لا فائدة ترجى من ورقة رسمية دون الختم السحري يمهرها فوق الطوابع المالية المتعددة الأشكال والألوان والأسعارملصقة عليها. إشترى ذلك اليوم ثلاثة طوابع منها وألصقها على صور لشهادات ثلاث ومضى نحو مكتب المدير العتيد يمهرها بختمه المبارك.
الرؤوس لم تكن كثيرة هذه المرة فلم يضطر لإزاحة بعضها عنوة أو التنصل من بينها والإنسلال قدما، أو حتى المرور عبرها من خلال الموظفين المتبرعين لتمكينه من الوصول سريعا لقاء عدة quot;طوابعquot;. يصل المكتب ويحصل على الختم ويمضي بعدها نحو الدائرة المطلوبة في العاصمة.
الباص الوحيد كان فارغا إلاّ من فتاتين لم يكلّ لسانهما عن الكلام الكثير والكثير والممتد أبد الدهر. وكان هنالك بالإضافة إليهما جندي بكامل عتاده الحربي ومؤونته يجلس خلف السائق ويلعن حتما البلد المشلول الأشغال الذي يجبره على التطوع في السلك العسكري متحملا الإجازات القصيرة والبعد عن المنزل والطريق الطويلة وأوامر الضباط.
يتقدم الباص مئات الأمتار فيبدأ باستيعاب كميات وافرة من اللاجئين الفارين من الزحمة والشمس الحارقة منتصف أيار. النسمة باتت وحدة قياس الركاب داخل الباص الذي بات يعدّ أكثر من 40 نسمة منهم بين جالس وواقف على قدميه ينتظر الفرج إن عبر نزول أحد الجالسين أو تكرّم أحدهم بالوقوف لأجله وغالبا لأجلها وهو ما حصل فعلا مما غير في هيكلية البنى التحتية والفوقية على مستوى الركاب.
هو بقي مكانه في الوضع عينه؛ يراقب تلك العجوز السمينة وهي تقع قربه، وينظر إلى ذلك الرجل الذي أطبق الباب على يده فجعل يصرخ ملء فمه علّ السائق يسمعه، وتلك الفتاة التي تقف جوار الباب فلما فتح بمواجهتها تماما كاد يحطم وجهها، وذلك الشاب الذي تتسرب روائح الأطعمة من بين حاجياته وتختلط بشكل مزعج في الأجواء.
وبينما هو كذلك مرت في ذهنه فكرة جعلت البسمة تتسرب لا شعوريا إلى شفتيه. لقد تيقن فعلا بعد ملاحظة كاملة للمكان، ورؤية لذلك العجوز الواقف يدير رأسه ناحيته وينظر نظرة حادة كل قليل بينما يتحدث مع السائق بكلمات لم يسمع منها شيئا، أنّه محطّ أنظار.. لا بل أكثر من ذلك أيضا فقد أدرك أنه محسود!!
ما تلك الفكرة المريبة وذلك الشعور الغريب يظللها!؟ عمره قد تجاوز الثلاثين بقليل والفشل يلاحقه في حياته وأفعاله أينما حلّ وارتحل على مدار الأزمنة. في جيبه لا يتعدى الرصيد حاجز quot;الطوابعquot; العشرة تتناقص مع كل ركوب لباص وعلبة سجائر يبتاعها. يشهد على ذلك الفشل والإفلاس التام حذاؤه الذي ينتعله منذ عام ونصف جعلت المسكين المتشقق جلدا يستغيث طالبا منه الرحمة والخلاص أن quot;ارمني وريّحنيquot;.
صار العجوز يتحدث مع السائق وينظر إليه فجأة ليرى مدى تأثير كلامه في أخلاقه المفترضة. وكلما نظر العجوز إلى السائق ركز صاحبنا المحسود نظره عليه، وكلما نظر العجوز إليه أشاح بنظره نحو النافذة بحركة بطيئة أكدت كل مرة له أنه كان ينظر إليه، ما جعل العجوز يتطاير شررا ويزيد في الكلام غير المفهوم أو المسموع حتى.
تكدست الرؤوس فوق بعضها وازداد الزحام في الشارع وكذلك الحرّ داخل الباص. بدأ التململ والتأفف يظهر جليا على الوجوه والأصوات ولم يبق من جالس في الباص سواه أي شخص ممن هو دون الخمسين عاما.
مكابح مفاجئة قاسية وشتيمة من السائق لأحد ما في الشارع ووقوع لصبي مع أمه في المقدمة... لتتبع ذلك نظرة قاسية مثلت حقدا واشمئزازا منه من قبل جميع الموجودين جالسين وواقفين بمختلف مذاهبهم وأعمارهم وأجناسهم وجنسياتهم. نظرة مثلت حسا جماعيا مشتركا قلّ مثيله سوى في الأزمات وهو أزمة كذلك بالنسبة لهم.
باص صغير بركاب كثيرون وحر وزحام... وحقد حققوا له حلمه الذي لطالما تمناه في أن يصبح محط أنظار شريحة من البشر.
يصل الباص محطته الأخيرة. يغادره سريعا ليخلع القبعة عن رأسه ويوسّعها قليلا. من الطبيعي أن يكبر رأسه.
عصام سحمراني
rlm;http://essam.maktoobblog.com/




التعليقات