليهودي والابتعاد عن المصادر الثقافية التأريخية إلا أن ذلك لم يثنهم عن عزمهم على جسر الهوة بين الشعر والجمهور.
في مقدمة مختارات من شعر الطليعة العبري (‮٠٥٩١‬-‮٠٧٩١‬) التي جمعها الشاعر دافيد أفيدان قبل أكثر من ثلاثين سنة وترجمها محمود بيادسى (دار نشر القرن الثلاثين، ‮٠٧٩١‬) يتوجه أفيدان إلى القارئ العربي قائلا: "عندما ستقرأ هذا الديوان، ستثور فيك بين الفينة والأخرى مشاعر متضاربة، دون أية صلة بجنسية الشعراء الذين نظموا قصائده. فمن ناحية ستشعر أن الكثير من القصائد تعبر بلغتك، وبأسلوب يختلف عما تعوّدت عليه من شعرائك، عن أفكار وآمال تحسّ بها أنت. ومن ناحية أخرى قد تشعر بشيء من عدم الارتياح، تماما كما لو واجهت إنتاجا أصيلا باللغة العربية، يتكلم فجأة بلهجة أخرى، أجنبية وغربية" (ص ‮٨‬). هذه الكلمات التي كانت تليق بوضع الشعر العربي في نهاية الستّينيات وتلائم الفارق الحوهري بينه وبين الشعر العبري في تلك الفترة باتت غير مناسبة ولا نستطيع تكرارها بتاتا بالنسبة للترجمات التي تحتوى عليها المختارات التي أمامكم. قد تقرأ قصيدة مترجمة لروني سوميك (ولد ‮١٥٩١‬) دون أن تعلم أنها له وتنسبها لسركون بولص (ولد ١٩٤٤) أو تقرأ قصيدة مترجمة للعبرية لعبد القادر الجنابي (ولد ١٩٤٤) دون أن يتصدّرها اسمه وتكون شبه متأكد أنها لأمير أور (ولد ١٩٥٦) حيث أن الفوارق بين الجانبين أخذت تتلاشى من حيث جوهر الشعر اللهمّ فارق اللغة الذي تطمس ملامحه الترجمة. فالشعر العربي، وخاصة ما يُكتب منه خارج البلدان العربية، انضمّ في السنوات الأخيرة نهائيا إلى عائلة الشعر العالمية الكبرى دون أن يصرّ على المطالبة بالتسهيلات التي كان متعوّدا على الاستمتاع بها في الماضي من حيث التقييم والنقد عندما كان يُترجم للغات أخرى. إن الشاعر العربي المعاصر الذي استوعب تجارب بدر شاكر السياب (١٩٦٤-١٩٢٦) وأنسي الحاج (ولد ١٩٣٧) ولم يكتف بها بل طوّرها مستلهما تجارب الشعراء العالميين، وعلى الأخصّ إذا صُقلت موهبته في مراكز الثقافة الحرة في الغرب، لا يختلف هذا الشاعر من حيث تنظيره للشعر عن الشاعر العبري وكلاهما لا يختلف عن زملائه الإنجليز، الفرنسيين أو الألمان. هكذا سقطت الأسوار بين الشعر العربي والشعر العالمي ومن ثم اختفت جدران الغربة بين الشعر العالمي والقارئ العربي الذي أصبح رويدا رويدا يستسيغ شعرا مكتوبا باللغة العربية لا يخضع للحساسية الشعرية التي سادت في الخمسينيات والستينيات.
لا تحاول القصائد المترجمة هنا أن تمثّل بأي حال من الأحوال الشعر الإسرائيلي المعاصر (المكتوب بالعبرية) أو أي جزء منه بل لا تمثّل حتى إنتاج هؤلاء الشعراء برمّته. ما هي إلا قصائد تذوّقتها مرارا فاستحسنتها ثم حاولت الغوص فيها إلى الأعمق من خلال تعريبها فأطاعت غير معترضة. ليس، في نظري، من سبيل أخر لتذوّق الشعر سوى وقوف القارئ الواحد بذاتيته المكشوفة أمام القصيدة الوحيدة بذاتيتها المغلقة قاصدا استيعابها المرة تلو الأخرى في وحدانيتها ثم ترويضها، وما الترجمة إلا جزء من الترويض بل مرحلة متقدمة من التذوّق. فإذا حالفني الحظّ استوعب القارئ هذه القصائد وكان أجري كاملا وإلا فالرجاء عدم لومي على بوحي بسر التذوّق والترويض.

 
آبا كوفنر 1918-1987  

 
الطفل أسند رأسه

الطفل أسند رأسه على الشجرة
من الأفضل أن يسنده على كتفي
إذا أضناه التعب، أو على كتف أمه.
ولكن عندما يقف أبوه وأمّه
كتفا لكتف
ويحدّقان صامتين
كيف يسند الطفل رأسه إلى الشجرة
ويبكي مستفسرا في حضنها
ثمّ يرى
الشمس تشرق
ومن خلال الشمس
قد
يرى أيضا
أباه وأمّه
والشجرة تقف، هذا جوابها.
من ديوان "من جميع المحبات" 1965

 
رغبة

عندما كانت المشنقة هي الشجرة الوحيدة
التي كان يطلّ عليها من وراء قضبان زنزانته
ابتهل إلى الله صامتا أن يُكسبه شجاعة
على ألاّ يطلب إلا سيجارة واحدة قبل الإعدام.
والآن عندما يزدهر الشبّاك بالورد
يخشى أن يصيب قلبه الوهن
حين تقترب الساعة ليعيد النفس
إلى بارئها، فهو لا يريد أن يموت.
من قصائده الأخيرة التي نشرت بعد موته

 

 
يهودا عميحاي  1924-2000

 
أربع قصائد عن الحرب والسلام
1 
في حديقة صغيرة، ليست بعيدة عن بيتي
تنتصب لوحة رخامية حاملة أسماء جنود شهداء
مرتّبة بانتظام، الواحد تلو الآخر وبأحرف
واضحة، كأسماء نزلاء في مدخل
عمارة كبيرة وخاوية.

 
2 
أفكّر عن الرجل الأشقر
الذي استشهد هنا، وعن زوجته المبحوحة الصوت.
أفكّر عن الزوجة المبحوحة الصوت
لذلك الرجل الذي استشهد قبل سنوات.
وأفكّر عن الزوجة المبحوحة الصوت
التي أصبحت الآن زوجة صامتة.
الإجهاض الحقيقي هو
إجهاض الشهداء في الحرب:
ضدّه
ليس ثمّة أيّ احتجاج.

 

ذات مرّة انفجرت قنبلة
قرب دكّان جزّار:
اللحم المذبوح
ذُبِح المرّة تلو الأخرى،
ولكنّ الألم ينعدم
وليس هناك دم تقريبا.

 
‮4
أنا عنصري سلمي:
الزرق العيون يقتلون،
السود العيون يفتكون،
المجعَّدو الشعر يهدمون،
الملس الشعر يفجّرون،
السمر الجلد يمزّقون آرابي،
الورديو الجلد يسفكون دمي

 
العديمو اللون وحدهم
الشفّافون وحدهم طيّبون
أولئك فقط يتيحون لي فرصة النوم ليلا دون رعب
ورؤية السماء
من خلالهم.
من ديوان "ساعة الرحمة" 1982

شاعر

مثل فم وليد لم ينفطمْ بعدْ - لم تنفطمْ
عيناه، وما زال مشتاقا إلى المزيد
لقد أحسّ فعلا بتبدّل الصيف والخريف
ولكنْ في داخله ما زال متخلّفا.
ومقابل الجذور التي نبتت
للشجرات الأخرى، نمت له رجلان.
وحين، فجأةً، ومضت داخله كلّ القصائد
خطر له أن يتسلّى بالكتابة

 
إلى أن يختار حقيقة عمله
في حين أن عينيه، اللتين انفتحتا بعد تأخير،
تطلّعتا باحثتين عبر النافذة، ولكنّ القلم

 
ما زال متحرّكا من ضغط الذكريات.
لم يبق له الآن إلا أن يجعل جسده سداّ
ليخزن وراءه كلّ الأشياء.
من ديوان "في المسافة بين أملين" 1958

 
نوافذ وقبور
في حياتي نوافذ عديدة
وقبور عديدة.
وأحيانا تتبدّل
الأدوار:
عندئذ تُغلَق نافذة إلى الأبد،
عندئذ عبر شاهد القبر
تمتدّ رؤيتي
بعيدا.
من ديوان "ساعة الرحمة" 1982

 

 
المجد لكَ*

في صمتي الكبير وفي صرختي الصغيرة أحرث
حرثا متنافرا. كنت في المياه وكنت في النار.
كنت في القدس و كنت في روما وقد أكون في مكة.
ولكن هذه المرّة الله يختبئ والإنسان يصرخ: أين أنت؟
المجد لكَ.
الله يرقد على ظهره تحت العالم،
دائما مشغول في إصلاح شيء ما، إذ دائما شيء يتلف.
أردت أن أراه كلّه، ولكني لا أرى
إلا أسفل نعليه وأبكي.
المجد لكَ.
حتى الأشجار قررت أن تختار لها ملكا.
لقد بدأت ألف مرة حياتي من هنا فصاعدا.
في طرف الشارع يقف واحد يعُدُّ:
هذا وهذا وهذا وهذا.
المجد لكَ.
ربما مثل تمثال قديم معدوم الذراعين
قد تكون حياتنا أجمل، بدون آعمال شجاعة وبطولات.
أرجوكِ حلّي عني درع قميصي الآخذ بالاصفرار،
فقد قاتلت جميع الفرسان، إلى أن انطفأت الكهرباء.
المجد لكَ.
لا تزعج بالك، إذ أن بالك يجري معي كل الطريق،
والآن هو متعب ومعدوم القيمة،
أراك تخرجين شيئا من البرّاد،
وضوؤه ينيرك بنور من عالم آخر.
المجد لي.
المجد له.
المجد لكَ.
* "المجد لك" - عبارة من ترتيلات عيد رأس السنه ويوم الغفران عند اليهود
من ديوان "في المسافة بين أملين" 1958

 

 

 
پنحاس سديه 1928-1994

 

شاهدت العصافير

شاهدت العصافير التي تنزف دما حين يتوهّج الغروب.
يا إنسان!
لا تقُلْ: لم أعلم بموعد الساعة.
ها هي تقترب وتقترب.
تلك الساعة التي لا شيء بعدها. ما قبلها لم يكن.
الساعة الكاسية. المدثّرة. ساعة الهاوية. والرهبة. ساعة الدودة.
يا نفس الإنسان. إستيقظي لرمشة عين قبل أن تخلدي إلى الموت.
من ديوان "كتاب القصائد" 1970

 

 
دان باغيس (1930 - 1986)

المخّ
1‬
داخل ليل الجمجمة
يكتشف فجأة
أنه قد وُلد.
إنها حقّا لحظة صعبة.
ومنذ تلك اللحظة ما زال جدّ منزعج. يفكر
بأنه يفكر بأنه...
وهو يدور ويدور:
أين المفرّ؟

 
لو كانت أشياء هناك في عالم ما،
لكان يحبّها بكل تأكيد.
لكان يطلق الأسماء عليها جميعا.
على سبيل المثال؛ اسم واحد: المخّ.
هأنذا: المخّ: إنني هو.
ومنذ تلك اللحظة ما زال منفيّا، هكذا يبدو له:
كان بالإمكان إيجاد الراحة.

 

‮2
كيف يحرّك الظلام؟
المخّ يرفّ وحده على وجه الهاوية.
ولكن الآن ينشقّ في عظام الجبهة
جرحان عميقان، العينان -
العينان تُطلعانه سرّا
على العالم: فأمامه هنا يمتدّ
عالم بحت جامد
والمخّ يحلّق على ارتفاع لا
يزيد عن المتر وستين سنتمترا فوق الأرض!
ولكن، الآن بعد أن علم كل شيء،
يصيبه دوار الأعالي الفظيع:
متر وستون سنتمترا!
وحده فوق الهاوية.

 

3‬
الشكّ يساوره
أنه ليس في عالم الجمجمة كله
مخّ سواه.
وبعد ذلك، يساوره شكّ جديد:
أن يكون الكثير من الأمخاخ مسجونة في داخله،
مكتظّة جدا،
وهي تتفرّع عنه، تخونه من الداخل،
تطوّقه.
وهو لا يعلم ما هو أهون
الشرينّ.

 

4‬
صحيح إنه ليس جميلا، ولكن
مظهره شيّق:
التواءات داكنة-بيضاء،
شبه بدينة، تلتفّ على بعضها.
تجعّدات شعر الشيب داخل الجمجمة؟
كلاّ، المخّ لا يشبه
أي شيء في العالم، ربما
يشبه الأمعاء الدقيقة.

 

5‬
هذا جبل. هذه امرأة.
ولكن المخّ يحلّ الللغز في الحال:
ليس جبلا وإنما وادٍ معكوس.
ليس امرأة وإنما جسد ورِجلان وفوقها وجه.
حمّى المغارات فقط
التي تصيب الدم متشوّقة
ليس فيها شك.

 

6‬
المخّ يجد رفيقا، مغلقا مثله.
كلاهما يحبّ التراسل لا-سلكيا،
وفي ساعات الفراغ يتراسلان
من الغرفة العليا.
المخّ يسأل؛ على سبيل المثال:
هل لديك قياسات؟ مراكز إنذار؟
‮٠٠٦‬ مليون خلية ذاكرة؟
وما أحوالك داخل صندوق جمجمتك، يا مخ؟

 
وأحيانا يحاول أن يسخر:
وكيف حالك؟
ماذا يُرى، يا مخّ،
ماذا يُذاق وماذا يُشمّ الآن؟
(وهو يعلم أن حاسّته السادسة
بالذات هي أهمّ حواسّه!).
بيد أن أعصاب رفيقه تهيج:
أرجوك، يا مخّ، لا تحرجني.
وبعد فترة يصبح حقا صديقا له،
ويطلعه على مشاكله جدّ الشخصية:
اسمع، هل تعرف النسيان؟

 

 
7
وبين سائر مخاوفه: أن يكون الخطّ الهيروغليفي
ما زال منحوتا فيه.
إنه المخّ الملتوي لفرعون في لحظة موته.
أما فرعون فلم يكن مستعدّا:
قبل تحنيطه،
يثقّب المحنِّط منخريه
ويمتصّ من خلالهما
المخّ البارد.

 

8
مخّ رقم ثلاثمائة وخمسة وعشرين؟ هنا.
رقم سبعة؟ هنا.
رقم ستمائة ألف وتسعمائة وتسعة؟ هنا.
رقم صفر؟ هنا.
رقم واحد؟ واحد! أين مخّ رقم واحد؟

 
9‬
وفي منتصف موتي، آسفا على
منتصف حياتي، وفي حين أنني
مشدود في أيكة من الشرايين، في ظلام الغابة،

 
في أيكة من الشرايين، بيني وبين حكمي --
انطلق فجأة وشقّ طريقا
هذا الدم، عبدي ومولاي -
لماذا تكلمتُ؟ وإلى من؟ كلاّ،
ليس هذا ما أردتُ القول.
هالو؟ من هناك، من المستمع؟ هالو؟

 
10‬
شرايين الرأس الداخلية تصل الجزء الأمامي من قاعدة المخّ، ومنها
تتشعّب شرايين المخّ الأمامية، الوسطى والخلفية - جميعها. وفي قشرة المخّ،
على الرغم من كونها دقيقة جدّا (جدّا)، تتجمّع الأغلبية العظمى من الخلايا العصبية
في الجهاز العصبي: في الإنسان حوالي ‮٠١‬ مليار. المخّ هو عضو الزمان. كلب
استخرِج منه مخّه الكبير يستطيع أن يعيش لفترة ما، ولكن في الحاضر فقط.
كل الماضي الكلبي يخمد في الحال، أما المستقبل الكلبي فلم يعد موجودا.
المخّ يتثاءب: إنه حائر من فرط الثناء.
هذه الأحرف الرائعة! من اخترعها؟
المخّ. والورقة؟ المخّ.
ومن اخترعني؟
ولكن المخّ تعلّم أن يردّ
هجوما من هذا القبيل.
يطلق في الحال إشارة: فليكن ظلام!
وفي الحال
تغلق الأصابع
الموسوعة.

 
‮11
لمن يعود الخوف، إذا كانت اليدان يديّ؟ لي، لي.
لمن تعود هذه السكين الحادّة، لمن تعود الشرايين؟ لي، لي.
لمن يعود الدم السريع بصورة عجيبة.

12‬
يريد أن لا يكون مخلصا
إلا لنفسه،
أن يكون نظيفا وخاليا،
خاليا من أي ذكرى كمرآة.

 

‮31‬
إنه بدر ينغمس
نصفاه في الظلام إلى الأبد.

 

‮41
المخّ يَعُدُّ
ثواني في طريقه من نجمة إلى أخرى.
سنواتٍ في طريقه من ذرّة رمل إلى أخرى.
سنواتٍ ضوئية في أكبر طريق له: إلى مخّ.

 

‮٥١‬
ساعة رائعة. يتدلّل قليلا
في أفكاره، مثلا
أن هناك، في سديم ما،
في الفراغات بين النجوم
التي انصهرت إلى ضباب لبّانيّ
تنتظر غاية معينة -
ما زالت غامضة، ولكن كلها تابعة له.
غدًا أو بعد غدٍ، إذا أراد،
سيخلع زىّ السجن الداكن،
وفي قشرة جوز دقيقة
سيبدأ الرحيل، سيقلع، سيصل: هو الحاكم المسيطر على
عناقيد من العوالم التي لا تحصى.

16
المخّ يفتّش من حوله: إنه محاصر.
الجمجمة ليست مفرّا.
في المتاهة تلتوي
المتاهة.
المخّ الآن عملاق: سحابة داكنة،
ثقيلة جدا. وفي فوهة هذه السحابة مسجون
برق أعوج. لا يمكن ابتلاعه أو لفظه.
لحظة واحدة! المخّ يسمع نفسه
يقرع لحظة لحظة.
قنبلة موقوتة؟
لم يكن مستعدا لذلك قطّ.
لم يكن مستيقظا.
ولكن المخّ ينتفض حالا
ويحكم: لست إلا حلما.


17
المخّ يتلقّى إشارات
من مسافات عظيمة.
في الفضاء، من أعماق سنوات الظلام
تصله شفرة حيّه:
عالم آخر يراسله بلا انقطاع، مثله،
بلا نوم، مثله،
بلا عقل.
- - قلب؟

18
المخّ يتفقّد مراكزه راضيا:
مركز للكلام، مركز للكذب،
مركز للذكريات
(سبعون ساعة، على الأقلّ، وكل منها مختلفة السنوات)،
مركز خاص بالألم - -
وفجأة
(من يتكلم من فضلك؟ من هناك؟)
صدمه خبر مدهش:
هناك دائرة مجهولة
مركزها في كل مكان
وإطارها ليس موجودا:
مركز قريب إلى الحدّ الذي
لن يستطيع فيه
أن يراه إلى الأبد.

 
19
الآن يرى ما سيكون:
سينفصل رويدا رويدا، غصبا عنه،
وبلا نظام تقريبا.
وفي البداية
يتركه الخوف
ويهرب.
ثمّ يتخلص من السخرية،
من المزاج الفكاهي،
من الحيل البيانية،
وبعد ذلك تتلاشى تكهّناته.
يتلكأ لفترة ما: كان هناك شيء ما،
قريب جدا، مزعج. ماذا كان - -
وبعد ذلك لم يكن مطلوبا منه أن يتذكّر.
وبعد ذلك
أصبح منسيّا
بات نورا

 

 
نتان زاخ (ولد ١٩٣٠)

 
أنا مواطن العالم

 
أنا مواطن العالم.
اذا لم أكنْ موجودا في كلّ مكان
فليس من ذنبي.
لم أكنْ قويّا كما كنتُ
سابقا

 
أنا مواطن العالم.
الكتب التي أطلبها
تصلني عن طريق البحر.
هل فكرتم مرةً
عن الطريق التي تمرّ بها الكتب في البحر.
انا مواطن العالم
ومشيئتي أن أبقى كذلك.
أحبّ أن أفكّر عن نفسي ليلا
وليس نهارا.
أحبّ أن أفكّر عن سفر إلى كلّ مكان.
إذا لم أصل إلى هناك أمسِ
سأصل اليوم.
إذا لم يأخذوني أمس في بطن السفينة
سيأخذونني غدا.
هل فكرتم مرةً بذلك الأسى
الذي سيسود حين سيأخذونني غدا
في بطن السفينة.
وأثناء ذلك أحبّ أن أسافر
إلى مسافات قصيرة جدا.
أشعر بأن المسافات القصيرة
ستستمرّ دون انقطاع.
هذا السيّد سيكون غدا،
هكذا يقولون لي ليلا قرب الضوء.
أنا مستعدّ. صابرا
أنتظر في نهاية الطابور.
أنا مواطن العالم.
من ديوان "قصائد مختلفة" 1960

 
أستطيع
أستطيع أن أرسمْ
ولكنْ لا أعرفْ

 
أعرف أن أعزفْ
ولكن لا أستطيعْ

 
وإذا جاء من يبلغني
أنّ العالم برمّته مسرح -
سأبصق في وجهه على الفورِ.
من ديوان "كل الحليب والعسل" 1966

 

 
شجاعة الانتظار لهي أكبر
شجاعة الانتظار لهي أكبر
من شجاعة الاعتراف.
بالألم يمكن جذب انتباه
الناس، ما هو ليس بالامكان إذا تمّ الانتظار:
إنّك لوحيد هنا. تعلّق صورة
على الحائط، تعدّل سجادة، تصغي للخطوات،
تعتبر نفسك بائسا، تتذكّر فورا أنّ هذا المصير ليس
خاصّا بك فقط. ولكنك تمزّق الرسالة بحذر.
وهنا أنت وحدك: احكمْ على
نفسك، إذا كان ضروريا. ولكن تذكّر أنّ ذلك أيضا ليس أهمّ شيء.
من ديوان "كل الحليب والعسل" 1966

 
كن حذرا
كن حذرا. لا تفتح حياتكَ
إلا للرياح التي تحمل ملاطفة
المسافة. احملْ للغياب. لا تجهرْ بصوتكَ
إلا في ليالي العزلة. اعرفْ
اليوم، الموعد، اللحظة ولا
تكنْ ملحاحا. انتبهْ لما هو ساكن. اعرفْ كيف تحمد
الظلّ تحت قشرة اللحم. لا
تختبئْ في الكلمات. اجلسْ في معرفة الديدان،
في حكمة الدعموص. لا تنتظرْ.
من ديوان "قصائد مختلفة" 1960

 
قصيدة مسائية
في المساءِ
إذ قالت لي فتاتي
اذهبْ
نزلتُ إلى الشارع متنزّهًا
وكنت أمشي تائهًا
تائهًا ماشيا
وأتيه ماشيا تائهًا
من ديوان "قصائد مختلفة" 1960

 

 
شاهدت عصفورة
شاهدتُ عصفورة بيضاء في الليل الأسوَدْ
فأدركتُ بأنّ نور عيني سيُخْمَدْ
عاجلا في الليل الأسوَدْ.
شاهدتُ سحابة صغيرة كراحة إنسانْ
فأدركتُ بأنّ المطر الذي أحسّه الآنْ
لم أتمكّن بعد من تفسيره لأيِّ إنسانْ.
شاهدتُ ورقة شجرة سقطت، تَسقُطُ.
الزمن قصير. أمّا أنا فلا أشكُو.
من ديوان "قصائد مختلفة" 1960

 
عصفورة ثانية
شاهدت عصفورة جدّ جميلة.
العصفورة شاهدتني.
عصفورة جدّ جميلة مثلها سوف لا أشاهد
حتى آخر زماني.
حينئذ ساورتني رعدة شمسِ.
قلت كلمات وداعية.
كلمات قلتها أمسِ.
لا أقولها اليوم.
من ديوان "كل الحليب والعسل" 1966

 
عصفورة خامسة
عصفورة الجنّة لا تطير
إلا مرّة من أجلك. إذا شاهدتها تحلّق
فلن تشاهد بأمّ عينيك ثانية
تلك العصفورة السماوية.
هذه العصفورة ليست عصفورة الجنّة.
ولكن اللوحة الملوّنة للسماء
من خلق المساء
هي هدية ثانية. ما هي إلا
مادّة بيد الخالق.
من ديوان "شمال شرقي" 1979

 
الحزن لا يترك علامات
الحزن لا يترك علاماتْ،
ليس صحيحا ما يقولونَ،
الحزن لا يترك علاماتْ،

 
الأسى لا يأتي بغير قصدْ،
ليس صحيحا ما يقولونَ،
الأسى لا يأتي بغير قصدْ،

 
الإنسان لا يعيش إلى الأبدْ،
ليس صحيحا ما يقولونَ،
الإنسان لا يعيش إلى الأبدْ.
من ديوان "قصائد مختلفة" 1960

 

 
مقدّمة لقصيدة
هذه القصيدة تروي قصّة بشر:
بما يفكّرون وما يريدون
وما يفكّرون بأنّهم يريدون.
وما عدا ذلك ليس في الدنيا أشياء عديدة
تستحقّ اهتمامنا. وهي أيضا قصيدة عن أفعال البشر،
إذ أنّ ما يُنجَز أهمّ
ممّا لا يُنجَز. وكلّ إنسان يريد
أن ترسَخ في الذاكرة أفعاله أيّاما طويلة بعد نسيان
ما لم يفعلها.
وهي أيضا قصيدة عن بلاد واسعة شاسعة، وحين يجنّ
الظلام، تكتسي شفقا كالرحمة، عندئذ قد يخطئ
الإنسان ليعتبرها صحراء، إذن هي أيضا قصيدة
عن صحراء وعن بشر يمشون في رمال رمضاء تسري
في دمهم وهي قصيدة عن كلّ ما يخصّ البشر: كيف
يشعرون حين تُنشد الليلة الزرقاء نشيد القوافل
وكيف يتذوّقون رملا في الطائرة المحروقة التي تسقط وتغنّي
كقصاصة حبّ ملتهبة. وعوضا عن الكلام، إنها قصيدة
عن منازل تُهدَم وأخرى تشاد محلّها
ولكن لم تعد شبيهة بما سبقها: وسوف يتغنّى شعراء
بمنازل طالما تغنّى شعراء في الدنيا. ولكن، ربما
ليس طالما بقيت منازل في الدنيا. وأخيرا هذه قصائد
عن حرب وكُتِبت في خِضمّها على مكتب ودون سلوان.
من ديوان "قصائد مختلفة" 1960



 
عملاق
أنا عملاق ولا
عملاق سواي. حين أرفعُ
رأسي، تلمسُ
رأسي النجومُ. وحين لا أرفعُ رأسي،
لم يلتفت أحدُ
إلى كوني لا أرفعُ.
من ديوان "كل الحليب والعسل" 1966



 
عن الرغبة في الدقّة
حينئذ بُولِغ في عدد الجثث:
هناك من عدّ مائة وهناك من عدّ مئات
وذلك قال: عددت ‮٦٣‬ جثّة امرأة محروقة
أمّا رفيقه فقال: لا، بل ‮١١‬ جثّة
والخطأ كان متعمّدا ولغرض سياسي، ليس بالصدفة
وإذا بدأت فعليّ أن أقول أيضا
أنّه لم تذبح إلا ‮٨‬ نساء، إذ قتلت ‮٢‬ بالرصاص
وواحدة مشكوك في أمرها وليس واضحا
إذا كانت قد ذُبحت أو اغتُصبت أو مزّقت سرّتها فقط
وفي أمر الأطفال أيضا لم نسمع بعد الكلمة الأخيرة
إذ يعترف الجميع أنّ ‮٦‬ صُلبوا وواحدا عذِّب
قبل أن يحطّم رأسه ولكن من يقطع لنا وعدا
بأنّ من اختفوا وانقطعت آثارهم
تمّ إلقاؤهم حقّا في البحر جميعهم أو جزءا منهم
إذ كيف نفسّر لطخات الدم؟
فممنوع أن نبالغ في هذه الأمور
وعلينا أن نكون حذرين فالأمر يخصّ حياة الناس
وقد تحصل، لا سمح الله، أخطاء في التقريرات
ولقد حصلت فعلا، يا صديقي المثقّف.
هكذا اندلعت خلافات شديدة طيلة ذلك اليوم
ولولا الرائحة الكريهة التي تفشّت في المكان
لكان بالإمكان بلوغ الدقّة التامّة - أو بلوغ الضربات
إذ أن الرغبة في الدقّة إنسانية ليس أقلّ
من الرغبة في القتل والاغتصاب وتحطيم الرؤوس وقتل
عدوّك وخصمك وجارك القريب والغريب المشبوه، أو أيّ
رجل أو امرأة أو طفل في العالم.
من ديوان "ضد الشطب"1984

 

 
ضد السحر

تجبركم القصيدة على الاستماع
إلى تفاصيل عن حالة الإنسان والحقل والصفاء.
هل تكون القصيدة عدوا؟ كلا، هذا أمر مثير،
هذا ليس مثيرا بالضرورة

 
ليست القصيدة إلا ملحاحا شرعيا
وبصفتها الملحاحة - والمشكَّلة -
تندفع إلى المكان الأكثر سرية:
ولا يحصل على ذلك إلا المحظوظون.
القصيدة بائع جوّال، تحت غطاء الشعرية،
تشترونها، سلعة الشهر المستخدمة.
هل هناك أحد؟ هل في البيت أحد؟
بوسعي أن أعرض فصيدة قديمة - جديدة.
ألم ومحنة؟ فلننتظر قليلا
قافية داخلية، جملة غامضة.
لا تشترِ حذاء مستعملا.
مفارقة مبتذلة - بالطبع.
من ديوان "ضد الشطب" 1984



 
الرسّام يرسم

الرسّام يرسم، الراوي يروي، النحّات ينحت
ولكنّ الشاعر لا يغنّي،
إنّه جبل على جانب الطريق،
أو شجرة، أو رائحة،
شيء هارب،
أو لم يعدْ كذلك، شيء كان
ولن يعود، مثل فصول السنة،
الحرّ، البرد، الجليد وضحكة
القلب حين يحبّ،
أو المياه، شيء شاسع، غير مفهوم
مثل الرياح، أو السفينة، أو القصيدة،
شيء يبقي
شيئا.
من ديوان "قصائد مختلفة" 1960

 

 
حين اتّصلتِ ارتجف صوتكِ
حين اتّصلتِ ارتجف صوتكِ
حينئذ علمتُ أنني حزين بسببكِ

 
ولم تكنْ لي حاجة لأستمع إلى أقوالكِ
فحين اتّصلت ارتجف صوتكِ
حينئذ علمتُ بأنني حزين بسببي
ولم تكن لي حاجة لأستمع إلى أقوالي

 
فحين اتّصلت ارتجف صوتكِ
حينئذ علمتْ أنك ذهبتِ.
من ديوان "قصائد مختلفة" 1960

 

 

 
داليا رابيكوفيتش (ولدت ‮6391)

 
بداية الهدوء
أنتظر الهدوء.
الآن أنتظر الهدوء الذي سيأتي.
ها هو يبدأ يتحرّك في الزوايا
ها هو يوشك أن ينقضّ
كالعاصفة.
ها هو يلمس الخمار الأحمر
ها هو يلمس حافّة المائدة
ها هو يقترب.
علبة المناديل مدهونة بألوان متعدّدة.
الكراسي الغريبة الألوان
متناثرة حول المائدة.
ها هو الهدوء يهوي كالكفّ الكبيرة
يغطّي الغرفة بقطعة من القماش
يغطّي البحر
يغطّي البرّ.
الخمار الأحمر هو البداية
إلى جانبه الكرسي الأخضر
مغطّى بالمنشفة.
والهدوء يصرخ في وجهي
وأنا أصرخ في وجهه
وأنا أتطلّع وأشاهد
كيف تنفتح وتتدحرج
الدنيا داخل الغرفة،
داخل الحزمة الضوئية الواسعة
التي ألقاها المصباح.
وأنا هادئة وأنا مطمئنة.
من ديوان "حبّ حقيقي" 1987

 
إعلان للمستقبل
الإنسان حين يكون جائعا
أو في غير أمان
يختار الحلّ الوسط،
يعمل أشياء
لم يحلم بها في حياته.
فجأة يعوجّ ظهره،
ماذا حدث له ولظهره
الذي اعوجّ؟
فقدان الكبرياء.
ويداه ملوّثتان
أو هكذا يبدو له،
وهو يتحلّى بالصبر سنوات طويلة
- ما أروعه -
ويكتفي بتسجيل تأريخه
في الداخل
سنة تلو الأخرى.
من ديوان "حبّ حقيقي" 1987

 

 
دافيد روكياح (1914- 1985)

 
مع تسيلان في باريس
 
ذات مرة تنزّهت مع تسيلان
على طول نهرالسين. تطلّع إلى تيار المياه المتشعّب إلى تيارات فرعية
قاس صورته المنعكسة في المياه العكرة
ثم صمت كلّ تلك الليلة

 
وفجأة أبدى صبرا كبيرا للتفاصيل
ليصوّر لأشياء على حقيقتها
ليجيب عن رسائل مشاكسة (عن موقفه
كشاعر يهودي) ليلتصق بأصدقاء
ويتقرّب إلى فلاسفة
(عمانوئيل ليفينس). لم أعرف، بالطبع،
أن مصالحته آنذاك مع العالم لم تكن إلا
مصالحة مع الموت.

 

لست
لست مستعدّا حتّى الآن لأي تنازلات.
لا بالنسبة لتعريفاتي للشعر.
ولا بالنسبة لتعريفاتي للصداقة.
ولدت لأكون مع نفسي وليس منعزلا.

 

بما تشعر اليد

بما تشعر اليد
بعد كتابة القصيدهْ.
كهرباء باقيهْ
تندمج بدائرة مغلقهْ
إلى كهرباء جسدكَ.
برق في الجبالْ
يرسم حدود القمهْ.

 

سياج

كافّة خفايا القصيدة
تكمن في الحكاية وراء القصيدة.
تبني سورا من الكلمات
سياجا للآخرين
سياجا لنفسك.
من ديوان "طحّان الحجر" 1981

 

 

يعقوب بيسر (ولد 1937)

 
من فم إلى فم
نخرج ونعود
يصادف كلّ منا الآخر
في باب المنزل وكأننا
في أقاصي الأرض
نتوقف ونمشي
والظلام بيننا - أنا وهي -
جامد
وكأننا
كالعميان
ننقل جليدا أسود
من فم إلى فم

 
سطح

نشاهد بحرا
تلوح نخلتان
رويدا رويدا من بين الأمواج، النخلة الثالثة،
هكذا يبدو، تختبئ
في الخلفية. إنها خجلة
بعض الشيء

 
تمدّ يدها
لتلامس الأزرق
من ديوان "حتى لو لم" 1979

 

آغي مِشعول (ولدت ‮7491

 
التجلّي
في الصباح الباكر
رأيت ملاكا ورديا ملصقا بمشبكٍ
على حبل الغسيل
وقطّا صغيرا أسود
تحته
يحاول التشبّث
بأكمامه
من ديوان "المرج الداخلي" 1995

 

يتسحاق لاؤور / ولد 1948 

ارتداد

داخل الحزمة الضوئية
التي يلقيها المصباح أحاول أن أكتب قصيدة.
لا أستطيع أن أفكّر عن أي شخص
أكتب له ولكنّي أريد أن أكتب قصيدة
كالعطش المزعج داخل الزنزانة تزعجني هذه القصيدة

 
قصد ديني من غير وجود الإله: "أنا"
السجين العطشان أناشد بدقّات مؤلمة
على الحائط "أنا" السجّان المعذِّب: لا
تخشَ، يا حبيبي، لا تخشَ من القصيدة 

 

Ars Poetica

أن أتذكّر النهر
المتلّوي بعد الجسر،
المياه المعدنية العنيفة.
ليس أفعىً عظيما، ليس حوتا.
"مثل شفرة محراث جبّارة"
من ديوان "قصائد في وادي الحديد" 1990



 
قصد
أريد أن أكتب قصائد لقرّاء منعدمي الآباء والأمّهات
لأنهم يفهمون وحدهم ما لا يحكون
لأحد. من له أب وأمّ يذهَل أحيانا
من فكرة، من هذيان، حتّى في وسط الشارع
في الطريق إلى المقهى، أو إلى المكتب، مستعجلا، يتوقّف، يعود
يُتلفن، قد يزور أحدا، ليس لغرض إلا مجرّد الحكي، الحديث.
ولكن من ليس له أب وأمّ يفهم الغرف
الخالية، الكتب المغبرة (القصائد
المكبوتة). يمشي قرب موته (عميقا داخل الجسد
لمسة ليّنة تقوده) من غير الحديث، أو التوقّف، أو
العودة، أو استعمال التلفون، أو القيام بأي زيارة، أو الكلام
من ديوان "ليلة في فندق أجنبي" 1990

 

 

 
روني سوميك/ ولد ‮في يغداد 1591

 
Bloody Mary
والشعر فتاة تعاشر المجرمين
في المقعد الخلفي لسيّارة أمريكية.
عيناها مضغوطتان كالزند ومسدّس شعرها يطلق
طلقات شقراء تنسدل على عنقها.
ولنسمها Mary، Bloody Mary،
والكلمات تُعتصر من فمها كعصير حبّة طماطم
شُوّهت ملامحها
على صحن السلطة.
وهي تعلم أن علم النحو والصرف هو شرطة اللغة
وهوائي القرط على أذنها
بلاحظ من بعيد صفير الإنذار.
والمقود ينحرف بالسيّارة من علامة الاستفهام
نحو النقطة
وهي تفتح الباب
وتقف على الطريق كاستعارة لكلمة
عاهرة.

 
مرثية حصان ميّت في مخيم صبرا
حتّى جثّته أجمل من آخر طراز سيارة "شيفروليت".
إذ كان بوسعه أن يجري بالبوق الملكي،
أو يُربط بالمحراث
أو يقف عن غير قصد على رجليه الخلفيّتين ليصبح للحظة "لونا-بارك".
من "أسفلت" 1984



شهوة
في علبة الثقاب التي نسمّيها شهوة
يحكّون رأسا برأس
علما بأن النار هي قاطرة تلهث
في قطار الشبق.

 

 
كيس الحلويات الإلهي
جسدها هو كيس الحلويات الإلهي.
في ساحات القتال على أرض بطنها
أنا جندي من الشوكولاتا.

 

 
قصيدة لطفلة وُلدت قبل أيام
 
حينما وُلدتِ دفّأ عمّال السعادة
كفوفهم أمام النار التي أُشعلت
بعود ثقاب حياتكِ.
وعندما يخيّم الليل يُمغنطني حفيفُ تنفّسك
كوميض فنار يرشد ملاّحا كادت تبتلعه
أنياب البحر.

 
سجادة صينية
كان اسم الرجل Ping
واسم المرأة Pong
وفي الفجوة بين جسده وجسدها نُفِض الحب كسجادة.
خيوط السدى في عورتها تلتفّ
في خيوط اللحمة التي تنسج تنينا ذهبيا
بين فحذيه.
من ديوان Bloody Mary الصادر عام 1994

 
Time-Out
ملعب كرة السلّة بالقرب من دار سينما "أورلي"
ما زال يحتفظ بتلميع "البريلتين" في الشعر.
من أحذية "همچفر" الرياضية انطلقت الإقلاعات،
كان الخيّاطون يخيطون ملابس رياضية للنفس
وطولي الذي بلغ آنذاك مترا وسبعة وثمانين سنتمترا كان يكفيني
لتحسين كلمة "قفزة".
من فضلكم لا تُخطؤوا: لست إلاّ جنديا فارّا من جيش الذكريات.
لقد تمكنّت حتّى في تلك الفترة أن أرى كيف تحت فستان الإسمنت
يفقد شارع الملك جورج بكارته،
كيف لم تكن أبدا أيدي راكبي الدرّاجات النارية المارّين إلى جانبنا مغطّاة بقفازات
وكيف من أجل السرعة الحقيقية تنازلوا حتى عن الدرّاجة النارية.

 

 
صورة شمسية
لا يهمّني إذا قدمت إلى هنا من المكان الذي مرّت فيه الجنّة.
لم يتكلم والدي أبدا عن دجلة وفرات أو عن العضلات
التي مرّت في ذراعيه المنحنيتين، ولكن من خلال الصور أطلّت الجبال السرمدية
وزهرات "الجلاديوله" التذكارية التي علّقها الضباط الإنكليز في ساحة بيتهم.
عندما كنت في الثالثة، في »رمال بات-يام«، ابيضّت الدنيا من ملابس الغسيل التي نشرتها في الرياح أيدي النساء المجتهدات،
كان بن-غوريون يخطب في كل حملة انتخابية
وموريس شيفاليه بقبعته البيضاء تحيطه فتيات على لوحات الإعلانات
في واجهة السينما.
قد يكون هذا سبب هيامي بمارلين مونرو حين لمستُ
جسد شابّة أمريكية جاءت للعمل فترة صيفية أخرى في مخيم "هكفار هايروك".
غمغمت بالإنكليزية أمام جياد "رمات هشارون" وبين يدي القلادة الذهبية
التي زيّنت رقبتها منذ مجيئها من شوارع "نيويورك".
من الكلمات المكسّرة سُجل الاعتراف بالتهمة
من الكلمات المكسّرة خُلقت ساقا "ش" والتنانير القصيرة
المعلّقة في شارع الملك سليمان كلافتات دعائية على
اللحوم النسائية.
من ديوان "أسفلت" 1984

 

 
منديل مطرّز. أغنية عن أمّ كلثوم

كان لها فستان سهرة أسود
ومطارق صوتها دقّت مسامير فولاذية
في المنكب الذي اتّكأ على طاولة المقهى
في ساحة "ستروما".
"عوّدت عينيّ على رؤياك
وإن مرّ يوم من غير لقياك
ما ينحسبش من عمري".
جئت ومحوت بإسفنجة نسرا عظيما رُسم بطبشورة
على قطعة غيمة.
تحت جناحيه رفرف منديل مطرّز
ربطه بعد سنوات بعروة بنطلونه
طبّاخ المعسكر في "بيئر أورا".
سألته إذا أمكن أخذ عدّة حبّات برتقال
وفي المسجّل اسودّ من جديد فستانها.
أغمض عينيه على بخار الغداء وقشّر حبّات البطاطا.
مَن المغنية، حاولت أن أسأله، أمّ كلثوم؟
هزّ رأسه.
عندئذ كنت أستطيع أن أنهب كل محتويات المطبخ.
من ديوان "فهد" 1989  

 

 

 
شفرة الحلاقة التي مَزّقت للشِعر وجه الاستعارة
إلى عبد القادر الجنابي

هو الشَعرة الأخيرة في تجعيدة شوارب "سلفادور دالي"
هو الرصاصة الطائشة في بندقية "وينتشتر" المقصوصة المأسورة في يدي "جون وين"
هو شفرة الحلاقة التي مزّقت للشِعر وجه الاستعارة.
هو التمرة التي حلّت أشجار الجنة على ضفاف دجلة والفرات.
فماذا إذًا كان لنا يا عبد القادر الجنابي؟ هكذا أتساءل
في الطابق الخامس، في شارع "نوليه" المتاخم لحيّ "كليشي" في باريس.
إلى أين تعدو هذه الليلة أحصنة ألف ليلة وليلة؟
(ما أكثر الليل الذي غمرني في سطر واحد
وما أشدّ الحبّ الذي غمر عيني زوجته منى،
حين لمّعت إصبعه إطار الرسم
حيث حاول أن يحنّ إلى فيلم رعاة بقر حياته
في شوارع بغداد).
وفي الغرفة الثانية، انفتحت للحظة ثلاّجة الوعي
ومكعّب جليدي أبحر كقارب على سطح المياة التي ذابت من قاع جسده.
من ديوان "طبّال الثورة" 2001 


 

جنة الرزّ

كانت جدتي تحرّم عليّ إبقاء فضلات الرزّ في الصحن.
وبدلا من أن تحدّثني عن الجوع في الهند وعن الأطفال
المنفوخي البطن، الفاغري الأفواه لابتلاع كل ذرّة،
جمعت بصرير حركات شوكتها جميع الفضلات
في وسط الصحن وبعينين شبه-دامعتين
روت كيف سيصعد الرزّ غير المأكول إلى السماء
ليشكو إلى الله.
والآن، وهي لم تعد بين الأحياء، أتخيّل فرحة اللقاء
بين أسنانها الاصطناعية وبين حرس السيف المسلول على بوّابة
جنّة الرزّ.
سجادة الرزّ الحمراء ستُفرش تحت رجليها
وشمس من الرزّ الأصفر ستضرب على
بياض أجساد حور العين في الجنّة.
أما جدّتي فستدهن جلودهنّ بالزيت وتضعهنّ
واحدة تلو الأخرى في الطناجر الكونية في المطبخ الإلهي.
يا جدّة (هكذا أريد أن أقول لها) الرزّ ما هو إلا صدفة تكوّرت
وأنت انطلقت مثلها
من بحر حياتي.
من ديوان "جنة الرزّ" 1996


 

 
أمير أور (ولد ‮٦٥٩١‬)

Blow Job
في البدء كان الشوق، هكذا يقولون.
ولكن بعد ذلك كان الشوق أشدّ التهابا.
الشفتان اللتان التصقتا بهذا القضيب،
تمتصّان الآن، عمياوين من شدّة المتعة،
"ديلدو" حيّ، صلب جدّ ناعظ،
كلّما أوغل إلى الأعمق، كلّما كان حقيقيا، كلّما
أوغل وأوغل،
كلّما كان أعمق.
وبعد ذلك كان أيضا أزرق. اليد
التي رُبِطت بين الساقين بالجورب الأسود،
الفخذان المغطّان بالجلد المنسلخ (مدبوغا ومدهونا)
السوط في الردفين
كل ذلك لن يبقي
إلا
شكّا.
وخاصة الضغط. تموّجات الابتلاع
القسرية، تأخذ أوّلا موتا أصغر، قبل أن
لا تطلب شيئا إلاّ المزيد،
لا شيء إلاّ المزيد،
إلاّ الأعمق:
من أجل تسخين الإكليل الأزرق.
من أجل الضغط على الزند.
من ديوان "هكذا" 1995

 

أردت أن أقول "ألم"

أردت أن أقول لكِ "ألم" -
وجدت نسيانا؛
أردت أن أحكي ظمأ،
قلت مطرا، تكلّمت ينبوعا؛
أردت أن أقول حبّا - ضاعت كلماتي -
فالحبّ من طينة الموت.
من ديوان "وجه" 1991

 
مضلوع

هأنذا آدم، في حزن
النهار أنجبتُكِ، حوّاء.
تنادي لحمي ذاتي
إليكِ
شوقي،
ابنتي.
من ديوان "افتداء الميّت" 1994

 
ثعبان

أنا ثعبان شوق يتلوّى في لحمكِ،
ينعظ منتصبا بين ثدييك، يعضّ في رحمكِ
ويطغي على سواحلك بحرا لاعقا،
يرتفع ويخفق زبدا ويتكسّر في دمكِ.
من ديوان "وجه" 1991

 
إذهب

إذهب من أرضك، يا إلهي.
إذهب، تعال إليّ،
امشي على جسدي بشفتيك.
تعال أسودَ، تعال ليلا،
المسني، المس جسدي بأكمله
لا تبخل عليّ.
اخلق فيّ علامات، أعطني
إرثا أبديا، ذريّة لا تحصى،
أكثر كراماتك، يا إلهي،
لأنني سأعطيك إيّاها
جرادا
هدية.
إذهب من جسدك ، يا إلهي،
إذهب، تعال إليّ،
أصب قلبي بأسنانك الملساء.
المس وجهي، المس عينيّ،
أهلكني كاملا، لا تبق شيئا.
اجعلني أبكي إلى حدّ أظافيري، اجعلني
إلى حدّ الإنسان، إلى أن أكون بأكملي
أمامك
هالكا.
إذهب من وجهك ، يا إلهي،
إذهب ماشيا على طولي وعرضي
وامش عليّ أفقيا
إنني
أحترق أمامك، لا أستطيع أن أتحمل بعد الآن.
ها هي نفسي
لا شيء إلا لمسة من الوجه من أجل عدمك
ها هو
عدمي.
من ديوان "وجه" 1991

 

 
نزهة

من شفتيكَ اللاعقة، المغلّفة
تزحلقت على منحدر عنقكَ الأملس.
حول علامتي حلمتيكَ المتغطرستين
تنزّهت بكفّتي شفتيّ
في أزقّة جسدكَ الأسمر.
وقبل أن أدخل أراضي الأنتيبود*
توقفت على فخذي الطريق لأسجد
لرجولتك الطالعة من الغابة.
عندئذ، بين التلال، في غياهب المغارة الرائعة،
صليت صارخا،
تفوّهت أصواتا، رأيت الآلهة.
* الأنتيبود(antipodes) - سكان الأجزاء الواقعة على الجهة المقابلة من الكرة الأرضية
من ديوان "وجه" 1991

 
المنيّ يتذكّر

المنيّ يتذكّر الزهرة التي ازدهرت؛
المنيّ يتذكّر الزهرة التي ستزدهر.
من ديوان "وجه" 1991

 
تعال
تعال نمارس الحب، ليس الواقع.
لا قوّة لدي بعد الآن كي أموت
وأموت.
فهذا الشذاذ، شذاذي وشذاذكَ
أقل خطرا (هذا، على الأقلّ،
رأيي جدّ الشخصي)
كلاّ لا تتجرّأ
لا تحاول حتّى
أن تتفهمني.
على العكس،
عاملني وكأنني عدوّ،
تجسّس ورائي بخطوات مختلسة،
اكترث.
سجّل عندك جيّدا
مواقع جميع نقاط الحراسة،
والمداخل السرّية،
والمتعاونين،
والقتلة المرتزقة -
باختصار،
استعدّ قدر الممكن
إذ بعد ذلك
سيتخذ القرار -
عندئذ لن يكون واضحا تماما
من هو العميل المزدوج وما هو سبب القتل
ومن
مزّق
لوحة اللعبة.
كذلك لن يكون واضحا
من أعدّ
التقرير الآنف الذكر. نقطة.
إقرأ من جديد. إقرأ بين الأسطر.
أخفِ من جديد بالشفرة. أهلك جميع الأدلّة.
مستعدّ؟
إذا، تعال،
فلنمارس الحبّ.
من ديوان "وجه" 1991

 

قالت اسمكَ (Hieros Gamos)
قالت: لا أريد أن أعرف اسمكَ
وإنما على لحمك أركب متشوّقة
حين يُضاء ليل الحقول بالمشاعل.
في ليل الزرع المقدّس، على مسمع القصائد الحماسية،
أعبر أمواج الرجال على بطن الأرض؛
"هاي هاي« أصهل، بأغنية الصرخات النسائية،
بأغنية أخوّة الحصان المقدسة.
ولكنه يئنّ عند قذف المنيّ تحتها،
يرتعد، يعانق حاصرتها
وجهه إليها، طاغيا محاجره؛

 
قالت: "اسمكَ...."
- أجابها سكران -
"...لا يعنيني..."
هكذا حكت الأمّ،
هكذا تعلّمت من خلال الأغنية:
"لا يعني الأرض
اسم غيمة عابرة
حين تُمطر تخصب
ثم تزيلها الرياح..."
من ديوان "وجه" 1991

 
إكاروس

صرير العجلات في منعطفات الطريق
أنعظه إلى حدّ الألم.
بصق من الشبّاك وحدّق عبر المرآة الجانبية
بالبصقة التي تطير في الهواء.
فصل ساقيه، إصبع الله. بات
الطريق تحته معبّدا
كالسباغيتي الأملس الممصوص في غمضة عين
من زاوية الفم. تاه لسانه
عل خطوط الشفتين.
أدخل يدا واحدة في بنطلونه.
ثم أدخل
اليد الثانية.
من ديوان "هكذا!" 1995

 

الأمواج تلعق

الأمواج تلعق رسغيكِ،
وأنت تحلّين ضفيرتك ولباس الساري الرقيق.
شلالات شعرك على دائرتي ثدييك -
رمح رقيق يقطع لحمي
ينفصل إلى الحصلات السوداء الثلاث.
يتموّج مثل القطّ، ينتحب مرنا،
تنفخ الرياح في تجعّدات عورتك؛
تشتاق الشمس إلى ملامسة جلدك،
والرمال تتسلّق على ساقيك.
أصابع مزبدة ما زالت مرسلة في أعقابك
حين مثل احمرار الغروب المتلاشي
في هواء البحر المالح
لم يبق إلا ذيل
رائحتك.
من ديوان "وجه" 1991


 
بيرة

قال: ليس للقتل المثالي أسباب،
القتل المثالي يحتاج لهدف مثالي،
كما كان في ذلك الوقت، في "أوشفيتس".
ليس المحارق، بالطبع، ولكن ما
كان بعد ذلك، ما بعد الدوام، هكذا قال،
ثمّ أخلد للصمت
يحدّق في الثمالة
ويشرب.
القتل المثالي هو حبّ، هكذا قال.
القتل المثالي لا يتطلّب شيئا مثاليا،
ما عدا أن تعطي
قدر المستطاع.
حتى في ذكرى القبضة، لا تزال الحياة
سرمديّة. حتى العويل الذي هزّ اليد،
حتى البول الذي سال كالنعمة على اللحم البارد،
حتى العقب الذي أيقظ إلى ما لانهاية،
حتى الهدوء،
قال،
يحدّق في الثمالة.
صحيح، العمل الصالح
ينفّس حقّ تنفيس، ولكن
القتل المثالي لا يضيّع
ولو قطرة واحدة.
مثل شفتي طفل، قال،
كرمال وثمالة،
مثل ما
تسمع،
تشرب وتسمع.
القصيدة من ديوان "هكذا" 1995

 

 
أبي ألياس

 
في البدء الكلمات

في البدء تتوجّه الكلمات إلى المخّ
والعاطفة المفصح عنها تحوي فطنة
كعدد سنّ الإنسان.
وخلايا فكرية تتشابك مع
الأعصاب والأوتار العقلية
كالتلفون.
من ديوان "قمة الحلم" 1993

 

 
روبي شونبرغر

 
الشحرور

في الركن البعيد من
ساحة البيت،
متكئة على عمود الكهرباء،
كومة الأغصان الساقطهْ،
عطريّهْ
كالغابة، هادئهْ
خشبة مسرح
للشحرور.
القصيدة ألقيت في مهرجان الشعراء الدولي في القدس في مارس-أبريل ‮7991

 
رافي فايخرت 1964 

 
تأمّلات على قبر شاعر

في الحجر الرخاميّ نُحتت كلمات
معدودات، أسطر من شعرك.
من حقّ الشعراء القديم
أن يُرثى لهم بكلمات من شعرهم.
عصفور فوق شاهد القبر لا يزال
يشدو، يعشّش في مدينة الموت الواسعة.
كل واحد في هذه الحياة العقليّة المنعدمة الضمير
يستمرّ في السير الوحيد الذي
يعرفه، يمحو بطريقته
التلاشي الطارق على الأبواب.
كلّ شيء يكتسب قيمته
الضئيلة من إلغاء نقيضه.
هكذا يكفّ الحبّ
عن أن يكون عَرَضا
والشعر أن يكون صمتا ذليلا غيرَ محتجّ.
القصيدة نشرت في الملحق الأدبي لصحيفة »معاريب« في ‮٩‬ أبريل 1990‬.

 

 
ألا بات- تصيون (ولدت 1945‬)

 
ما الشعر إلا علاج تحليلي-نفسي
- لا بدّ لشعري أن يكون أبديا
شعري يستكملني ويجعلني شهيرة
الشعر يعلن عن وجودي
الشعر يشفيني أيضا
الشعر يجعلني أكثر تعقيدا ويشوّش دربي
الشعر مكان لأعود إليه
الشعر طاقة عقليّة
الشعر تنفيس
الشعر حدود، ومكان للحياة الحرّة
الشعر بستان للكلمات وغابة للرموز
الشعر شوق، هاجس مستحوذ
الشعر نهر هادئ، خمار حلم
يغطّي الظاهر، والنور، واليوميّ
الشعر لعنة وبركة
لعنة لأنّك تعتقد بأنّك فريد وأنت حقّا فريد
الشعر مذهب دينيّ ونوع من الصلاة
أستطيع أن أخاطبك أو أخاطبها أو أخاطب نفسي
ولكن لا أناجي فعلا إلا الله
من ديوان"كتاب الأشعار" 7991

 

 
ريكي دسكل

 
قد تكون هذه القصيدة غزلية

في شخص امرأة
ظهرتَ في باب منزلي
حين استضفتُ
صديقتي الحميمة الغريبة
ومع أنني أمسكت بيدي السكين
أو ربّما كانت تلك الخشبة التي
قطّعت عليها حبّة الطماطم إلى شرائح،
عانقتك مع كل الرقّة التي امتلكتُ،
لم أكن جميلة
عندئذ
ولا عاقلهْ
ولا شابّهْ
ولا كبيرهْ
ولكن كنتُكَ أنتَ
وملامح جسدك مزجت في جسدي
كما يمزج نسغ الغصن اللبنيّ
بماء مزهريتي الزجاجيّة.
نشرت في الملحق الأدبي لصحيفة :هآرتس" في ‮٩١‬ سبتمبر 1997


 
 للمراسلة بالعربية استعمل الايميل التالي:

في